هو طلب الحق -كما قلتَ في آخر سؤالك- "أرجو جواباً مقنعاً يرضي الله" ، فإن الإنسان إذا كان يبحث عن الحق فسيوفق له بإذن الله، أما إذا كان يسأل من أجل المماراة، أو ترسيخ قناعةٍ سابقة، ولو ظهر له -بالأدلة العلمية- أنها غير صحيحة، أو مجانبة للصواب، فقد يعاقب بحرمان التوفيق للحق، قال تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً" أي فرقاناً تفرقون به بين الحق والباطل، رزقني الله وإياك هذا بمنه وكرمه. أعود إلى المهم، وهو

الإسلام > فتاوى > علم > هو طلب الحق -كما قلتَ في آخر سؤالك- "أرجو جواباً مقنعاً يرضي الله" ،…

آخر تحديث 13 يونيو 2026 - 03:50

جواب الفتوى عن «هو طلب الحق -كما قلتَ في آخر سؤالك- "أرجو جواباً م…»

على الإشكال،
وسألخصه في النقاط التالية -حسب إيراد الأخ السائل- سائلاً الله التوفيق للصواب:

أولاً: كان جوابي -بورك فيك- يتعلق بالتقعيد للمسألة من ناحية حديثية وأصولية،
بغض النظر عن الصحابي الذي اجتهد،
هل هو أبو بكر،
أو عمر،
أو عثمان،
أو علي،
فضلاً عن بقية الصحابة -رضي الله عنهم أجمعين- فلا أدري لماذا حشر السائل قضية القتال بين الصحابة في هذه المسألة؟

ولا أدري -أيضاً- لماذا حشر حربَ الإمام السيد الكبير عليّ بن أبي طالب -رضي الله عنه- للخوارج،
مع القتال الذي وقع بينه وبين معاوية وعائشة -رضي الله عن الجميع-؟

فقتال الخوارج كان قتالاً شرعياً لا إشكال فيه عند أهل العلم قاطبة،
ولا يترددون أن الحق فيه كان مع علي -رضي الله عنه- وقتال الخوارج من أفضل القربات التي نال عليٌ -رضي الله عنه- شرفها.

أما قتال الفتنة -الذي وقع بين الصحابة -رضي الله عنهم- فكلام أهل العلم فيه طويل جداً،
والذي تدل عليه الأدلة -وهو قول جمهور السلف- أن علياً كان أولى بالحق من معاوية -رضي الله عنهما- كما ثبت في الصحيحين -في شأن ذي الثدية الخارجي-: "تقتله أولى الطائفيتن بالحق" ،
وليس هذا مجال بسط الأدلة في ذلك.

إلا أن الذي يجب أن يُعْلم هنا،
أن ذلك لا يبيح وصف أحدٍ من الطرفين بالفسق،
فضلاً عن التكفير -والعياذ بالله- فإنهم مجتهدون،
وراغبون في الوصول إلى الحق -رضي الله عنهم- بغض النظر عن المصيب منهم في هذه القضية-،
وقد ثبت في الصحيحين من حديث عمرو بن العاص -رضي الله عنه- أنه قال: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران،
وإذا حكم فأخطأ فله أجرٌ واحد" ،
ولا يختلف أهل العلم أن كبار الصحابة الذين شاركوا في القتال هم من المجتهدين،
وليس كل مجتهدٍ مصيب.

ثانياً: من حيث العموم -وبعيداً عن قضية الاقتتال بين الصحابة- فقد أثبت الله تعالى الإيمان بين المقتتلين،
فقال تعالى: "وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ...
الآية) ،
[الحجرات:٩] ،
فتأمل قوله: " وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا " فسماهم مؤمنين مع سل السيوف،
وإزهاق النفوس!
وهذا الحكم يشمل المؤمنين إلى قيام الساعة،
وإذا كان هذا الحكم ثابتاً،
ولو كان القتال على سبيل البغي والعدوان،
فما ظنك إذا كان القتال بتأويل واجتهاد؟!

كما أن الله -عز وجل- أثبت عقد الأخوة بين القاتل والمقتول في آية سورة البقرة،
فقال: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ...
الآية "،
[البقرة:١٧] .

فتأمل -بارك الله فيك- كيف سمّى الله القاتل أخاً؟
كلُّ ذلك حفاظاً على أصل الأخوة الإيمانية حتى وإن وجد ما ينغصها،
ويكدرها،
وهو القتل.

ثالثاً: قولك -وفقنا الله وإياك للصواب-: "فبصراحة -يا سادتنا العلماء- إن مسألة "اجتهد فأخطأ فله أجرٌ واحدٌ" لها قوانينها -إن صحت- ...

فأقول:

قد ذكرتُ لك قبل قليل -بورك فيك- أن هذا الحديث متفق على صحته،
فلا مجال للتشكيك فيه،
بل هذا الحديث من أعظم الأدلة على رحمة الله بهذه الأمة،
وبأهل العلم خصوصاً،
وهو من أعظم ما يعين على بذل العلم،
والاجتهاد في البحث،
إذْ الباحثُ لن يعدم أجراً -إذا بذل وسعه- والحمد لله على هذا.

رابعاً: قولك: " ...
لها قوانينها -إن صحت- وفي مسائل فقهية بسيطة،
لا في أطماع سياسية تقود لدماء وأحقاد،
وو ...
".

أما قولك: "لها قوانينها"،
فهذا صحيح من جهة أنه ليس كل أحدٍ له حق في الاجتهاد،
بل هذا منوط بمن يحق لهم الاجتهاد،
إما الاجتهاد المطلق،
أو الاجتهاد الجزئي -كما هو معروف عند الأصوليين-.

واسمح لي أن أسألك سؤالاً -بعد هذا-: ما دليلك على تخصيص عموم حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- بمسائل فقهية بسيطة؟!
وما حجتك في تخصيصها بمسائل الفقه؟
ثم ما ضابط البساطة فيها؟!
وهل المسائل الفقهية المتعلقة بالصلاة -مثلاً- أو بالزكاة،
أو المتعلقة بالأنكحة والحدود،
أو بغيرها من المسائل الكبرى= لا يعذر فيها المخالف؟!
وهل قال بهذا التخصيص -الذي أشرت إليه- أحدٌ من أهل العلم؟!

دعني أضرب لك مثلاً بهذه المسألة من المسائل الفقهية التي وقع فيها خلاف قديم بين الصحابة،
ومن أشهر المخالفين لجمهور الصحابة -ومن بعدهم- فيها: أمير المؤمنين علي،
وابن عباس -رضي الله عنهما- وهي عدة الحامل التي مات عنها زوجها:

فجمهور العلماء من الصحابة ومن بعدهم،
أن عدتها بوضع حملها،
بينما ذهب أمير المؤمنين علي -رضي الله عنه- وابن عباس -رضي الله عنهما- في أصح الروايتين عنه- إلى أنها تعتد بأطول الأجلين: إما الولادة،
أو انتهاء العدة،
فيا أخي: هل نؤثم علياً،
أو ابن عباس لأنهما خالفا قوله تعالى -في سورة الطلاق-: "وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ" ؟!
معاذ الله!
فلهم عذرهم وتأويلهم،
وليس هذا مقام بحث المسألة فقهياً،
إنما أردت أن أبين لك خطورة هذا التشطير للحديث،
والتخصيص له من دون دليل علمي.

وأما قولك -غفر الله لك-: " ...
لا في أطماع سياسة ...
الخ" فكم تمنيت أن يعف لسانك عن هذا الكلام،
فإن هذه تهمه خطيرة،
وهي تدخلك في متاهات لا نهاية لها،
ومحاذير كبيرة،
وورطات عظيمة،
إذ يلزم منها تفسيقُ وتضليل من قاتل علياً في وقعة الجمل!
وهذا يجرك إلى الوقوع في المحذور الذي نهى عنه النبي -صلى الله عليه وسلم- في قوله: "لا تسبوا أصحابي" ،
وسيترتب على هذا هدم جزءٍ من السنة ليس باليسير روته عائشة،
ومعاوية،
وعمرو بن العاص،
فضلاً عن بقية من كان معهم من الصحابة -رضي الله عن الجميع- إلى غير ذلك من المفاسد الكثيرة.

فضلاً عن مخالفة هذا كله،
لما أخبر الله تعالى به عن أهل الإيمان الذين يأتون من بعد الصحابة -من المهاجرين والأنصار-،
بقوله عنهم: "وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ" [الحشر:١٠] .

فقوله: "وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ" يشمل جميع المؤمنين إلى يوم القيامة -جعلني الله وإياك منهم-.

فمن طعن في أحد من الصحابة بمثل هذه المسائل التي اجتهدوا فيها،
فقد أعان على إخراج نفسه من هؤلاء الذين أثني عليهم في هذه الآية،
ولهذا اتفق أهل السنة على أن أسلم طريق في التعامل مع هذه الفتنة الكبيرة،
هو كف الألسن في الخوض في تفاصيلها -خصوصاً أمام عامة الناس- لأن الدخول في التفاصيل يوقع في إشكالات كثيرة -ذكرت بعضها قبل قليل-.

ثم لنفترض -أخي السائل- أن معاوية وعائشة -ومن شاركهم من الصحابة في القتال -رضي الله عن الجميع- كانوا مخطئين خطأً لا صواب فيه،
بل اتبعوا أهواءهم،
ورغبوا في مطامع سياسية -كما قلتَ أنت- أو أغراض شخصية،
أفيصح أن تهدر بقية فضائلهم وحسناتهم بمثل هذا؟
أين فضائلهم،
وعظيم حسناتهم،
وسابقتهم في الإسلام؟
!
أليس لهم النصيب الأوفى من قوله تعالى: "أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ" ؟
!
وكيف تخرجهم من قوله تعالى: "وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ" (التوبة:١٠٠) فمعاوية ومن كان مثله من مسلمة الفتح،
داخلون بلا ريب في قوله تعالى: "وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ" ،
وقد بيّن الله تعالى أنه رضي عنهم ورضوا عنه "وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ" ،
وهم -أيضاً- موعودون بالحسنى،
كما في قوله تعالى: "لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ" فأخبر الله أن بين الفريقين تفاوتاً،
وأثبت أن الجميع موعودون بالحسنى،
ومعاوية ومن كان على شاكلته -كعمرو بن العاص،
وخالد بن الوليد- داخلون في هذه الآية،
إذ هم ممن أنفق من بعد الفتح،
وقاتل،
ولو لم يكن لهم منقبة إلا خروجهم مع النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى تبوك لكفاهم،
فهل بعد هذا تعشى العين،
أو يعمى القلب عن إدراك الحقيقة؟!.

ولهذا كان من أعظم مناقب الحسن رضي الله عنه وعن أبيه،
أنه تنازل بالخلافة لمعاوية -رضي الله عنه- وتحققت فيه نبوءة جدِّه -صلى الله عليه وسلم-كل ذلك حقناًً لدماء المسلمين،
و

📖
مصدر الفتوى فتاوى واستشارات موقع الإسلام اليوم
ص 65 · مراجعات الزوار > جوابكم غير مقنع

⚠️ تنبيهٌ مهم: قد يختلف جوابُ الفتوى الواحدة باختلاف السائلِ وحالِه ومكانِه وزمانِه وملابساتِ سؤاله، فلا تُعمَّم على كلِّ حال. وهذه الفتوى منقولةٌ من مصدرها المذكور أعلاه للفائدة والاسترشاد، ولمعرفة الحكم في حالتك الخاصّة يُرجى الرجوع إلى أهل العلم المختصّين.

فتاوى ذات صلة بـ«هو طلب الحق -كما قلتَ في آخر سؤالك- "أرجو جواباً م…»

بسم الله الرحمن الرحيم الأحد 5 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.7 / 29.5
الإضاءة 33%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله وبحمده