هل هناك خطة دينية لمواجهة الكوارث

الإسلام > فتاوى > معاملات > هل هناك خطة دينية لمواجهة الكوارث

آخر تحديث 13 يونيو 2026 - 03:50

جواب الفتوى عن «هل هناك خطة دينية لمواجهة الكوارث»

١ - الإنسان فى حياته يتقلب بين الخير والشر،
فيما ينفعه وما يضره،
وما يسره وما يحزنه،
وذلك بحكم تكوينه الطبيعى،
وبما أراد الله له من الخلافة فى الأرض التى خلق منها،
قال تعالى:

{لقد خلقنا الإنسان فى كبد}

البلد: ٤.

وقال تعالى

{يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه}

الانشقاق: ٦. أما الحياة الخالية من الآلام فهى حياة أهل الجنة،
لا يمسهم فيها نصب ولا حزن ولا غل ولا لغو ولا تأثيم كما ورد فى القرآن الكريم.

٢ - والله سبحانه هو خالق الكون كله ومالك أمره،
يحبى ويميت ويعطى ويمنع،
يفعل ما يشاء كما يشاء:

{لا يُسأل عما يفعل}

الأنبياء: ٢٣.

ومع ذلك فهو سبحانه فى كل أفعاله حكيم يضع الشىء فى موضعه المناسب،
وقد وصف نفسه بالحكمة والخبرة والعلم والإرادة فى نصوص كثيرة،
وهذه الحكمة موجودة فى أمره التكوينى وأمره التشريعى لمن يعيشون فى هذه الدنيا قال تعالى للملائكة فى حكمة خلق آدم:

{إنى أعلم ما لا تعلمون}

البقرة: ٣٠.

وقال فى فرض الجهاد على المسلمين:

{كتب عليكم القتال وهو كُره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون}

البقرة: ٢١٦.

٣- وإذا كان الله سبحانه قد سخر لبنى آدم ما فى السموات وما فى الأرض،
وأسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة،
فإن فى بعض المسخرات من القوى والإمكانات ضررا عليهم فى ظاهر الأمر،
كالزلازل والبراكين والعواصف والسيول والأوبئة المجتاحة،
لكن لها حكمة قد تخفى على بعض الناس،
ضرورة أن الله حكيم فى كل ما.
يصدر عنه،
منزَه عن العبث فى أى شىء.

كما أن الهدى الإلهى الذى أرسل به الرسل هو لإرشاد الناس إلى الخير كفا قال سبحانه:

{فإما يأتينكم منى هدى فمن اتبع هداى لا يضل ولا يشقى}

طه: ١٢٣.

لكن فى بعض هذا الهدى ما فيه مشقة فى ظاهره،
وهو فى حقيقة الأمر لخير الإنسان وسعادته فى دنياه وآخرته،
كفرض الجهاد الذى قال فى حكمته:

{ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض}

البقرة: ٢٥١.

وكأمر الله للخضر عليه السلام بخرق السفينة ليصرف عنها المك الطاغية ويخلصها لأهلها المساكين،
وكأمره له بقتل الغلام حتى لا يكفر بسببه أبواه،
وذلك مسطور فى الكهف: ٧١- ٨١.

٤ - وبعيدا عن الحكمة فى التشريع هل هناك حكمة فى الأمور الكونية أمثال الزلازل والبراكين؟
- هناك حكم كثيرة على رأسها لفت نظر الإنسان الذى خلقه الله بيده من طين،
ولم يكن من قبل شيئا مذكورا،
وأسبغ عليه النعمة،
وسخر له المخلوقات - لفت نظره إلى الإيمان بأن هناك قوة أكبر من قوته،
وسلطانا أعلى من سلطانه،
وذلك حتى لا يكفر بوجود الله،
وحتى لا يعصيه إن كان مؤمنا بوجوده.

حكم غير عامة وإلى جانب هذه الحكمة العامة توجد حكم أخرى منها ما يأتى:

(أ) قد تكون الزلازل والصواعق والأعاصير وغيرها وسيلة انتقام لمن كفر بالله وجحد نعمته،
كالطوفان لقوم نوح،
والريح الصرصر لقوم هود،
والصاعقة لقوم صالح،
والصيحة لقوم شعيب،
والرجم لقوم لوط،
والغرق لفرعون وقومه،
والخسف لقارون،
قال تعالى:

{فكلاًّ أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون}

العنكبوت: ٤٠.

وهى بهذه الصورة عبرة وعظة لغيرهم حتى لا يتورطوا فيما تورط فيه هؤلاء،
قال تعالى:

{لقد كان فى قصصهم عبرة لأولى الألبب}

يوسف: ١١.

وقال:

{وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك فى هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين}

هود: ١٢٠.

(ب) قد تكون هذه الكوارث امتحانا يتميز به المؤمن الصادق من غير الصادق.
قال تعالى:

{ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم}

محمد: ٣١.

وقال فى شأن غزوة أحد:

{إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين. وليمحص الله الذين اَمنوا ويمحق الكافرين}

آل عمران: ١٤٠،
١٤١.

وهو سبحانه كما يمتحن بالشر يمتحن بالخير:

{ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون}

الأنبياء: ٣٥،
قال تعالى على لسان سيدنا سليمان وقد أعطاه ما أعطاه:

{هذا من فضل ربى ليبلونى أأشكر أم اكفر}

النمل: ٤٠.

(ج) قد تكون هذه الكوارث وسيلة من وسائل تطهير المؤمنين الصابرين الصادقين من الذنوب ومضاعفة ثوابهم،
قال تعالى:

{ولنبلونكم بشىء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون. أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون}

البقرة: ١٥٥،
١٥٧،
وقال النبى صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخارى ومسلم " ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم -حتى الشوكة يشاكها -إلا كفَّر الله بها من خطاياه " والوصب هو المرض.

وقد تكون هناك حكم أخرى يعرفها علماء الأخلاق،
كما يعرفها العلماء المختصون المعنيون بالدراسات الطبيعية والجغرافية وما يعرفونه من قوانين التوازن وغيرها.

وعجائب المخلوقات كثيرة،
وعلمنا بأسرار الكون قليل كما قال سبحانه:

{وما أوتيتم من العلم إلا قليلا}

الإسراء: ٨٥.

ولذلك كرر الله الأمر بدوام البحث والنظر فى ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شىء.

{وفى الأرض آيات للموقنين. وفى أنفسكم أفلا تبصرون}

الذاريات: ٢٠ - ٢١.

٥ -ليكن معلوما أن هناك كوارث هى من صنع الله وحده لا اختيار للإنسان فيها،
كالأمثلة التى تقدمت،
وهناك كوارث تتدخل فيها قدرة الإنسان واختياره،
كالحروب والحرائق وتلوث البيئة،
وحوادث الطرق والمواصلات،
فما هو موقف الإنسان من كل هذه الكوارث؟
إن لكل من النوعين تعاملا خاصًّا ينبغى إفراده بالحديث وهذا التعامل له طرفان،
طرف تربوى وطرف تشريعى،
ولا يستغنى أحدهما عن الأخر،
فالتربية توضح الطريق للتشريع،
وفى الوقت نفسه تساعد على تنفيذه،
والتشريع ينظم التربية وييسرها للفهم وبالتالى للتطبيق،
وسيكون الكلام على الطرفين فى نسق واحد،
دون اهتمام بالفصل بينهما.

وسنجعل للنوع الأول من الكوارث عنوان " الكوارث الطبيعية " نسبة لمحلها لا لفاعلها،
وللنوع الثانى عنوان "الكوارث البشرية " وذلك لوضوح تسببهم فيها.

أولا: فى الكوارث الطبيعية:

كل الكوارث لها إجراءان،
إجراء وقائى قبل وقوعها،
وإجراء علاجى بعد وقوعها،
وبخصوص الكوارث الطبيعية التى هى من صنع الله وحده لا يظهر للإجراء الوقائى أثر،
اللهم إلا فى مثل الدراسات والمشاهدات التى تعرف بها الأماكن التى يكثر فيها التعرض لهذه الكوارث فيحتاط بالبعد عنها،
أو بالتنبه لوقوعها إن أمكن،
أو بمثل الاكتفاء فى المنازل بما لا يعظم الخطر منه عند هدمه،
أو بمثل إقامة السدود الواقية من خطر السيول ونحو ذلك.

أما الإجراء العلاجى بعد وقوعها،
فمنه ما يتصل بمن أصيب بها وما يتصل بمن لم يصب بها،
فالذى أصيب بفقد عزيز عليه من إنسان أو حيوان أو زرع أو مال أو غير ذلك،
يجب عليه أمور أهمها:

١-الرضا بقضاء الله وعدم الجزع والسخط على ما وقع،
فمن أصول الإيمان كما صح فى الحديث " وأن تؤمن بالقدر خيره وشر حلوه ومره " قال تعالى:

{قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون}

التوبة: ٥١.

٢ -الأمل وعدم اليأس من رحمة الله -فى تعويض ما فقد مهما كانت فداحة هذا الخطب،
والله يقول:

{إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون}

يوسف: ٨٧،
ويقول:

{وأيوب إذ نادى ربه أنى مسنى الضر وأنت أرحم الراحمين. فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر واتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين}

الأنبياء: ٨٣،
٨٤.
ويقول:

{أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا أن نصر الله قريب}

البقرة: ٢١٤.

إلى غير ذلك من النصوص فى القرآن والسنة التى تغرس الأمل فى النفوس وتقويه،
وتنهى عن اليأس وتنفر منه.

٣- التحرك العملى والسعى بدافع هذا الأمل إلى ما يعوض به ما فقد منه،
وعدم اللجوء إلى الاستجداء أو انتظار المعونات،
فلا يجوز ذلك إلا عندما تضيق السبل وتغلق كل منافذ الاعتماد على النفس،
لأن الاستجداء ونحوه إجراء مؤقت لا يطول ولا يدوم،
وقد وجه الرسول رجلا تعرض للسؤال أن يعمل بجهده هو،
حيث اشترى له فأسا يكسب بها ليعول أهله ونفسه فنجح وكفى نفسه ذل

👤
مصدر الفتوى دار الإفتاء المصرية
من «فتاوى دار الإفتاء المصرية» · ص 385 · خطة دينية لمواجهة الكوارث

⚠️ تنبيهٌ مهم: قد يختلف جوابُ الفتوى الواحدة باختلاف السائلِ وحالِه ومكانِه وزمانِه وملابساتِ سؤاله، فلا تُعمَّم على كلِّ حال. وهذه الفتوى منقولةٌ من مصدرها المذكور أعلاه للفائدة والاسترشاد، ولمعرفة الحكم في حالتك الخاصّة يُرجى الرجوع إلى أهل العلم المختصّين.

فتاوى ذات صلة بـ«هل هناك خطة دينية لمواجهة الكوارث»

بسم الله الرحمن الرحيم الأحد 5 محرّم
هلال متزايد اليوم 6.5 / 29.5
الإضاءة 40%
البدر بعد 8 يوم
سبحان الله وبحمده