الإسلام > القرآن > تفسير > البسيط > سورة 2 البقرة > الآية ١٩٤
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 4 دقيقة قراءةقوله تعالى: ﴿ الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ ﴾ قال المفسرون: إن النبي صُدّ عام الحديبية سنة ستٍ، ثم عاد في سنة سبع، ودخل مكة وقضى العُمرة في ذي القَعدة، فأنزل الله هذه الآية، يريد: ذو القعدة، الذي دخلتم فيه مكةَ، واعتمرتم ﴿ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ ﴾ : ذي القعدة، الذي صددتم فيه عن البيت، يعني: أن هذا جزاء ذاك وبدله.
وتأويله: العمرة في الشهر الحرام من سنة سبع بدلٌ من الصدّ في الشهر الحرام سنة ستٍ (١) والحرمات: جمع حُرْمَة، والحُرْمَة: ما مُنِع من انتهاكه (٢) والقصاص: المساواة والمماثلة، ذكرنا ذلك.
وأراد بالحرمات: الشهر الحرام، والبلد الحرام، وحُرمة الإحرام (٣) ومعنى قوله: ﴿ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ ﴾ أي: اقتصصت لكم منهم، حيث أضاعوا وانتهكوا هذه الحرمات في سنة ستٍ، فقضيتم على زعمهم ما فاتكم في سنة سبع (٤) قال مجاهدٌ: فَخَرت قريش أن صدت رسول الله عن البيت الحرام في الشهر الحرام، في البلد الحرام، فأقصه الله، فدخل عليهم من القابل، في الشهر الحرام، في البلد الحرام، في البيت الحرام، وأنزل الله هذه الآية (٥) (٦) والصحيح في تفسير هذه الآية: ما قاله ابن عباس في رواية عطاء: ﴿ الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ ﴾ يريد: إن قاتلوكم في الشهر الحرام، فقاتلوهم في مثله (٧) (٨) وقوله تعالى: ﴿ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ ﴾ قال ابن عباس: يريد: إن انتهكوا لكم حرمةً فانتهكوا منهم مثل ذلك.
وقال الزجاج: أعلم الله عز وجل أن أمر هذه الحرمات قصاص (٩) (١٠) ﴿ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ ﴾ والذي يدل عليه من سياق الآية.
قوله تعالى: ﴿ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ ﴾ أي: ظلم، فقاتل، ﴿ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ ﴾ .
وسمى الثاني اعتداءً لأنه مجازاة اعتداء فَسُمِّي بمثل اسمه؛ لأن صورةَ الفِعْلين واحدة، وإن كان أحدهما طاعة والآخر معصية، والعرب تقول: ظلمني فلان فظلمته، إذا جازيته بظلمه، وجَهِلَ عَلَيَّ فَجَهِلْتُ عليه، أي: جازيته بجهله.
قال عمرو (١١) ألا لا يَجْهَلَن أحدٌ علينا ...
فَنَجْهَل فوق جَهْلِ الجاهلينا (١٢) أي: نكافئ على الجهل بأكثر من مقداره، ومثله من التنزيل: قوله عز وجل: ﴿ وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ ﴾ وقوله: ﴿ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ ﴾ (١٣) (١) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 196 - 198، وقد ذكر روايات كثيرة في ذلك عن ابن عباس ومجاهد وقتادة ومقسم والسدي والضحاك والربيع وابن زيد، ونحوه عند ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 328، وذكر هذا السبب: الثعلبي 2/ 414، البغوي 1/ 215، والواحدي في "أسباب النزول" ص 58، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 194 وغيرهم.
(٢) "تفسير الثعلبي" 2/ 416، وينظر: "المفردات" ص 122.
(٣) ينظر: "تفسير الطبري" 3/ 579 و"تفسير الثعلبي" 2/ 416 و"البغوي" 1/ 215.
(٤) ينظر: "تفسير الطبري" 2 - 198، "الثعلبي" 2/ 416، ويفيد كلام الواحدي هنا أن هذه العمرة قضاء للعمرة التي حصروا عنها عام الحديبية، والقول الآخر: أنها من المقاضاة؛ لقول ابن عمر: لم تكن هذه قضاء ولكن كان شرطًا على المسلمين أن يعتمروا في الشهر الذي حاصرهم فيه المشركون.
ينظر: "زاد المعاد" 3/ 378.
(٥) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 197.
(٦) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 416.
(٧) تقدم الحديث عن رواية عطاء ص 92، وقد ذكره البغوي في "تفسيره" 1/ 215، ولم ينسبه، وروى الطبري 2/ 198، وابن أبي حاتم 1/ 329 عن عكرمة عن ابن عباس في هذه الآية قال: أمركم الله بالقصاص، ويأخذ منكم العدوان، وهي بمعنى ما ذكره الواحدي، وعزا ابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 201 هذا القول إلى الحسن البصري.
(٨) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 264.
(٩) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 264.
(١٠) في (أ)، (م): (بما) بلا واو.
(١١) عمرو بن كلثوم بن مالك بن عتاب التغلبي، شاعر جاهلي، من أصحاب المعلقات، وهو قاتل عمرو بن هند ملك الحيرة، وقد عمِّر وأدركته المنية وهو يناهز الخمسين ومائة.
ينظر: "طبقات فحول الشعراء" 1/ 151، "الشعر والشعراء" ص 137، "خزانة الأدب" 3/ 183.
(١٢) البيت في "ديوانه" ص 330 وقد تقدم تخريجه 2/ 140.
(١٣) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 265، وينظر: "تفسير الطبري" 2/ 199، 200، "تفسير الثعلبي" 2/ 413، 417، "تفسير البغوي" 1/ 215.
<div class="verse-tafsir"