تفسير سورة البقرة الآية ٢١٣ عند البسيط

الإسلام > القرآن > تفسير > البسيط > سورة 2 البقرة > الآية ٢١٣

كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةًۭ وَٰحِدَةًۭ فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ فِيمَا ٱخْتَلَفُوا۟ فِيهِ ۚ وَمَا ٱخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا ٱلَّذِينَ أُوتُوهُ مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ بَغْيًۢا بَيْنَهُمْ ۖ فَهَدَى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لِمَا ٱخْتَلَفُوا۟ فِيهِ مِنَ ٱلْحَقِّ بِإِذْنِهِۦ ۗ وَٱللَّهُ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍ ٢١٣

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 8 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

قوله تعالى: ﴿ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ الآية، قال ابن عباس: كان الناس على عهد إبراهيم  أمةً واحدةً كفارًا كلهم، وولد إبراهيم في جاهلية، فبعث الله إليهم إبراهيم وغيره من النبيين (١) وقال الحسن (٢) (٣) قال ابن الأنباري: على هذا القول وإن كان فيما بينهم من لم يكن بهذا الوصف نحو: هابيل وإدريس، فإن الغالب كان الكفر، والحكم للأغلب والأعم، ولا يعتد بالقليل في الكثير، كما لا يعتد بالنبيذ القليل من الشعير في البر الكثير.

وقال الكلبي (٤) (٥) وقال ابن زيد (٦) ﴿ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى  ﴾ .

وهذا القول مروي عن أبي بن كعب (٧) (٨) (٩) وحكى الزجاج عن بعض أهل اللغة قال: كان كلُّ من بعث إليه الأنبياء كفارًا (١٠)  .

وقال محمد بن إسحاق: ولدت حواء لآدم أربعين ولدًا ذكرًا وأنثى، في عشرين بطنًا، وكانوا أمة مسلمين فاختلفوا حين قتل أحد ابني آدم أخاه (١١) وقوله تعالى: ﴿ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ ﴾ أي: الكتب، اسم الجنس أريد به الجمع (١٢) وقوله تعالى: ﴿ بِالْحَقِّ ﴾ أي: بالعدل والصدق، وما فيه من البيان عن الحق من الباطل (١٣) وقوله تعالى: ﴿ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ ﴾ قال أهل المعاني: هذا مجاز وتوسع، وحقيقته ليحكم منزل الكتاب، إلا أنه جعل اللفظ على الكتاب تفخيمًا له لما فيه من البيان (١٤) وقوله تعالى: ﴿ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ ﴾ الكناية راجعة إلى الكتاب، والمراد بالكتاب المختلف فيه: التوراة والإنجيل (١٥) وقوله تعالى: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ ﴾ يعني: اليهود والنصارى، وهم الذين أوتوا الكتاب، والله تعالى كثيرًا ما يذكرهم في القرآن بهذا اللفظ، كقوله: ﴿ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ  ﴾ ، كأنه قال: وما اختلف في الكتاب إلا اليهود والنصارى (١٦) واختلافهم: كفر بعضهم بكتاب بعض بغيًا وحسدًا.

ويحتمل أن يكون المراد باختلافهم: تحريفهم وتبديلهم؛ لأن اليهود بدلت التوراة، وعلى هذا المراد اليهود دون النصارى إن لم تبدل النصارى، والوجهان في الاختلاف ذكرهما الفراء (١٧) وقال بعضهم: الكناية راجعةٌ إلى محمد  ، لأنه من جملة النبيين وداخل فيهم، وعلى هذا معنى الآية: وما اختلف في أمر محمد بعد وضوح الدلالات لهم بغيًا وحسدًا إلا اليهود الذين أوتوا الكتاب، وذلك أن المشركين وإن اختلفوا في أمر محمد فإنهم لم يفعلوا ذلك للبغي والحسد، ولم تأتهم البينات في شأن محمد  وصحة نبوته كما أتت اليهود.

فاليهود مخصوصون من هذا الوجه الذي ذكرنا (١٨) (١٩)  ، وإما كتابهم، فيعود المعنى إلى ما ذكرنا.

وقوله تعالى ﴿ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ﴾ أي: إلى ما اختلفوا، كقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا  ﴾ ، ويقال: هديته إلى الطريق وللطريق والطريقَ، قال الله: ﴿ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا  ﴾ (٢٠) فإن قيل: ما معنى الهداية إلى ما اختلفوا فيه؟

فالجواب ما قال ابن الأنباري: إن هذا من باب حذف المضاف، أي: فهدى الله الذين آمنوا لمعرفة ما اختلفوا فيه.

وقال الفراء: هذا من المقلوب، أراد: فهدى الله الذين آمنوا للحق مما اختلفوا فيه، وأنشد: إِن سِرَاجًا لكَرِيمٌ مَفْخَرُه ...

تَحْلَى به العَيْنُ إذا ما تَجْهَرُه (٢١) أراد: يَحْلَى بالعين، لأنك تقول: حَلِيْتَ بعيني، فصرف فعل الرجل إلى العين (٢٢) وقال بعضهم: اختلفوا فيه حق لا باطل، فالهداية إليه يصح في المعنى، وذلك أن أهل الكتاب اختلفوا فكفر بعضهم بكتاب بعض، فهدى الله الذين آمنوا بالكتب كلها؛ لأن الكتب المنزلة كلها حق، ألا تري إلى قول ابن زيد في هذه الآية، قال: ثم اختلفوا في القبلة، فصلت اليهود إلى بيت المقدس، وصلت النصارى إلى المشرق، فهدانا الله عز وجل إلى الكعبة، واختلفوا في الصيام، فمنهم من يصوم بعض يوم، ومنهم من يصوم بالليل، فهدانا الله لشهر رمضان، واختلفوا في يوم الجمعة فأخذت اليهود السبت، والنصارى الأحد، فهدانا الله عز وجل له.

واختلفوا في إبراهيم، فقالت اليهود: كان يهوديًّا، وقالت النصارى: كان نصرانيًّا، فهدانا الله عز وجل للحق من ذلك، واختلفوا في عيسى، فجعلته اليهود لفرية، وجعلته النصارى ربًّا، فهدانا الله عز وجل فيه للحق (٢٣) وقد قال النبي  : "كتب الله الجمعة على من كان قبلنا فاختلفوا فيها فهدانا الله لها، والناس لنا فيه تبع، اليهود غدًا، والنصارى بعد غدٍ" (٢٤) وقوله تعالى: ﴿ بِإِذْنِهِ ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: يريد كان ذلك في قضائي وقدري (٢٥) (٢٦) وقال بعض أهل التفسير في قوله: ﴿ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا اَلَّذِينَ أُوتُوهُ ﴾ يعني: أهل كل كتاب اختلفوا فيه بعد ما جاءهم البينات بغيًا بينهم ظلمًا وطلبًا للملك، ورفضوا الحكم بكتابهم، فعصم الله هذه الأمة من نقض حكم كتابها، ومخالفة ما فيه من الأحكام.

(١) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 376 من طريق العوفي، وذكره البغوي في "تفسيره" 1/ 243، "الدر المنثور" 1/ 435.

(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 714، "البغوي" في "تفسيره" 1/ 243، والواحدي في "الوسيط" 1/ 315، والرازي في "تفسيره" 6/ 133، "غرائب النيسابوري" 2/ 303.

(٣) انظر المصادر السابقة.

(٤) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" 2/ 715، "البغوي" في "تفسيره" 1/ 243، والقرطبي في "تفسيره" 3/ 22.

(٥) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" 2/ 716، والقرطبي في "تفسيره" 3/ 22، وقد استظهر محقق "تفسير الثعلبي" أن المراد بالواقدي هنا: علي بن الحسين بن واقد القرشي ت 211، وله تفسير رواه الثعلبي وصرح به في مقدمة "تفسيره".

(٦) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 336.

(٧) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 335، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 376، وينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 717، "الدر المنثور" 1/ 435.

(٨) ينظر: "تفسيرالثعلبي" 2/ 717.

(٩) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 717، "الكشاف" 1/ 255، "المحرر الوجيز" 2/ 209.

(١٠) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 284.

(١١) ينظر: "السيرة النبوية" لابن هشام، والذي في "تفسير الثعلبي" 2/ 717 - 718، وقال مجاهد ومحمد بن إسحاق بن يسار: كان الناس أمة واحدة، يعني: آدم وحده، سمى الواحد بلفظ الجمع؛ لأنه أصل النسل، ثم خلق الله تعالى حواء ونشر منهما الناس، فكانوا مسلمين كلهم إلى أن قتل هابيل فاختلفوا حينئذ فبعث الله النبيين.

وينظر قول مجاهد في "تفسيره" 1/ 104، والطبري في "تفسيره" 2/ 335.

(١٢) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 723، "الكشاف" 1/ 256، "المحرر الوجيز" 2/ 206.

(١٣) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 723.

(١٤) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 724، "تفسير القرطبي" 3/ 32.

(١٥) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 724.

(١٦) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 725، "المحرر الوجيز" 2/ 210 - 211.

(١٧) "معاني القرآن" للفراء 1/ 131، وينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 725، "المحرر الوجيز" 2/ 211، "تفسير القرطبي" 3/ 32، "البحر المحيط" 2/ 136 - 137.

(١٨) ينظر: "معاني القرآن" للنحاس 1/ 161، "تفسير الثعلبي" 2/ 725، "البحر المحيط" 2/ 136 - 137.

(١٩) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 284.

(٢٠) ينظر: "تفسيرالثعلبي" 2/ 726.

(٢١) البيت غير منسوب، في "معاني القرآن" للفراء 1/ 131.

(٢٢) "معاني القرآن" للفراء 1/ 131 - 132 بمعناه.

(٢٣) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 339، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 378، والنحاس في "معاني القرآن" 1/ 163، والثعلبي في "تفسيره" 2/ 726، وينظر: "البحر المحيط" 2/ 138، "الدر المنثور" 1/ 436.

(٢٤) أصله في الصحيحين من حديث أبي هريرة، رواه البخاري (876) كتاب الجمعة، باب: فرض الجمعة، ومسلم (855) كتاب الجمعة، باب: هداية هذه الأمة ليوم الجمعة.

وأوله عندهما: "نحن الآخرون السابقون".

(٢٥) ذكره في "الوسيط" 1/ 317.

(٢٦) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 285، "تفسير الثعلبي" 2/ 726.

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.2 / 29.5
الإضاءة 28%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد