الإسلام > القرآن > تفسير > البسيط > سورة 2 البقرة > الآية ٢٠٧
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 9 دقيقة قراءةقوله تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ﴾ الآية، يشري من الأضداد، يقال: شَرَى إذا باع، وشرى إذا اشترى.
وأصله: الاستبدال، قال الله تعالى: ﴿ وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ ﴾ ، أي: باعوه (١) ومعنى بيع النفس هاهنا: بذلها لأوامر الله وما يرضاه (٢) ونصب ﴿ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ﴾ على معنى المفعول له، أي: لابتغاء مرضاة الله، ثم نزع اللام منه، فوصل الفعل فنصبه (٣) (٤) والمرضاة: الرِّضَى، يقال: رَضِيَ رِضًا ومَرْضَاة (٥) وكان الكسائي يقرأها ممالة (٦) (٧) وكان حمزة يقف عليها بالتاء (٨) (٩) وأنشد الأخفش: ما بَالُ عَيْني عن كَرَاها قد جَفَتْ ...
مُسْبِلَةً تَسْتَنّ لَمّا عَرَفَتْ دارًا لِسَلْمى بعد حَوْلٍ قَدْ عَفَتْ ...
بل جَوْزِ تَيْهَاءَ كَظَهْر الْجَحَفَتْ (١٠) ويجوز أن يكون لما كان المضاف إليه في التقدير أثبت التاء، كما يثبته في الوصل، أن المضاف إليه مراد (١١) (١٢) الحرفَ المضمومَ، ليعلم أنه في الوصل مضمومٌ، وكما كَسَر من كَسَر قوله: .........................
واعتقالًا بالرِّجْلِ (١٣) ليعلم أنه في الوصل مجرور.
ويدل على حُجةِ قراءة حمزة قول الراجز: إن عَدِيًا رَكِبَتْ إلى عَدِي ...
وجَعَلَتْ (١٤) ارْهَنْ بَنِيكَ عَنْهم ارْهَنْ بَنِي (١٥) أراد: بنيّ، فحذف ياء الإضافة للوقف، كما يخفف المثقل من نحو: سُرٍّ وضُرٍّ، فلولا أن المضاف إليه المحذوف في تقدير المثبت لرد النون في بنين، فكما لم يَرُدَّ النون في بنين فكذلك لم يقف بالهاء في (مَرْضَاةِ)، لأن المضاف إليه في تقدير الثبات في اللفظ (١٦) فأما التفسير، فقال أكثر المفسرين: نزلت في صهيب بن سنان الرومي (١٧) (١٨) (١٩) (٢٠) ، وأقبل مهاجرًا إليه، فأخذه المشركون، فقال لهم صهيب: إني شيخ كبير لا يضركم أَمِنْكُم كنت أم من غيركم، فهل لكم أن تأخذوا مالي وتذروني وديني؟
ففعلوا ذلك، وكان قد شرط عليهم راحلة ونفقة، فلما بلغ المدينة تلقاه أبو بكر وعمر ما في رجال، فقال له أبوبكر: ربحَ بيعُك أبا يحيى، فقال له (٢١) (٢٢) (٢٣) وقال ابن عباس في رواية عطاء: إنه بذل ماله لمولاه، وقال له: خذ مالي وسَيِّبْني، فقد آمنت بالله وحده لا شريك له، فأعطى ماله وخرج مهاجرًا (٢٤) (٢٥) (٢٦) إذا قرأ هذه الآية يقول: اقتتلا ورب الكعبة (٢٧) (٢٨) (٢٩) (١) ينظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 16، "الأضداد" للأصمعي 18، 19، "أضداد ابن السكيت" 185، "تهذيب اللغة" 2/ 1869، ونقل عن الفراء قوله: وللعرب في شروا واشتروا مذهبان، فالأكثر منهما: أن شروا: باعوا، واشتروا: ابتاعوا، وربما جعلوهما بمعنى باعوا.
وينظر: "اللسان" 4/ 2252 - 2253 "شرى"، "المفردات" ص 263، وقال: الراء والبيع يتلازمان، فالمشتري دافع الثمن وآخذ المثمن، والبائع دافع المثمن وآخذ الثمن، هذا إذا كانت المبايعة والمشاراة بناض وسلعة، فأما إذا كانت بيع سلعة بسلعة صح أن يتصور كل واحد منهما في موضع الآخر، وشريت بمعنى: بعت أكثر، وابتعت بمعنى: اشتريت أكثر، قال الله تعالى: ﴿ وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ ﴾ .
(٢) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 320، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 278، "تفسير الثعلبي" 2/ 654، "الوسيط" 1/ 312.
(٣) ينظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 166، "تفسير الطبري" 2/ 320، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 279، "المحرر الوجيز" 2/ 196، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 299.
(٤) ينظر: "الكتاب" لسيبويه 1/ 367 - 370، 3/ 126، 154.
(٥) ينظر: "اللسان" 3/ 1663 - 1664 "رضى".
(٦) قرأ الكسائي وحده: مرضاة الله، ممالة، وقرأ الباقون: مرضاة الله، بالفتح، أي بلا إمالة.
ينظر: "السبعة" 180، "الحجة للقراء السبعة" 2/ 299.
(٧) "الحجة" 2/ 299 - 300 بمعناه، وحروف الاستعلاء هي حروف التفخيم، وهي سبعة مجموعة في قولك: خص ضغط قظ.
(٨) وقف حمزة على مرضات، بالتاء المفتوحة، والباقون يقفون عليها بالهاء.
ينظر: "السبعة" ص 180، "الحجة" 2/ 299، وفي "التيسير" ص 60، أن الكسائي وأبا عمرو كانا يقفان على هاء تأنيث رسمت في المصاحف تاء بالهاء، وهو قياس مذهب ابن كثير.
(٩) "الكتاب" لسيبويه 4/ 167.
(١٠) الرجز لسؤر الذئب، في "شرح شواهد الشافية" 4/ 200 مع اختلاف في الرواية، وينظر: "الخصائص" 1/ 304 "المحتسب" 2/ 92.
"لسان العرب" 2/ 787 "جحف".
وقوله: تَسْتَنّ، أي: تجري بدمعها، من سننت الماء: إذا أرسلته بغير تفريق، وضعت موضع رب، وجوز وسط، والتيهاء: المفازة التي يتيه فيها سالكها، والجحفة: الترس، شبه التيهاء بظهر الترس في الملامسة.
(١١) في "الحجة": ليعلم أن المضاف إليه مراد.
(١٢) الإشمام هو: ضم الشفتين من غير انطباق بعد إسكان الحرف، وهو يرى ولا يسمع.
ينظر: "الكشف" لمكي 1/ 122.
(١٣) هذا جزء من بيت في الرجز، وتمامه في "النوادر والخصائص" 2/ 335: علَّمَنا أصحابنا بنو عجِل ...
الشغزَبِي واعتقالا بالرجِل وهو برواية: علمنا إخواننا بنو عجل ...
شرب النبيذ واصطفافا بالرجل في "المخصص" 11/ 200، "الإنصاف" ص 734، والعيني 4/ 567، وقالا فيه: إن أبا عمرو سمع أبا مرار الغنوي ينشد هذا البيت، والشغزبي: ضرب من المصارعة، والاعقال: أن يدخل رجله بين رجلي صاحبه فيصرعه.
ينظر تعليق المحققين على "الحجة" 2/ 301.
(١٤) في (م) لعلها: حملت.
(١٥) ورد هكذا: إنَ عديا ركبت لي عديْ ...
وجعلت أموالها في الحطَميْ ارهن بنيك عنهمْ ارهن بَنِيْ وزعم ابن جني أن هذا الشعر جاهلي، ينظر: "المحتسب" 1/ 108، " الخصائص" 3/ 327، "الحجة للقراء السبعة" 2/ 301، ورهنه عنه: جعله رهنًا بدلًا منه.
(١٦) من كلام أبي علي في "الحجة" 2/ 300 - 302 بتصرف، وذكر الوجهين السمين في "الدر المصون" 2/ 357 - 358.
(١٧) هو: أبو يحيى صهيب بن سنان الرومي، أصله من النمر، يقال: اسمه عبد الملك، ولقبه صهيب، صحابي شهير شهد المشاهد كلها توفي بالمدينة في خلافة علي سنة 38 هـ.
انظر: "فضائل الصحابة" 2/ 828، "أسد الغابة" 3/ 36، "تقريب التهذيب" ص 278 (2954).
(١٨) هو النمر بن قاسط بن هِنْب بن أفصى بن دعمى من أسد بن ربيعة جد جاهلي، كان له بالمدينة عقب كثير.
انظر: "قبائل العرب" 1192، "الأعلام" 8/ 48.
(١٩) في (أ) و (م:) (صغير).
(٢٠) هو: عبد الله بن جدعان بن عمرو بن كعب، أحد كفار قريش، كان يقري الضيف ويطعم الجائع، ويصل الرحم ويعتق، سئل عنه الرسول هل ينفعه ذلك؟
فقال: "لا" لأنه لم يقل يوما من الدهر: لا إله إلا الله".
انظر "البداية والنهاية" 3/ 253، و19/ 516.
(٢١) زيادة من (م).
(٢٢) ساقطة من (م).
(٢٣) هذا السياق بمعناه ذكره مقاتل 1/ 178 - 179، ورواه ابن أبي حاتم بنحوه 2/ 368 عن سعيد بن المسيب، وعزاه في "الدر المنثور" 1/ 430 إلى ابن مردويه وابن سعد والحارث ابن أبي أسامة في "مسنده"، وابن المنذر وأبي نعيم في "الحلية"، وابن عساكر، كلهم عن سعيد بن المسيب، وأخرجه الحاكم في "المستدرك" 3/ 400، والطبراني في "المعجم الكبير" 8/ 37حديث رقم (7296)، والبيهقي في "الدلائل" 2/ 522، ويشهد له ما أخرجه الحاكم في "المستدرك" 3/ 398، وابن المنذر "فتح القدير" 1/ 210 عن أنس، وأخرج الطبري 2/ 321 عن عكرمة: أنها نزلت في صهيب بن سنان وأبي ذر الغفاري، كما أخرج الطبري 2/ 321، عن الربيع هذه القصة إلا أنه لم يسم صهيبا، وينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 654، "أسباب النزول" للواحدي ص 68، "تفسر البغوي" 1/ 238، وقد نسبوه لأكثر المفسرين، وكذا ذكر الحافظ ابن حجر في "العجاب" 1/ 527.
(٢٤) تقدم الحديث عن هذه الرواية في المقدمة ونقل الرازي في "تفسيره" 5/ 221 عن ابن عباس أنها نزلت في صهيب وعمار وسمية أمه وياسر أبيه، وفي بلال وآخرين ذكرهم.
(٢٥) ينظر: "التفسير الكبير" 5/ 223.
(٢٦) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 320، ومراد ابن عباس: أن قوله: وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم، هي في الكافر يأمره المؤمن بتقوى الله، فيرد ذلك الكافر فيقول المؤمن: وأنا أشري نفسي ابتغاء مرضاة الله، فيقتتل الرجلان، وبمعنى هذا: ما روي عن عمر أنها نزلت في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما ذكره الواحدي في "أسباب النزول" ص 68، ونقله ابن حجر في "العجاب" 1/ 528، وقال: أسنده عبد بن حميد، وبمعناه أيضا ما روي عن الحسن، وذكره الواحدي في "أسباب النزول" ص 68، والثعلبي في "تفسيره" 2/ 658.
(٢٧) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 319، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 368، والخطيب في "تاريخ بغداد" 11/ 135، وعزاه في "الدر" 1/ 432 إلى وكيع وعبد ابن حميد والبخاري في "تاريخه" تاريخه 6/ 47.
(٢٨) في (أ) و (م): يتضمنان.
(٢٩) ذكر المفسرون أقوالا أخرى في سبب النزول، فقيل: إنها نزلت في المهاجرين والأنصار، وقيل: إنها نزلت في كل شارٍ نفسه في طاعة الله وجهاد في سيله، وقيل: نزلت في أناس بأعيانهم، وقيل: نزلت في أصحاب الرجيع، وتقدمت == قصتهم.
ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 320 - 322، "تفسير البغوي" 1/ 236، "العجاب" 1/ 524 - 529، والذي رجحه الطبري أن يكون معنيًا بها كل من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، كما روي عن عمر وعلي وابن عباس، وهذا لا يدفع أن تكون أنزلت في شخص بعينه كصهيب، ومعناها شامل له ولغيره.
<div class="verse-tafsir"