الإسلام > القرآن > تفسير > البسيط > سورة 18 الكهف > الآية ١٢
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 7 دقيقة قراءةقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ ﴾ قال ابن عباس: (يريد من بعد نومهم) (١) ﴿ لِنَعْلَمَ ﴾ المفسرون يقولون في هذا: (لنرى) (٢) وقد تكلمنا في مثل هذا عند قوله: ﴿ إِلَّا لِنَعْلَمَ ﴾ في سورة البقرة، وقوله: ﴿ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ ﴾ في سورة آل عمران.
وقوله تعالى: ﴿ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ ﴾ الآية، ﴿ أَيُّ ﴾ رفع بأحصى على الابتداء والخبر، ولم يوقع العلم على شيء منهما في الظاهر، وهو في الباطن واقع على ما يتضمنان من القصة، كما تقول: اذهب فاعلم أيهم قام (٣) ﴿ سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ ﴾ .
و ﴿ أَيُّ ﴾ من حروف الاستفهام فلا يعمل فيه ما قبله، سوى ما يجر، وذكرنا هذا.
وسنذكر استقصاء المسألة عند قوله: ﴿ ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ ﴾ إن شاء الله.
واختلفوا في الحزبين، فقال عطاء عن ابن عباس: (الحزبين الملوك الذين تداولوا المدينة مَلِكًا بعد مَلِك، وأصحاب الكهف حزب والملوك حزب) (٤) (٥) (٦) وحكى الفراء: (أن طائفتين من المسلمين في دهر أصحاب الكهف اختلفوا في مدة لبثهم) (٧) (٨) وقال صاحب النظم: [(هذا ما قصه ربنا] (٩) ﴿ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ ﴾ إلى قوله: ﴿ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ ﴾ ، وهذا يدل على تنازع كان فيما بينهم فيما لبثوا، وكان ذلك سبب بعث الله إياهم، كما أعلمنا -عز وجل- وهو عالم بما كان منهم، وبما يكون قبل أن يكون، ويتعالى عن أن يكون شيء سببًا لعلمه، والتأويل -إن شاء الله-: ثم بعثناهم ليكون ذلك منهم، أي: تساؤل وتنازع واختلاف في مدة لبثهم) (١٠) ﴿ لِنَعْلَمَ ﴾ هاهنا بمعنى ليكون ذلك لنعلم كائنًا قال الله تعالى: ﴿ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ ﴾ ، أي: بما ليس ولا يعلمه كائنا.
قال: (والحزبان جميعًا من أصحاب الكهف، أنهم قالوا هذا القول منكرين على من قال: ﴿ لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾ ، فدل هذا على أن أصحاب الكهف كانوا حزبين) (١١) ﴿ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا ﴾ بمعنى: ليكون بينهم تساؤل وتنازع، وهذه العبارة التي في نظم الآية لا ينسى عن هذا المعنى الذي (١٢) (١٣) وأما وجه نصب قوله: ﴿ أَمَدًا ﴾ فقال الفراء: (ويكون نصبه على وجهين: إن شئت جعلته خرج من أحصى مفسرًا، كما تقول: أي الحزبين أصوب قولاً، وإن شئت أوقعت عليه اللُّباث للباثهم أمدا) (١٤) وقال أبو إسحاق نحو هذا سواء فقال: ( ﴿ أَمَدًا ﴾ منصوب على نوعين: وهو على التمييز إن شئت كان على أحصى أمدا، فيكون العامل فيه أحصى، كأنه قيل: لنعلم أهؤلاء أحصى للأمد أم هؤلاء؟.
والوجه الثاني: أن يكون منصوبًا بلبثوا، ويكون أحصى متعلقًا بلما، فيكون المعنى: أيّ الحزبين أحصى للبثهم في الأمد) (١٥) قال أبو علي الفارسي: (إن انتصاب الأمد بالتمييز عندي ممتنع غير مستقيم؛ وذلك أنه لا يخلو من أن يحمل أحصى على أن يكون فعلاً ماضيًا، أو أفعل نحو: أحسن وأعلم، فلا يجوز أن يكون أحصى أفعل، وغير مثال الماضي لأمرين أحدهما: أنه يقال: أحصى يحصى في التنزيل: ﴿ أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ ﴾ وأفعل يفعل لا يقال منه: هو أفعل من كذا، فأما قولهم: ما أولاه للخير، وما أعطاه للدرهم، فمن الشاذ النادر الذي حكمه أن يحفظ لقلته، وسبيل ما كان كذلك أن لا يقاس عليه، ولا جوز أن يكون أحصى أفعل من كذا لهذا.
والأمر الآخر: هو أن ما ينتصب على التمييز في نحو: هو أكثر منك مالاً، وأحسن وجهًا، وأغزر علمًا، هو في المعنى فاعل، وإن كان في اللفظ منتصبًا، ألا ترى أن الأمد ليس هو الذي أحصى، فهو خارج عن ما عليه (١٦) (١٧) وهذا الذي ذكره أبو علي قول ثالث؛ لأن ﴿ أَمَدًا ﴾ عند الفراء وأبي إسحاق: ينتصب إما على التمييز، أو على الظرف، وعند أبي علي أنه مفعول به (١٨) (١٩) ﴿ أَحْصَاهُ اللَّهُ ﴾ ، و ﴿ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا ﴾ ، فأوصل الفعل بلا حرف، وإذا كان تأويله انتصاب الأمد بلبثوا يؤدي إلى أن الفعل الذي هو أحصى المتعدي بلا حرف يتعدى بحرف استقبحنا هذا التأويل، وكرهناه، واستبعدناه) (٢٠) (١) ذكرته كتب التفسير بلا نسبة.
انظر: "معالم التنزيل" 5/ 155، و"الجامع لأحكام القرآن" 10/ 264، و"البحر المحيط" 6/ 103.
(٢) "معالم التنزيل" 5/ 155 بمعناه، و"زاد المسير" 5/ 114، و"الجامع لأحكام القرآن" 10/ 364 وعلمه سبحانه وتعالى كامل محيط بكل شيء جملة وتفصيلاً، فالله يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن أن لو كان كيف يكون، والعلم صفة من صفاته سبحانه نثبتها له من غير تحريف ولا تعطيل ولا تشبيه ولا تمثيل.
قال الشنقيطي في "أضواء البيان" 4/ 24: (لنعلم أي الحزبين)، أي: لنعلم ذلك علمًا يظهر الحقيقة للناس، فلا ينافي أنه كان عالمًا به قبل ذلك دون خلقه.
وانظر: "شرح العقيدة الطحاوية" 1/ 132، و"العقيدة الواسطية".
(٣) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 3/ 271، و"معاني القرآن" للفراء 2/ 135 و"إعراب القرآن" للنحاس 2/ 267، و"مشكل إعراب القرآن" 2/ 437.
(٤) "البحر المحيط" 6/ 103، و"التفسير الكبير" 11/ 84، و"روح المعاني" 15/ 212.
(٥) "جامع البيان" 15/ 206، و"النكت والعيون" 3/ 289، و"البحر المحيط" 6/ 103، و"التفسير الكبير" 11/ 84، و"الدر المنثور" 4/ 389 وعزاه لابن المنذر وابن أبي حاتم.
(٦) "النكت والعيون" 3/ 289، و"زاد المسير" 5/ 114 ذكره بدون نسبة، و"روح المعاني" 15/ 212، وذكره السمرقندي في "بحر العلوم" 2/ 292 بلا نسبة.
(٧) "معاني القرآن" للفراء 2/ 136.
(٨) "المحرر الوجيز" 10/ 371، و"الجامع لأحكام القرآن" 10/ 364، و"البحر المحيط" 6/ 104، و"روح المعاني" 15/ 212.
(٩) ما بين المعقوفين ورد في جميع النسخ بلفظ: (هذه مقتصة من بناجا)، وما أثبته هو الصواب إن شاء الله، والموافق للسياق.
(١٠) ذكر نحوه الرازي في "التفسير الكبير" 21/ 83.
(١١) ذكر نحوه الرازي في "التفسير الكبير" 21/ 84.
(١٢) قوله: (الذي)، ساقط من نسخة (ص).
(١٣) "جامع البيان" 15/ 206، و"بحر العلوم" 2/ 292، و"النكت والعيون" 3/ 289، و"معالم التنزيل" 3/ 152، و"زاد المسير" 5/ 114، و"الدر المنثور" 4/ 389.
(١٤) "معاني القرآن" للفراء 2/ 136.
(١٥) "معانى القرآن" للزجاج 3/ 271.
(١٦) في نسخة (ص).
(عن حد ما عليه).
(١٧) "الإغفال فيما أغفله الزجاج من المعاني" ص 932.
(١٨) "معاني القرآن" للفراء 2/ 136، و"معاني القرآن" للزجاج 3/ 271، و"الإغفال فيما أغفله الزجاج من المعاني" ص 932.
(١٩) لفظ: (قال)، ساقط من نسخة (س).
(٢٠) "الاغفال فيما أغفله الزجاج من المعاني" ص 938.
<div class="verse-tafsir"