الإسلام > القرآن > تفسير > البسيط > سورة 2 البقرة > الآية ١١٩
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 11 دقيقة قراءةقوله تعالى: ﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ ﴾ معنى الحقّ في اللغةِ: هو الواجب الصدق الموجود، وهو نقيض الباطل، يقال: حَقَّ الشيء يَحِقُّ حقًا، معناه: وجب (١) (٢) (٣) (٤) وأصل الحق ما ذكرنا من أنه الصدق الواجب، ثم يسمى كلُّ ثابت موجود غير باطل: حقًا، كالذي ذكره ابن الأعرابي.
والحقُّ من أسماء الله تعالى قال الله تعالى: ﴿ وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ ﴾ ، والحقُّ: العدل في قوله.
﴿ رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ ﴾ ، والحق: الدَّين في قوله: ﴿ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ ﴾ (٥) فأما تفسير الحق في هذه الآية، فقال ابن عباس: الحق: القرآن (٦) ﴿ بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ ﴾ ، (٧) (٨) ﴿ وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ﴾ (٩) والباء في (بالحق) بمعنى مع، أي: مع الحق (١٠) ﴿ وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ ﴾ ، وإذا (١١) (١٢) ﴿ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ﴾ (١٣) (١٤) ﴿ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى ﴾ .
والنذير: بمعنى المنذر، وكان الأصل: نَذَرَ، إلا أن فعل الثلاثي أميت، ومثله: السميع: بمعنى المسمع، والبديع بمعنى المبدع، وتقول: أنذرتُه فَنَذِر، أي: أعلمتُه فعلِمَ وتحرّز (١٥) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ ﴾ سأل فِعْلٌ يتعدّى إلى مفعولين، أنشد أحمد بن يحيى (١٦) (١٧) ويجوز الاقتصارُ فيه على مفعولٍ واحد، ويكون على ضربين: أحدهما: أن يتعدّى بغير حرف.
والآخر: أن يتعدّى بحرف.
فالمتعدي بغير حرف نحو قوله: ﴿ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ﴾ .
وقال: ﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ ﴾ .
وأما تعديه بالحرف فالحرف الذي يتعدى به حرفان.
أحدهما: (الباء)، كقوله: ﴿ سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ ﴾ ، وكقول الشاعر: وسائلةٍ بثعلبةَ بْنِ بكر ...
وقد أودَتْ بثعلبةَ العَلُوقُ (١٨) والآخر: (عن)، كقولك: سل عن زيد.
وإذا تعدى إلى مفعولين فالمفعول الثاني يكون على ثلاثة أضرب: أحدها: أن يكون الفعل واقعًا عليه من غير حرف ظاهر ولا مضمر، وذلك نحو قوله: سألتُ زيدًا بعد بكر خُفًّا (١٩) (٢٠) الثاني: أن يتعدّى الفعلُ إليه بإضمارِ حرف، وذلك قوله (٢١) ﴿ وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا ﴾ .
معناه: ولا يسأل حميمٌ عن حميمٍ، ويكون بمنزلة: اخترت الرجال زيدًا، ويجوز إظهارُ الحرف، فيكوَن كقوله: ﴿ وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ ﴾ .
والثالث: أن يقع موقعَ المفعول الثاني استفهام، كقوله: ﴿ سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ ﴾ .
وقوله: ﴿ وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ ﴾ (٢٢) وفي (سألت) لغتان: تحقيق الهمزة وهي الفاشية الكثيرة، وسِلْتُ أَسَال لغةٌ، وعليها جاء قول الشاعر: سَالَتْ هذيلُ رسولَ الله فاحشةً ...
ضلَّت هذيلُ بما قالت ولم تُصِبِ (٢٣) وحمل سيبويه (٢٤) راحَتْ بمسلمةَ البغالُ (٢٥) (٢٦) (٢٧) (٢٨) ﴿ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ﴾ وغير مسؤول، فيكون مرفوعًا في اللفظ، منصوبًا في التأويل، ويكون ذكر تُسْأَلُ وهو فعل بعد قوله: ﴿ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ﴾ (٢٩) ﴿ وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ ﴾ .
بعد ما تقدم من قوله: ﴿ وَجِيهًا ﴾ .
والوجه الثاني: أن يكون منقطعًا من الأول، مُستأنفًا به، يُراد: ولست تسأل عن أصحاب الجحيم، ويقوي هذا الوجهَ قراءة عبد الله: ولن تسألَ، وقراءة أُبي: وما تُسأل (٣٠) (٣١) قال: لو أن الله أنزل بأسه باليهود لآمنوا، فأنزل الله عز وجل ﴿ وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ ﴾ (٣٢) ﴿ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ ﴾ (٣٣) وقرأ نافعٌ وحدَه (ولا تَسْألْ) بفتح التاء وجزم اللام، وله وجهان: أحدهما: أن يكونَ هذا نهيًا للنبي على ما روي عن ابن عباس، أنه قال: سأل رسول الله جبريل عن قبر أبيه وقبرِ أمِّهِ، فدلَّه عليهما، فذهب إلى القبرين ودعا لهما، وتمنىَّ أن يعرف حالَ أبويه في الآخرة فنزلت قوله: ﴿ وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ ﴾ (٣٤) وقال القرظي: قال رسول الله ذات يوم: "ليت شعري ما فعل أبواي"، فأنزل الله هذه الآية، فما ذكرهما حتى توفاه الله (٣٥) ﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا ﴾ وهو علي - -.
﴿ أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ﴾ (٣٦) قال أبو إسحاق: ويجوز أن يكون النهي لفظًا، ويكون المعنى على تفخيم ما أَعَدَّ لهم من العقاب، كما تقولُ (٣٧) (٣٨) (٣٩) (٤٠) وقال أبو علي: إنما تكون الفاء أحسن إذا كانت الرسالة بالبشارة والنِذارة علّةً لأن لا يسأل عن أصحاب الجحيم، كما يقول الرجل: قد حملتُك على فرس فلا تسألني غيره، فيكونُ حملُه على الفرس علّةً لئلا يَسْأل غيره، وليس البشارة والنذارة علةً لئلا يسأل (٤١) (٤٢) والجحيم عند العرب: النار المستحكمة المتلظية، يقال: جَحَمَتِ النارُ تَجْحَمُ، بفتح العين فيهما، جُحومًا فهي جاحم وجحيم، قال الله تعالى في قصة إبراهيم: ﴿ فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ ﴾ ، أراد: النار الشديدة التأجج.
ويقال لشده القتل في معركة الحرب: جاحم، تشبيهًا بالنار العظيمة، قال: حتى إذا ذاق منها جاحِمًا بَردَا (٤٣) والجَحْم والجَحْمَة: توقُّد النار (٤٤) نحن حَبسنا بني جَدِيلةَ في ...
نارٍ من الحرب جَحْمةِ الضَّرَمِ (٤٥) (١) في (ش): (وجبت).
(٢) نقله عنه في "تهذيب اللغة" 1/ 877 (٣) نقله عن شمر كما في "تهذيب اللغة" 1/ 876 (٤) نقله عنه في "تهذيب اللغة" 1/ 880.
(٥) ينظر: "المفردات" للراغب الأصفهاني ص 132، "اللسان" 2/ 940 (حق).
(٦) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1143، والواحدي في "الوسيط" 1/ 198، البغوي 1/ 142، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 137.
(٧) "تفسير الثعلبي" 1/ 1143.
(٨) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1144، والواحدي في "الوسيط" 1/ 198 البغوي 1/ 142 وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 137.
(٩) "تفسير الثعلبي" 1/ 1143.
(١٠) ينظر: "البحر المحيط" 1/ 367.
(١١) في (ش): (فإذا).
(١٢) ينظر: "البحر المحيط" 1/ 367 وذكر أنه حال من الكاف، ويحتمل أن يكون حالا من الحق؛ لأن ما جاء به من الحق يتصف أيضًا بالبشارة والنذارة، والأظهر الأول.
(١٣) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 200، "إعراب القرآن" 1/ 209.
(١٤) ينظر: "تهذيب اللغة" 1/ 338، "البحر المحيط" 1/ 367.
(١٥) "تهذيب اللغة" 4/ 3546، "اللسان " 7/ 4390.
(١٦) في "الحجة" ذكر هذا البيت ثم قال: وأنشد أحمد بن يحيى: سألت عَمْرًا بعد بكير خُفًّا ...
والدلْو قد تُسْمَعُ كي تَخِفّا (١٧) البيت لجرير بن عطية، يهجو فيها الراعي النميري، ينظر: "ديوانه" ص 58، "الحجة" 2/ 209.
والخلاب: المخادعة والكذب.
(١٨) البيت للمفضل النكري، في "الأصمعيات" ص 203، و"المنصفات" ص 25، و"الخصائص" 2/ 437، "الحجة" 2/ 210، "لسان العرب" 4/ 2170، (مادة: سير)، 5/ 3074، (مادة: علق)، "المعجم المفصل" 5/ 182 وروايته في بعض المصادر: (سير) بدل: بكر، و (علقت) بدل: أودت، وهذا البيت من قصيدة الشاعر المنصفة، يذكر أن ثعلبة بن سيار كان في أسره، وهو الذي ذكره في البيت: ثعلبة بن سير، ضرورة لإقامة الوزن.
والعلوق: المنية.
(١٩) البيت من الرجز لم ينسب لقائل، وبعده: والدلَو قد تُسْمَعُ كي تَخِفّا ذكره في "الحجة" 2/ 210 مرة قال: عمرًا، ومرة قال: زيدًا.
"اللسان" (مادة: خفف).
(٢٠) في "الحجة" 2/ 211 زيادة عليه، أي: سألته أن يفعل ذلك.
(٢١) من قوله: سألت زيدًا بعد بكر ...
ساقط من (ش).
(٢٢) ما تقدم منقول من "الحجة" لأبي علي الفارسي 2/ 209 - 211.
(٢٣) البيت لحسان بن ثابت هجو هذيلاً، في ملحق ديوانه ص 34، "السيرة النبوية" لابن هشام 3/ 176، "الكتاب" لسيبويه 2/ 130 "المقتضب" للمبرد 1/ 167، "الحجة" 2/ 218 "المعجم المفصل" 1/ 425.
(٢٤) "الكتاب" 3/ 468، 555.
ونقل ذلك عنه أبو علي الفارسي في "الحجة" 2/ 218.
(٢٥) في (ش): (النعال).
(٢٦) البيت للفرزدق، في "ديوانه" 1/ 408، "الكتاب" 3/ 554، "الحجة" 2/ 218، "المعجم المفصل" 4/ 267.
(٢٧) في "معاني القرآن" 1/ 200.
(٢٨) "الحجة" 2/ 216.
(٢٩) ساقط من (ش) من قوله: (في اللفظ).
(٣٠) القراءتان في "الحجة" لابن زنجلة ص 112، "تفسير الثعلبي" 1/ 1146، و"مختصر في شواذ القرآن" لابن خالوية ص 16، و"الكاشف" 1/ 182، وتفسير ابن عطية 1/ 468.
(٣١) إلى هنا انتهى كلام أبي علي في "الحجة" 2/ 216.
(٣٢) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1145، والواحدي في "أسباب النزول" ص 43، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 119، و"القرطبي" 2/ 83 ونقله ابن حجر في "العجاب" 1/ 368 عن الواحدي، ثم قال: لم أر هذا في "تفسير مقاتل بن سليمان"، فينظر في "تفسير مقاتل بن حيان" ا.
هـ.
وهذا مرسل لا يحتج به.
(٣٣) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 200.
(٣٤) ذكره أبو علي الفارسي في "الحجة" 2/ 216، وقال: وهذا إن ثبت معنى صحيح، ويذكر أن في إسناد الحديث شيئا وذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1144 والواحدي في "أسباب النزول" ص 43 من طريق عطاء عن ابن عباس.
وقال ابن حجر في "العجاب" 1/ 369: وأما قول ابن عباس فنسبه الثعلبي في "تفسيره" لرواية عطاء عنه، وهي من تفسير عبد الغني بن سعيد الواهي، وقد أخرجه الطبري من مرسل محمد بن كعب القرظي، وعليه اقتصر الماوردي وابن ظفر وغيرهما، وأستبعد الرازي صحة هذا السبب، قال لأنه يعلم من مات كافرًا.
انتهى.
وفي سنده موسى بن عبيدة وهو ضعيف.
(٣٥) أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 59، الطبري 1/ 516 وأشار إلى ضعفه في 1/ 516، ابن أبي حاتم 1/ 217 من طريق موسى بن عبيدة الربذي عن محمد بن كعب، وذكره السيوطي في "الدر" 1/ 209، وزاد نسبته إلى وكيع، وسفيان بن عيينه، وعبد بن حميد، وابن المنذر.
قال السيوطي: هذا مرسل ضعيف الإسناد، وقال أحمد شاكر بعد أن أورده الطبري من طريقين عن موسى بن عبيدة: هما حديثان مرسلان، فإن محمد بن كعب بن سليم القرظي، تابعي، والمرسل لا تقوم به حجة، ثم هما إسنادان ضعيفان أيضًا بضعف راويهما موسى بن عبيدة بن نشيط الربذي ...
وقد أخرجه الطبري أيضًا 2/ 559 عن داود بن أبي عاصم، أن النبي - - == قال ...
فذكره.
وقال السيوطي1/ 209: معضل الإسناد ضعيف لا تقوم به ولا بالذي قبله حجة.
وقال أحمد شاكر: وهذا مرسل أيضا لا تقوم به حجة، داود بن أبي عاصم بن عروة بن مسعود الثقفي: تابعي ثقة، ويروى عن بعض التابعين أيضًا.
(٣٦) أخرجه الطبري 11/ 42 من طريق عطية العوفي وسنده مسلسل بالضعفاء.
(٣٧) في "معاني القرآن": كما يقول لك القائل الذي تعلم أنت أنه يجب أن يكون من تسأل عنه في حالة جميلة، أو حالة قبيحة، فتقول: لا تسأل عن فلان، أي: قد صار إلى أكثر مما تريد.
(٣٨) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 200.
(٣٩) في "معاني القرآن" 1/ 200.
(٤٠) نقله أبو علي الفارسي في "الحجة" 2/ 217 دون نسبة.
(٤١) "الحجة" لأبي علي الفارسي 2/ 217.
(٤٢) "الحجة" لأبي علي الفارسي 2/ 216.
(٤٣) ذكره في "تهذيب اللغة" 1/ 545، عن الليث، ولم ينسبه وكذا في "اللسان" 1/ 553.
(٤٤) ينظر: "تهذيب اللغة" 1/ 545، "المفردات" للراغب ص 95، "اللسان" 1/ 553.
(٤٥) ينظر: "ديوان الحماسة" 1/ 46.
<div class="verse-tafsir"