الإسلام > القرآن > سور > سورة 9 التوبة > الآية ٣٩ من سورة التوبة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 89 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٣٩ من سورة التوبة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ثم توعد تعالى على ترك الجهاد فقال : ( إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ) قال ابن عباس : استنفر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيا من العرب ، فتثاقلوا عنه ، فأمسك الله عنهم القطر فكان عذابهم .
( ويستبدل قوما غيركم ) أي : لنصرة نبيه وإقامة دينه ، كما قال تعالى : ( إن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم ) [ محمد : 38 ] .
( ولا تضروه شيئا ) أي : ولا تضروا الله شيئا بتوليكم عن الجهاد ، ونكولكم وتثاقلكم عنه ، ( والله على كل شيء قدير ) أي : قادر على الانتصار من الأعداء بدونكم .
وقد قيل : إن هذه الآية ، وقوله : ( انفروا خفافا وثقالا ) وقوله ( ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ) [ التوبة : 120 ] إنهن منسوخات بقوله تعالى : ( وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ) [ التوبة : 122 ] روي هذا عن ابن عباس ، وعكرمة ، والحسن ، وزيد بن أسلم .
ورده ابن جرير وقال : إنما هذا فيمن دعاهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الجهاد ، فتعين عليهم ذلك ، فلو تركوه لعوقبوا عليه .
وهذا له اتجاه ، والله [ سبحانه و ] تعالى أعلم [ بالصواب ] .
القول في تأويل قوله : إِلا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (39) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للمؤمنين به من أصحاب رسوله, متوعِّدَهم على ترك النَّفْر إلى عدوّهم من الروم: إن لم تنفروا، أيها المؤمنون، إلى من استنفركم رسول الله, يعذّبكم الله عاجلا في الدنيا، بترككم النَّفْر إليهم، عذابًا مُوجعًا (25) =(ويستبدل قومًا غيركم)، يقول: يستبدل الله بكم نبيَّه قومًا غيرَكم, ينفرون إذا استنفروا, ويجيبونه إذا دعوا, ويطيعون الله ورسوله (26) =(ولا تضروه شيئا)، يقول: ولا تضروا الله، بترككم النّفير ومعصيتكم إياه شيئًا, لأنه لا حاجة به إليكم, بل أنتم أهل الحاجة إليه, وهو الغني عنكم وأنتم الفقراء =(والله على كل شيء قدير)، يقول جل ثناؤه: والله على إهلاككم واستبدال قوم غيركم بكم، وعلى كل ما يشاء من الأشياء، قدير.
(27) * * * وقد ذكر أن " العذاب الأليم " في هذا الموضع، كان احتباسَ القَطْر عنهم.
* ذكر من قال ذلك: 16721- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا زيد بن الحباب قال، حدثني عبد المؤمن بن خالد الحنفي قال، حدثني نجدة الخراساني قال: سمعت ابن عباس, سئل عن قوله: (إلا تنفروا يعذبكم عذابًا أليمًا)، قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم استنفر حيًّا من أحياء العرب فتثاقلوا عنه, فأمسك عنهم المطر, فكان ذلك عذابَهم, فذلك قوله: (إلا تنفروا يعذبكم عذابًا أليما).
(28) 16722- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا عبد المؤمن, عن نجدة قال: سألت ابن عباس, فذكر نحوه = إلا أنه قال: فكان عذابهم أنْ أمسك عنهم المطر.
(29) 16723- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: (إلا تنفروا يعذبكم عذابًا أليمًا)، استنفر الله المؤمنين في لَهَبَان الحرِّ في غزوة تبوك قِبَل الشأم، (30) على ما يعلم الله من الجَهْد.
* * * وقد زعم بعضهم أن هذه الآية منسوخة.
* ذكر من قال ذلك: 16724- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح, عن الحسين, عن يزيد, عن عكرمة والحسن البصري قالا قال: (إلا تنفروا يعذبكم عذابًا أليمًا)، وقال: مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ، إلى قوله: لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ، فنسختها الآية التي تلتها: وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً ، إلى قوله: لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ، [سورة التوبة: 120 - 122].
* * * قال أبو جعفر: ولا خبرَ بالذي قال عكرمة والحسن، من نسخ حكم هذه الآية التي ذكَرا، (31) يجب التسليم له, ولا حجةَ نافٍ لصحة ذلك.
(32) وقد رأى ثبوت الحكم بذلك عددٌ من الصحابة والتابعين سنذكرهم بعدُ، وجائزٌ أن يكون قوله: (إلا تنفروا يعذبكم عذابًا أليمًا)، الخاص من الناس, ويكون المراد به من استنفرَه رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ينفر، على ما ذكرنا من الرواية عن ابن عباس.
وإذا كان ذلك كذلك، كان قوله: وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً ، نهيًا من الله المؤمنين عن إخلاء بلاد الإسلام بغير مؤمنٍ مقيم فيها, وإعلامًا من الله لهم أن الواجب النَّفرُ على بعضهم دون بعض, وذلك على من استُنْفِرَ منهم دون من لم يُسْتَنْفَر.
وإذا كان ذلك كذلك، لم يكن في إحدى الآيتين نسخ للأخرى, وكان حكم كل واحدة منهما ماضيًا فيما عُنِيَتْ به.
------------------ الهوامش : (25) انظر تفسير "النفر" فيما سلف قريبا ص : 249.
(26) انظر تفسير "الاستبدال" فيما سلف 8 : 123، تعليق : 2 ، والمراجع هناك.
(27) انظر تفسير " قدير " فيما سلف من فهارس اللغة (قدر) (28) الأثر: 16721 - "زيد بن الحباب العكلي" ، سلف مرارًا، آخرها رقم : 16684 .
و "عبد المؤمن بن خالد الحنفي" ، ثقة ، مضى برقم 11914 .
و " نجدة الخراساني " هو : " نجدة بن نفيع الحنفي " ، ثقة ، مضى أيضًا برقم : 11914 .
وهذا الخبر ، رواه الطبري فيما يلي برقم : 16722 ، من طريق يحيى بن واضح ، عن عبد المؤمن .
ورواه أبو داود في سننه 3 : 16 ، رقم : 2506 ، من طريق زيد بن الحباب، مختصرًا، ورواه البيهقي في السنن 9 : 48 ، بنحوه .
وخرجه السيوطي في الدر المنثور 3 : 239 ، وزاد نسبته إلى ابن المنذر ، وأبي الشيخ ، وابن مردويه ، والحاكم ، وصححه الحاكم.
(29) الأثر : 16722 - هو مكرر الأثر السالف ، وهذا أيضا لفظ أبي داود والبيهقي : "المطر" ، من طريق زيد بن الحباب السالف.
(30) "لهبان الحر"، (بفتح اللام والهاء)، شدته في الرمضاء.
ويقال : " يوم لهبان " ، صفة ، أي شديد الحر.
و " اللهبان " مصدر مثل : اللهب ، واللهيب ، واللهاب (بضم اللام) ، وهو اشتعال النار إذا خلصت من الدخان.
(31) في المطبوعة: "التي ذكروا" ، والصواب من المخطوطة.
(32) في المطبوعة: "ولا حجة تأتي بصحة ذلك" وفي المخطوطة: "ولا حجة بات بصحة ذلك"، غير منقوطة ، وصواب قراءتها ما أثبت.
قوله تعالى إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا والله على كل شيء قديرفيه مسألة واحدة : وهو أن قوله تعالى إلا تنفروا شرط ، فلذلك حذفت منه النون .
والجواب ( يعذبكم ) ، ( ويستبدل قوما غيركم ) وهذا تهديد شديد ووعيد مؤكد في ترك النفير .
قال ابن العربي : ومن محققات الأصول أن الأمر إذا ورد فليس في وروده أكثر من اقتضاء الفعل .
فأما العقاب عند الترك فلا يؤخذ من نفس الأمر ولا يقتضيه الاقتضاء ، وإنما يكون العقاب بالخبر عنه ، كقوله : إن لم تفعل كذا عذبتك بكذا ، كما ورد في هذه الآية .
فوجب بمقتضاها النفير للجهاد والخروج إلى الكفار لمقاتلتهم على أن تكون كلمة الله هي العليا .
روى أبو داود عن ابن عباس قال : إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما و ما كان لأهل المدينة - إلى قوله - " يعملون " نسختها الآية التي تليها : وما كان المؤمنون لينفروا كافة .
وهو قول الضحاك والحسن وعكرمة .
" يعذبكم " قال ابن عباس : هو حبس المطر عنهم .
قال ابن العربي : فإن صح ذلك عنه فهو أعلم من أين قاله ، وإلا فالعذاب الأليم هو في الدنيا باستيلاء العدو وبالنار في الآخرة .قلت : قول ابن عباس خرجه الإمام أبو داود في سننه عن ابن نفيع قال : سألت ابن عباس عن هذه الآية إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما قال : فأمسك عنهم المطر فكان عذابهم .
وذكره الإمام أبو محمد بن عطية مرفوعا عن ابن عباس قال : استنفر رسول الله صلى الله عليه وسلم قبيلة من القبائل فقعدت ، فأمسك الله عنهم المطر وعذبها به .و ( أليما ) بمعنى مؤلم ، أي موجع .
وقد تقدم .ويستبدل قوما غيركم توعد بأن يبدل لرسوله قوما لا يقعدون عند استنفاره إياهم .
قيل : أبناء فارس .
وقيل : أهل اليمن .ولا تضروه شيئا والله على كل شيء قدير عطف .
والهاء قيل لله تعالى ، وقيل للنبي صلى الله عليه وسلم .
والتثاقل عن الجهاد مع إظهار الكراهة حرام على كل أحد .
فأما من غير كراهة فمن عينه النبي صلى الله عليه وسلم حرم عليه التثاقل وإن أمن منهما فالفرض فرض كفاية ، ذكره القشيري .
وقد قيل : إن المراد بهذه الآية وجوب النفير عند الحاجة وظهور الكفرة واشتداد شوكتهم .
وظاهر [ ص: 74 ] الآية يدل على أن ذلك على وجه الاستدعاء فعلى هذا لا يتجه الحمل على وقت ظهور المشركين فإن وجوب ذلك لا يختص بالاستدعاء ؛ لأنه متعين .
وإذا ثبت ذلك فالاستدعاء والاستنفار يبعد أن يكون موجبا شيئا لم يجب من قبل إلا أن الإمام إذا عين قوما وندبهم إلى الجهاد لم يكن لهم أن يتثاقلوا عند التعيين ويصير بتعيينه فرضا على من عينه لا لمكان الجهاد ولكن لطاعة الإمام .
والله أعلم .
{إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} في الدنيا والآخرة، فإن عدم النفير في حال الاستنفار من كبائر الذنوب الموجبة لأشد العقاب، لما فيها من المضار الشديدة، فإن المتخلف، قد عصى اللّه تعالى وارتكب لنهيه، ولم يساعد على نصر دين اللّه، ولا ذب عن كتاب اللّه وشرعه، ولا أعان إخوانه المسلمين على عدوهم الذي يريد أن يستأصلهم ويمحق دينهم، وربما اقتدى به غيره من ضعفاء الإيمان، بل ربما فَتَّ في أعضاد من قاموا بجهاد أعداء اللّه، فحقيق بمن هذا حاله أن يتوعده اللّه بالوعيد الشديد، فقال: {إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ} ثم لا يكونوا أمثالكم {وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا} فإنه تعالى متكفل بنصر دينه وإعلاء كلمته، فسواء امتثلتم لأمر اللّه، أو ألقيتموه، وراءكم ظهريا. {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} لا يعجزه شيء أراده، ولا يغالبه أحد.
ثم أوعدهم على ترك الجهاد ، فقال تعالى : ( إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ) في الآخرة .
وقيل : هو احتباس المطر عنهم في الدنيا .
وسأل نجدة بن نفيع ابن عباس عن هذه الآية ، فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم استنفر حيا من أحياء العرب ، فتثاقلوا عليه ، فأمسك عنهم المطر ، فكان ذلك عذابهم ( ويستبدل قوما غيركم ) خيرا منكم وأطوع .
قال سعيد بن جبير : هم أبناء فارس .
وقيل : هم أهل اليمن ، ( ولا تضروه شيئا ) بترككم النفير .
( والله على كل شيء قدير )
«إلاّ» بإدغام لا في نون إن الشرطية في الموضعين «تنفروا» تخرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم للجهاد «يعذبكم عذابا أليما» مؤلماً «ويستبدل قوما غيركم» أي يأت بهم بدلكم «ولا تضروه» أي الله أو النبيَّ صلى الله عليه وسلم «شيئا» بترك نصره فإن الله ناصر دينه «والله على كل شيء قدير» ومنه نصر دينه ونبيه.
إن لا تنفروا أيها المؤمنون إلى قتال عدوكم ينزلِ الله عقوبته بكم، ويأت بقوم آخرين ينفرون إذ ا استُنْفروا، ويطيعون الله ورسوله، ولن تضروا الله شيئًا بتولِّيكم عن الجهاد، فهو الغني عنكم وأنتم الفقراء إليه.
وما يريده الله يكون لا محالة.
والله على كل شيء قدير من نصر دينه ونبيه دونكم.
ثم هددهم ، سبحانه ، بالعذاب الأليم ، إن لم ينفروا للجهاد فى سبيله فقال ( إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئاً ) .أى : ( إِلاَّ تَنفِرُواْ ) ، أيها المؤمنين ، للجهاد كما أمركم رسولكم ( يُعَذِّبْكُمْ ) الله ( عَذَاباً أَلِيماً ) فى الدنيا بإنزال المصائب ، بكم ، وفى الآخرة بنار جهنم .وقوله : ( وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ) أى : ويستبدل بكم قوما يطيعون رسوله فى العسر واليسر ، والمنشط والمكره .
.
كما قال : ( وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يكونوا أَمْثَالَكُم ) قال صاحب المنار : قيل المراد بهؤلاء القوم : أهل اليمن ، وقيل أهل فارس وليس فى محله ، فإن الكلام للتهديد ، والله يعلم أنه لا يقع اشلرط ولا جزاؤه .وإنما المراد يطيعونه - سبحانه - ويطيعون رسوله ، لأنه قد وعده بالنصر؛ وإظهار دينه ، فإن لم يكن هذا الإِظهار بأيديكم .
فلا بد أن يكون بأيدى غيركم ( وَلَن يُخْلِفَ الله وَعْدَهُ ) وقد مضت سنته - تعالى - بأنه لا بقاء للأمم التى تتثاقل عن الدفاع عن نفسها وحفظ حقيقتها وسيادتها ، ولا تتم فائدة القوة الدفاعية والهجومية إلا بطاعة الامام ، فكيف إذا كان الأمام والقائد هو النبى الموعود من ربه بالنصر .والضمير فى قوله ( وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئاً ) يعود إلى الله ، تعالى .أى : إن تباطأتم " أيها المؤمنون " عن الجهاد ، يعذبكم الله عذاباً أليما ويستبدل بكم قوماً سواكم لنصرة نبيه ، ولن تضروا الله شيئاً من الضرر بسبب تقاعسكم .
لأنكم أنتم الفقراء إليه ، وهو ، سبحانه ، الغنى الحميد .وقيل : الضمير يعود للرسول ، - صلى الله عليه وسلم - أى : ولا تضروا الرسول شيئاً ما من الضرر بسبب تثاقلكم عن الجهاد ، لأن الله قد وعده بالنصر ووعده كائن لا محاله .وقوله : ( والله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) تذييل مؤكد لما قبله .أى : والله ، تعالى : على كل شئ من الأشياء قدير ، ولا يعجزه أمر ، ولا يحول دون نفاذ مشيئته حائل ، فامتثلوا أمره لتفوزوا برضوانه .فأنت ترى أن هذه الآية وسابقتها قد اشتملت على أقوى الأساليب التى ترغب فى الجهاد ، وترهب عن النكوص عنه ، وتبعث على الطاعة لله ولرسوله .
وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما رغبهم في الآية الأولى في الجهاد بناء على الترغيب في ثواب الآخرة، رغبهم في هذه الآية في الجهاد بناء على أنواع أخر من الأمور المقوية للدواعي، وهي ثلاثة أنواع: الأول: قوله تعالى: ﴿ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً ﴾ .
واعلم أن يحتمل أن يكون المراد منه عذاب الدنيا، وأن يكون المراد منه عذاب الآخرة.
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: استنفر رسول الله صلى الله عليه وسلم القوم فتثاقلوا، فأمسك الله عنهم المطر.
وقال الحسن: الله أعلم بالعذاب الذي كان ينزل عليهم.
وقيل المراد منه عذاب الآخرة إذ الأليم لا يليق إلا به.
وقيل إنه تهديد بكل الأقسام، وهي عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، وقطع منافع الدنيا ومنافع الآخرة.
الثاني: قوله: ﴿ وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ﴾ والمراد تنبيههم على أنه تعالى متكفل بنصره على أعدائه، فإن سارعوا معه إلى الخروج حصلت النصرة بهم، وإن تخلفوا وقعت النصرة بغيرهم، وحصل العتبى لهم لئلا يتوهموا أن غلبة أعداء الدين وعز الإسلام لا يحصل إلا بهم، وليس في النص دلالة على أن ذلك المعنى منهم، ونظيره قوله تعالى: ﴿ يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِ الله بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾ ثم اختلف المفسرون فقال ابن عباس: هم التابعون وقال سعيد بن جبير: هم أبناء فارس.
وقال أبو روق: هم أهل اليمن، وهذه الوجوه ليست تفسيراً للآية، لأن الآية ليس فيها إشعار بها، بل حمل ذلك الكلام المطلق على صورة معينة شاهدوها.
قال الأصم: معناه أن يخرجه من بين أظهركم، وهي المدينة.
قال القاضي: هذا ضعيف لأن اللفظ لا دلالة فيه على أنه عليه السلام ينقل من المدينة إلى غيرها، فلا يمتنع أن يظهر الله في المدينة أقواماً يعينونه على الغزو، ولا يمتنع أن يعينه بأقوام من الملائكة أيضاً حال كونه هناك، والثالث: قوله: ﴿ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا ﴾ والكناية في قول الحسن: راجعة إلى الله تعالى، أي لا تضروا الله لأنه غني عن العالمين، وفي قول الباقين يعود إلى الرسول، أي لا تضروا الرسول لأن الله عصمه من الناس، ولأنه تعالى لا يخذله إن تثاقلتم عنه.
ثم قال: ﴿ والله على كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ ﴾ وهو تنبيه على شدة الزجر من حيث إنه تعالى قادر لا يجوز عليه العجز، فإذا توعد بالعقاب فعل.
المسألة الثانية: قال الحسن وعكرمة: هذه الآية منسوخة بقوله: ﴿ وَمَا كَانَ المؤمنون لِيَنفِرُواْ كَافَّةً ﴾ قال المحققون: إن هذه الآية خطاب لمن استنفرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ينفروا، وعلى هذا التقدير فلا نسخ.
قال الجبائي: هذه الآية تدل على وعيد أهل الصلاة حيث بين أن المؤمنين إن لم ينفروا يعذبهم عذاباً إليماً وهو عذاب النار، فإن ترك الجهاد لا يكون إلا من المؤمنين، فبطل بذل قول المرجئة إن أهل الصلاة لا وعيد لهم، وإذا ثبت الوعيد لهم في ترك الجهاد فكذا في غيره، لأنه لا قائل بالفرق، واعلم أن مسألة الوعيد ذكرناها بالاستقصاء في سورة البقرة.
المسألة الثالثة: قال القاضي: هذه الآية دالة على وجوب الجهاد، سواء كان مع الرسول أو لا معه، لأنه تعالى قال: ﴿ يا أيها الذين ءامَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفروا ﴾ ولم ينص على أن ذلك القائل هو الرسول.
فإن قالوا: يجب أن يكون المراد هو الرسول لقوله تعالى: ﴿ وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ﴾ ولقوله: ﴿ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا ﴾ إذ لا يمكن أن يكون المراد بذلك إلا الرسول.
قلنا: خصوص آخر الآية لا يمنع من عموم أولها على ما قررنا في أصول الفقه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ اثاقلتم ﴾ تثاقلتم.
وبه قرأ الأعمش، أي تباطأتم وتقاعستم.
وضمن معنى الميل والإخلاد فعدي بإلى.
والمعنى: ملتم إلى الدنيا وشهواتها وكرهتم مشاق السفر ومتاعبه، ونحوه: ﴿ أَخْلَدَ إِلَى الأرض واتبع هَوَاهُ ﴾ [الأعراف: 176] وقيل: ملتم إلى الإقامة بأرضكم ودياركم.
وقرئ: ﴿ أثاقلتم ﴾ ؟
على الاستفهام الذي معناه الإنكار والتوبيخ.
فإن قلت: فما العامل في (إذا) وحرف الاستفهام مانعة أن يعمل فيه؟
قلت: ما دلّ عليه قوله: ﴿ اثاقلتم ﴾ أو ما في ﴿ مَالَكُمْ ﴾ من معنى الفعل، كأنه قيل: ما تصنعون إذا قيل لكم كما تعمله في الحال إذا قلت: مالك قائماً، وكان ذلك في غزوة تبوك في سنة عشر بعد رجوعهم من الطائف.
استتفروا في وقت عسرة وقحط وقيظ مع بعد الشقة وكثرة العدو، فشقّ عليهم.
وقيل: ما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة إلاّ ورّى عنها بغيرها إلاّ في غزوة تبوك ليستعدّ الناس تمام العدة ﴿ مِنَ الاخرة ﴾ أي بدل الآخرة كقوله: لَجَعَلْنَا مِنكُمْ ملائكة [الزخرف: 60] .
﴿ فِى الآخرة ﴾ في جنب الآخرة ﴿ إِلاَّ تَنفِرُواْ ﴾ سخط عظيم على المتثاقلين حيث أوعدهم بعذاب أليم مطلق يتناول عذاب الدارين، وأنه يهلكهم ويستبدل بهم قوماً آخرين خيراً منهم وأطوع، وأنه غني عنهم في نصرة دينه، لا يقدح تثاقلهم فيها شيئاً: وقيل: الضمير للرسول: أي ولا تضروه، لأنّ الله وعده أن يعصمه من الناس وأن ينصره، ووعد الله كائن لا محالة، وقيل: يريد بقوله: ﴿ قَوْماً غَيْرَكُمْ ﴾ [التوبة: 39] أهل اليمن.
وقيل: أبناء فارس، والظاهر مستغن عن التخصيص.
فإن قلت: كيف يكون قوله: ﴿ فَقَدْ نَصَرَهُ الله ﴾ جواباً للشرط؟
قلت: فيه وجهان أحدهما: إلاّ تنصروه فسينصره من نصره حين لم يكن معه إلاّ رجل واحد ولا أقل من الواحد، فدلّ بقوله: ﴿ فَقَدْ نَصَرَهُ الله ﴾ على أنه ينصره في المستقبل، كما نصره في ذلك الوقت.
والثاني: أنه أوجب له النصرة وجعله منصوراً في ذلك الوقت، فلن يخذل من بعده.
وأسند الإخراج إلى الكفار كما أسند إليهم في قوله: ﴿ مّن قَرْيَتِكَ التى أَخْرَجَتْكَ ﴾ [محمد: 13] لأنهم حين هموا بإخراجه أذن الله له في الخروج فكأنهم أخرجوه ﴿ ثَانِيَ اثنين ﴾ أحد اثنين، كقوله: ﴿ ثالث ثلاثة ﴾ وهما رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر الصديق رضي الله عنه.
يروى: (أنّ جبريل عليه السلام لما أمره بالخروج قال: من يخرج معي؟
قال: أبو بكر) وانتصابه على الحال.
وقرئ: ﴿ ثاني اثنين ﴾ بالسكون و ﴿ إِذْ هُمَا ﴾ بدل من إذ أخرجه.
والغار: ثقب في أعلى ثور، وهو جبل في يمين مكة على مسيرة ساعة، مكثا فيه ثلاثاً ﴿ إِذْ يَقُولُ ﴾ بدل ثان.
وقيل: طلع المشركون فوق الغار فأشفق أبو بكر رضي الله عنه على رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال: إن تصب اليوم ذهب دين الله، فقال عليه الصلاة والسلام: «ما ظنك باثنين الله ثالثهما» وقيل: لما دخلا الغار بعث الله تعالى حمامتين فباضتا في أسفله، والعنكبوت فنسجت عليه.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللَّهم أعم أبصارهم» فجعلوا يتردّدون حول الغار ولا يفطنون.
وقد أخذ الله بأبصارهم عنه.
وقالوا: من أنكر صحبة أبي بكر رضي الله عنه فقد كفر، لإنكاره كلام الله، وليس ذلك لسائر الصحابة ﴿ سَكِينَتَهُ ﴾ ما ألقى في قلبه من الأمنة، التي سكن عندها وعلم أنهم لا يصلون إليه، والجنود الملائكة يوم بدر، والأحزاب وحنين.
وكلمة الذين كفروا: دعوتهم إلى الكفر ﴿ وَكَلِمَةُ الله ﴾ دعوته إلى الإسلام.
وقرئ: ﴿ كلمة الله ﴾ بالنصب، والرفع أوجه و ﴿ هِىَ ﴾ فصل أو مبتدأ، وفيها تأكيد فضل كلمة الله في العلوّ، وأنها المختصة به دون سائر الكلم ﴿ خِفَافًا وَثِقَالاً ﴾ خفافاً في النفور لنشاطكم له، وثقالاً عنه لمشقته عليكم، أو خفافاً لقلة عيالكم وأذيالكم، وثقالاً لكثرتها.
أو خفافاً من السلاح وثقالاً منه.
أو ركباناً ومشاة.
أو شباباً وشيوخاً.
أو مهازيل وسماناً.
أو صحاحاً ومراضاً.
وعن ابن أمّ مكتوم أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أعليّ أن أنفر؟
قال: نعم، حتى نزل قوله: ﴿ لَّيْسَ عَلَى الأعمى حَرَجٌ ﴾ [النور: 61] .
وعن ابن عباس: نسخت بقوله: ﴿ لَّيْسَ عَلَى الضعفاء وَلاَ على المرضى ﴾ [التوبة: 91] وعن صفوان بن عمرو: كنت والياً على حمص، فلقيت شيخاً كبيراً قد سقط حاجباه من أهل دمشق على راحلته يريد الغزو.
فقلت: يا عمّ لقد أعذر الله إليك فرفع حاجبيه وقال: يا ابن أخي استنفرنا الله خفافاً وثقالاً، إلا أنه من يحبه الله يبتله.
وعن الزهري: خرج سعيد بن المسيب إلى الغزو، وقد ذهبت إحدى عينيه، فقيل له: إنك عليل صاحب ضرر، فقال: استنفرنا الله الخفيف والثقيل، فإن لم يمكنّي الحرب كثرت السواد وحفظت المتاع ﴿ وجاهدوا بأموالكم وَأَنفُسِكُمْ ﴾ إيجاب للجهاد بهما إن أمكن، أو بأحدهما على حسب الحال والحاجة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكم إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ اثّاقَلْتُمْ ﴾ تَباطَأْتُمْ، وقُرِئَ « تَثاقَلْتُمْ» عَلى الأصْلِ و ﴿ اثّاقَلْتُمْ ﴾ عَلى الِاسْتِفْهامِ لِلتَّوْبِيخِ.
﴿ إلى الأرْضِ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِهِ كَأنَّهُ ضُمِّنَ مَعْنى الإخْلادِ والمَيْلِ فَعُدِّي بِإلى، وكانَ ذَلِكَ في غَزْوَةِ تَبُوكَ أُمِرُوا بِها بَعْدَ رُجُوعِهِمْ مِنَ الطّائِفِ في وقْتِ عُسْرَةٍ وقَيْظٍ مَعَ بُعْدِ الشُّقَّةِ وكَثْرَةِ العَدُوِّ فَشَقَّ عَلَيْهِمْ.
﴿ أرَضِيتُمْ بِالحَياةِ الدُّنْيا ﴾ وغُرُورِها.
﴿ مِنَ الآخِرَةِ ﴾ بَدَلَ الآخِرَةِ ونَعِيمِها.
﴿ فَما مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ فَما التَّمَتُّعُ بِها.
﴿ فِي الآخِرَةِ ﴾ في جَنْبِ الآخِرَةِ.
﴿ إلا قَلِيلٌ ﴾ مُسْتَحْقَرٌ.
﴿ إلا تَنْفِرُوا ﴾ إنْ لا تَنْفِرُوا إلى ما اسْتُنْفِرْتُمْ إلَيْهِ.
﴿ يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا ﴾ بِالإهْلاكِ بِسَبَبٍ فَظِيعٍ كَقَحْطٍ وظُهُورِ عَدُوٍّ.
﴿ وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ﴾ ويَسْتَبْدِلْ بِكم آخَرِينَ مُطِيعِينَ كَأهْلِ اليَمَنِ وأبْناءِ فارِسٍ.
﴿ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا ﴾ إذْ لا يَقْدَحُ تَثاقُلُكم في نَصْرِ دِينِهِ شَيْئًا فَإنَّهُ الغَنِيُّ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ وفي كُلِّ أمْرٍ.
وقِيلَ الضَّمِيرُ لِلرَّسُولِ أيْ ولا تَضُرُّوهُ فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى وعَدَ لَهُ بِالعِصْمَةِ والنَّصْرِ ووَعْدُهُ حَقٌّ.
﴿ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ فَيَقْدِرُ عَلى التَّبْدِيلِ وتَغْيِيرِ الأسْبابِ والنُّصْرَةِ بِلا مَدَدٍ كَما قالَ: <div class="verse-tafsir"
{إِلاَّ تَنفِرُواْ} إلى الحرب {يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا} سخط عظيم على المتثاقلين حيث أوعدهم بعذاب أليم مطلق يتناول عذاب الدراين وأنه يهلكهم ويستبدل بهم قوما آخرين خير منهم وأطوع وأنه غني عنهم في نصرة دينه لا يقدح تثاقلهم فيها شيئاً وقيل الضمير في وَلاَ تَضُرُّوهُ للرسول عليه السلام لأن الله وعده أن يعصمه من الناس وأن ينصره ووعده كائن لا محالة {والله على كُلّ شَيْءٍ} من التبديل والتعذيب وغيرهما {قدير}
﴿ إلا تَنْفِرُوا ﴾ أيْ: إلّا تَخْرُجُوا إلى ما دَعاكم رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِلْخُرُوجِ لَهُ ( ﴿ يُعَذِّبْكُمْ ﴾ ) أيِ: اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ( ﴿ عَذابًا ألِيمًا ﴾ ) بِالإهْلاكِ بِسَبَبٍ فَظِيعٍ لِقَحْطٍ، وظُهُورِ رَعْدٍ، وخَصَّ بَعْضُهُمُ التَّعْذِيبَ بِالآخِرَةِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وعَمَّمَهُ آخَرُونَ واعْتَبَرُوا فِيهِ الإهْلاكَ لِيَصِحَّ عَطْفُ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( ويَسْتَبْدِلْ ) عَلَيْهِ أيْ ويَسْتَبْدِلْ بِكم بَعْدَ إهْلاكِكم ( قَوْمًا غَيْرَكم ) وصَفَهم بِالمُغايَرَةِ لَهم لِتَأْكِيدِ الوَعِيدِ والتَّشْدِيدِ في التَّهْدِيدِ بِالدَّلالَةِ عَلى المُغايَرَةِ الوَصْفِيَّةِ والذّاتِيَّةِ المُسْتَلْزَمَةِ لِلِاسْتِئْصالِ، أيْ قَوْمًا مُطِيعِينَ مُؤْثِرِينَ لِلْآخِرَةِ عَلى الدُّنْيا لَيْسُوا مِن أوْلادِكم ولا أرْحامِكم وهم أبْناءُ فارِسَ كَما قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ أوْ أهْلُ اليَمَنِ كَما رُوِيَ عَنْ أبِي رَوْقٍ أوْ ما يَعُمُّ الفَرِيقَيْنِ كَما اخْتارَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ ( ﴿ ولَمْ تَكُ شَيْئًا ﴾ ) مِنَ الأشْياءِ أوْ شَيْئًا مِنَ الضَّرَرِ، والضَّمِيرُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ أيْ لا يَقْدَحُ تَثاقُلُكم في نُصْرَةِ دِينِهِ أصْلًا فَإنَّهُ سُبْحانَهُ الغَنِيُّ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ وفي كُلِّ أمْرٍ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَإنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ وعَدَهُ العِصْمَةَ والنَّصْرَ وكانَ وعْدُهُ سُبْحانَهُ مَفْعُولًا لا مَحالَةَ، والأوَّلُ هو المَرْوِيُّ عَنِ الحَسَنِ واخْتارَهُ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ، وغَيْرُهُ، ويُقَرِّبُ الثّانِيَ رُجُوعُ الضَّمِيرِ الآتِي إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ اتِّفاقًا ﴿ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ فَيَقْدِرُ عَلى إهْلاكِهِمْ والإتْيانِ بِقَوْمٍ آخَرِينَ، وقِيلَ: عَلى التَّبْدِيلِ وتَغْيِيرِ الأسْبابِ والنُّصْرَةِ بِلا مَدَدٍ فَتَكُونُ الجُمْلَةُ تَتْمِيمًا لِما قَبْلُ وتَوْطِئَةً لِما بَعْدُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، يعني: في الجهاد اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ، يعني: تثاقلتم، فأدغم التاء في الثاء، وحذفت الألف لتسكين ما بعدها يعني: قعدتم ولم تخرجوا.
وذلك أن النبيّ أمر الناس بالخروج إلى غزوة تبوك، وكان في أيام الصيف، حين اشتد الحر وطابت الثمار والظلال، فكانوا يتثاقلون عن الخروج، فعاتبهم الله تعالى فقال: أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ، يقول: آثرتم واخترتم عمل الدنيا على عمل الآخرة.
فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا، يعني: منفعة الدنيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ، يعني: بجنب منفعة الآخرة إلا ساعة، ويقال: معناها ما يتمتع به في الدنيا قليل عند ما يتمتع به أولياء الله في الجنة.
ثم خوفهم فقال تعالى: إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ الله، وأصله: إن لا تنفروا، فأدغم النون في اللام، ومعناه: إن لم تنفروا، يعني: إن لم تخرجوا إلى الغزو مع نبيكم يُعَذِّبكُمْ.
عَذاباً أَلِيماً، يعني: يسلط عليكم عدوكم أو يهلككم، وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ خيراً منكم وأطوع لله تعالى.
وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً، يقول: ولا تنقصوا عن ملكه شيئاً بجلوسكم عن الجهاد.
وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أن يستبدل بكم قوما غيركم.
<div class="verse-tafsir"
قال ع «١» : والأصوب عندي أنْ يكون الدِّينُ هاهنا عَلَى أشهر وجوهه، أي:
ذلك الشَّرْعُ والطَّاعة.
وقوله: فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ، أي: في الاثني عَشَرَ شَهْراً، أي: لا تظلموا أنفسكم بالمعاصي في الزمان كلِّه، وقال قتادة: المرادُ الأربعةُ الأشْهُرِ، وخُصِّصتْ تشريفاً لها.
قال سعيدُ بن المسيّب: كان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يحرِّم القتَالَ في الأشْهُرِ الحُرُم بما أنزل اللَّه في ذلك حتَّى نزلَتْ «براءة» .
وقوله تعالى: وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ، معناه: فيهنَّ فأحْرَى في غيرهن، وقوله:
كَافَّةً، معناه: جميعا.
إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (٣٧) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ (٣٨) إِلاَّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩)
وقوله سبحانه: إِنَّمَا النَّسِيءُ، يعني: فِعْلُ العرب في تأخيرهم الحُرْمَةَ، زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، أي: جارٍ مع كفرهم باللَّهِ، وخلافِهِمْ للحقِّ، فالكفر متكثِّر بهذا الفِعْلِ الذي هو باطلٌ في نفْسهِ وممَّا وُجِدَ في أشعارهم قَوْلُ جِذْلٍ الطَّعَانِ: [الوافر]
وَقَدْ عَلِمَتْ مَعَدٌّ أَنَّ قَوْمِي ...
كِرَامُ النَّاسِ إِنَّ لَهُمْ كِرَامَا
أَلَسْنَا النَّاسِئِينَ عَلَى مَعَدٍّ ...
شُهُورَ الحِلِّ نَجْعَلُهَا حَرَامَا «٢»
وقوله سبحانه: يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا، معناه: عاماً من الأعوام، وليس يريد أنَّ تلك كانَتْ مداولة.
وقوله سبحانه: لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، معناه: ليوافقُوا، والمواطَأَةُ: الموافقة.
وقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ ﴾ سَبَبُ نُزُولِها أنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَمّا حَثَّهم عَلى غَزْوِ الرُّومِ تَثاقَلُوا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
وقالَ قَوْمٌ: هَذِهِ خاصَّةً في مَنِ اسْتَنْفَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ فَلَمْ يَنْفِرْ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ «اسْتَنْفَرَ رَسُولُ اللَّهِ حَيًّا مِنَ العَرَبِ فَتَثاقَلُوا عَنْهُ، فَأمْسَكَ عَنْهُمُ المَطَرَ فَكانَ عَذابَهَمْ.» وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ﴾ وعِيدٌ شَدِيدٌ في التَّخَلُّفِ عَنِ الجِهادِ، وإعْلامٌ بِأنَّهُ يَسْتَبْدِلُ لَنَصْرِ نَبِيِّهِ قَوْمًا غَيْرَ مُتَثاقِلِينَ.
ثُمَّ أعْلَمَهم أنَّهم إنْ تَرَكُوا نَصْرَهُ لَمْ يَضُرُّوهُ، كَما لَمْ يَضْرُرْهُ ذَلِكَ إذْ كانَ بِمَكَّةَ.
وفي هاءِ "تَضُرُّوهُ" قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى اللَّهِ، والمَعْنى: لا تَضُرُّوا اللَّهَ بِتَرْكِ النَّفِيرِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ، فالمَعْنى: لا تَضُرُّوهُ بِتَرْكِ نَصْرِهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
* فَصْلٌ وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، قالُوا: نُسِخَ قَوْلُهُ: ﴿ إلا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا ﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً ﴾ ، وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: لَيْسَ هَذا مِنَ المَنسُوخِ، إذْ لا تَنافِيَ بَيْنَ الآَيَتَيْنِ، وإنَّما حُكْمُ كُلِّ آَيَةٍ قائِمٌ في مَوْضِعِها.
وذَكَرَ القاضِي أبُو يَعْلى عَنْ بَعْضِ العُلَماءِ أنَّهم قالُوا: لَيْسَ هاهُنا نَسْخٌ، ومَتى لَمْ يُقاوِمْ أهْلُ الثُّغُورِ العَدُوَّ، فَفَرْضٌ عَلى النّاسِ النَّفِيرُ إلَيْهِمْ، ومَتى اسْتَغْنَوْا عَنْ إعانَةِ مَن وراءَهم، عُذِّرَ القاعِدُونَ عَنْهم.
وقالَ قَوْمٌ هَذا في غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَفُرِضَ عَلى النّاسِ النَّفِيرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ .
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكم إذا قِيلَ لَكم انْفِرُوا في سَبِيلِ اللهِ اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ أرَضِيتُمْ بِالحَياةِ الدُنْيا مِنَ الآخِرَةِ فَما مَتاعُ الحَياةِ الدُنْيا في الآخِرَةِ إلا قَلِيلٌ ﴾ ﴿ إلا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا ويَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكم ولا تَضُرُّوهُ شَيْئًا واللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ هي بِلا اخْتِلافٍ نازِلَةٌ عِتابًا عَلى تَخَلُّفِ مَن تَخْلَّفَ عن رَسُولِ اللهِ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، وكانَتْ سَنَةَ تِسْعٍ مِنَ الهِجْرَةِ بَعْدَ الفَتْحِ بِعامٍ، غَزا فِيها الرُومَ في عِشْرِينَ ألْفًا بَيْنَراكِبٍ وراجِلٍ، وتَخَلَّفَ عنهُ قَبائِلُ مِنَ الناسِ ورِجالٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ كَثِيرُ ومُنافِقُونَ، فالعِتابُ في هَذِهِ الآيَةِ هو لِلْقَبائِلِ ولِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كانُوا بِالمَدِينَةِ، وخَصَّ الثَلاثَةَ: كَعْبَ بْنَ مالِكٍ، ومَرارَةَ بْنَ الرَبِيعِ، وهِلالَ بْنَ أُمَيَّةَ بِذَلِكَ التَذْنِيبِ الشَدِيدِ بِحَسَبِ مَكانِهِمْ مِنَ الصُحْبَةِ إذْ هم مِن أهْلِ بَدْرٍ ومِمَّنْ يُقْتَدى بِهِمْ، وكانَ تَخَلُّفُهم لِغَيْرِ عِلَّةٍ كَما يَأْتِي.
وقَوْلُهُ: ﴿ ما لَكُمْ ﴾ اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى التَقْرِيرِ والتَوْبِيخِ، وقَوْلُهُ: قِيلَ يُرِيدُ النَبِيَّ إلّا أنَّ صَرْفَهُ الفِعْلَ لا يُسَمّى فاعِلُهُ يَقْتَضِي غِلاظًا ومُخاشَنَةً ما.
والنَفْرُ هو التَنَقُّلُ بِسُرْعَةٍ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ لِأمْرٍ يَحْدُثُ، يُقالُ في ابْنِ آدَمَ: نَفَرَ إلى الأمْرِ يَنْفِرُ نَفِيرًا ونَفْرًا، ويُقالُ في الدابَّةِ: نَفَرَتْ تَنْفُرُ بِضَمِّ الفاءِ نُفُورًا، وقَوْلَهُ: ﴿ اثّاقَلْتُمْ ﴾ أصْلُهُ تَثاقَلْتُمْ أُدْغِمَتِ التاءُ في الثاءِ فاحْتِيجَ إلى ألِفِ الوَصْلِ، كَما قالَ: ﴿ فادّارَأْتُمْ ﴾ وكَما تَقُولُ: "ازَّيَّنَ"، وكَما قالَ الشاعِرُ: تُولِي الضَجِيجَ إذا ما اسْتافَها خَصِرًا ∗∗∗ عَذْبَ المَذاقِ إذا ما اتّابَعَ القُبَلُ وقَرَأ الأعْمَشُ -فِيما حَكى المَهْدَوِيُّ وغَيْرُهُ-: "تَثاقَلْتُمْ" عَلى الأصْلِ، وذَكَرَها أبُو حاتِمٍ "تَتَثاقَلْتُمْ" بِتاءَيْنِ ثُمَّ ثاءٍ مُثَلَّثَةٍ، وقالَ: هي خَطَأٌ أو غَلَطٌ، وصَوَّبَ "تَثاقَلْتُمْ" بِتاءٍ واحِدَةٍ وثاءٍ مُثَلَّثَةٍ إنْ لَوْ قُرِئَ بِها، وقَوْلُهُ: ﴿ اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ ﴾ عِبارَةٌ عن تَخَلُّفِهِمْ ونُكُولِهِمْ وتَرْكِهِمُ الغَزْوَ لِسُكْنى دِيارِهِمْ والتِزامِ نَخْلِهِمْ وظِلالِهِمْ، وهو نَحْوُ مَن: أخْلَدَ إلى الأرْضِ، وقَوْلُهُ: "أرَضِيتُمْ" تَقْرِيرٌ يَقُولُ: أرْضِيتُمْ نَزْرَ الدُنْيا عَلى خَطِيرِ الآخِرَةِ وحَظِّها الأسْعَدِ؟
ثُمَّ أخْبَرَ فَقالَ: إنَّ الدُنْيا بِالإضافَةِ إلى الآخِرَةِ قَلِيلٌ نَزْرٌ، فَتُعْطِي قُوَّةُ الكَلامِ التَعَجُّبَ مِن ضَلالِ مَن يَرْضى النَزْرَ بَدَلَ الكَثِيرِ الباقِي.
وقَوْلُهُ: ﴿ إلا تَنْفِرُوا ﴾ الآيَةُ، ﴿ إلا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ ﴾ شَرْطٌ وجَوابٌ، وقَوْلُهُ: "يُعَذِّبْكُمْ" لَفْظٌ عامٌّ يَدْخُلُ تَحْتَهُ أنْواعُ عَذابِ الدُنْيا والآخِرَةِ، والتَهْدِيدُ بِعُمُومِهِ أشَدُّ تَخْوِيفًا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: يُرِيدُ: يُعَذِّبُكم بِإمْساكِ المَطَرِ عنكُمْ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ: «اسْتَنْفَرَ رَسُولُ اللهِ قَبِيلَةً مِنَ القَبائِلِ فَقَعَدَتْ فَأمْسَكَ اللهُ عنها المَطَرَ وعَذَّبَها بِهِ،» و"ألِيمٌ" بِمَعْنى مُؤْلِمٍ، بِمَنزِلَةِ قَوْلِ عَمْرِو بْنِ مَعْدِيَكْرِبَ: أمِن رَيْحانَةَ الداعِي السَمِيعِ ∗∗∗ ∗∗∗......................
وقَوْلُهُ: ﴿ وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ﴾ تَوَعُّدٌ بِأنْ يُبَدِّلَ لِرَسُولِ اللهِ قَوْمًا لا يَقْعُدُونَ عِنْدَ اسْتِنْفارِهِ إيّاهُمْ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا ﴾ عائِدٌ عَلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، أيْ: لا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِن عِزِّهِ وعِزِّ دِينِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى النَبِيِّ ، وهو ألْيَقُ.
﴿ واللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ أيْ: عَلى كُلِّ شَيْءٍ مَقْدُورٌ، وتَبْدِيلُهم مِنهُ لَيْسَ بِمُحالٍ مُمْتَنِعٍ.
<div class="verse-tafsir"
هذا ابتداء خطاب للمؤمنين للتحريض على الجهاد في سبيل الله، بطريقة العتاب على التباطئ بإجابة دعوة النفير إلى الجهاد، والمقصود بذلك غزوة تبوك.
قال ابن عطية: «لا اختلاف بين العلماء في أنّ هذه الآية نزلت عتاباً على تخلّف مَن تخلّف عن غزوة تبوك، إذ تخلّف عنها قبائل ورجال من المؤمنين والمنافقون» فالكلام متّصل بقوله: ﴿ وقاتلوا المشركين كافة ﴾ [التوبة: 36] وبقوله ﴿ قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر إلى قوله فذوقوا ما كنتم تكنزون ﴾ [التوبة: 29 35] كما أشرنا إليه في تفسير تلك الآيات.
وهو خطاب للذين حصل منهم التثاقل، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم استنفر المسلمين إلى تلك الغزوة، وكان ذلك في وقت حرّ شديد، واستقبل سفراً بعيداً ومفازاً، حين نضجت الثمار، وطابت الظلال، وكان المسلمون يومئذٍ في شدّة حاجة إلى الظهر والعُدّة.
فلذلك سُمّيت غزوة العُسرة كما سيأتي في هذه السورة، فجلى رسولُ الله للمسلمين أمرهم ليتأهّبوا أهبة عدوّهم، وأخبرهم بوجههِ الذي يريد، وكان قبل ذلك لا يريد غزوة إلاّ وَرَّى بما يوهم مكاناً غير المكان المقصود، فحصل لبعض المسلمين تثاقل، ومن بعضهم تخلّف، فوجه الله إليهم هذا الملام المعقّب بالوعيد.
فإنّ نحن جرَينا على أنّ نزول السورة كان دفعة واحدة، وأنّه بعد غزوة تبوك، كما هو الأرجح، وهو قول جمهور المفسّرين، كان محمل هذه الآية أنّها عتاب على ما مضى وكانت ﴿ إذا ﴾ مستعملة ظرفاً للماضي، على خلاف غالب استعمالها، كقوله تعالى: ﴿ وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها ﴾ [الجمعة: 11] وقوله: ﴿ ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ﴾ [التوبة: 92] الآية، فإنّ قوله: ﴿ وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله ﴾ [النساء: 75] صالح لإفادَة ذلك، وتحذيرٌ من العودة إليه، لأنّ قوله: ﴿ إلاَّ تنفروا ﴾ و ﴿ إلاّ تنصروه ﴾ و ﴿ انفروا خفافاً ﴾ مراد به ما يستقبل حين يُدعَون إلى غزوة أخرى، وسنبيّن ذلك مفصّلاً في مواضعه من الآيات.
وإن جرينا على ما عَزاه ابن عطية إلى النقاش: أنّ قوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض ﴾ هي أول آية نزلت من سورة براءة، كانت الآية عتاباً على تكاسللٍ وتثاقللٍ ظهرا على بعض الناس، فكانت ﴿ إذا ﴾ ظرفاً للمستقبل، على ما هو الغالب فيها، وكان قوله: ﴿ إلا تنفروا يعذبكم عذاباً أليماً ﴾ [التوبة: 39] تحذيراً من ترك الخروج إلى غزوة تبوك، وهذا كلّه بعيد ممّا ثبت في «السيرة» وما ترجّح في نزول هذه السورة.
و ﴿ مَا ﴾ في قوله: و ﴿ ما لكم ﴾ اسم استفهام إنكاري، والمعنى: أي شيء، و وإذا} ظرف تعلّق بمعنى الاستفهام الإنكاري على معنى: أنّ الإنكار حاصل في ذلك الزمان الذي قيل لهم فيه: انفروا، وليس مضمّناً معنى الشرط لأنّه ظرفُ مُضيّ.
وجملة ﴿ اثاقلتم ﴾ في موضع الحال من ضمير الجماعة، وتلك الحالة هي محل الإنكار، أي: ما لكم متثاقلين.
يقال: ما لكَ فعلت كذا، وما لك تَفعل كذا كقوله: ﴿ ما لكم لا تناصرون ﴾ [الصافات: 25]، وما لك فاعِلاً، كقوله: ﴿ فما لكم في المنافقين فئتين ﴾ [النساء: 88].
والنَّفْر: الخروج السريع من موضع إلى غيره لأمرٍ يحدث، وأكثر ما يطلق على الخروج إلى الحرب، ومصدره حينئذٍ النفير.
وسبيل الله: الجهاد، سمّي بذلك لأنّه كالطريق الموصّل إلى الله، أي إلى رضاه.
و ﴿ اثَّاقلتم ﴾ أصله تثاقلتم قلبت التاء المثنّاة ثاء مثلّثة لتقارب مخرجيهما طلباً للإدغام، واجتلبت همزة الوصل لإمكان تسكين الحرف الأول من الكلمة عند إدغامه.
(والتثاقل) تكلّف الثقل، أي إظهار أنّه ثقيل لا يستطيع النهوض.
والثِقَل حالة في الجسم تقتضي شدّة تطلّبه للنزول إلى أسفل، وعُسرَ انتقاله، وهو مستعمل هنا في البطء مجازاً مرسلاً، وفيه تعريض بأنّ بُطأهم ليس عن عجز، ولكنّه عن تعلّق بالإقامة في بلادهم وأموالهم.
وعُدّي التثاقل ب ﴿ إلى ﴾ لأنّه ضمن معنى المَيل والإخلاد، كأنّه تثاقل يطلب فاعله الوصول إلى الأرض للقعود والسكون بها.
والأرض ما يمشي عليه الناس.
ومجموع قوله: ﴿ اثاقلتم إلى الأرض ﴾ تمثيل لحال الكارهين للغزو المتطلّبين للعُذر عن الجهاد كسلاً وجبناً بحال من يُطلب منه النهوض والخروج، فيقابل ذلك الطلب بالالتصاق بالأرض، والتمكّن من القعود، فيأبى النهوض فضلاً عن السير.
وقوله: ﴿ إلى الأرض ﴾ كلام موجه بديع: لأنّ تباطؤهم عن الغزو، وتطلّبهم العذر، كان أعظم بواعثه رغبتهم البقاء في حوائطهم وثمارهم، حتّى جعل بعض المفسّرين معنى اثاقلتم إلى الأرض: ملتم إلى أرضكم ودياركم.
والاستفهام في ﴿ أرضيتم بالحياة الدنيا ﴾ إنكاري توبيخي، إذ لا يليق ذلك بالمؤمنين.
و ﴿ مِنْ ﴾ في ﴿ من الآخرة ﴾ للبدل: أي كيف ترضون بالحياة الدنيا بدلاً عن الآخرة.
ومثل ذلك لا يُرضَى به والمراد بالحياة الدنيا، وبالآخرة: منافعهما، فإنّهم لمّا حاولوا التخلّف عن الجهاد قد آثروا الراحة في الدنيا على الثواب الحاصل للمجاهدين في الآخرة.
واختير فعل ﴿ رَضيتم ﴾ دون نحو آثرتم أو فضّلتم: مبالغة في الإنكار، لأن فعل (رضي بكذا) يدلّ على انشراح النفس، ومنه قول أبي بكر الصديق في حديث الغار «فشرب حتّى رضيت».
والمَتاع: اسم مصدر تمتّع، فهو الالتذاذ والتنعّم، كقوله: ﴿ متاعاً لكم ولأنعامكم ﴾ [عبس: 32] ووصفه ب ﴿ قليل ﴾ بمعنى ضعيف ودنيء استعير القليل للتافه.
ويحتمل أن يكون المتاع هنا مراداً به الشيء المتمتّع به، من إطلاق المصدر على المفعول، كالخلق بمعنى المخلوق فالإخبار عنه بالقليل حقيقة.
وحرف ﴿ في ﴾ من قوله: ﴿ في الآخرة ﴾ دالّ على معنى المقايسة، وقد جعلوا المقايسة من معاني ﴿ في ﴾ كما في «التسهيل» و«المغني»، واستشهدوا بهذه الآية أخذاً من «الكشاف» ولم يتكلّم على هذا المعنى شارحوهما ولا شارحو «الكشّاف»، وقد تكرّر نظيره في القرآن كقوله في سورة الرعد (26) ﴿ وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع ﴾ ، وقوله في حديث مسلم ما الدنيا في الآخرة إلاّ كمثَل ما يجعل أحدكم أصبعه في اليمّ فلينظر بم يرجع وهو في التحقيق (مِن) الظرفية المجازية: أي متاع الحياة الدنيا إذا أقحم في خيرات الآخرة كان قليلاً بالنسبة إلى كثرة خيرات الآخرة، فلزم أنّه ما ظهرت قلّته إلاّ عندما قيس بخيرات عظيمة ونسب إليها، فالتحقيق أنّ المقايسة معنى حاصل لاستعماللِ حرف الظرفية، وليس معنى موضوعاً له حرف (في).
﴿ إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا والله على كُلِّ شَئ قَدِيرٌ ﴾ هذا وعيد وتهديد عقب به الملام السابق، لأنّ اللوم وقع على تثاقل حصل، ولمّا كان التثاقل مفضياً إلى التخلّف عن القتال، صرّح بالوعيد والتهديد أن يعودوا لمثل ذلك التثاقل، فهو متعلّق بالمستقبل كما هو مقتضَى أداة الشرط.
فالجملة مستأنفة لغرض الإنكار بعد اللوم.
فإن كان هذا وعيداً فقد اقتضى أنّ خروج المخاطبين إلى الجهاد الذي استنفرهم إليه الرسول صلى الله عليه وسلم قد وجب على أعيَانهم كلّهم بحيث لا يغني بعضهم عن بعض، أي تعيّن الوجوب عليهم، فيحتمل أن يكون التعيين بسبب تعيين الرسول صلى الله عليه وسلم إياهم للخروج بسبب النفير العام، وأن يكون بسبب كثرة العدوّ الذي استُنفروا لقتاله، بحيث وجب خروج جميع القادرين من المسلمين لأنّ جيش العدوّ مثلَيْ عدد جيش الملسمين.
وعن ابن عباس أنّ هذا الحكم منسوخ نسخه قوله تعالى: ﴿ وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ﴾ [التوبة: 122] فيكون الجهاد قد سبق له حكم فرض العين ثم نقل إلى فرض الكفاية.
وهذا بناء على أنّ المراد بالعذاب الأليم في قوله: ﴿ يعذبكم عذاباً أليماً ﴾ هو عذاب الآخرة كما هو المعتاد في إطلاق العذاب ووصفِه بالأليم، وقيل: المراد بالعذاب الأليم عذاب الدنيا كقوله: ﴿ أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا ﴾ [التوبة: 52] فلا يكون في الآية حجّة على كون ذلك الجهاد واجباً على الأعيان، ولكنّ الله توعّدهم، إن لم يمتثلوا أمر الرسول عليه الصلاة والسلام، بأن يصيبهم بعذاب في الدنيا، فيكون الكلام تهديداً لا وعيداً.
وقد يرجح هذا الوجه بأنّه قرن بعواقب دنيوية في قوله: ﴿ ويستبدل قوماً غيركم ﴾ .
والعقوبات الدنيوية مصائب تترتّب على إهمال أسباب النجاح وبخاصّة ترك الانتصاح بنصائح الرسول عليه الصلاة والسلام، كما أصابهم يوم أُحد، فالمقصود تهديدهم بأنّهم إن تقاعدوا عن النفير هاجمهم العدوّ في ديارهم فاستأصلوهم وأتى الله بقوم غيرهم.
والأليم المؤلم، فهو فعيل مأخوذ من الرباعي على خلاف القياس كقوله تعالى: ﴿ تلك آيات الكتاب الحكيم ﴾ [لقمان: 2]، وقول عمرو بن معد يكرب: أمِنْ ريْحانَةَ الداعي السَّميع *** أي المُسمع.
وكتب في المصاحف ﴿ إلا ﴾ من قوله: ﴿ إلا تنفروا ﴾ بهمزة بعدها لامْ ألف على كيفية النطق بها مدغمة، والقياسُ أن يكتب (إن لا) بنون بعد الهمزة ثم لام ألف.
والضمير المسْتتر في ﴿ يعذبكم ﴾ عائد إلى الله لتقدّمه في قوله: ﴿ في سبيل الله ﴾ [التوبة: 38].
وتنكير ﴿ قوماً ﴾ للنوعية إذ لا تعيّن لهؤلاء القوم ضرورةَ أنّه معلَّقٌ على شرط عدم النفير وهم قد نَفَروا لمّا استُنفروا إلاّ عدداً غيرَ كثير وهم المخلّفون.
و ﴿ يستبدل ﴾ يبدل، فالسين والتاء للتأكيد والبدل هو المأخوذ عوضاً كقوله: ﴿ ومن يتبدّل الكفر بالإيمان ﴾ [البقرة: 108] أي ويستبدل بكم غيركم.
والضمير في ﴿ تضروه ﴾ عائد إلى ما عاد إليه ضمير ﴿ يعذبكم ﴾ والواو للحال: أي يعذّبكم ويستبدل قوماً غيركم في حال أن لا تضرّوا الله شيئاً بقُعودكم، أي يصبكم الضرّ ولا يصب الذي استنفركم في سبيله ضرّ، فصار الكلام في قوة الحصر، كأنّه قيل: إلاّ تنفروا لا تضرّوا إلاّ أنفسكم.
وجملة ﴿ والله على كل شيء قدير ﴾ تذييل للكلام لأنّه يحقّق مضمونَ لحاق الضرّ بهم لأنّه قدير عليهم في جملة كلّ شيء، وعدم لحاق الضرّ به لأنّه قدير على كلّ شيء فدخلت الأشياء التي من شأنها الضرّ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكم إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ ﴾ قالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ: دُعُوا إلى غَزْوَةِ تَبُوكَ فَتَثاقَلُوا فَنَزَلَ ذَلِكَ فِيهِمْ.
وَفي قَوْلِهِ: ﴿ اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: إلى الإقامَةِ بِأرْضِكم ووَطَنِكم.
والثّانِي: إلى الأرْضِ حِينَ أخْرَجَتِ الثَّمَرَ والزَّرْعَ.
قالَ مُجاهِدٌ: دُعُوا إلى ذَلِكَ أيّامَ إدْراكِ النَّخْلِ ومَحَبَّةِ القُعُودِ في الظِّلِّ.
الثّالِثُ: اطْمَأْنَنْتُمْ إلى الدُّنْيا، فَسَمّاها أرْضًا لِأنَّها فِيها، وهَذا قَوْلُ الضَّحّاكِ.
وَقَدْ بَيَّنَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أرَضِيتُمْ بِالحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الآخِرَةِ ﴾ يَعْنِي بِمَنافِعِ الدُّنْيا بَدَلًا مِن ثَوابِ الآخِرَةِ.
والفَرْقُ بَيْنَ الرِّضا والإرادَةِ أنَّ الرِّضا لِما مَضى، والإرادَةَ لِما يَأْتِي.
﴿ فَما مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلا قَلِيلٌ ﴾ لِانْقِطاعِ هَذا ودَوامِ ذاكَ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إلا تَنْفِرُوا ﴾ يَعْنِي في الجِهادِ.
﴿ يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: احْتِباسُ القَطْرِ عَنْهم هو العَذابُ الألِيمُ الَّذِي أوْعَدْتُمْ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالعَذابِ الألِيمِ أنْ يَظْفَرَ بِهِمْ أعْداؤُهم.
﴿ وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ﴾ يَعْنِي مِمَّنْ يَنْفِرُ إذا دُعِيَ ويُجِيبُ إذا أُمِرَ.
﴿ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ولا تَضُرُّوا اللَّهَ بِتَرْكِ النَّفِيرِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: ولا تَضُرُّوا الرَّسُولَ، لِما تَكَفَّلَ اللَّهُ تَعالى بِهِ مِن نُصْرَتِهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج أبو داود وابن المنذر وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله: ﴿ إلا تنفروا يعذبكم عذاباً أليماً ﴾ قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم استنفر حياً من أحياء العرب فتثاقلوا عنه، فأنزل الله هذه الآية فأمسك عنهم المطر فكان ذلك عذابهم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: لما نزلت ﴿ إلا تنفروا يعذبكم عذاباً أليماً ﴾ وقد كان تخلف عنه ناس في البدو يفقهون قومهم فقال المنافقون: قد بقي ناس في البوادي.
وقالوا: هلك أصحاب البوادي فنزلت ﴿ وما كان المؤمنون لينفروا كافة ﴾ [ التوبة: 122] .
وأخرج أبو داود وابن أبي حاتم والنحاس والبيهقي في سننه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ إلا تنفروا يعذبكم عذاباً أليماً ﴾ قال: نسختها ﴿ وما كان المؤمنون لينفروا كافة ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ﴾ ، قال مقاتل: إلا تنفروا مع نبيكم إلى الجهاد يعذبكم عذابًا أليمًا (١) (٢) - حيًّا من الأحياء فتثاقلوا عنه فأمسك عنهم المطر (٣) (٤) ﴿ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً ﴾ (٥) - (٦) وقوله تعالى: ﴿ وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ﴾ ، قال ابن عباس: يريد: من التابعين بإحسان (٧) -، أتى الله بقوم آخرين ينصر بهم الدين، وهم التابعون في قول ابن عباس (٨) (٩) (١٠) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا ﴾ الكناية في قول الحسن راجعة إلى الله تعالى (١١) (١٢) (١٣) (١) "تفسير مقاتل" 129 أ، ولفظه: إلا تنفروا في غزاة تبوك إلى عدوكم يعذبكم عذابًا أليمًا.
(٢) هذا هو معنى أثر ابن عباس التالي.
(٣) رواه ابن جرير 10/ 134، والحاكم في "المستدرك" 2/ 118، وصححه، ووافقه == الذهبي، ورواه أيضًا البيهقي في "السنن الكبرى"، كتاب: الجهاد، باب: النفير، رقم (17943) 9/ 83، ورواه مختصرًا أبو داود (2506)، كتاب: الجهاد، باب: في نسخ نفير العامة بالخاصة.
(٤) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 448.
(٥) رواه عنهما ابن جرير 10/ 135، وابن أبي حاتم 6/ 1797 - 1798، والصواب أن هذه الآية، وكذلك الآية التالية ﴿ انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا ﴾ محكمتان غير منسوختين؛ لأنه لا تنافي بينهم وبين الآية المدعى أنها ناسخة، وذلك لإمكان توجيه كل آية لحالة غير التي للأخرى، فالآيتان الأوليان لبيان حكم النفير حالة كون الجهاد فرض عين كحالة غلبة العدو على بلاد الإسلام، أو استنفار الإمام قومًا معينين، أو احتيج للجميع، أو كان النبي - - خارجاً للجهاد.
أما قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً ﴾ فهي لبيان حكم النفير حالة كون الجهاد فرض كفاية، فالآية تبين أن النفر في هذه الحالة واجب على بعضهم دون بعض.
انظر: "الناسخ والمنسوخ" للنحاس 2/ 436، و"الناسخ والمنسوخ" لابن العربي 2/ 249، و"الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه" لمكي بن أبي طالب ص 273، و"زاد المسير" 3/ 438، و"تفسير ابن كثير" 2/ 395.
(٦) انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 135، وابن الجوزي 3/ 438، والرازي 16/ 59.
(٧) انظر: "تفسير الرازي" 16/ 61.
(٨) سبق ذكره وتخريجه.
(٩) رواه الثعلبي 6/ 109 أ، والبغوي 4/ 48.
(١٠) انظر: "تفسير الثعلبي" 6/ 109 أ، والبغوي 4/ 48، والرازي 16/ 61.
قال الشوكاني في "فتح القدير" 2/ 526: ولا وجه للتعيين بدون دليل أقول: إن مراد السلف التمثيل لا الحصر، والله أعلم.
(١١) انظر: "زاد المسير" 3/ 438، و"تفسير الرازي" 16/ 61، والماوردي 2/ 363.
(١٢) انظر المصادر السابقة، نفس المواضع.
(١٣) كذا، والأصح أن يقول: من.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفروا ﴾ عتاب لمن تخلف عن غزوة تبوك ﴿ اثاقلتم إِلَى الأرض ﴾ عبارة عن تخلفهم، وأصل اثاقلتم تثاقلتم ﴿ إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ ﴾ شرط وجزاء وهو العذاب في الدنيا والآخرة.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ وكلمة الله ﴾ بالنصب: يعقوب.
الباقون: بالرفع.
الوقوف: ﴿ إلى الأرض ﴾ ط ﴿ من الآخرة ﴾ ط ﴿ قليل ﴾ ه ﴿ شيئا ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ معنا ﴾ ج لعطف ﴿ أنزل ﴾ على ﴿ نصره ﴾ مع عوارض الظروف.
﴿ السفلى ﴾ ط إلا لمن قرأ ﴿ وكلمة ﴾ بالنصب ﴿ العليا ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ في سبيل الله ﴾ ط ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ الشقة ﴾ ط ﴿ معكم ﴾ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال.
﴿ أنفسهم ﴾ ج لواو الابتداء والحال.
﴿ لكاذبون ﴾ ه ﴿ عنك ﴾ ج لحق الاستفهام مع اتصال الكلام معنى.
﴿ الكاذبين ﴾ ه ﴿ وأنفسهم ﴾ ط ﴿ بالمتقين ﴾ ه ﴿ يتردّدون ﴾ ه ﴿ القاعدين ﴾ ه ﴿ الفتنة ﴾ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال ﴿ لهم ﴾ ط ﴿ بالظالمين ﴾ ﴿ كارهون ﴾ ه ﴿ ولا تفتني ﴾ ط ﴿ سقطوا ﴾ ط ﴿ بالكافرين ﴾ ه.
التفسير: لما شرح الله معايب هؤلاء الكفار عاد إلى الترغيب في قتالهم.
عن ابن عباس أنها نزلت في غزوة تبوك سنة عشر؛ وذلك أنه لما رجع من الطائف أقام بالمدينة أياماً فأمر بجهاد الروم فاستثقله الناس لكون الزمان زمان صيف وللقحط ولبعد المسافة ولمزيد احتياج الاستعداد ولشدة الحر وللخوف من عسكر الروم ولوجود أسباب الرفاهية بالمدينة لكون الوقت وقت إدراك الثمار وحصول الغلات.
روي أن رسول الله ما خرج في غزوة إلا ورّى عنها بغيرها إلا في غزوة تبوك ليستعد الناس تمام العدة.
أصل النفر الخروج إلى مكان لأمر هاج عليه واسم ذلك القوم الذين يخرجون النفير.
وأصل ﴿ اثاقلتم ﴾ تثاقلتم كما قلنا في ﴿ فادّارأتم ﴾ ومعناه تبأطاتم.
وإنما عدّي بإلى لتضمين معنى الميل والإخلاد كقوله ﴿ أخلد إلى الأرض ﴾ أي مال إلى الدنيا وشهواتها.
وقيل: المراد لتم إلى الإقامة بأرضكم والبقاء فيها.
ومعنى الاستفهام في ﴿ مالكم ﴾ الإنكار.
وقرىء ﴿ أثاقلتم ﴾ على الاستفهام للإنكار أيضاً فيكون جواب "إذا" فعلاً آخر مدلولاً عليه بأثاقلتم كنحو ملتم، وذلك أن جواب "إذا" عامل في "إذا"، والاستفهام لا يعمل فيما قبله.
ويجوز على هذه أن يكون "إذا" لمجرد الظرفية والعامل فيه ما في ﴿ مالكم ﴾ من معنى الفعل كأنه قيل: ما تصنعون إذا قيل لكم و "من" في ﴿ من الآخرة ﴾ للبدل كقوله ﴿ لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون ﴾ كأنه قيل: قد ذكرنا الموجبات الكثيرة الداعية إلى القتال وبينا أنواع فضائحهم التي تحمل العاقل على مقاتلتهم، ولو لم يكن فيه إلا طاعة المعبود المستلزمة لثواب الآخرة لكفى به باعثاً.
﴿ فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة ﴾ أي في جنبها وفي مقابلها.
﴿ إلا قليل ﴾ ويجوز أن يراد بالقلة العدم إذ لا نسبة للمتناهي الزائل إلى غير المتناهي الباقي.
والظاهر أن هذا التثاقل لم يصدر من جميع المخاطبين لاستحالة إطباق هذه الأمة على المعصية والضلالة إلا أنه طالما أعطى للأكثر حكم الكل وأطلق لفظ الكل على الإغلب، ثم لما رغبهم في الجهاد بعرض الثواب عليهم رغبتهم فيه بعرض العقاب فقال ﴿ إلا تنفروا ﴾ ورتب عليه ثلاث خصال: الأولى قوله ﴿ يعذبكم عذاباً أليماً ﴾ قيل: هو عذاب الدنيا.
عن استنفرهم رسول الله فتثاقلوا فأمسك الله عنهم المطر.
وقال الحسن: الله أعلم بالعذاب الذي كان ينزل عليهم.
وقيل: هو عذاب الآخرة فإن الأليم لا يليق إلا به.
وقيل: إنه تهديد بالعذاب المطلق الشامل للدارين.
الثانية قوله ﴿ ويستبدل قوماً غيركم ﴾ يعني قوماً آخرين خيراً منهم وأطوع.
قيل: هم أهل اليمن.
عن أبي روق.
وقيل: أبناء فارس عن سعيد بن جبير.
وقيل: يحتمل أن يراد بهم الملائكة.
وقال الأصم: معناه أنه يخرجه من بين أظهركم وهي المدينة والأصح إبقاء الآية على الإطلاق.
الثالثة قوله ﴿ ولا تضروه شيئاً ﴾ قال الحسن: الضمير لله وفيه أنه غني عنهم في نصرة دينه بل في كل شيء.
وقال آخرون: الضمير للرسول لأن الله وعده أن يعصمه ووعد الله كائن لا محالة.
وفي قوله ﴿ والله على كل شيء قدير ﴾ تنبيه على أنه قادر على نصرة رسوله بأي وجه أراد، وقادر على إيقاع العذاب بكل من يخالف أمره كائناً من كان.
عن الحسن وعكرمة أن الآية منسوخة بقوله ﴿ وما كان المؤمنون لينفروا كافة ﴾ والصحيح أنها خطاب لمن استنفرهم رسول الله فلم ينفروا فلا نسخ.
قال الجبائي: في الآية دلالة على إبطال مذهب المرجئة من أن أهل القبلة لا وعيد لهم.
وقال القاضي: فيها دلالة على وجوب الجهاد سواء كان مع الرسول أولا لقوله ﴿ مالكم إذا قيل لكم ﴾ ولم ينص على أن القائل هو الرسول.
ومن قال إن الضمير في قوله ﴿ لا يضروه ﴾ عائد إلى الرسول فجوابه أن خصوص آخر الآية لا يمنع من عموم أولها.
ثم رغبهم في الجهاد بطريق آخر فقال ﴿ إلا تنصروه فقد نصره الله ﴾ وهذا كالتفسير لما تقدم.
والمعنى إن لم تشتغلوا بنصره فإن الله سينصره بدليل أن الله نصره وقواه حال ما لم يكن معه إلا رجل واحد ولا أقل من الواحد.
وفيه أنه لما أوجب له النصرة وقتئذّ فلن يخذله بعد ذلك.
وقوله ﴿ إذ أخرجه الذين كفروا ﴾ أي ألجؤه إلى أن خرج ظرف لنصره، و ﴿ ثاني اثنين ﴾ نصب على الحال ومعناه أحد اثنين لأنه إذا حضر اثنان فكل واحد منهما ثانٍ للآخر وواحد منهما.
وقوله ﴿ إذ هما في الغار ﴾ بدل من إذ أخرجه و ﴿ إذ يقول ﴾ بدل ثان والغار نقب عظيم في الجبل والمراد به ههنا نقب في أعلى ثور وهو جبل في يمين مكة على مسيرة ساعة.
واعلم أنا قد ذكرنا في سورة الأنفال أن قريشاً ومن بمكة تعاقدوا على قتل رسول الله فنزل ﴿ وإذ يمكر بك الذين كفروا ﴾ فأمره الله أن يخرج هو وأبو بكر الصديق إلى الغار.
فخرج وأمر علياً أن يضطجع على فراشه فلما وصلا إلى الغار دخل أبو بكر يلتمس ما في الغار فقال له الرسول: مالك؟
فقال: بأبي أنت وأمي، الغيران مأوى السباع والهوام فإن كان فيه شيء كان بي لا بك، فخرق عمامته وسد الحجرة وبقي حجر واحد فوضع عقبه عليه كيلا يخرج منه ما يؤذي الرسول .
فلما طلب المشركون الأثر وقربوا بكى أبو بكر خوفاً على رسول الله فقال : ﴿ لا تحزن إن الله معنا ﴾ وقيل: طلع المشركون فوق الغار فأشفق أبو بكر على رسول الله فقال إن تصب اليوم ذهب دين الله فقال : ما ظنك باثنين الله ثالثهما!
وقيل: لما دخلا الغار بعث الله حمامتين فباضتا في أسفله، والعنكبوت فنسجت عليه وقال رسول الله : اللهم أعم أبصارهم.
فجعلوا يترددون حول الغار ولا يفطنون له قد أخذ الله أبصارهم عنه.
استدل أهل السنة بالآية على أفضلية أبي بكر وغاية اتحاده ونهاية صحبته وموافقة باطنه ظاهره وإلا لم يعتمد الرسول عليه في مثل تلك الحالة، وأنه كان ثاني رسول الله في الغار وفي العلم لقوله "ما صب في صدري شيء إلا وصببته في صدر أبي بكر" .
وفي الدعوة إلى الله لأنه عرض الإيمان أولاً على أبي بكر فآمن، ثم عرض أبو بكر الإيمان على طلحة والزبير وعثمان بن عفان وجماعة أخرى من أجلة الصحابة، وكان لا يفارق الرسول في الغزوات وفي أداء الجماعات وفي المجالس والمحافل، وقد أقامه في مرضه مقامه في الإمامة، ولما توفي دفن بجنب رسول الله ، وكان ثاني اثنين من أول أمره إلى آخره، ولو قدرنا أنه توفي رسول الله في ذلك السفر لزم أن لا يقوم بأمره ولا يكون وصيه إلا أبو بكر.
وأن لا يبلغ ما حدث في ذلك الطريق من الوحي والتنزيل إلا أبو بكر.
وقوله ﴿ لا تحزن ﴾ نهى عن الحزن مطلقاً والنهي يقتضي الدوام والتكرار فهو لا يحزن قبل الموت وعنده وبعده.
ولا شك أن من كان الله معه فإنه يكون من المتقين المحسنين لقوله ﴿ إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ﴾ قال الحسين بن فضيل: من أنكر صحبة غير أبي بكر من الصحابة فإنه يكون كذاباً مبتدعاً، ومن أنكر صحبة أبي بكر فإنه يكون كافراً لأنه خالف قول الله ﴿ إذ يقول لصاحبه ﴾ أجابت الشيعة بأن كونه ثاني اثنين ليس أعظم من كون الله رابعاً لكل ثلاثة في قوله ﴿ ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ﴾ وهذا عام في حق كل كافر ومؤمن.
وكون المصاحبة موجبة للتشريف معارض بقوله للكافر ﴿ قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك ﴾ وكما احتمل أن يقال إنه استخلصه لنفسه في هذا السفر لأجل الثقة، احتمل أن يكون ذلك لأجل إنه خاف أن يدل الكفار عليه أو يوقفهم على أسراره لو تركه.
ثم إن حزنه لو كان حقاً لم ينه عنه فهو ذنب وخطأ.
سلمنا دلالة الآية على فضل أبي بكر إلا أن اضطجاع علي على فراشه أعظم من ذلك فيه من خطر النفس.
أجاب أهل السنة بأن كون الله رابعاً لكل ثلاثة أمر مشترك، وكونه ثاني اثنين تشريف زائد اختص الله أبا بكر به على أن المعية هنالك بالعمل والتدبير وههنا بالصحبة والمرافقة، فأين إحداهما من الأخرى؟!
والصحبة في قوله ﴿ قال له صاحبه ﴾ مقرونة بما تقتضي الإهانة والإذلال وهو قوله ﴿ أكفرت ﴾ وفي الآية مقرونة بما يوجب التعظيم والإجلال وهو قوله ﴿ لا تحزن إن الله معنا ﴾ قالوا: والعجب أن الشيعة إذا حلفوا قالوا: وحق خمسة سادسهم جبريل.
واستنكروا أن يقال: وحق اثنين الله ثالثهما.
والاحتمال الذي ذكروه مدفوع بما روي أن أبا بكر هو الذي اشترى الراحلة للرسول وأن عبد الرحمن بن أبي بكر وأسماء بنت أبي بكر هما اللذان كانا يأتيانهما بالطعام مدة مكثهما في الغار وذلك ثلاثة أيام وقيل بضعة عشر يوماً.
وروي أن جبريل أتاه وهو جائع فقال؛ هذه أسماء قد أتتك بحيسة ففرح بذلك رسول الله وأخبر به أبا بكر، ولو كان أبو بكر قاصداً له لصاح بالكفار عند وصولهم إلى باب الغار، ولقال ابنه وابنته نحن نعرف مكان محمد.
وكون حزنه معصية معارض بقوله لموسى ﴿ لا تخف إنك أنت الأعلى ﴾ وقول الملائكة لإبراهيم ﴿ لا تخف وبشروه ﴾ ثم إنا لا ننكر أن اضطجاع علي على فراش الرسول طاعة وفضيلة إلا أن صحبة أبي بكر أعظم لأن الحاضر أعلى حالاً من الغائب، ولأن علياً ما تحمل المحنة إلا ليلة وأبو بكر مكث في الغار أياماً، وإنما اختار علياً للنوم على فراشه لأنه كان صغيراً لم يظهر عنه بعد دعوة بالدليل والحجة ولا جهاد بالسيف والسنان بخلاف أبي بكر فإنه قد دعا حينئذ جماعة إلى الدين وكان يذب عن الرسول بالنفس والمال، فكان غضب الكفار على أبي بكر أشد من غضبهم على عليّ ولهذا لم يقصدوا علياً بضرب ولا ألم لما عرفوا أن المضطجع هو.
ثم زعم أهل السنة أن الضمير في قوله ﴿ فأنزل الله سكينته عليه ﴾ عائد إلى أبي بكر لا إلى الرسول لأنه أقرب المذكورين فإن التقدير: إذ يقول محمد لصاحبه أبي بكر ولأن الخوف كان حاصلاً لأبي بكر والرسول كان آمناً ساكن القلب بما وعده الله من النصر، ولو كان خائفاً لم يمكنه إزالة الخوف عن غيره بقوله ﴿ لا تحزن ﴾ ولناسب أن يقال: فأنزل الله سكينته عليه فقال لصاحبه لا تحزن.
واعترض بأن قوله ﴿ وأيده ﴾ عطف على ﴿ فأنزل ﴾ فواجب أن يتحد الضميران في حكم العود.
وأجيب بأن قوله ﴿ وأيده ﴾ معطوف على قوله ﴿ فقد نصره ﴾ والتقدير: إلا تنصروه فقد نصره في واقعة الغار وأيده في واقعة بدر والأحزاب وحنين بالملائكة، والظاهر أن الحزن لا يبعد أن يكون شاملاً للنبي أيضاً من حيث البشرية كقوله ﴿ وزلزلوا ﴾ ويكون في الكلام تقديم وتأخير والتقدير: فأنزل الله سكينته عليه إذ يقول، أو يكون ﴿ فأنزل ﴾ معطوفاً على نصره.
والمراد بالسكينة ما ألقي في قلبه من الأمنة التي سكن عندها قلبه وعلم أنه منصور لا محالة كقوله في قصة حنين ﴿ ثم أنزل الله سكينته على رسوله ﴾ وقوله ﴿ وجعل ﴾ يعني يوم بدر وسائر الوقائع ﴿ كلمة الذين كفروا ﴾ وهي دعوتهم إلى الكفر وعبادة الأصنام ﴿ السفلى وكلمة الله ﴾ وهي دعوته إلى الإسلام أو كلمة التوحيد لا إله إلا الله ﴿ هي العليا ﴾ وفي توسيط كلمة الفصل - أعني هي - تأكيد فضل كلمة الله في العلو وأنها المختصة بالعلاء دون سائر الكلم.
قال الفراء: لا أحب قراءة نصب الكلمة لأن الأجود حينئذ أن يقال: وكلمته هي العليا.
ألا ترى أنك تقول: أعتق أبوك غلامه ولا تقول أعتق أبوك غلام أبيك؟
قلت: وفي الرفع أيضاً الاستئناف وما في الجملة الاسمية من الثبات ﴿ والله عزيز حكيم ﴾ قاهر غالب لا فعل له إلا الصواب.
ثم لما توعد من لا ينفر مع الرسول وضرب له من الأمثال ما وصف عقبه بالأمر الجزم فقال ﴿ انفروا خفافاً وثقالاً ﴾ قال المفسرون: أي خفافاً في النفور لنشاطكم وثقالاً عنه لمشقته عليكم، أو خفافاً لقلة عيالكم وثقالاً لكثرتهم، أو خفافاً من السلام وثقالاً منه، أو ركباناً ومشاة، أو شباناً وشيوخاً، أو مهازيل وسماناً، أو صحاحاً ومراضاً، والصحيح التعميم، وأن المراد انفروا سواء كنتم على الصفة التي يخف عليكم الجهاد معها أو على ضدها.
قال الأكثرون: ظاهر هذا الأمر يقتضي تناول جميع الناس حتى المرضى والعاجزين ويؤيده ما روي عن ابن أم مكتوم أنه قال لرسول الله : أعليّ أن أنفر؟
قال: ما أنت إلا خفيف أو ثقيل فرجع إلى أهله ولبس سلاحه ووقف بين يديه فنزل قوله ﴿ ليس على الأعمى حرج ﴾ وقال مجاهد: إن أبا أيوب شهد بدراً مع رسول الله ولم يتخلف عن غزوات المسلمين ويقول: قال الله ﴿ انفروا خفافاً وثقالاً ﴾ فلا أجدني إلا خفيفاً أو ثقيلاً.
وعن صفوان بن عمرو قال: كنت والياً على حمص فلقيت شيخاً كبيراً قد سقط حاجباه من أهل دمشق على راحلته يريد الغزو فقلت: يا عم لقد أعذر الله إليك.
فرفع حاجبيه وقال: يا ابن أخي استنفرنا الله خفافاً وثقالاً إلا أنه من يحبه الله يبتليه.
وعن الزهري: خرج سعيد بن المسيب إلى الغزو وقد ذهبت إحدى عينيه فقيل: إنك عليل صاحب ضرر.
فقال: استنفر الله الخفيف والثقيل فإن لم تمكني الحرب كثرت السواد وحفظت المتاع.
وعن أنس قال: قرأ أبو طلحة هذه الآية فقال: ما أسمع الله عذر أحداً فخرج مجاهداً إلى الشام حتى مات.
وقال السدي: جاء المقداد بن الأسود إلى رسول الله وكان عظيماً سميناً وشكا إليه وسأله أن يأذن له فنزل فيه ﴿ انفروا خفافاً وثقالاً ﴾ فاشتد شأنها على الناس فنسخها الله بقوله ﴿ ليس على الضعفاء ولا على المرضى ﴾ الآية.
وقيل: لا حاجة إلى التزام النسخ لأن هذه الآيات نزلت في غزوة تبوك بالاتفاق، ولا شك أنه خلف من النساء والرجال أقواماً فذلك يدل على أن هذا الوجوب ليس على الأعيان ولكنه من فروض الكفايات.
فمن أمره الرسول بأن يخرج لزمه ذلك ومن أمره أن يبقى لزمه أن يبقى.
ولقائل أن يقول: لا نزاع في هذا إنما النزاع في الضعفاء والمرضى.
ثم قال ﴿ وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم ﴾ وفي إيجاب للجهاد بهما إن أمكن، أو بالنفس إن لم يكن مال زائد على أسباب الجهاد، أو بالمال بأن يستنيب من يغزو وعنه إن لم تكن له نفس سليمة صالحة للجهاد وهذا قول كثير من العلماء.
﴿ ذلكم خير لكم ﴾ يعني أنه خير في نفسه أو أنه خير من القعود لما فيه من الراحة والدعة والنعيم العاجل.
وإنما قال ﴿ إن كنتم تعلمون ﴾ لأن ما يحصل من الخيرات في الجهاد لا يدرك إلا بالتأمل ولا يعرفه إلا المؤمن الذي عرف بالدليل أن وعد الله حق.
ثم نزل في المتخلفين عن غزوة تبوك من المنافقين ﴿ لو كان عرضاً قريباً ﴾ قال الزجاج: أي لو كان المدعو إليه فحذف لدلالة ما تقدم عليه.
والعرض ما عرض لك من منافع الدنيا ومنه قولهم: الدنيا عرض حاضر يأكل منه البر والفاجر، والمراد بالقرب سهولة مأخذه ﴿ وسفراً قاصداً ﴾ أي وسطاً بين القرب والبعد وكل متوسط بين الإفراط والتفريط فهو قاصد أي ذو قصد لأن كل أحد يقصده.
والشقة المسافة الشاقة الشاطة، ووصف المسافة البعيدة بالبعد مبالغة نحو جد جدّة.
وفحوى الكلام لو كانت المنافع قريبة الحصول والسفر وسطاً ﴿ لاتبعوك ﴾ طمعاً في الفوز بتلك المنافع ولكن طال السفر فكانوا كالآيسين من الفوز بالغنيمة.
ثم أخبر أنه سيجدهم إذا رجع من الجهاد يحلفون بالله إما ابتداء على طريق إقامة العذر وإما عندما يعاتبهم بسبب التخلف وقد وقع كما أخبر فكان معجزاً.
و ﴿ بالله ﴾ متعلق بـ ﴿ سيحلفون ﴾ أو هو من جملة كلام المتخلفين والقول مقدر في الوجهين أي سيحلفون بالله قائلين ﴿ لو استطعنا ﴾ وقوله ﴿ لخرجنا ﴾ سادّ مسدّ جوابي القسم ولو جميعاً.
قيل: في الآية دلالة على أن قوله ﴿ انفروا ﴾ خطاب للمستطيعين وإلا لما أمكنهم جعل عدم الاستطاعة عذراً في التخلف.
قال الجبائي: فيها دليل على أن الاستطاعة قبل الفعل وإلا لما كذبهم الله ، فإن لم من يخرج إلى القتال لم يكن مستطيعاً للقتال عند من يجعل الاستطاعة مع الفعل.
وقال الكعبي: زائداً عليه فإن قيل: لم لا يجوز أن يراد أنهم ما كان لهم زاد ولا راحلة ولا يراد نفس القدرة؟
قلنا إن من لا راحلة له يعذر في ترك الخروج فمن لا قدرة له أولى.
وأيضاً الظاهر من الاستطاعة قوة البدن وإذا أريد به المال فلأنه يعين على ما يفعله الإنسان بقوة البدن.
وأجيب بأن المعتزلة سلموا أن القدرة على الفعل لا تتقدم الفعل إلا بوقت واحد فإن الإنسان الجالس في مكان لا يكون قادراً في هذا الزمان على أن يفعل فعلاً في مكان بعيد عنه وإنما يقدر على فعله في المكان الملاصق لمكانه.
فالقوم الذين تخلفوا ما كانوا قادرين على القتال عندنا وعندهم فيلزمهم ما ألزموه علينا فوجب المصير إلى تفسير الاستطاعة بالزاد والراحلة فيسقط السؤال.
ولقائل أن يقول: إنهم وإن كانوا غير قادرين على القتال إلا أنهم كانوا قادرين على الاشتغال بأسباب القتال فيعود السؤال.
قال في الكشاف ﴿ يهلكون ﴾ بدل من ﴿ سيحلفون ﴾ أو حال أي يوقعونها في الهلاك بحلفهم الكاذب، أو حال من ضمير ﴿ خرجنا ﴾ أي لخرجنا معكم وإن ألقينا أنفسنا في التهلكة.
وإنما جاء به على لفظ الغائب لأنه مخبر عنهم.
حلف بالله ليفعلن أو لأفعلن فالغيبة على الإخبار والتكلم على الحكاية.
قلت: وفي الوجه الأخير نظر للزوم بناء أول الكلام على التكلم وآخره على الغيبة، ولعل الصحيح حينئذ أن لو قيل: لخرجنا معكم نهلك أنفسنا والله أعلم.
ثم بين أن ذلك التخلف من بعضهم كان بإذن الرسول ولهذا توجه عليه العتاب بقوله ﴿ عفا الله عنك ﴾ فإن العفو يستدعي سابقة الذنب.
وبقوله ﴿ لم أذنت لهم ﴾ فإنه استفهام في معنى الإنكار وبيان لما كنى عنه بالعفو.
قال قتادة وعمرو بن ميمون: شيئان فعلهما الرسول لم يؤمر بهما: إذنه للمنافقين وأخذه الفداء من الأسارى.
فعاتبه الله بطريق الملاطفة كما تسمعون.
والذي عليه المحققون أنه محمول على ترك الأولى.
وقوله ﴿ عفا الله عنك ﴾ إنما جاء على عادة العرب في التعظيم والتوقير فيقدمون أمثال ذلك بين يدي الكلام يقولون: عفا الله عنك ما صنعت في أمري، رضي الله عنك ما جوابك عن كلامي، وعافاك الله ألا عرفت حقي.
وبعد حصول العفو من الله يستحيل أن يكون قوله ﴿ لم أذنت لهم ﴾ وارداً على سبيل الذم والإنكار بل يحمل على ترك الأكمل والأولى لا سيما وهذه الواقعة كانت من جنس ما يتعلق بالحروب ومصالح الدنيا.
قال كثير من العلماء:في الآية دلالة على جواز الاجتهاد لأنه أذن لهم من تلقاء نفسه من غير أن يكون من الله في ذلك إذن وإلا لم يعاتب أو منع وإلا كان عاصياً بل كافراً لقوله ﴿ ومن لم يحكم بما أنزل الله ﴾ ولا ريب أنه لا يكون بمجرد التشهي فيكون بالاجتهاد ثم إنه لم يمنع من الاجتهاد مطلقاً وإنما منع إلى غاية هي قوله ﴿ حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين ﴾ ولا يمكن أن يكون المراد من ذلك التبين هو التبين بطريق الوحي وإلا كان ترك ذلك كبيرة فتعين أن يحمل التبين على استعلام الحال بطريق الاجتهاد ليكون الخطأ واقعاً في الاجتهاد لا في النص ويدخل تحت قوله "ومن اجتهد وأخطأ فله أجر واحد" وفي الآية دلالة على وجوب الاحتراز عن العجلة وترك الاغترار بظواهر الأمور.
قال قتادة.
عاتبه الله كما تسمعون ثم رخص له في سورة النور في قوله ﴿ فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم ﴾ .
قال أبو مسلم: يحتمل أن يريد بقوله ﴿ لم أذنت لهم ﴾ الإذن في الخروج لا في القعود، فقد يكون الخروج غير صواب لكونهم عيناً للمنافقين على المسلمين، وإذا كان هذا محتملاً فلا تتعين الآية لرخصة الإذن في القعود.
وقال القاضي: هذا بعيد لأن سياق الآية يدل على أن الكلام في القاعدين وفي بيان حالهم.
ثم ذكر أنه ليس من عادة المؤمنين أن يستأذنوا لأن الاستئذان من علامات النفاق فقال ﴿ لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا ﴾ أي في أن يجاهدوا، وكان الأكابر من المهاجرين والأنصار يقولون: لا نستأذن النبي في الجهاد وكانوا بحيث لو أمرهم بالقعود شق عليهم ذلك.
ألا ترى أن علي بن أبي طالب لما أمره الرسول صلىالله عليه وسلم بأن يبقى في المدينة شق عليه ذلك ولم يرض إلى أن قال له الرسول "أنت مني بمنزلة هارون من موسى" .
وقيل: إن حرف النفي مضمر كإضمار الجار والتقدير في أن لا يجاهد والآن سياق الآية يدل على ذم من يستأذن في القعود.
وعلى هذا يمكن أن يقال: معناه كراهة أن يجاهدوا وفي قوله ﴿ والله عليم بالمتقين ﴾ رمز إلى أنهم من جملة المتقين وأن لهم ثوابهم.
ثم بين الذين من شأنهم الاستئذان فقال ﴿ إنما يستأذنك ﴾ الآية.
وفيه أن الشاك في أمر الدين وفي أصوله لا في بعض مسائلة غير مؤمن بالله ، وفيه أن محل الريب واليقين هو القلب وأن الإيمان ليس مجرد الإقرار باللسان وإلا لم يصح نفيه عن المنافقين.
ومعنى قوله ﴿ فهم في ريبهم يترددون ﴾ أن الشاك متردد بين النفي والإثبات غير حاكم بأحد الطرفين.
وتقريره أن الاعتقاد إما أن يكون جازماً أولاً، فالجازم إن كان غير مطابق فهو الجهل وإن كان مطابقاً فإما بضرورة أو نظر فهو العلم أولاً وهو اعتقاد المقلد.
وغير الجازم إن كان أحد الطرفين راجحاً عنده فالراجع هو الظن والمرجوح هو الوهم، وإن تساوى الطرفان فهو الريب والشك فلهذا كانت الحيرة والتردد من شأن صاحبه كما أن الثبات والاستقرار ديدن المستبصر.
قال المفسرون: إن المستأذنين هم المنافقون وكانوا تسعة وثلاثين رجلاً.
ثم نعى على المنافقين سوء فعالهم فقال ﴿ ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ﴾ قال ابن عباس: يريد من الماء والزاد والراحلة لأن سفرهم بعيد والزمان شديد، فتركهم العدّة دليل على أنهم أرادوا التخلف.
قال العلماء: وفيه إشارة إلى أنهم كانوا مياسير قادرين على تحصيل الأهبة والعدّة.
﴿ ولكن كره الله انبعاثهم ﴾ أي انطلاقهم ﴿ فثبطهم ﴾ والتثبيط رد الإنسان عن الفعل الذي هم به.
ومعنى الاستدراك أن قوله ﴿ ولو أرادوا الخروج ﴾ يعطي معنى نفي الخروج وكأنه قيل: ما خرجوا ولكن تنبطوا لأن الله صرفهم عن ذلك كما تقول: ما أحسن إليّ زيد ولكن أساء إليّ.
ومثل هذا يسمى في علم البديع صنعة الاستدراك.
وقد يقال: تأكيد الذم بما يشبه المدح.
ولو قيل مثل هذا في المنع لقيل تأكيد المدح بما يشبه الذم.
وههنا سؤال وهو أن خروجهم مع الرسول إن كان مفسدة فلم عاتب الله رسوله في إذنه لهم بالقعود، وإن كان مصلحة فلم كره الله انبعاثهم؟
والجواب أنه كان مفسدة لقوله عقيب ذلك ﴿ لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً ﴾ وحديث العتاب ظاهر عند من لا يجوز الاجتهاد على الأنبياء لتمكنهم من استعلام الصواب بطريق الوحي، وكذا على قول أبي مسلم.
ومما يوهم أنه أذن لهم في الخروج قوله في هذه السورة ﴿ فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبداً ﴾ وقوله في سورة الفتح ﴿ سيقول لك المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم ﴾ إلى قوله ﴿ قل لن تتبعونا ﴾ وأما عندنا فإنما لم يستحسن الله من الرسول إذنه لهم بالقعود وإن كان قعودهم مصلحة لأنه أذن لهم قبل إتمام التفحص وإكمال التدبر ولأنه لو لم يأذن لهم فهم كانوا يقعدون من تلقاء أنفسهم فكان يصير ذلك القعود علامة على نفاقهم ولا تبقى حاجة إلى إظهار نفاقهم بوجوه أخر دالة على هتك أستارهم وكشف أسرارهم.
قال معتزلة البصرة: في الآية دلالة على أنه موصوف بصفة الكراهة كما أنه موصوف بصفة الإرادة.
قالت الأشاعرة: معنى كره الله أنه أراد عدم ذلك الشيء.
وزيف بأن العدم لا يصلح أن يكون متعلق الإرادة لأن العدم مستمر فتعلق الإرادة به يكون تحصيلاً للحاصل.
ويمكن أن يجاب بأن الإرادة صفة تقتضي ترجيح أحد طرفي الممكن على الآخر سواء في ذلك طرف الوجود وطرف العدم، وطرف العدم غير حاصل إلا بإرادة العدم فكيف يكون تعلق الإرادة به تحصيلاً للحاصل؟
وأيضاً عدم الشيء المخصوص ليس عدماً محضاً.
أما قوله ﴿ وقيل اقعدوا ﴾ فيحتمل أن يكون قد جعل إلقاء الله في قلوبهم كراهة الخروج أمراً بالقعود، ويحتمل أن يراد به قول الشيطان بطريق الوسوسة، أو قول بعضهم لبعض لما أرادوا الاجتماع على التخلف، أو هو قول الرسول كأنه غضب عليهم حين استأذنوه فقال على سبيل الزجر ﴿ اقعدوا مع القاعدين ﴾ فاغتنموا هذه اللفظة وقالوا قد أذن لنا فلهذا عوتب بقوله ﴿ لم أذنت لهم ﴾ أي لم ذكرت هذه اللفظة التي أمكنهم أن يتوسلوا بها إلى تحصيل غرضهم.
ومعنى قوله ﴿ مع القاعدين ﴾ ذم لهم وتعجيز وإلحاق بالنساء والصبيان والزمنى الذين شأنهم الجثوم في البيوت.
﴿ رضوا بأن يكونوا مع الخوالف ﴾ قال المفسرون: لما خرج رسول الله ضرب عسكره على ثنية الوداع وضرب عبد الله بن أبي عسكره على ذي حدة - أسفل من ثنية الوداع - ولم يكن بأقل العسكرين، فلما سار رسول الله تخلف عنه عبد الله بن أبي فيمن تخلف من المنافقين وأهل الريب فأنزل الله يعزي نبيه ﴿ لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً ﴾ فيكون استثناء متصلاً من أعم العام، وحمله على الاستثناء المنقطع بناء على أن التقدير ما زادوكم خيراً إلا خبالاً ضعيف.
والخبال في اللغة الفساد ومنه المخبل للمعتوه، وللمفسرين عبارات؛ قال الكلبي: إلا شراً.
وقال سلمان إلا مكراً.
وقال الضحاك: إلا غدراً.
وقيل: إلا خبثاً.
وقيل: هو الاضطراب في الرأي وذلك بتزيين أمر لقوم وتقبيحه لآخرين حتى يختلفوا وتتفرق كلمتهم.
قالت المعتزلة: دلت الآية على أنه كره انبعاثهم لاشتماله على هذا الخبال والشر.
وفيه دليل على أنه لا يريد إلا الخير والصلاح.
ولقائل: أن يقول إثبات حكم كلي بحكم جزئي غير معقول.
واعلم أنه عد من مفاسد خروجهم ثلاثة: الأول: قوله ﴿ ما زادوكم إلا خبالاً ﴾ الثاني: ﴿ ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة ﴾ قال في الكشاف: زيد ألف في الكتابة لأن الفتحة كانت تكتب ألفاً قبل الخط العربي والخط العربي اخترع قريباً من نزول القرآن وقد بقي من ذلك الألف أثر في الطباع فكتبوا صورة الهمزة ألفاً أخرى ونحوه ﴿ أو لأذبحنه ﴾ في النمل ﴿ لأتوها ﴾ في الأحزاب، ولا رابع لها في القرآن.
وفي الإيضاع قولان لأهل اللغة؛ فقال أكثرهم: هو متعد يقال: وضع البعير إذا عدا، وأوضعه الراكب إذا حمله على العدو.
وعلى هذا يكون في الآية حذف والتقدير: ولأوضعوا ركائبهم.
وقال الأخفش وأبو عبيد: إنه جاء لازماً ويقال: أوضع الرجل إذا سار بنفسه سيراً حثيثاً.
ومنه ما روي أن النبي أفاض من عرفة وعليه السكينة وأوضع في وادي محسر أي أسرع.
قال الواحدي: والآية تشهد للأخفش وأبي عبيد.
وعلى القولين المراد في الآية السعي بين المسلمين بالتضريب والنميمة والمبالغة في الأول أكثر لأن الراكب أسرع من الماشي.
ومعنى ﴿ خلالكم ﴾ أي فيما بينكم.
والخلل الفرجة فيما بين الشيئين.
و ﴿ يبغونكم الفتنة ﴾ أي يبغون لكم.
قال الأصمعي: يقال ابغني كذا وابغ لي أي اطلبه لأجلي.
ومعنى الفتنة هنا افتراق الكلمة والتشويش في المقاصد فعند ذلك يحصل الانهزام أسرع ما يكون.
فالحاصل من النوع الأول اختلاف الآراء، ومن الثاني المشي بالنميمة لتسهيل ذلك الغرض.
وأما النوع الثالث فذلك قوله ﴿ وفيكم سماعون لهم ﴾ قال مجاهد وابن زيد: أي عيون لهم ينقلون إليهم ما يسمعون منكم.
وقال قتادة: فيكم من يسمع كلامهم ويقبل قولهم وإذا تعاضد الفاعل والقابل وقع الأثر على أكمل الوجوه لا محالة.
واعترض على هذا القول بأنه كيف يجوز ذلك على المؤمنين مع قوة دينهم؟
وأجيب بأن ذلك إنما يقع لمن قرب عهده بالإسلام أو لمن جبل على الجبن والفشل أو لمن حسن ظنه ببعض المنافقين لقرابة أو هيبة، وقلما يخلو الأقوياء من ضعيف سخيف أو أهل الحق من مبطل منافق ولهذا ختم الآية بقوله ﴿ والله عليم بالظالمين ﴾ الذين ظلموا أنفسهم بكفرهم ونفاقهم وغيرهم بإلقاء الفتنة فيما بينهم.
ثم سلى نبيه بتوهين كيد أهل النفاق قديماً وحديثاً فقال ﴿ لقد ابتغوا الفتنة من قبل ﴾ أي من قبل وقعة تبوك.
قال ابن جريج: هو أن اثني عشر رجلاً من المنافقين وقفوا على ثنية الوداع ليلة العقبة ليفتكوا بالنبي .
وقيل: المراد ما فعله عبد الله بن أبي يوم أحد حين انصرف عن النبي مع أصحابه.
ومعنى الفتنة السعي في تشتيت شمل المسلمين والاختلاف الموجب للفرقة بعد الألفة فسلمهم الله منه ﴿ وقلبوا لك الأمور ﴾ حرفوها ودبروا كل الحيل والمكايد.
ومنه فلان حوّل قلب إذا كان دائراً حول مصايد المكايد ﴿ حتى جاء الحق ﴾ الذي هو القرآن ﴿ وظهر أمر الله ﴾ غلب دينه وشرعه ﴿ وهم كارهون ﴾ رد الله مكرهم في نحرهم وأتى بضد مقصودهم.
ولما كان الأمر كذلك في الماضي فكذا يكون الحال في المستقبل لقوله ﴿ ويأبى الله إلا أن يتم نوره ﴾ ﴿ ومنهم من يقول ائذن لي ﴾ في القعود ﴿ ولا تفتني ﴾ ولا توقعني في الفتنة وهي الإثم بأن لا تأذن لي فإني إن تخلفت بغير إذنك أثمت.
احتمل أن يكون قد ذكره على سبيل السخرية أو على سبيل الجد بأن كان يغلب على ظن ذلك المنافق صدق محمد وإن كان غير جازم به بعد.
وقيل: لا تفتني أي لا تلقني في التهلكة فإني إن خرجت معك هلك مالي وعيالي.
وقيل: قال الجد بن قيس؛ قد علمت الأنصار أني مستهتر بالنساء فلا تفتني ببنات الأصفر يعني نساء الروم، ولكني أعينك بما لي فاتركني، فأعرض عنه النبي وقال: قد أذنت لك فنزلت الآية.
فقال رسول الله لبني سلمة - وكان الجد منهم - من سيدكم يا بني سلمة؟
قالوا: جد بن قيس غير أنه بخيل جبان.
فقال النبي : وأي داء أدوى من البخل؟
بل سيدكم الفتى الأبيض الجعد الشعر البراء ابن معرور.
﴿ ألا في الفتنة سقطوا ﴾ أي إن الفتنة هي التي سقطوا فيها وهي فتنة النفاق والتمرد عن قبول التكليف المستتبع لشقاء الدارين ولهذا ختم الآية بقوله ﴿ وإن جهنم لمحيطة بالكافرين ﴾ أما في الدنيا فلإحاطة أسبابها بهم من النعي عليهم بالنفاق وإفشاء الأسرار وهتك الأستار وتحقير المقدار، وأما في الآخرة فلمآل حالهم إلى الدرك الأسفل من النار.
التأويل: أيها الأرواح والقلوب المؤمنة ما مصيبتكم وبلواكم إذ قيل لكم بالإلهام الرباني اخرجوا من الدنيا وما فيها في طلب والسير إليه، أثاقلتم إلى أرض الدنيا وشهواتها.
﴿ إلا تنفروا ﴾ من سجن الدنيا وقيود شهواتها ﴿ يعذبكم عذاباً أليماً ﴾ باستيلاء ظلمات الصفات النفسانية وغلبات الأوصاف السبعية والشيطانية وبألم البعد عن الحضرة الربانية ﴿ ويستبدل قوماً غيركم ﴾ من الأرواح والقلوب العاشقة الصادقة بل من العقول الكاملة المفارقة ﴿ إلا تنصروه ﴾ والرسول الوارد الرباني ﴿ فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ﴾ أي النفوس الأمارة الكافرة من أرض القبول.
﴿ ثاني اثنين ﴾ ثاني النفس الملهمة ﴿ إذ هما في ﴾ غار العدم.
﴿ وكلمة الله هي العليا ﴾ بجعل النفس المطمئنة بجذبة ﴿ ارجعي ﴾ {الفجر: 28] واصلة إلى مقام العنديه ﴿ انفروا ﴾ أيها الطلاب ﴿ خفافاً ﴾ مجردين من علائق الأهل والأولاد والأموال ﴿ وثقالاً ﴾ متلبسين بها، أو ﴿ خفافاً ﴾ مجذوبين بالعناية ﴿ وثقالاً ﴾ سالكين بالهداية ﴿ وجاهدوا ﴾ بقدمي بذل الأموال والأنفس.
وقدّم إنفاق المال لأن بذل النفس مع بقاء صفاتها الذميمة غير معتبر، ومن صفاتها الذميمة الحرص على الدنيا والبخل بها ذلكم خير لكم لأن الحاصل من المال ومن النفس الوزر والوبال.
والحاصل من الطلب الوصول والوصال ﴿ لو كان ﴾ مطلوبك يا محمد ﴿ عرضاً قريباً ﴾ هو الدنيا ونعيمها ﴿ وسفراً قاصداً ﴾ هو تتبع شهوات النفس وهواها ﴿ لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة ﴾ لأنها الخروج من الدنيا والعقبى.
﴿ وسيحلفون ﴾ يعني أرباب النفوس ﴿ لخرجنا معكم ﴾ يا أهل القلوب.
﴿ عفا الله عنك ﴾ قدم العفو على العتاب تحقيقاً لقوله ﴿ ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ﴾ {الفتح: 2] ﴿ فهم في ريبهم يترددون ﴾ بين أوصافهم الذميمة النفسانية والحيوانية بلا داعية لخروج إلى الأنوار الروحانية ﴿ لأعدوا له عدة ﴾ وهي متابعة الأنبياء ﴿ فثبطهم ﴾ حبسهم في سجن البشرية ﴿ ما زادوكم إلاَّ خبالاً ﴾ فيه إشارة إلى أن قعود أهل الطبيعة في حبس البشرية صلاح لأرباب القلوب وأصحاب السلوك لأنهم لو خرجوا لا عن نية صادقة وعزيمة صالحة ما زادوهم إلا تشويشاً وتفرقة لأقوالهم وأفعالهم وأحوالهم.
﴿ لقد ابتغوا الفتنة من قبل ﴾ يعني أن صفات النفس قبل البلوغ كانت تستخدم الروح في شهواتها ﴿ حتى جاء الحق ﴾ وهو العقل القابل لأوامر الشرع ﴿ وظهر أمر الله ﴾ وهو التكليف ﴿ ومنهم ﴾ أي من صفات النفس ﴿ من يقول ﴾ وهو الهوى ﴿ ائذن لي ﴾ في القعود عن الارتقاء في مدارج المعارف والمشارع ﴿ ولا تفتني ﴾ يا روح بتكليفي ما ليس من شأني.
وذلك أن الهوى مركب المحبة تستعمله الروح في تصاعده إلى ذروة الكمال والوصال.
﴿ ألا في الفتنة سقطوا ﴾ أي إن فتنة الهبوط هي الفتنة بالحقيقة ﴿ وإن جهنم ﴾ البعد والقطيعة من لوازم كفار النفس وصفاتها أعاذنا الله منها.
<div class="verse-tafsir"
ألا ترى أنه قال في الآية التي تتلو هذه: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱثَّاقَلْتُمْ إِلَى ٱلأَرْضِ ﴾ ، قال بعضهم: الآية في المنافقين الذين تخلفوا عن رسول الله في غزوة تبوك؛ كقوله: ﴿ وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِّنَ ٱلأَعْرَابِ مُنَٰفِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ...
﴾ الآية، فيفهم ذكر ذلك الوعيد.
وقال بعضهم: الآية في المؤمنين؛ أمروا أن ينفروا في سبيل الله.
﴿ ٱثَّاقَلْتُمْ إِلَى ٱلأَرْضِ ﴾ .
قيل: استثقلتم النفر في سبيل الله وأقمتم.
ويحتمل التثاقل: هو أن يروا من أنفسهم الثقل من غير أن أقاموا؛ كما يقال: يتصامم ويتعامى، من غير أن كان به الصمم والعمى، ولكن لما يرى من نفسه ذلك.
وقال بعض أهل الأدب: قوله: ﴿ ٱثَّاقَلْتُمْ ﴾ .
أي: تثاقلتم وركنتم إلى المقام، وذلك في القرآن كثير؛ كقوله: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا ٱدَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعاً ﴾ أي: تداركوا.
وقوله: ﴿ أَرَضِيتُمْ بِٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا مِنَ ٱلآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا فِي ٱلآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ ﴾ .
أي: ما متعكم في الدنيا قليل بما وعد أن يمتعكم في الآخرة.
أو أن يقال: متاع الحياة الدنيا من أولها إلى آخر ما تنتهي قليل من متاع الآخرة وكراماتها؛ لأن كرامات الدنيا على شرف الزوال، وكرامات الآخرة على الدوام أبداً.
أو أن يقول: متاع الحياة الدنيا قليل من متاع الآخرة؛ لأن متاع الدنيا ومنافعها تشوبه الآفات والمضرات، ومتاع الآخرة لا تشوبه الآفات والمضرات.
وقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ...
﴾ الآية.
عاتب المؤمنين بالتثاقل بالخروج إلى الأرض، ونهاهم عن الركون إلى الدنيا.
وقوله: ﴿ إِنَّمَا ٱلنَّسِيۤءُ زِيَادَةٌ فِي ٱلْكُفْرِ ﴾ .
أي: لما أحدث أولئك الملوك من تحليل ما حرم الله، وتحريم ما أحل الله زيادة في كفر أولئك أحدثوا من وقت إحداثهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يُضَلُّ بِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ .
يحتمل وجهين: يحتمل: ﴿ يُضَلُّ بِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ ، أي: يهلك به الذين كفروا، أي: الذين أحدثوا.
ويحتمل: ﴿ يُضَلُّ بِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ ، أي: ما أحدثوا أولئك الملوك إنما أحدثوا؛ ليضلوا به الأتباع ﴿ يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً ﴾ على ما ذكر في القصة أنهم كانوا يستحلون المحرم عاماً فيصيبون فيه الدماء والأموال، ويحرمونه عاماً فلا يستحلون فيه الدماء والأموال.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لِّيُوَاطِئُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ ﴾ قيل: ليوافقوا عدد ما حرم الله؛ كان عندهم أن التحريم إنما كان لعدد الأشهر [لا] للأشهر؛ لما في الأشهر، فحفظوا عدد الأشهر، ولم يحفظوا الوقت، وذلك تأويل قوله: ﴿ لِّيُوَاطِئُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوۤءُ أَعْمَالِهِمْ ﴾ ، أي: زين تأخير المحلل وتقديم المحرم ﴿ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ ﴾ .
قيل: لا يهديهم وقت اختيارهم الكفر، ولا يهديهم في الآخرة طريق الجنة؛ لكفرهم في الدنيا، وقد ذكرنا تأويله في غير موضع.
قال أبو عوسجة: النسيء: التأخير؛ يقال: نسأت الشهر، أي: أخرته، ويقال: أنسأ الله في أجلك، أي: أخره الله.
وقوله: ﴿ لِّيُوَاطِئُواْ ﴾ .
المواطأة: أن يدخلوا شهراً مكان شهر، وهو التتابع؛ يقال: تواطأ القوم على حديث كذا وكذا، أي: تتابعوا، وواطأت فلاناً، أي: تابعته.
وقال القتبي: النسيء: التأخير، وكانوا يؤخرون تحرم المحرم منها سنة، ويحرمون غيره مكانه؛ لحاجتهم إلى القتال فيه، ثم يردونه إلى التحريم في سنة أخرى؛ كأنهم ينسئون ذلك.
﴿ لِّيُوَاطِئُواْ ﴾ أي: ليوافقوا ﴿ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ ﴾ ، يقول: إذا حرموا من الشهور عدد الشهور المحرمة، لم يبالوا أن يحلوا الحرام ويحرموا الحلال.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً ﴾ .
أي: إن لم تنفروا يعذبكم عذاباً [أليماً]، فإن كانت الآية في المنافقين فهو ظاهر، وإن كانت في المؤمنين فيحتمل قوله: ﴿ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً ﴾ : يحل بهم، ولم يبين ما ذلك العذاب.
وقال بعضهم: شدد الله الوعيد في تركهم النفر والخروج في سبيل الله، وعلى ما شدد ببدر في التولية للدبر بقوله: ﴿ وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَىٰ فِئَةٍ ﴾ الآية [الأنفال: 16]، غير أنه شدد يوم بدر لما لم يكن ملجأ، وكان نفارهم نفار نفاق، وهاهنا شدد لغير ذلك؛ لوجوه: أحدها: لما في تخلف المؤمنين عنه موضع العذر للمنافقين بالتخلف عنه أنهم [إن تخلفوا] للعذر، فنحن نتخلف - أيضاً - للعذر، ولنا في ذلك عذر.
والثاني: يكون للكفار موضع الاحتجاج عليهم، يقولون: إنهم يرغبوننا في الآخرة ويحثوننا في ذلك، ثم إنهم ينفرون عن ذلك ويرغبون عنه.
والثالث: يكون في تخلفهم الشوكة على المؤمنين؛ إذ يقلون إذا تخلفوا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ﴾ .
[قيل فيه بوجوه: قيل: يستبدل الملائكة فينصروا رسول الله على ما استبدل يوم بدر ويوم حنين ويوم الأحزاب.
وقيل: يستبدل قوماً غيركم على ما استبدلكم يا أهل مكة فينصرونه.
وقال بعض من أهل التأويل: يستبدل قوماً غيركم] أي: ينشئ قوماً غيركم.
لكن تأويل الأول أشبه.
ألا ترى أنه قال في آخره: ﴿ إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ ﴾ .
وقوله: ﴿ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئاً ﴾ .
هو ما ذكرنا، أي: لا تضروا رسول الله بالتخلف عنه.
وقال بعضهم: لا تضروا الله [شيئاً].
والأول أشبه؛ لما ذكرنا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ ﴾ يقول: إن لم تنصروا رسول الله فالله ينصره، على ما نصره في الوقت الذي كان في الغار، لم يكن معه أحد من البشر إلا واحد، فإن لم تنصروه فالله كافيه في النصر، على ما كفاه ونصره في الحال التي لم يكن معه من البشر [أحد] إلا واحد، فاليوم لا ينصره ومعه من الأنصار والأعوان ما لا يحصى؟!
وكان ما استنفرهم رسول الله وأمرهم بالخروج إلى العدو، لم يكن يستنفرهم لمكان نفسه؛ إذ يعلم أن الله كافيه في نصره، ولكن إنما كان يستنفرهم ويأمرهم بالخروج لمكان أنفسهم؛ ليكتسبوا [بذلك] قرباً وثواباً عند الله وزلفى؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً ﴾ ، وقال: ﴿ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئاً ﴾ ، أي: إن لم تنفروا ولم تنصروا رسول الله فلا تضروه شيئاً؛ إذ الله كافيه في نصره.
وإنما عاتبهم بترك النفر والخروج؛ لئلا يركنوا إلى الدنيا، ولا يرضوا بالحياة الدنيا من الآخرة على ما ركن أولئك الكفرة؛ لأن ركونهم إلى الدنيا وحبهم إياها هو الذي منعهم عن اتباع محمد، وهو الذي حملهم على الكفر بالله، والتكذيب لرسوله، وترك الإجابة له فيما يدعوهم إليه فيقول - والله أعلم - للمؤمنين: ولا تركنوا إلى الدنيا، ولا ترضوا بها من الآخرة؛ ليمنعكم ذلك عن النفر والخروج إلى ما يأمركم رسول الله، على ما منع أولئك الكفرة؛ على ما ذكرنا.
وأصله: أنه إنما استنصرهم لا لحاجة له إلى نصرهم؛ إذ هو قادر أن ينصر رسوله بما شاء، لكن طلب منهم النصر له؛ ليكتسبوا بذلك ثواباً لأنفسهم، وذكراً في الأجل، وكذلك ما طلب منهم الشكر له على نعمه، لا لحاجة له في ذلك، ولكن ليستديموا النعمة، ويصلوا إلى الباقية الدائمة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ أَخْرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ .
أي: اضطروه إلى الخروج حين هموا بقتله، حتى خرج من بين أظهرهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ثَانِيَ ٱثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي ٱلْغَارِ ﴾ .
[ثاني اثنين] أي: لم يكن معه من البشر إلا واحد؛ ليعلموا أن النصر لم يكن بأحد من البشر، إنما كان بالله - - إذ بالواحد لا تكون النصرة والحفظ من ألوف، يذكر فضل أبي بكر، وكان هو ثانيه في كل أمره.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا ﴾ لم يكن حزن أبي بكر [خوفاً] على نفسه، ولكن إشفاقاً على رسول الله أن يصاب، وكذلك روي في الخبر أنه قال لرسول الله : يا رسول الله، إنك إن تُصبْ يذهب دين الله، ولن يعبد الله على الوجه الأرض.
وفي بعض الأخبار "أن أبا بكر كان يبكي إشفاقاً على رسول الله، فقال له رسول الله : ما يبكيك؟، فقال له: يا أبا بكر، ما ظنك باثنين ثالثهما الله" وقيل: إنهما لما أتيا باب الغار سبق أبو بكر فدخل الغار، وكان الغار معروفاً بالهوام، فألقمها أبو بكر قدميه، فأطال ذلك، فقال: إن كان فيه شيء بدا لي، أو كلام نحو هذا، - والله أعلم -.
[وقوله] ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا ﴾ : ليس بنهي عن الحزن و[الخوف على رسول الله ]، ولكن على تخفيف الأمر عليه وتيسير الحال التي هو عليها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ ﴾ .
قيل: أنزل سكينته على أبي بكر حين قال له رسول الله: "ما ظنك باثنين ثالثهما الله؟!" ، حتى سكن قلب أبي بكر من الحزن والخوف على رسول الله .
وقال بعضهم: أنزل السكينة على رسول الله؛ فهو يخرج على وجهين: أحدهما: أنه أنزل السكينة عليه حتى رأى هو جنوداً لم يروها هم؛ حيث قال: ﴿ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا ﴾ .
والثاني: أنزل سكينته بالحجج والبراهين، لكنه إن كان ما ذكر، فهو قد أنزل السكينة عليه في البدء؛ لأنه كان رسول الله لا يخاف سوى الله، ويعلم أنه ينصره، وكذلك روي عن ابن عباس قال: فأنزل [الله] سكينته على أبي بكر؛ لأن النبي لم تزل السكينة معه؛ وهو أشبه.
وقوله: ﴿ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا ﴾ .
يحتمل: في ذلك الوقت.
ويحتمل: في الغزوات التي نصره بالملائكة يوم بدر وغيره؛ يخبر أنه قادر أن ينصره لا بالبشر؛ ليعلموا أنه إنما يأمرهم بالنصر، لا لنصر رسول الله، ولكن ليكتسبوا بذلك ما ذكرنا من الثواب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفْلَىٰ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِيَ ٱلْعُلْيَا ﴾ .
[يحتمل ﴿ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ : وهو ما مكروا برسول الله وهموا بقتله جعل مكرهم ومكيدتهم واجتماعهم على ذلك هي السفلى وكلمة الله هي العليا].
أي: مكر الله [بهم] ونصرة رسوله هي العليا؛ كقوله: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ...
﴾ الآية [الأنفال: 30].
ويحتمل قوله: ﴿ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ : دينهم الذي يدينون به، ومذهبهم الذي ينتحلونه.
﴿ ٱلسُّفْلَىٰ ﴾ ، أي: جعل ذلك السفلى بالحجج، وجعل دين محمد [هو] العليا بالحجج والبراهين على ذلك ما كان.
ويحتمل قوله: ﴿ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفْلَىٰ ﴾ ، أي: جعل أهل الكلمة الذين كفروا هم السفلى، وأهل دين الله هم الأعلون؛ كقوله: ﴿ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ ﴾ لا يعجزه شيء ﴿ حَكِيمٌ ﴾ : في أمره.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱنْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً ﴾ .
اختلف فيه؛ قيل: شباباً وشيوخاً.
وقيل: مرضى وأصحاء.
وقيل: مشاغيل وغير مشاغيل.
وقيل: فقراء وأغنياء.
وقيل: نشاطاً وغير نشاط.
وأصله: انفروا مستخفين ومستثقلين، أي: انفروا، خف عليكم الخروج أو ثقل، وما ذكر أهل التأويل من الشيوخة والشغل والفقر والمرض؛ لأن ذلك بالذي يثقل الخروج والنفر.
وأصله ما ذكرنا أن انفروا، خف عليكم [ذلك] أو ثقل.
وقوله: ﴿ ٱنْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً ﴾ .
انفروا، خف على النفس أو ثقل، أو خف على العقل أو ثقل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ .
في الدنيا والآخرة، أي: اعلموا أن ذلك خير لكم من المقام وترك النفر، ﴿ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
إن لم تخرجوا -أيها المؤمنون- للجهاد في سبيل الله لقتال عدوكم يعاقبكم الله بالقهر والإذلال وغيره، ويستبدل بكم قومًا مطيعين لله إذا استنفروا للجهاد نفروا، ولا تضروه شيئًا بمخالفتكم أمره، فهو غني عنكم، وأنتم الفقراء إليه، والله على كل شيء قدير، لا يعجزه شيء، فهو قادر على نصر دينه ونبيه من دونكم.
<div class="verse-tafsir" id="91.NXNez"