الإسلام > القرآن > تفسير > البسيط > سورة 2 البقرة > الآية ١٢٤
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 9 دقيقة قراءةوقوله تعالى: ﴿ وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ ﴾ الآية، الابتلاء: الاختبار والامتحان، وابتلاء الله تعالى يعود إلى إعلامه عباده لا إلى استعلامه؛ لأنه يعلم ما يكون، فلا يحتاج إلى ابتلاءٍ ليَعْلَم (١) وقوله تعالى: ﴿ بِكَلِمَاتٍ ﴾ الكلبي، عن أبي صالح (٢) (٣) وهذا أصح ما قيل في تفسير الكلمات، وعلى هذا أكثر أهل العلم (٤) وقال ابن عباس في رواية عطاء: أوحى الله إلى إبراهيم: يا خليلي، تطهّرْ، فتمضمض، فأوحى الله إليه أن تطهرْ، فاستنشقَ، فأوحى إليه أن تطهر، فاستاك، فأوحى إليه أن تطهر، فأخذ شاربه، فأوحى (٥) (٦) وقال بعض المتأولين: المراد بالكلمات في هذه الآية: انقياده لأشياء امتحن بها، وأخذت عليه، منها: الكوكب والشمس والقمر والهجرة والختان وعزمه على ذبح ابنه (٧) (٨) (٩) ﴿ وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ ﴾ ، فالكلمات تكون الشرائع التي شرع لها دون القول؛ لأن ذلك قد استغرقه قوله تعالى: ﴿ وَكُتُبِهِ ﴾ وكان المعنى: صدقت بالشرائع فأخذت بها، وصدقت الكتب فلم تكذب بها (١٠) وقوله تعالى: ﴿ فَأَتَمَّهُنَّ ﴾ معناه: أدَّاهُنَّ تامّاتٍ غيَر ناقصات (١١) (١٢) وقوله تعالى: ﴿ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ﴾ .
قال ابن عباس: أوحى الله إليه إني جاعلك للناس إمامًا يقتدي بك الصالحون من بعدك (١٣) والأَمُّ في اللغة: القصد، والإمامُ: كلُّ مَنِ ائتم به قومٌ، كانوا على الصراط المستقيم (١٤) (١٥) ﴿ يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ ﴾ أي: بكتابهم الذي جعلت فيه أعمالهم في الدنيا، وقال: ﴿ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ ﴾ يعنى: كتابًا، أو اللوح المحفوظ.
وقد يجعل الطريقُ إمامًا؛ لأنَّ المسافر يأتمُّ به ويستدلُّ، قال الله تعالى: ﴿ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ ﴾ ، أي: بطريقٍ واضح.
ويقالُ للخيط الذي يُقَدَّرُ به البناء: الإمام؛ لأنه يقتدى به، ويُقْصَدُ قَصْدُه.
وإمام الغلام في المكتب: ما يتعلمه كل يوم، لأنه يتبعه، ويقصده بالتعلم، ولا يعدو ما فيه (١٦) فقال إبراهيم: ﴿ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي ﴾ أي: ومن أولادي أيضًا فاجعل أئمةً يُقْتدَى بهم (١٧) (١٨) (١٩) ﴿ وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ ﴾ أراد: آباءهم الذين حُمِلوا مع نوح في السفينة (٢٠) ﴿ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ ﴾ إلى قوله: ﴿ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ ﴾ ، فدخل فيها الآباء والأبناء (٢١) وتكون (٢٢) ﴿ هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ﴾ ، فهذا مثل قوله: ﴿ فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا ﴾ .
ألا ترى أنه قال: ﴿ فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى ﴾ .
ومما جاء فيه جمعًا قوله: ﴿ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ ﴾ ، وهو كثير.
وأما أصل الذُّرِّيةِ ومأخذُها، فقال أبو إسحاق النحوي: فيها قولان: قال بعضهم: هي فُعْليَّةٌ، من الذَرَ؛ لأنَ الله تعالى أخرجَ الخلق من صُلْبِ آدم كالذَّرِّ، حين أشهَدَهُم على أنفسِهم (٢٣) قال: وقال بعضُ النحويين: أصلها ذرُّورَةٌ، على وزن فعلولة، ولكنَّ التضعيَف لمَّا كَثُرَ أُبْدِلَ من الراء الأخيرة ياء فصارت ذُرُّويَةً، ثم أُدغمت الواو في الياء فصارت: ذُرِّيَّة.
قال: والقول الأول أقيسُ وأجود (٢٤) (٢٥) (٢٦) (٢٧) وزاد ابن الأنباري الوجهين (٢٨) قال: ويجوزُ أن تكون (٢٩) (٣٠) وقال الخليل: الذرية فُعْليّة، من ذَرَرْت؛ لأن الله تعالى ذَرَّهم في الأرض، أي: نشرهم.
قال أبو على الفارسي: أمَّا مثالُ ذرية من الفعل، فيجوزُ أن يكون فُعلُولة من الذر، فأُبدلَتْ من الراء التي هي اللامُ (٣١) ﴿ تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ ﴾ أُبدِلت من الواو الياء؛ لوقوع ياء قبلها (٣٢) وقوله تعالى: ﴿ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ﴾ أعلم الله إبراهيم أن في ذريته الظالم (٣٣) (٣٤) (٣٥) واختلفوا في معنى العهد هاهنا، فقال أبو عبيد: العهد هاهنا: الأمان، أي: لا ينال أماني الظالمين (٣٦) ﴿ لَا يَنَالُ عَهْدِي ﴾ أي: نبوتي (٣٧) وقال الفراء: ﴿ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ﴾ أي: لا يكون للناس إمام مشرك (٣٨) (٣٩) (٤٠) (١) ينظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 1/ 54، "تفسير الطبري" 1/ 524، "المفردات" للراغب ص 71 - 72، "تفسير البغوي" 1/ 145.
(٢) هو: باذان، ويقال: باذام، أبو صالح مولى أم هانىء، تقدمت ترجمته.
(٣) هذا الإسناد ضعيف لا تقوم به حجة، لكن ورد هذا عن ابن عباس بإسناد صحيح عند عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 57 عن معمر عن ابن طاوس، عن ابن عباس، ومن طريق عبد الرزاق أخرجه الطبري في "تفسيره" 1/ 524، ابن أبي حاتم == 1/ 359، والحاكم 2/ 266 وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
والبيهقي في "السنن الكبرى" 1/ 149، وذكره الثعلبي 1/ 1154، ولفظ الرُّفْغَين عند الفراء في "معاني القرآن" 1/ 76 والرُّفْغ: كل موضع اجتمع فيه الوسخُ، والمراد به الإبط.
ينظر: "المصباح المنير" ص 233.
(٤) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 204، وقال ابن أبي حاتم 1/ 219: روي عن أبي صالح وأبي الجلد ومجاهد وسعيد بن المسيب والنخعي والشعبي نحو ذلك.
(٥) في (ش): (فأوحى الله).
(٦) هو بمعنى ما سبق، ولكن فيه تفصيل.
(٧) أورد هذا المعنى عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 75، الطبري في "تفسيره" 1/ 527، وابن أبي حاتم 1/ 221 (1170)، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1155 كلهم عن الحسن.
(٨) ذكره الطبري في "تفسيره" 1/ 527 - 528 الأقوال في المسألة ثم بين أن الصواب:== أنه لا يجزم بشيء مما ذكر على أنه المراد بالكلمات إلا بحجة يجب التسليم بها، ورجح ابن كثير في "تفسيره" 1/ 177 عموم الكلمات لكل ما ذكر في أقوال المفسرين، وذكر في "البحر المحيط" 1/ 375 ثلاثة عشر قولًا ثم قال: وهذه الأقوال ينبغي أن تحمل على أن كل قائل منها ذكر طائفة مما أبتلى الله به إبراهيم إذ كلها ابتلاه الله بها، ولا يحمل ذلك على الحصر في العدد ولا على التعيين، لئلا يؤدي ذلك إلى التناقض.
(٩) في (ش): (النسخ والمنسوخ)، وفي (م): (النسخ للمنسوخ).
(١٠) ينظر: "تفسير القرطبي" 2/ 87، و"تفسير ابن كثير" 1/ 176.
(١١) ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 528، و"تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص 62، "تفسير الثعلبي" 1/ 1157.
(١٢) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 204.
(١٣) ذكره في "الوسيط" 1/ 203 لعله من رواية عطاء التي تقدم الحديث عنها في== القسم الدراسي وقد روى ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 222 عن أبي العالية، أنه قال: فجعله الله إمامًا، يؤتم ويقتدى به، ثم قال: وروي عن الحسن وعطاء الخراساني ومقاتل ابن حيان وقتادة والربيع بن أنس نحو ذلك.
(١٤) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 205.
(١٥) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 205، وينظر: "تهذيب اللغة" 1/ 206 (مادة: أمَ).
(١٦) ينظر: "تهذيب اللغة" 1/ 206، و"المفردات" للراغب الأصفهاني ص 33 - 34.
(١٧) "تفسير الثعلبي" 1/ 1157.
(١٨) في (أ)، (م): (يقول).
(١٩) في (ش): (تمنى).
(٢٠) نقله عنه في "تهذيب اللغة" 2/ 1274 (مادة: ذرأ).
(٢١) "تهذيب اللغة" 2/ 1274 (مادة: ذرأ).
(٢٢) في (ش): (ويكون).
(٢٣) لم يذكر أبو إسحاق شيئا من ذلك في هذه الآية، لكنه أشار إلى العلة في آية الأعراف: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ﴾ .
فقال في "معاني القرآن" 2/ 390: قال بعضهم: خلق الله الناس كالذر من صلب آدم وأشهدهم على توحيده.
(٢٤) في (م): (أجود وأقيس).
(٢٥) نقله عنه في "تهذيب اللغة" 2/ 1277، وعنه في "اللسان" 3/ 1491 (مادة: ذرأ).
(٢٦) في (أ) و (م): (واختيار).
(٢٧) نقله عنه في "تهذيب اللغة" 2/ 1277.
(٢٨) المثبتمن (ش)، وفي غيرها: (للوجهين).
(٢٩) في (أ)، (م): (يكون).
(٣٠) الدهري، بضم الدال وفتحها، الذي يقول ببقاء الدهر "القاموس" ص 395.
(٣١) ساقطة من (م).
(٣٢) ينظر: تفصيل ذرية وما فيها من اشتقاق وتصريف في: "البحر المحيط" 1/ 372 - 373، "اللسان" 3/ 1494 (ذر) ، 3/ 1491 (ذرأ).
(٣٣) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 205.
(٣٤) أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 222 بمعناه.
(٣٥) تفسير العهد بالإمامة قال به: ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير، وبه قال كثيرون، ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 530، و"تفسير السمعاني" 2/ 45، "تفسير ابن عطية" 1/ 477، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 140، و"تفسير القرطبي" 2/ 98.
(٣٦) "غريب الحديث" 1/ 440، وذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1160 في نسخةٍ، وفي النسخة: أبو عبيدة، وليس في "مجاز القرآن" لأبي عبيدة، ونسبه الرازي في "تفسيره" 4/ 45 إلى أبي عبيد، وقد أخرجه الطبري 1/ 530 عن قتادة.
(٣٧) أخرجه الطبري في "تفسيره" 1/ 530، وابن أبي حاتم 1/ 223، وذكره الثعلبي 1/ 1159.
(٣٨) "معاني القرآن" 1/ 76.
(٣٩) يريد ابن قتيبة الدينوري، المتوفى سنة 276 هـ (٤٠) "تأويل مشكل القرآن" ص 62، وذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 141.
<div class="verse-tafsir"