تفسير سورة المائدة الآية ٥ عند الألوسي

الإسلام > القرآن > تفسير > الالوسي > سورة 5 المائدة > الآية ٥

ٱلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَـٰتُ ۖ وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ حِلٌّۭ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّۭ لَّهُمْ ۖ وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَـٰفِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِىٓ أَخْدَانٍۢ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِٱلْإِيمَـٰنِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُۥ وَهُوَ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ ٥

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 21 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

﴿ اليَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ ﴾ إعادَةُ هَذا الحُكْمِ لِلتَّأْكِيدِ والتَّوْطِئَةِ لِما بَعْدَهُ، وسَبَبُ ذِكْرِ اليَوْمِ يُعْلَمُ مِمّا ذُكِرَ أمْسِ.

وقالَ النَّيْسابُورِيُّ: فائِدَةُ الإعادَةِ أنْ يُعْلَمَ بَقاءُ هَذا الحُكْمِ عِنْدَ إكْمالِ الدِّينِ واسْتِقْرارِهِ، والأوَّلُ أوْلى.

﴿ وطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ ﴾ أيْ: حَلالٌ، والمُرادُ بِالمَوْصُولِ اليَهُودُ والنَّصارى، حَتّى نَصارى العَرَبِ عِنْدَنا، ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - أنَّهُ اسْتَثْنى نَصارى بَنِي تَغْلِبَ، وقالَ: «لَيْسُوا عَلى النَّصْرانِيَّةِ، ولَمْ يَأْخُذُوا مِنها إلّا شُرْبَ الخَمْرِ» وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ ابْنُ جُبَيْرٍ، وحَكاهُ الرَّبِيعُ عَنِ الشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - والمُرادُ بِطَعامِهِمْ ما يَتَناوَلُ ذَبائِحَهم وغَيْرَها مِنَ الأطْعِمَةِ، كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأبِي الدَّرْداءِ، وإبْراهِيمَ، وقَتادَةَ، والسُّدِّيِّ، والضَّحّاكِ، ومُجاهِدٍ - رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ - وبِهِ قالَ الجُبّائِيُّ والبَلْخِيُّ، وغَيْرُهم.

وفِي البُخارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّ المُرادَ بِهِ الذَّبائِحُ؛ لِأنَّ غَيْرَها لَمْ يُخْتَلَفْ في حِلِّهِ، وعَلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، وقِيلَ: إنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالحُبُوبِ، وما لا يُحْتاجُ فِيهِ إلى التَّذْكِيَةِ، وهو المَرْوِيُّ عِنْدَ الإمامِيَّةِ، عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - وبِهِ قالَ جَماعَةٌ مِنَ الزَّيْدِيَّةِ، فَلا تَحِلُّ ذَبائِحُهم عِنْدَ هَؤُلاءِ، وحُكْمُ الصّابِئِينَ حُكْمُ أهْلِ الكِتابِ عِنْدَ الإمامِ الأعْظَمِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - وقالَ صاحِباهُ: الصّائِبَةُ صِنْفانِ: صِنْفٌ يَقْرَءُونَ الزَّبُورَ ويَعْبُدُونَ المَلائِكَةَ، وصِنْفٌ لا يَقْرَءُونَ كِتابًا يَعْبُدُونَ النُّجُومَ، فَهَؤُلاءِ لَيْسُوا مِن أهْلِ الكِتابِ.

وأمّا المَجُوسُ فَقَدَ سُنَّ بِهِمْ سُنَّةَ أهْلِ الكِتابِ في أخْذِ الجِزْيَةِ مِنهم دُونَ أكْلِ ذَبائِحِهِمْ ونِكاحِ نِسائِهِمْ؛ لِما رَوىعَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبَيْهَقِيُّ، مِن طَرِيقِ الحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قالَ: ««كَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - إلى مَجُوسِ هَجَرَ يَعْرِضُ عَلَيْهِمُ الإسْلامَ، فَمَن أسْلَمَ قُبِلَ، ومَن أصَرَّ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الجِزْيَةُ غَيْرَ ناكِحِي نِسائِهِمْ»» وهو وإنْ كانَ مُرْسَلًا وفي إسْنادِهِ قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ وهو ضَعِيفٌ إلّا أنَّ إجْماعَ أكْثَرِ المُسْلِمِينَ - كَما قالَ البَيْهَقِيُّ - عَلَيْهِ يُؤَكِّدُهُ.

واخْتَلَفَ العُلَماءُ في حِلِّ ذَبِيحَةِ اليَهُودِيِّ والنَّصْرانِيِّ إذا ذُكِرَ عَلَيْها اسْمُ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى كَعُزَيْرٍ وعِيسى - عَلَيْهِما السَّلامُ - فَقالَ ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما -: لا تَحِلُّ، وهو قَوْلُ رَبِيعَةَ، وذَهَبَ أكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّها تَحِلُّ، وهو قَوْلُ الشَّعْبِيِّ وعَطاءٍ، قالا: فَإنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أحَلَّ ذَبائِحَهم وهو يَعْلَمُ ما يَقُولُونَ.

وقالَ الحَسَنُ: إذا ذَبَحَ اليَهُودِيُّ والنَّصْرانِيُّ فَذَكَرَ اسْمَ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى وأنْتَ تَسْمَعُ فَلا تَأْكُلْ، فَإذا غابَ عَنْكَ فَكُلْ فَقَدْ أحَلَّ اللَّهُ تَعالى لَكَ.

﴿ وطَعامُكم حِلٌّ لَهُمْ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ وكَثِيرٌ مِنَ المُتَأخِّرِينَ: إنَّ هَذا خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، والمَعْنى: لا جُناحَ عَلَيْكم أيُّها المُؤْمِنُونَ أنْ تُطْعِمُوا أهْلَ الكِتابِ مِن طَعامِكُمْ، فَلا تَصْلُحُ الآيَةُ دَلِيلًا لِمَن يَرى أنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ؛ لِأنَّ التَّحْلِيلَ حُكْمٌ، وقَدْ عَلَّقَهُ سُبْحانَهُ بِهِمْ فِيها كَما عَلَّقَ الحُكْمَ بِالمُؤْمِنِينَ، واعْتُرِضَ عَلى ظاهِرِهِ بِأنَّهُ إنَّما يَتَأتّى لَوْ كانَ الإطْعامُ بَدَلَ الطَّعامِ، فَإنْ زَعَمُوا أنَّ الطَّعامَ يَقُومُ مَقامَ الإطْعامِ تَوَسُّعًا ورَدَ الفَصْلُ بَيْنَ المَصْدَرِ وصِلَتِهِ بِخَبَرِ المُبْتَدَأِ وهو مُمْتَنِعٌ، فَقَدْ صَرَّحُوا بِأنَّهُ لا يَجُوزُ: إطْعامُ زَيْدٍ حَسَنٌ لِلْمَساكِينِ، وضَرْبُكَ شَدِيدٌ زَيْدًا، فَكَيْفَ جازَ: ( وطَعامُكم حِلٌّ لَهم ) وعَنْ بَعْضِهِمْ، فَإنْ قِيلَ: ما الحِكْمَةُ في هَذِهِ الجُمْلَةِ وهم كُفّارٌ لا يَحْتاجُونَ إلى بَيانِنا؟

أُجِيبَ بِأنَّ المَعْنى: انْظُرُوا إلى ما أُحِلَّ لَكم في شَرِيعَتِكم فَإنْ أطْعَمُوكُمُوهُ فَكُلُوهُ، ولا تَنْظُرُوا إلى ما كانَ مُحَرَّمًا عَلَيْهِمْ، فَإنَّ لُحُومَ الإبِلِ ونَحْوِها كانَتْ مُحَرَّمَةً عَلَيْهِمْ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ في شَرِيعَتِنا، فالآيَةُ بَيانٌ لَنا لا لَهُمْ، أيِ اعْلَمُوا أنَّ ما كانَ مُحَرَّمًا عَلَيْهِمْ مِمّا هو حَلالٌ لَكم قَدْ أُحِلَّ لَكم أيْضًا، ولِذَلِكَ لَوْ أطْعَمُونا خِنْزِيرًا أوْ نَحْوَهُ وقالُوا: هو حَلالٌ في شَرِيعَتِنا وقَدْ أباحَ اللَّهُ تَعالى لَكم طَعامَنا كَذَّبْناهُمْ، وقُلْنا: إنَّ الطَّعامَ الَّذِي يَحِلُّ لَكم هو الَّذِي يَحِلُّ لَنا لا غَيْرُهُ.

فَحاصِلُ المَعْنى: طَعامُهم حِلٌّ لَكم إذا كانَ الطَّعامَ الَّذِي أحْلَلْتُهُ لَكُمْ، وهَذا التَّفْسِيرُ مَعْنى قَوْلِ السُّدِّيِّ وغَيْرِهِ، فافْهَمْهُ، فَقَدْ أُشْكِلَ عَلى بَعْضِ المُعاصِرِينَ.

﴿ والمُحْصَناتُ مِنَ المُؤْمِناتِ ﴾ عَطْفٌ عَلى ( الطَّيِّباتِ ) أوْ مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما تَقَدَّمَ عَلَيْهِ، أيْ: حِلٌّ لَكم أيْضًا، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ ( المُحْصَناتُ ) أوْ مِنَ الضَّمِيرِ فِيها عَلى ما قالَهُ أبُو البَقاءِ، والمُرادُ بِهِنَّ عِنْدَ الحَسَنِ والشَّعْبِيِّ وإبْراهِيمَ العَفائِفُ، وعِنْدَ مُجاهِدٍ الحَرائِرُ، واخْتارَهُ أبُو عَلِيٍّ، وعِنْدَ جَماعَةٍ العَفائِفُ والحَرائِرُ، وتَخْصِيصُهُنَّ بِالذِّكْرِ لِلْبَعْثِ عَلى ما هو أوْلى لا لِنَفْيِ ما عَداهُنَّ؛ فَإنَّ نِكاحَ الإماءِ المُسْلِماتِ بِشَرْطِهِ صَحِيحٌ بِالِاتِّفاقِ، وكَذا نِكاحُ غَيْرِ العَفائِفِ مِنهُنَّ، وأمّا الإماءُ الكِتابِيّاتُ فَهُنَّ كالمُسْلِماتِ عِنْدَ الإمامِ الأعْظَمِ، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.

﴿ والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِنَ قَبْلِكُمْ ﴾ وإنْ كُنَّ حَرْبِيّاتٍ، كَما هو الظّاهِرُ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما -: لا يَجُوزُ نِكاحُ الحَرْبِيّاتِ، وخَصَّ الآيَةَ بِالذِّمِّيّاتِ، واحْتُجَّ لَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ يُوادُّونَ مَن حادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ ﴾ والنِّكاحُ مُقْتَضٍ لِلْمَوَدَّةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ خَلَقَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا لِتَسْكُنُوا إلَيْها وجَعَلَ بَيْنَكم مَوَدَّةً ورَحْمَةً ﴾ قالَ الجَصّاصُ: وهَذا عِنْدَنا إنَّما يَدُلُّ عَلى الكَراهَةِ، وأصْحابُنا يَكْرَهُونَ مُناكَحَةَ أهْلِ الحَرْبِ، وذَهَبَتِ الإمامِيَّةُ إلى أنَّهُ لا يَجُوزُ عَقْدُ نِكاحِ الدَّوامِ عَلى الكِتابِيّاتِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ ﴾ ولِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ولا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوافِرِ ﴾ وأوَّلُوا هَذِهِ الآيَةَ بِأنَّ المُرادَ مِنَ المُحْصَناتِ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ اللّاتِي أسْلَمْنَ مِنهُنَّ، والمُرادُ مِنَ المُحْصَناتِ مِنَ المُؤْمِناتِ اللّاتِي كُنَّ في الأصْلِ مُؤْمِناتٍ، وذَلِكَ أنَّ قَوْمًا كانُوا يَتَحَرَّجُونَ مِنَ العَقْدِ عَلى مَن أسْلَمَتْ عَنْ كُفْرٍ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ لا حَرَجَ في ذَلِكَ.

وإلى تَفْسِيرِ المُحْصَناتِ بِمَن أسْلَمْنَ ذَهَبَ ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أيْضًا، ولا يَخْفى أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ، ويَأْباهُ النَّظْمُ، ولِذَلِكَ زَعَمَ بَعْضُهم أنَّ المُرادَ هو الظّاهِرُ، إلّا أنَّ الحِلَّ مَخْصُوصٌ بِنِكاحِ المُتْعَةِ ومِلْكِ اليَمِينِ، ووَطْؤُهُنَّ حَلالٌ بِكِلا الوَجْهَيْنِ عِنْدَ الشِّيعَةِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا أدْهى وأمَرُّ، ولِذَلِكَ هَرَبَ بَعْضُهم إلى دَعْوى أنَّ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِالآيَتَيْنِ المُتَقَدِّمَتَيْنِ آنِفًا؛ احْتِجاجًا بِما رَواهُ الجارُودُ، عَنْ أبِي جَعْفَرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - في ذَلِكَ، ولا يَصِحُّ ذَلِكَ مِن طَرِيقِ أهْلِ السُّنَّةِ، نَعَمْ، أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - قالَ: ««نَهى رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَنْ أصْنافِ النِّساءِ إلّا ما كانَ مِنَ المُؤْمِناتِ المُهاجِراتِ، وحَرَّمَ كُلَّ ذاتِ دِينٍ غَيْرِ الإسْلامِ»».

وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ نِكاحِ المُسْلِمِ اليَهُودِيَّةَ والنَّصْرانِيَّةَ فَقالَ: «تَزَوَّجْناهُنَّ زَمَنَ الفَتْحِ ونَحْنُ لا نَكادُ نَجِدُ المُسْلِماتِ كَثِيرًا، فَلَمّا رَجَعْنا طَلَّقْناهُنَّ».

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ سُئِلَ: «أيَتَزَوَّجُ الرَّجُلُ المَرْأةَ مِن أهْلِ الكِتابِ؟

فَقالَ: ما لَهُ ولِأهْلِ الكِتابِ؟!

وقَدْ أكْثَرَ اللَّهُ تَعالى المُسْلِماتِ، فَإنْ كانَ لا بُدَّ فاعِلًا فَلْيَعْمِدْ إلَيْها حَصانًا غَيْرَ مُسافِحَةٍ، قالَ الرَّجُلُ: وما المُسافَحَةُ؟

قالَ: هي الَّتِي إذا لَمَحَ الرَّجُلُ إلَيْها بِعَيْنِهِ اتَّبَعَتْهُ».

﴿ إذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ﴾ أيْ: مُهُورَهُنَّ، وهي عِوَضُ الِاسْتِمْتاعِ بِهِنَّ، كَما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - وغَيْرُهُ، وتَقْيِيدُ الحِلِّ بِإيتائِها لِتَأْكِيدِ وُجُوبِها لِلِاحْتِرازِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالإيتاءِ التَّعَهُّدُ والِالتِزامُ مَجازًا، ولَعَلَّهُ أقْرَبُ مِنَ الأوَّلِ، وإنْ كانَ المَآلُ واحِدًا، و( إذا ) ظَرْفٌ لِـ( حَلَّ ) المَحْذُوفِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً حُذِفَ جَوابُها، أيْ: إذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ حَلَلْنَ لَكم.

﴿ مُحْصِنِينَ ﴾ أيْ: أعِفّاءَ بِالنِّكاحِ، وهو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ ( آتَيْتُمُوهُنَّ ) وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ( غَيْرَ مُسافِحِينَ ) وقِيلَ: هو حالٌ مِن ضَمِيرِ ( مُحْصِنِينَ ) وقِيلَ: صِفَةٌ لِـ( مُحْصِنِينَ ) أيْ: غَيْرَ مُجاهِرِينَ بِالزِّنا.

﴿ ولا مُتَّخِذِي أخْدانٍ ﴾ أيْ: ولا مُسِرِّينَ بِهِ، والخِدْنُ الصِّدِّيقُ يَقَعُ عَلى الذَّكَرِ والأُنْثى، وقِيلَ: الأوَّلُ نَهْيٌ عَنِ الزِّنا، والثّانِي نَهْيٌ عَنْ مُخالَطَتِهِنَّ و( مُتَّخِذِي ) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَجْرُورًا عَطْفًا عَلى ( مُسافِحِينَ ) وزِيدَتْ ( لا ) لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ المُسْتَفادِ مِن ( غَيْرَ ) ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَطْفًا عَلى ( غَيْرَ مُسافِحِينَ ) بِاعْتِبارِ أوْجُهِهِ الثَّلاثَةِ.

﴿ ومَن يَكْفُرْ بِالإيمانِ ﴾ أيْ: مَن يُنْكِرُ المُؤْمَنَ بِهِ، وهو شَرائِعُ الإسْلامِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما بُيِّنَ هُنا مِنَ الأحْكامِ المُتَعَلِّقَةِ بِالحِلِّ والحُرْمَةِ، ويَمْتَنِعُ عَنْ قَبُولِها ﴿ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ ﴾ أيِ الَّذِي عَمِلَهُ، واعْتَقَدَ أنَّهُ قُرْبَةٌ لَهُ إلى اللَّهِ تَعالى.

﴿ وهُوَ في الآخِرَةِ مِنَ الخاسِرِينَ ﴾ أيِ الهالِكِينَ، والآيَةُ تَذْيِيلٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اليَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ ﴾ إلَخْ، تَعْظِيمًا لِشَأْنِ ما أحَلَّهُ اللَّهُ تَعالى وما حَرَّمَهُ، وتَغْلِيظًا عَلى مَن خالَفَ ذَلِكَ، فَحَمْلُ الإيمانِ عَلى المَعْنى المَصْدَرِيِّ، وتَقْدِيرُ مُضافٍ - كَما قِيلَ - أيْ: بِمُوجَبِ الإيمانِ، وهو اللَّهُ تَعالى لَيْسَ بِشَيْءٍ، وإنْ أشْعَرَ بِهِ كَلامُ مُجاهِدٍ، وضَمِيرُ الرّافِعِ مُبْتَدَأٌ، و( مِنَ الخاسِرِينَ ) خَبَرُهُ، و( في ) مُتَعَلِّقَةٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ الخَبَرُ مِنَ السُّكُونِ المُطْلَقِ، وقِيلَ: بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ أيْ: خاسِرِينَ في الآخِرَةِ، وقِيلَ بِالخاسِرِينَ عَلى أنَّ ( ألْ ) مُعَرِّفَةٌ لا مَوْصُولَةٌ؛ لِأنَّ ما بَعْدَها لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها، وقِيلَ: يُغْتَفَرُ في الظَّرْفِ ما لا يُغْتَفَرُ في غَيْرِهِ كَما في قَوْلِهِ: رَبَّيْتُهُ حَتّى إذا ما تَمَعْدَدا كانَ جَزائِي بِالعَصا أنْ أُجْلَدا * * * هَذا، ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ: ( ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ ) بِالإيمانِ العِلْمِيِّ ( ﴿ أوْفُوا بِالعُقُودِ ﴾ ) أيْ: بِعَزائِمِ التَّكْلِيفِ، وقالَ أبُو الحَسَنِ الفارِسِيُّ: أمَرَ اللَّهُ تَعالى عِبادَهُ بِحِفْظِ النِّيّاتِ في المُعامَلاتِ، والرِّياضاتِ في المُحاسِباتِ، والحِراسَةِ في الخَطِراتِ، والرِّعايَةِ في المُشاهَداتِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: ( أوْفُوا بِالعُقُودِ ) عَقْدِ القَلْبِ بِالمَعْرِفَةِ، وعَقْدِ اللِّسانِ بِالثَّناءِ، وعَقْدِ الجَوارِحِ بِالخُضُوعِ.

وقِيلَ: أوَّلُ عَقْدٍ عُقِدَ عَلى المَرْءِ عَقْدُ الإجابَةِ لَهُ سُبْحانَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ وعَدَمِ المُخالَفَةِ بِالرُّجُوعِ إلى ما سِواهُ، والعَقْدُ الثّانِي عَقْدُ تَحَمُّلِ الأمانَةِ وتَرْكِ الخِيانَةِ.

( ﴿ أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ ﴾ ) أيْ: أُحِلَّ لَكم جَمِيعُ أنْواعِ التَّمَتُّعاتِ والحُظُوظِ بِالنُّفُوسِ السَّلِيمَةِ، الَّتِي لا يَغْلِبُ عَلَيْها السَّبُعِيَّةُ والشَّرَهُ ( إلّا ما يُتْلى عَلَيْكم ) مِنَ التَّمَتُّعاتِ المُنافِيَةِ لِلْفَضِيلَةِ والعَدالَةِ ( ﴿ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وأنْتُمْ حُرُمٌ ﴾ ) أيْ: لا مُتَمَتِّعِينَ بِالحُظُوظِ في حالِ تَجَرُّدِكم لِلسُّلُوكِ وقَصْدِكم كَعْبَةَ الوِصالِ، وتَوَجُّهِكم إلى حَرَمِ صِفاتِ الجَمالِ والجَلالِ ( ﴿ إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ ﴾ ) فَلْيَرْضَ السّالِكُ بِحُكْمِهِ؛ لِيَسْتَرِيحَ، ويُهْدى إلى سَبِيلِ رُشْدِهِ.

( ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ ﴾ ) مِنَ المَقاماتِ والأحْوالِ الَّتِي يَعْلَمُ بِها السّالِكُ إلى حَرَمِ رَبِّهِ سُبْحانَهُ، مِنَ الصَّبْرِ والتَّوَكُّلِ والشُّكْرِ ونَحْوِها، أيْ: لا تَخْرُجُوا عَنْ حُكْمِها ( ﴿ ولا الشَّهْرَ الحَرامَ ﴾ ) وهو وقْتُ الحَجِّ الحَقِيقِيِّ، وهو وقْتُ السُّلُوكِ إلى مَلِكِ المُلُوكِ، وإحْلالُهُ بِالخُرُوجِ عَنْ حُكْمِهِ والِاشْتِغالِ بِما يُنافِيهِ ( ﴿ ولا الهَدْيَ ﴾ ) وهو النَّفْسُ المُسْتَعِدَّةُ المُعَدَّةُ لِلْقُرْبانِ عِنْدَ الوُصُولِ إلى الحَضْرَةِ، وإحْلالُها بِاسْتِعْمالِها بِما يَصْرِفُها أوْ تَكْلِيفِها بِما سَبَّبَ مَلَلَها ( ولا القَلائِدَ ) وهي ما قُلِّدَتْهُ النَّفْسُ مِنَ الأعْمالِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي لا يَتِمُّ الوُصُولُ إلّا بِها، وإحْلالُها بِالتَّطْفِيفِ بِها وعَدَمِ إيقاعِها عَلى الوَجْهِ الكامِلِ ( ﴿ ولا آمِّينَ البَيْتَ الحَرامَ ﴾ ) وهُمُ السّالِكُونَ، وإحْلالُهم بِتَنْفِيرِهِمْ وشَغْلِهِمْ بِما يَصُدُّهم أوْ يُكَسِّلُهم ( ﴿ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِن رَبِّهِمْ ﴾ ) بِتَجَلِّياتِ الأفْعالِ ( ﴿ ورِضْوانًا ﴾ ) بِتَجَلِّياتِ الصِّفاتِ ( ﴿ وإذا حَلَلْتُمْ فاصْطادُوا ﴾ ) أيْ: إذا رَجَعْتُمْ إلى البَقاءِ بَعْدَ الفَناءِ، فَلا جُناحَ عَلَيْكم في التَّمَتُّعِ.

( ﴿ ولا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ أنْ صَدُّوكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ أنْ تَعْتَدُوا ﴾ ) أيْ: لا يَكْسِبَنَّكم بُغْضُ القُوى النَّفْسانِيَّةِ بِسَبَبِ صَدِّها إيّاكم عَنِ السُّلُوكِ ( ﴿ أنْ تَعْتَدُوا ﴾ ) عَلَيْها وتَقْهَرُوها بِالكُلِّيَّةِ، فَتَتَعَطَّلُ أوْ تَضْعُفُ عَنْ مَنافِعِها، أوْ لا يَكْسِبَنَّكم بُغْضُ قَوْمٍ مِن أهالِيكم أوْ أصْدِقائِكم بِسَبَبِ صَدِّهِمْ إيّاكم ( ﴿ أنْ تَعْتَدُوا ﴾ ) عَلَيْهِمْ بِمَقْتِهِمْ وإضْرارِهِمْ وإرادَةِ الشَّرِّ لَهم.

( ﴿ وتَعاوَنُوا عَلى البِرِّ والتَّقْوى ﴾ ) بِتَدْبِيرِ تِلْكَ القُوى وسِياسَتِها، أوْ بِمُراعاةِ الأهْلِ والأصْدِقاءِ والإحْسانِ إلَيْهِمْ ( ﴿ ولا تَعاوَنُوا عَلى الإثْمِ والعُدْوانِ ﴾ ) فَإنَّ ذَلِكَ يَقْطَعُكم عَنِ الوُصُولِ.

وعَنْ سَهْلٍ أنَّ البِرَّ الإيمانُ، والتَّقْوى السُّنَّةُ، والإثْمَ الكُفْرُ، والعُدْوانَ البِدْعَةُ.

وعَنِ الصّادِقِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - البِرُّ الإيمانُ، والتَّقْوى الإخْلاصُ، والإثْمُ الكُفْرُ، والعُدْوانُ المُعاصِي.

وقِيلَ: البَرُّ ما تَوافَقَ عَلَيْهِ العُلَماءُ مِن غَيْرِ خِلافٍ، والتَّقْوى مُخالَفَةُ الهَوى، والإثْمُ طَلَبُ الرُّخَصِ، والعُدْوانُ التَّخَطِّي إلى الشُّبَهاتِ.

( ﴿ واتَّقُوا اللَّهَ ﴾ ) في هَذِهِ الأُمُورِ ( ﴿ إنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ ﴾ ) فَيُعاقِبُكم بِما هو أعْلَمُ ( ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ ﴾ ) وهي خُمُودُ الشَّهْوَةِ بِالكُلِّيَّةِ؛ فَإنَّهُ رَذِيلَةُ التَّفْرِيطِ المُنافِيَةِ لِلْعِفَّةِ ( ﴿ والدَّمُ ﴾ ) وهو التَّمَتُّعُ بِهَوى النَّفْسِ ( ﴿ ولَحْمُ الخِنْزِيرِ ﴾ ) أيْ: وسائِرُ وُجُوهِ التَّمَتُّعاتِ بِالحِرْصِ والشَّرَهِ وقِلَّةِ الغَيْرَةِ ( ﴿ وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ﴾ ) مِنَ الأعْمالِ الَّتِي فُعِلَتْ رِياءً وسُمْعَةً ( ﴿ والمُنْخَنِقَةُ ﴾ ) وهي الأفْعالُ الحَسَنَةُ صُورَةً مَعَ كَمُونِ الهَوى فِيها ( ﴿ والمَوْقُوذَةُ ﴾ ) وهي الأفْعالُ الَّتِي أجْبَرَ عَلَيْها الهَوى ( ﴿ والمُتَرَدِّيَةُ ﴾ ) وهي الأفْعالُ المائِلَةُ إلى التَّفْرِيطِ والنُّقْصانِ ( ﴿ والنَّطِيحَةُ ﴾ ) وهي الأفْعالُ الَّتِي تَصْدُرُ خَوْفَ الفَضِيحَةِ وزَجْرَ المُحْتَسِبِ مَثَلًا ( ﴿ وما أكَلَ السَّبُعُ ﴾ ) وهي الأفْعال الَّتِي مِن مُلائِماتِ القُوَّةِ الغَضَبِيَّةِ مِنَ الأنَفَةِ والحِمْيَةِ النَّفْسانِيَّةِ ( ﴿ إلا ما ذَكَّيْتُمْ ﴾ ) مِنَ الأفْعالِ الحَسَنَةِ، الَّتِي تَصْدُرُ بِإرادَةٍ قَلْبِيَّةٍ، لَمْ يُمازِجْها ما يُشِينُها ( ﴿ وما ذُبِحَ عَلى النُّصُبِ ﴾ ) وهو ما يَفْعَلُهُ أبْناءُ العاداتِ، لا لِغَرَضٍ عَقْلِيٍّ أوْ شَرْعِيٍّ ( ﴿ وأنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأزْلامِ ﴾ ) بِأنْ تَطْلُبُوا السَّعادَةَ والكَمالَ بِالحُظُوظِ والطَّوالِعِ، وتَتْرُكُوا العَمَلَ وتَقُولُوا: لَوْ كانَ مُقَدَّرًا لَنا لِعَمِلْنا، فَإنَّهُ رُبَّما كانَ القَدَرُ مُعَلَّقًا بِالسَّعْيِ ( ﴿ ذَلِكم فِسْقٌ ﴾ ) خُرُوجٌ عَنِ الدِّينِ الحَقِّ؛ لِأنَّ فِيهِ الأمْرَ والنَّهْيَ والِاتِّكالَ عَلى المُقَدَّرِ بِجَعْلِمِها عَبَثًا ( ﴿ اليَوْمَ ﴾ ) وهو وقْتُ حُصُولِ الكَمالِ ( ﴿ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ ﴾ ) بِأنْ يَصُدُّوكم عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ ( ﴿ فَلا تَخْشَوْهُمْ ﴾ ) فَإنَّهم لا يَسْتَوْلُونَ عَلَيْكم بَعْدُ ( ﴿ واخْشَوْنِ ﴾ ) لِتَنالُوا ما لا عَيْنٌ رَأتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعْتُ، ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ( ﴿ اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ ﴾ ) بِبَيانِ ما بَيَّنْتُ ( ﴿ وأتْمَمْتُ عَلَيْكم نِعْمَتِي ﴾ ) بِذَلِكَ أوْ بِالهِدايَةِ إلَيَّ ( ﴿ ورَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ ﴾ ) أيِ الِانْقِيادَ لِلِانْمِحاءِ ( ﴿ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ ﴾ ) إلى تَناوُلِ لَذَّةٍ ( ﴿ فِي مَخْمَصَةٍ ﴾ ) وهي الهَجَيانُ الشَّدِيدُ لِلنَّفْسِ ( ﴿ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لإثْمٍ ﴾ ) غَيْرَ مُنْحَرِفٍ لِرَذِيلَةِ ( ﴿ فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ ) فَيَسْتُرُ ذَلِكَ، ويَرْحَمُ بِمَدَدِ التَّوْفِيقِ.

( ﴿ يَسْألُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهم قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ ﴾ ) مِنَ الحَقائِقِ الَّتِي تَحْصُلُ لَكم بِعُقُولِكم وقُلُوبِكم وأرْواحِكم ( ﴿ وما عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوارِحِ ﴾ ) وهي الحَواسُّ الظّاهِرَةُ والباطِنَةُ، وسائِرُ القُوى والآلاتِ البَدَنِيَّةِ ( ﴿ مُكَلِّبِينَ ﴾ ) مُعَلِّمِينَ لَها عَلى اكْتِسابِ الفَضائِلِ ( ﴿ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ ﴾ ) مِن عُلُومِ الأخْلاقِ والشَّرائِعِ ( ﴿ فَكُلُوا مِمّا أمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ ﴾ ) مِمّا يُؤَدِّي إلى الكَمالِ ( ﴿ واذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ ﴾ ) بِأنْ تَقْصِدُوا أنَّهُ أحَدُ أسْبابِ الوُصُولِ إلَيْهِ عَزَّ شَأْنُهُ، لا أنَّهٌ لَذَّةٌ نَفْسانِيَّةٌ ( ﴿ وطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ ﴾ ) وهو مَقامُ الفَرْقِ والجَمْعِ ( ﴿ وطَعامُكم حِلٌّ لَهُمْ ﴾ ) فَلا عَلَيْكم أنْ تُطْعِمُوهم مِنهُ، بِأنْ تَضُمُّوا لِأهْلِ الفَرْقِ جَمْعًا ولِأهْلِ الجَمْعِ فَرْقًا ( ﴿ والمُحْصَناتُ مِنَ المُؤْمِناتِ ﴾ ) وهي النُّفُوسُ المُهَذَّبَةُ الكامِلَةُ ( ﴿ والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِنَ قَبْلِكم إذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ﴾ ) أيْ: حُقُوقَهُنَّ مِنَ الكَمالِ اللّائِقِ بِهِنَّ، وألْحَقْتُمُوهُنَّ بِالمُحْصَناتِ مِنَ المُؤْمِناتِ ( ﴿ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ ولا مُتَّخِذِي أخْدانٍ ﴾ ) بَلْ قاصِدِينَ تَكْمِيلَهُنَّ، واسْتِيلاءَ الآثارِ النّافِعَةِ مِنهُنَّ لا مُجَرَّدَ الصُّحْبَةِ، وإفاضَةَ ماءِ المَعارِفِ مِن غَيْرِ ثَمَرَةٍ ( ﴿ ومَن يَكْفُرْ بِالإيمانِ ﴾ ) بِأنْ يُنْكِرَ الشَّرائِعَ والحائِقَ، ويَمْتَنِعَ مِن قَبُولِها ( ﴿ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ ﴾ ) بِإنْكارِهِ الشَّرائِعَ ( ﴿ وهُوَ في الآخِرَةِ مِنَ الخاسِرِينَ ﴾ ) بِإنْكارِهِ الحَقائِقَ، والظّاهِرُ عَدَمُ التَّوْزِيعِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِمُرادِهِ، وهو المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.4 / 29.5
الإضاءة 29%
البدر بعد 9 يوم
اللهم صل على محمد