تفسير سورة التوبة الآيات ٣٨-٣٩ عند ابن عاشور

الإسلام > القرآن > تفسير > ابن عاشور > سورة 9 التوبة > الآيات ٣٨-٣٩

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱثَّاقَلْتُمْ إِلَى ٱلْأَرْضِ ۚ أَرَضِيتُم بِٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا مِنَ ٱلْـَٔاخِرَةِ ۚ فَمَا مَتَـٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ٣٨ إِلَّا تَنفِرُوا۟ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًۭا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْـًۭٔا ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌ ٣٩

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 10 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

هذا ابتداء خطاب للمؤمنين للتحريض على الجهاد في سبيل الله، بطريقة العتاب على التباطئ بإجابة دعوة النفير إلى الجهاد، والمقصود بذلك غزوة تبوك.

قال ابن عطية: «لا اختلاف بين العلماء في أنّ هذه الآية نزلت عتاباً على تخلّف مَن تخلّف عن غزوة تبوك، إذ تخلّف عنها قبائل ورجال من المؤمنين والمنافقون» فالكلام متّصل بقوله: ﴿ وقاتلوا المشركين كافة ﴾ [التوبة: 36] وبقوله ﴿ قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر إلى قوله فذوقوا ما كنتم تكنزون ﴾ [التوبة: 29 35] كما أشرنا إليه في تفسير تلك الآيات.

وهو خطاب للذين حصل منهم التثاقل، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم استنفر المسلمين إلى تلك الغزوة، وكان ذلك في وقت حرّ شديد، واستقبل سفراً بعيداً ومفازاً، حين نضجت الثمار، وطابت الظلال، وكان المسلمون يومئذٍ في شدّة حاجة إلى الظهر والعُدّة.

فلذلك سُمّيت غزوة العُسرة كما سيأتي في هذه السورة، فجلى رسولُ الله للمسلمين أمرهم ليتأهّبوا أهبة عدوّهم، وأخبرهم بوجههِ الذي يريد، وكان قبل ذلك لا يريد غزوة إلاّ وَرَّى بما يوهم مكاناً غير المكان المقصود، فحصل لبعض المسلمين تثاقل، ومن بعضهم تخلّف، فوجه الله إليهم هذا الملام المعقّب بالوعيد.

فإنّ نحن جرَينا على أنّ نزول السورة كان دفعة واحدة، وأنّه بعد غزوة تبوك، كما هو الأرجح، وهو قول جمهور المفسّرين، كان محمل هذه الآية أنّها عتاب على ما مضى وكانت ﴿ إذا ﴾ مستعملة ظرفاً للماضي، على خلاف غالب استعمالها، كقوله تعالى: ﴿ وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها ﴾ [الجمعة: 11] وقوله: ﴿ ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ﴾ [التوبة: 92] الآية، فإنّ قوله: ﴿ وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله ﴾ [النساء: 75] صالح لإفادَة ذلك، وتحذيرٌ من العودة إليه، لأنّ قوله: ﴿ إلاَّ تنفروا ﴾ و ﴿ إلاّ تنصروه ﴾ و ﴿ انفروا خفافاً ﴾ مراد به ما يستقبل حين يُدعَون إلى غزوة أخرى، وسنبيّن ذلك مفصّلاً في مواضعه من الآيات.

وإن جرينا على ما عَزاه ابن عطية إلى النقاش: أنّ قوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض ﴾ هي أول آية نزلت من سورة براءة، كانت الآية عتاباً على تكاسللٍ وتثاقللٍ ظهرا على بعض الناس، فكانت ﴿ إذا ﴾ ظرفاً للمستقبل، على ما هو الغالب فيها، وكان قوله: ﴿ إلا تنفروا يعذبكم عذاباً أليماً ﴾ [التوبة: 39] تحذيراً من ترك الخروج إلى غزوة تبوك، وهذا كلّه بعيد ممّا ثبت في «السيرة» وما ترجّح في نزول هذه السورة.

و ﴿ مَا ﴾ في قوله: و ﴿ ما لكم ﴾ اسم استفهام إنكاري، والمعنى: أي شيء، و وإذا} ظرف تعلّق بمعنى الاستفهام الإنكاري على معنى: أنّ الإنكار حاصل في ذلك الزمان الذي قيل لهم فيه: انفروا، وليس مضمّناً معنى الشرط لأنّه ظرفُ مُضيّ.

وجملة ﴿ اثاقلتم ﴾ في موضع الحال من ضمير الجماعة، وتلك الحالة هي محل الإنكار، أي: ما لكم متثاقلين.

يقال: ما لكَ فعلت كذا، وما لك تَفعل كذا كقوله: ﴿ ما لكم لا تناصرون ﴾ [الصافات: 25]، وما لك فاعِلاً، كقوله: ﴿ فما لكم في المنافقين فئتين ﴾ [النساء: 88].

والنَّفْر: الخروج السريع من موضع إلى غيره لأمرٍ يحدث، وأكثر ما يطلق على الخروج إلى الحرب، ومصدره حينئذٍ النفير.

وسبيل الله: الجهاد، سمّي بذلك لأنّه كالطريق الموصّل إلى الله، أي إلى رضاه.

و ﴿ اثَّاقلتم ﴾ أصله تثاقلتم قلبت التاء المثنّاة ثاء مثلّثة لتقارب مخرجيهما طلباً للإدغام، واجتلبت همزة الوصل لإمكان تسكين الحرف الأول من الكلمة عند إدغامه.

(والتثاقل) تكلّف الثقل، أي إظهار أنّه ثقيل لا يستطيع النهوض.

والثِقَل حالة في الجسم تقتضي شدّة تطلّبه للنزول إلى أسفل، وعُسرَ انتقاله، وهو مستعمل هنا في البطء مجازاً مرسلاً، وفيه تعريض بأنّ بُطأهم ليس عن عجز، ولكنّه عن تعلّق بالإقامة في بلادهم وأموالهم.

وعُدّي التثاقل ب ﴿ إلى ﴾ لأنّه ضمن معنى المَيل والإخلاد، كأنّه تثاقل يطلب فاعله الوصول إلى الأرض للقعود والسكون بها.

والأرض ما يمشي عليه الناس.

ومجموع قوله: ﴿ اثاقلتم إلى الأرض ﴾ تمثيل لحال الكارهين للغزو المتطلّبين للعُذر عن الجهاد كسلاً وجبناً بحال من يُطلب منه النهوض والخروج، فيقابل ذلك الطلب بالالتصاق بالأرض، والتمكّن من القعود، فيأبى النهوض فضلاً عن السير.

وقوله: ﴿ إلى الأرض ﴾ كلام موجه بديع: لأنّ تباطؤهم عن الغزو، وتطلّبهم العذر، كان أعظم بواعثه رغبتهم البقاء في حوائطهم وثمارهم، حتّى جعل بعض المفسّرين معنى اثاقلتم إلى الأرض: ملتم إلى أرضكم ودياركم.

والاستفهام في ﴿ أرضيتم بالحياة الدنيا ﴾ إنكاري توبيخي، إذ لا يليق ذلك بالمؤمنين.

و ﴿ مِنْ ﴾ في ﴿ من الآخرة ﴾ للبدل: أي كيف ترضون بالحياة الدنيا بدلاً عن الآخرة.

ومثل ذلك لا يُرضَى به والمراد بالحياة الدنيا، وبالآخرة: منافعهما، فإنّهم لمّا حاولوا التخلّف عن الجهاد قد آثروا الراحة في الدنيا على الثواب الحاصل للمجاهدين في الآخرة.

واختير فعل ﴿ رَضيتم ﴾ دون نحو آثرتم أو فضّلتم: مبالغة في الإنكار، لأن فعل (رضي بكذا) يدلّ على انشراح النفس، ومنه قول أبي بكر الصديق في حديث الغار «فشرب حتّى رضيت».

والمَتاع: اسم مصدر تمتّع، فهو الالتذاذ والتنعّم، كقوله: ﴿ متاعاً لكم ولأنعامكم ﴾ [عبس: 32] ووصفه ب ﴿ قليل ﴾ بمعنى ضعيف ودنيء استعير القليل للتافه.

ويحتمل أن يكون المتاع هنا مراداً به الشيء المتمتّع به، من إطلاق المصدر على المفعول، كالخلق بمعنى المخلوق فالإخبار عنه بالقليل حقيقة.

وحرف ﴿ في ﴾ من قوله: ﴿ في الآخرة ﴾ دالّ على معنى المقايسة، وقد جعلوا المقايسة من معاني ﴿ في ﴾ كما في «التسهيل» و«المغني»، واستشهدوا بهذه الآية أخذاً من «الكشاف» ولم يتكلّم على هذا المعنى شارحوهما ولا شارحو «الكشّاف»، وقد تكرّر نظيره في القرآن كقوله في سورة الرعد (26) ﴿ وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع ﴾ ، وقوله في حديث مسلم ما الدنيا في الآخرة إلاّ كمثَل ما يجعل أحدكم أصبعه في اليمّ فلينظر بم يرجع وهو في التحقيق (مِن) الظرفية المجازية: أي متاع الحياة الدنيا إذا أقحم في خيرات الآخرة كان قليلاً بالنسبة إلى كثرة خيرات الآخرة، فلزم أنّه ما ظهرت قلّته إلاّ عندما قيس بخيرات عظيمة ونسب إليها، فالتحقيق أنّ المقايسة معنى حاصل لاستعماللِ حرف الظرفية، وليس معنى موضوعاً له حرف (في).

﴿ إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا والله على كُلِّ شَئ قَدِيرٌ ﴾ هذا وعيد وتهديد عقب به الملام السابق، لأنّ اللوم وقع على تثاقل حصل، ولمّا كان التثاقل مفضياً إلى التخلّف عن القتال، صرّح بالوعيد والتهديد أن يعودوا لمثل ذلك التثاقل، فهو متعلّق بالمستقبل كما هو مقتضَى أداة الشرط.

فالجملة مستأنفة لغرض الإنكار بعد اللوم.

فإن كان هذا وعيداً فقد اقتضى أنّ خروج المخاطبين إلى الجهاد الذي استنفرهم إليه الرسول صلى الله عليه وسلم قد وجب على أعيَانهم كلّهم بحيث لا يغني بعضهم عن بعض، أي تعيّن الوجوب عليهم، فيحتمل أن يكون التعيين بسبب تعيين الرسول صلى الله عليه وسلم إياهم للخروج بسبب النفير العام، وأن يكون بسبب كثرة العدوّ الذي استُنفروا لقتاله، بحيث وجب خروج جميع القادرين من المسلمين لأنّ جيش العدوّ مثلَيْ عدد جيش الملسمين.

وعن ابن عباس أنّ هذا الحكم منسوخ نسخه قوله تعالى: ﴿ وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ﴾ [التوبة: 122] فيكون الجهاد قد سبق له حكم فرض العين ثم نقل إلى فرض الكفاية.

وهذا بناء على أنّ المراد بالعذاب الأليم في قوله: ﴿ يعذبكم عذاباً أليماً ﴾ هو عذاب الآخرة كما هو المعتاد في إطلاق العذاب ووصفِه بالأليم، وقيل: المراد بالعذاب الأليم عذاب الدنيا كقوله: ﴿ أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا ﴾ [التوبة: 52] فلا يكون في الآية حجّة على كون ذلك الجهاد واجباً على الأعيان، ولكنّ الله توعّدهم، إن لم يمتثلوا أمر الرسول عليه الصلاة والسلام، بأن يصيبهم بعذاب في الدنيا، فيكون الكلام تهديداً لا وعيداً.

وقد يرجح هذا الوجه بأنّه قرن بعواقب دنيوية في قوله: ﴿ ويستبدل قوماً غيركم ﴾ .

والعقوبات الدنيوية مصائب تترتّب على إهمال أسباب النجاح وبخاصّة ترك الانتصاح بنصائح الرسول عليه الصلاة والسلام، كما أصابهم يوم أُحد، فالمقصود تهديدهم بأنّهم إن تقاعدوا عن النفير هاجمهم العدوّ في ديارهم فاستأصلوهم وأتى الله بقوم غيرهم.

والأليم المؤلم، فهو فعيل مأخوذ من الرباعي على خلاف القياس كقوله تعالى: ﴿ تلك آيات الكتاب الحكيم ﴾ [لقمان: 2]، وقول عمرو بن معد يكرب: أمِنْ ريْحانَةَ الداعي السَّميع *** أي المُسمع.

وكتب في المصاحف ﴿ إلا ﴾ من قوله: ﴿ إلا تنفروا ﴾ بهمزة بعدها لامْ ألف على كيفية النطق بها مدغمة، والقياسُ أن يكتب (إن لا) بنون بعد الهمزة ثم لام ألف.

والضمير المسْتتر في ﴿ يعذبكم ﴾ عائد إلى الله لتقدّمه في قوله: ﴿ في سبيل الله ﴾ [التوبة: 38].

وتنكير ﴿ قوماً ﴾ للنوعية إذ لا تعيّن لهؤلاء القوم ضرورةَ أنّه معلَّقٌ على شرط عدم النفير وهم قد نَفَروا لمّا استُنفروا إلاّ عدداً غيرَ كثير وهم المخلّفون.

و ﴿ يستبدل ﴾ يبدل، فالسين والتاء للتأكيد والبدل هو المأخوذ عوضاً كقوله: ﴿ ومن يتبدّل الكفر بالإيمان ﴾ [البقرة: 108] أي ويستبدل بكم غيركم.

والضمير في ﴿ تضروه ﴾ عائد إلى ما عاد إليه ضمير ﴿ يعذبكم ﴾ والواو للحال: أي يعذّبكم ويستبدل قوماً غيركم في حال أن لا تضرّوا الله شيئاً بقُعودكم، أي يصبكم الضرّ ولا يصب الذي استنفركم في سبيله ضرّ، فصار الكلام في قوة الحصر، كأنّه قيل: إلاّ تنفروا لا تضرّوا إلاّ أنفسكم.

وجملة ﴿ والله على كل شيء قدير ﴾ تذييل للكلام لأنّه يحقّق مضمونَ لحاق الضرّ بهم لأنّه قدير عليهم في جملة كلّ شيء، وعدم لحاق الضرّ به لأنّه قدير على كلّ شيء فدخلت الأشياء التي من شأنها الضرّ.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الاثنين 6 محرّم
هلال متزايد اليوم 7.2 / 29.5
الإضاءة 49%
البدر بعد 8 يوم
لا إله إلا الله