سيرة فاطمة بنت الضحاك
بن سفيان الكلابية «٦» .
ذكرها أبو عمر، فقال: قال ابن إسحاق: تزوّجها رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم بعد وفاة ابنته زينب، وخيّرها حين أنزلت آية التخيير، فاختارت فاختارت الدنيا، ففارقها،
(١) أسد الغابة ت (٧١٨٤) .
(٢) أسد الغابة ت (٧١٨٥) .
(٣) في أ: ينادي أن أدوا.
(٤) أسد الغابة ت (٧١٨٦) ، الاستيعاب ت (٣٥٠٦) .
(٥) في أ: رقبة بن محرم.
(٦) أسد الغابة ت (٧١٨٧) ، الاستيعاب ت (٣٥٠٧) .
فكانت بعد ذلك تلتقط البعر وتقول: أنا الشّقيّة، اخترت الدنيا.
قال أبو عمر: هذا عندنا غير صحيح، لأن ابن شهاب يروي عن أبي سلمة وعروة عن عائشة- أن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم حين خيّر أزواجه بدأ بها، فاختارت اللَّه ورسوله، قال: وتتابع أزواج رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم كلهن على ذلك.
وقال قتادة، وعكرمة: كان عنده حين خيرهن تسع نسوة، وهن اللاتي توفّي عنهن، وكذا قال جماعة: إن التي كانت تقول أنا الشقية هي التي استعاذت، واختلف في المستعيذة اختلافا كثيرا، ولا يصحّ فيها شيء،
وقد قيل: إن الضحاك بن سفيان عرض عليه ابنته فاطمة، وقال: إنها لم تصدع قط، فقال: «لا حاجة لي بها» ،
وقد قيل: إنه تزوّجها سنة ثمان. انتهى كلام ابن عبد البرّ.
ويحتاج كلامه إلى شرح، وعليه في بعضه مؤاخذات: أما حديث ابن شهاب بما ذكر فهو في الصحيح.
[لكن آخره: وأبي سائر ... وأما قول قتادة فأخرجه ... وأما قول عكرمة فأخرجه ... وأما قوله: وهن اللاتي توفّي عنهن، ففيه نظر، لأن آية التخيير كانت ...
وتزوج بعد ذلك ... ] «١» .
وأما الّذي قال: إن التي كانت تقول أنا الشقية هي المستعيذة فهو قول حكاه الواقديّ، عن ابن مناح، قال: استعاذت من رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم، وهذا لا يبطل قول ابن إسحاق إن الكلابية اختارت، وكانت تقول: أنا الشقية، لأنّ الجمع ممكن.
وأما قوله: اختلف في المستعيذة اختلافا كثيرا فهو حقّ، فقال ابن سعد: اختلف علينا في الكلابية، اختلف علينا في اسمها، فقيل فاطمة بنت الضحاك بن سفيان، وقيل عمرة بنت يزيد بن عبيد، وقيل سنا بنت سفيان بن عوف، ثم قيل هي واحدة اختلف في اسمها، وقيل ثلاث، ثم أسند عن الواقديّ عن ابن أخي الزهري، عن الزهري، قال: هي فاطمة بنت الضحاك دخل عليها فاستعاذت منه، فطلّقها فكانت تلقط البعر، وتقول: أنا الشقية.
وأسنده بالسند المذكور، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: تزوّج رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وعلى وآله وسلّم الكلابية، فلما دخلت عليه فدنا منها قالت: أعوذ باللَّه منك.
فقال: «لقد عذت بعظيم، الحقي بأهلك» .
ومن طريق عبد الواحد بن أبي عون، عن أم منّاح- بتشديد النون وبالمهملة- قالت:
(١) ما بين المعقوفين هكذا في الأصل، وكذا في هامش هـ.
كانت التي استعاذت قد ولهت وذهب عقلها، وكانت تقول: إذا استأذنت على أمهات المؤمنين: أنا الشقية، وتقول: إنّما خدعت.
ومن طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: كان دخل بها، ولكنه لما خير نساءه اختارت قومها، ففارقها، فكانت تلقط البعر، وتقول: أنا الشقية.
وقيل: إن المستعيذة سنا بنت النعمان بن أبي الجون، أسنده ابن سعد عن الواقديّ، عن محمد بن يعقوب بن عتبة، عن عبد الواحد بن أبي عون. وقيل أسماء بنت النعمان بن أبي الجون، أسنده عن الواقدي، عن عمرو بن صالح، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن هشام بن الكلبي، عن أبيه، عن أبي صالح، عن ابن عباس. ومن طريق أبي أسيد الساعدي كالقصة التي في الصحيح، وفي آخرها: فكانت تقول: أدعوني الشقية.
ومن وجه آخر، عن أبي أسيد- أن المستعيذة توفيت في خلافة عثمان.
وأما قوله: ولا يصح منها شيء فعجيب، فقد ثبتت قصتها في الصحيح من حديث أبي أسيد الساعدي، إلا أن كان مراده بنفي الصحة الجزم بالكلابية دون غيرها، فهو ممكن على بعده.
وأما قوله: إن الضحاك بن سفيان، عرض عليه ابنته، وقال: إنها لم تصدع- فأخرجه في الصحيح.
وأما قوله: وقد قيل إنه تزوجها سنة ثمان، فالظاهر أن الضمير لصاحبة الترجمة، ومقتضاه أنه تقدم قول يخالفه، ولم يتقدم إلا قوله في أول الترجمة إنه تزوجها بعد وفاة ابنته زينب.
وقد أسند ابن سعد، عن الواقديّ، عن إبراهيم بن وثيمة، عن أبي وجزة، قال: تزوّج النبي صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم الكلابية في ذي العقدة سنة ثمان منصرفة من الجعرانة، وعن إسماعيل بن مصعب، عن شيخ من رهطها- أنها توفيت سنة ستين.
(١) كل ذلك ذكره أبو عمر في الاستيعاب: ٤/ ١٩٨٩ - ١٩٠٠. هذا وانظر أحاديث التخيير في تفسير ابن كثير عند الآية الثامنة والعشرين والتاسعة والعشرين من سورة الأحزاب، فقد خرجناها هنالك: ٦/ ٤٠١ - ٤٠٤.
(٢) الاستيعاب: ٤/ ١٩٠٠.