تفسير سورة النحل الآية ١١٢ عند البسيط

الإسلام > القرآن > تفسير > البسيط > سورة 16 النحل > الآية ١١٢

وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًۭا قَرْيَةًۭ كَانَتْ ءَامِنَةًۭ مُّطْمَئِنَّةًۭ يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًۭا مِّن كُلِّ مَكَانٍۢ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ ٱللَّهِ فَأَذَٰقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلْجُوعِ وَٱلْخَوْفِ بِمَا كَانُوا۟ يَصْنَعُونَ ١١٢

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 9 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

قوله تعالى: ﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا ﴾ الآية.

معنى ضَرْبِ المثلِ بيان المُشبَّه والمُشبَّه به، وهاهنا ذَكَرَ المُشبَّه به ولم يذكر المُشَبَّه لوضوحه عند المخاطبين، والآية عند عامة المفسرين: نازلة في أهل مكة وما امتُحِنوا به من الخوف والجوع، بعد الأمن والنعمة، بتكذيبهم النبيّ -  -، وتقدير الآية: ضربَ اللهُ لقريتكم مَثَلاً، أي: بين الله لها شَبَهًا، ثم قال: ﴿ قَرْيَةٍ ﴾ فيجوز أن تكون القرية بدلاً من مثلًا؛ لأنها هي الممثل بها؛ فهي المثل، ويجوز أن يكون المعنى: ﴿ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا ﴾ : مَثَلَ قرية، فحذف المضاف وهذا قول الزجاج (١) والمفسرون كلهم قالوا: (أراد بالقرية مكة، يعنون أنه أراد مكة في تمثيلها بقرية صفتها ما ذُكِر [[أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (2/ 360) بلفظه عن قتادة، والطبري 14/ 186 بلفظه عن ابن عباس [طريق العوفي] ومجاهد وقتادة وابن زيد، وورد بلفظه في "تفسير مقاتل" 1/ 208 أ، و"معاني القرآن" للنحاس 4/ 109، و"تفسير السمرقندي" 2/ 253، وهود الهواري 2/ 392، والثعلبي 2/ 165 ب، و"تفسير الماوردي" 3/ 217، والطوسي 6/ 432، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 48، وابن عطية 8/ 526، وابن الجوزى 4/ 499، والفخر الرازى 20/ 127، والخازن 3/ 138، وابن كثير 2/ 649.]]؛ كما قالوا) (٢) ﴿ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا  ﴾ ، أراد بالذي استوقد: المنافقين؛ أي أرادهم بهذا المثل، لا أنهم كانوا يستوقدون النار، ولكن أَشْبَه حالُهم حالَه، كذلك أشبهت حالُ مكة حالَ هذه القرية، والكلام في جميع صفات القرية جرى على القرية، والمُرادُ أهلُها؛ لأن الطمأنينة والأمن وإتيان الرزق حقيقتها لأهلها لا لها، يدل على هذا قوله في آخر الآية: ﴿ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُون ﴾ ، ولم يقل: بما صنعت.

وقوله تعالى: ﴿ كَانَتْ آمِنَة ﴾ ، أي: ذات أمن؛ يأمن فيها أهلها لا يُغَارُ عليهم، كما قال: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ  ﴾ ، وجاز وصفها بالأمن وإن كان لأهلها؛ لأنها مكانُ الأمن وظرفٌ له، والظروف من الأزمنة والأمكنة توصف بمحالها، كما يقال: يوم طيب وبارد وحار.

وقوله تعالى: ﴿ مُطْمَئِنَّةً ﴾ ، أي: قارة ساكنة بأهلها، لايحتاجون إلى الانتقال عنها لخوف أو ضيق، وهو قوله: ﴿ يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ ﴾ ؛ لأن الله جعل أفئدة من الناس تهوي إليهم، فأرزاقهم تأتيهم في بلدهم، يُجْلَب إليها من كل بلد، كما قال تعالى: ﴿ يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ  ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّه ﴾ ، الأنعم: جمع نِعْمة، مثل شِدَّة وأَشُدّ، هذا قول سيبويه (٣) (٤) (٥) وكفرانهم بأنعم الله تكذيبهم النبيّ -  - ومخالفتهم أمر الله فيما يأمرهم به.

وقوله تعالى: ﴿ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ ﴾ قال المفسرون: عذَّبهم اللهُ بالجوع سبع سنين حتى أكلوا الجِيَفَ والعظام المحرقة والعلهز (٦) وقوله تعالى: ﴿ وَالْخَوْف ﴾ ، قالوا: يعني من النبيّ -  - ومن السرايا التي كان يبعثها إليهم فيطوفون بهم (٧) قال ابن قتيبة: وأصل الذَّوَاقِ بالفم، ثم قد (٨) فذاقَ فأعْطَتْهُ من اللّين جَانبًا ...

كفى (٩) (١٠) يريد أنه راز (١١) قال: ولباس الجوع والخوف: ما ظهر عليهم من سوء آثارهما بالضُّمْرِ والشُّحوب، ونَهْكَةِ (١٢) (١٣) (١٤) وقال أبو علي: ﴿ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ ﴾ المعنى فيه: مقارنة (١٥) وقد لَبِسَتْ بَعْدَ الزّبَيرِ مُجَاشعٌ ...

ثيابَ التي حاضَتْ ولَمْ تَغْسلِ الدّمَا (١٦) يريد أن العار والسُّبَّة لحقتهم، واتصل بهم لغدرهم، فجعل ذلك لباسًا (١٧) ﴿ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ ﴾ عَرَّفَها سوءَ أثرهما، وعلى ما ذكر أبو علي، جعل الجوع والخوف تَمَسَّانها وتُلابِسَانِها.

وروي عن أبي (١٨) ﴿ وَالْخَوْف ﴾ نصبًا (١٩) (٢٠) (٢١) ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ  ﴾ ، الحمل على عامل واحد (٢٢) وقوله تعالى: ﴿ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ﴾ قال ابن عباس: يريد بفعلهم بالنبيّ -  - حيث كذبوه وأخرجوه من مكة وما هموا به من قتله (٢٣) قال الفراء: ولم يقل بما صنعت، ومثله في القرآن كثير، منه قوله: ﴿ فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُون  ﴾ ولم يقل: قائلة، فإذا قال: ﴿ قَائِلُون ﴾ ذهب إلى الرجال، وإذا قال: قائلة، فإنما يعني أيضًا أهلها، ومثله: ﴿ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا ﴾ إلى قوله: ﴿ فَذَاقَتْ ﴾ (٢٤) (١) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 221 بنصه.

(٢) ما بين القوسين ساقط من (ش) ، (ع).

(٣) "الكتاب" 3/ 582، بلفظه.

(٤) قال الفراء في "المقصور والممدود" ص 41: باب ما يفتح فيمد ويضم فيقصر، ومَثَّلَ لذلك بقوله: وكذلك ..

، والنُّعمى والنَّعماء، والبؤسى والبأساء، وهي بالألف الممدودة أشهر منها بالمقصورة، وفي القرآن: ﴿ وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ  ﴾ ، وكذلك نقل الطبري عن جعفر أهل الكوفة -ولعله يقصد == الفراء- أن أنعم جمع نعماء، مثل بأساء وأبؤس، لكنه استشهد بالبيت على أن أنعم جمع نُعْم كطُعْم، وهو قول أبي عبيدة وابن قتيبة؛ وردّ ابن قتيبة قول سيبويه، قائلاً: وليس قول من قال: إنه جمع نعمة بشيء؛ لأن فِعلة لا يجمع على أفعل.

انظر: "مجاز القرآن" 1/ 369، و"الغريب" لابن قتيبة 1/ 250، و"تفسير الطبري" 14/ 186، وورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 165 ب، بنصه تقريبًا، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 49، و"تفسير القرطبي" 10/ 194.

(٥) ورد غير منسوب في "تفسير الطبري" 14/ 186.

برواية: فَبُؤْسٌ لذي بؤسٍ ونُعْمٍ بأنْعُمِ وورد في "تفسير الطوسي" 6/ 433، برواية: فبؤس لدى بؤسي ونعمى بأنعم (٦) ورد في "تفسير مقاتل" 1/ 208 ب، بمعناه، و"معاني القرآن" للفراء 2/ 114، بنحوه، والطبري 14/ 187، بنحوه، والثعلبي 2/ 165 ب، بنحوه، و"تفسير الماوردي" 3/ 217، بنحوه، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 49، وابن الجوزي 4/ 501، والفخر الرازي 20/ 128، و"تفسير القرطبي" 10/ 195، والخازن 3/ 139، وابن كثير 2/ 649، قال الطبري: العلهز: الوبر يعجن بالدم والقُراد يأكلونه، قلت: والقراد: دويبة متطفلة.

(٧) ورد بنحوه في "الطبري" 14/ 187، والسمرقندي 2/ 253، والثعلبي 2/ 165 ب، == وانظر: البغوي 5/ 49، وابن الجوزي 4/ 501، و"القرطبي" 10/ 194، والخازن 3/ 139، وابن كثير 2/ 649، وهذا التفسير مشهور بين المفسرين، وهو من قبيل التفسير بالمثال، والآية عامة في كل زمان ومكان.

(٨) ساقطة من (د).

(٩) في النسخ: لفي، ورواية الديوان وجميع المصادر (كفى)، وظاهر أنها تصحفت إلى (لفي).

(١٠) "ديوانه" ص 190، وورد في "جمهرة أشعار العرب" ص 299، و"الحيوان" 5/ 179، و"الشعر والشعراء" ص 195، و"المعاني الكبير" 2/ 1042، و"الأساس" 1/ 306، و"اللسان" (ذوق) 3/ 1891، وفيه (النبل) بدل (السهم)، قال في اللسان: أي ولها حاجز يمنع من الإغراق؛ أي فيها لين وشدّة.

وأغرقتُ النَّبل: إذا بلغت به غاية المدِّ في القوس.

"المحيط في اللغة" (غرق) 4/ 528.

(١١) في (أ)، (د): (زار)، وفي المصدر: ذاق، والمثبت من (ش)، (ع)، وهو الصحيح الذي يؤدب المعنى، وهكذا في "المعاني الكبير".

(راز) من الروز: التجربة، يقال: رُزْ ما عند فلان.

"المحيط في اللغة" (روز) 9/ 84.

(١٢) في (ش)، (ع): (وبهلكة)، من الهلاك، والمثبت أصح وموافق للمصدر.

(١٣) في (أ)، (د): (الأتراء).

(١٤) "تأويل مشكل القرآن" ص 164 - 165، نقل طويل تصرَّف فيه واختصره.

(١٥) في (أ)، (د): مفارقة، والمثبت من: (ش)، (ع)، وفي المصدر: مقاربة، وهو أيضًا تصحيف.

(١٦) "ديوانه" ص 448، وورد في: "المعاني الكبير" 1/ 593، و"تفسير ابن عطية" 8/ 528، وورد بلا نسبة في "تفسير أبي حيان" 5/ 543، و"الدر المصون" 7/ 295، وجرير هنا يهجو البَعِيث، ومجاشع: قبيلة الفرزدق والبعيث.

(١٧) "الحجة للقراء" 5/ 80، بتصرف يسير.

(١٨) في جميع النسخ: ابن، والصحيح المثبت، وهو أبو عمرو أحد القراء السبعة.

(١٩) انظر: "السبعة" ص 376، و"إعراب القراءات السبع وعللها" 1/ 362، و"علل القراءات" 1/ 309، و"الحجة للقراء" 5/ 80، و"تفسير الثعلبي" 2/ 165 ب، والطوسي 6/ 433، وابن عطية 8/ 529، و"تفسير القرطبي" 10/ 194.

(٢٠) قال الثعلبي: ﴿ وَالْخَوْفِ ﴾ بالنصب بإيقاع أذاقها عليه، وذكر السمين أربعة أوجه == -غير هذا الوجه- في نصب ﴿ وَالْخَوْفِ ﴾ .

انظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 165 ب، و"الدر المصون" 7/ 293.

(٢١) انظر: "تفسير أبي حيان" 5/ 544، وقال: وهذا عندي في مصحفه قبل أن يجمعوا على ما في سواد المصحف الموجود الآن، وعليه فهي قراءة شاذة.

(٢٢) "الحجة للقراء" 5/ 82، بنصه تقريبًا.

(٢٣) انظر: "تفسير الرازي" 20/ 129 بنصه، وابن الجوزي 4/ 501، بنحوه بلا نسبة.

(٢٤) "معاني القرآن" للفراء 2/ 114، بنصه تقريبًا.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.2 / 29.5
الإضاءة 28%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل