الإسلام > القرآن > تفسير > الالوسي > سورة 38 ص > الآية ١٢
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 3 دقيقة قراءةوقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وعادٌ وفِرْعَوْنُ ذُو الأوْتادِ ﴾ إلى آخِرِهِ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ بِبَيانِ أحْوالِ العُتاةِ الطُّغاةِ مِمّا فَعَلُوا مِنَ التَّكْذِيبِ، وفُعِلَ بِهِمْ مِنَ العِقابِ، وذو الأوتاد صِفَةُ فِرْعَوْنَ لا لِجَمِيعِ ما قَبْلَهُ، وإلّا لَقِيلَ: ذَوُو الأوْتادِ، والأوتاد جَمْعُ وتَدٍ، وهو مَعْرُوفٌ، وكَسْرُ التّاءِ فِيهِ أشْهَرُ مِن فَتْحِها، ويُقالُ: وتَدَ واتِدٌ كَما يُقالُ: شَغَلَ شاغِلٌ، قالَهُ الأصْمَعِيُّ وأنْشَدَ: لاقَتْ عَلى الماءِ جُذَيْلًا واتِدًا ولَمْ يَكُنْ يُخْلِفْها المَواعِدا وقالُوا: ودٌّ بِإبْدالِ التّاءِ دالًا، والإدْغامِ، ووَتٌّ بِإبْدالِ الدّالِ تاءً، وفِيهِ قَلْبُ الثّانِي لِلْأوَّلِ وهو قَلِيلٌ، وأصْلُ إطْلاقِ ذَلِكَ عَلى البَيْتِ المُطْنَبِ بِأوْتادِهِ، وهو لا يَثْبُتُ بِدُونِها كَما قالَ الأعْشى: والبَيْتُ لا يُبْتَنى إلّا عَلى عُمُدٍ ∗∗∗ ولا عِمادَ إذا لَمْ تُرْسَ أوْتادُ فَقِيلَ: إنَّهُ شَبَّهَ هُنا فِرْعَوْنَ في ثَباتِ مُلْكِهِ ورُسُوخِ سَلْطَنَتِهِ بِبَيْتٍ ثابِتٍ أُقِيمَ عِمادُهُ، وثَبَتَتْ أوْتادُهُ تَشْبِيهًا مُضْمَرًا في النَّفْسِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ المَكْنِيَّةِ، ووُصِفَ بِذِي الأوْتادِ عَلى سَبِيلِ التَّخْيِيلِ، فالمَعْنى: كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وعادٌ، وفِرْعَوْنُ الثّابِتُ مُلْكُهُ، وسَلْطَنَتُهُ، وقِيلَ: شَبَّهَ المُلْكَ الثّابِتَ مِن حَيْثُ الثَّباتُ والرُّسُوخُ بِذِي الأوْتادِ، وهو البَيْتُ المُطْنَبُ بِأوْتادِهِ، واسْتُعِيرَ ذُو الأوْتادِ لَهُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ التَّصْرِيحِيَّةِ، قِيلَ: وهو أظْهَرُ مِمّا مَرَّ، نِهايَتُهُ أنَّهُ وصَفَ بِذَلِكَ فِرْعَوْنَ مُبالَغَةً لِجَعْلِهِ عَيْنَ مُلْكِهِ، والمَعْنى عَلى وصْفِهِ بِثَباتِ المُلْكِ ورُسُوخِ السَّلْطَنَةِ واسْتِقامَةِ الأمْرِ.
وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عَطِيَّةَ: الأوْتادُ الجُنُودُ يُقَوُّونَ مُلْكَهُ كَما يُقَوِّي الوَتَدُ الشَّيْءَ، أيْ وفِرْعَوْنُ ذُو الجُنُودِ، فالِاسْتِعارَةُ عَلَيْهِ تَصْرِيحِيَّةٌ في الأوْتادِ، وقِيلَ: هو مَجازٌ مُرْسَلٌ لِلُزُومِ الأوْتادِ لِلْجُنْدِ، وقِيلَ: المَبانِي العَظِيمَةُ الثّابِتَةُ، وفِيهِ مَجازٌ أيْضًا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ أُخْرى، وقَتادَةُ، وعَطاءٌ: كانَتْ لَهُ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ أوْتادٌ وخَشَبٌ يُلْعَبُ لَهُ بِها وعَلَيْها، وقِيلَ: كانَ يَشْبَحُ المُعَذَّبَ بَيْنَ أرْبَعِ سِوارٍ، كُلُّ طَرَفٍ مِن أطْرافِهِ إلى سارِيَةٍ، ويَضْرِبُ في كُلٍّ وتَدًا مِن حَدِيدٍ، ويَتْرُكُهُ حَتّى يَمُوتَ، ورُوِيَ مَعْناهُ عَنِ الحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، وقِيلَ: كانَ يَمُدُّهُ بَيْنَ أرْبَعَةِ أوْتادٍ في الأرْضِ، ويُرْسِلُ عَلَيْهِ العَقارِبَ والحَيّاتِ، وقِيلَ: يَشُدُّهُ بِأرْبَعَةِ أوْتادٍ، ثُمَّ يَرْفَعُ صَخْرَةً فَتُلْقى عَلَيْهِ فَتَشْدَخُهُ.
وعَلى هَذِهِ الأقْوالِ الأرْبَعَةِ، فالأوْتادُ ثابِتَةٌ عَلى حَقِيقَتِها، <div class="verse-tafsir"