الإسلام > القرآن > تفسير > البسيط > سورة 30 الروم > الآية ٢٧
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 8 دقيقة قراءةقوله تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾ قال مقاتل: يعني خلق بني آدم بدأ خلقهم ولم يكونوا شيئًا ﴿ ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾ يعني: يبعثهم في الآخرة أحياء بعد موتهم كما كانوا، قال: ﴿ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ﴾ (١) ﴿ أَهْوَنُ ﴾ هاهنا بمعنى: هين، يقول: وهو هين عليه.
وهذا قول الحسن، والربيع، وقتادة، والكلبي؛ قالوا: هو هين عليه، أول خلقه وآخره، وما شيء عليه بعزيز (٢) وهذا مذهب أبي عبيدة، وذكره المبرد والزجاج (٣) (٤) (٥) لعمرك ما أدري وإني لأَوجلُ يعني لوجل (٦) وقال الفرزدق: بيتًا دعائمُه أعزُّ وأطولُ (٧) وأنشد المبرد: قُبَّحتُم يا آل زيدٍ نفرًا ...
إلام قومٍ أصغرَا وأكبرَا (٨) ومثله قولهم: الله أكبر؛ أي: الكبير، ورجل أوحد الناس؛ أي: أحد الناس (٩) قال قتادة: وفي حرف ابن مسعود: ﴿ وهو عليه هَيِّن ﴾ (١٠) (١١) القول الثاني في هذه الآية ما ذهب إليه عكرمة ومجاهد: الإنشاء أهون عليه من الابتداء، والإعادة أهون عليه من البدأ.
وهو معنى رواية الوالبي عن ابن عباس (١٢) (١٣) ووجهه ما ذكره مقاتل، والمبرد، والفراء، والزجاج؛ قال مقاتل: يقول: البعث أيسر عليه عندكم يا معشر الكفار من الخلق الأول (١٤) وقال المبرد: ﴿ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ﴾ عندكم؛ لأنكم قد أقررتم بأنه بدأ الخلق، وإعادة الشيء عند المخلوقين أهون من ابتدائه (١٥) (١٦) (١٧) وفي الآية قول ثالث؛ وهو: أن الكناية في ﴿ عَلَيْهِ ﴾ تعود إلى الخلق، والمعنى: أن الإعادة أهون على الخَلْقِ من الابتداء (١٨) ﴿ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ ، وأول خلقه نطفة ثم علقة ثم مضغة (١٩) وقال السدي: ليس يشتد على الله شيء، ولكن يعني به: المخلوق، يصاح به فيقوم سويًا؛ أهون عليه من أن يكون كما خلقه أولًا؛ نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظامًا ثم يعود رضيعًا ثم فطيمًا.
وقال عطاء: هو أهون على المخلوق أن يُبعث سميعًا بصيرًا، يَفهم ويفقه ويعقل، ليس مثل المولود لا يعقل حتى يكبر.
قال أبو إسحاق: ومعنى هذا القول أن البعث أهون على الإنسان من إنشائه؛ لأنه يقاسي في النشأة ما لا يقاسيه في الإعادة والبعث (٢٠) قوله تعالى: ﴿ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ قال ابن عباس: أي ليس كمثله شيء (٢١) وقال قتادة: مثله الأعلى أنه: لا إله إلا هو في السموات والأرض (٢٢) ﴿ مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ ﴾ في سورة الرعد [: 35] (٢٣) وقال قوم: ﴿ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى ﴾ يعني: ما ضرب من المثل في الإعادة أهون على المخلوق من الابتداء؛ لأن من قدر على ابتداء شيء كان أحرى أن يقدر على إعادته.
وهذا اختيار الفراء والزجاج؛ قال الزجاج: أعلمهم أن يجب عندهم أن يكون البعث أسهل من الابتداء، وجعله مثلًا لهم، ثم قال: ﴿ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى ﴾ أي قوله: ﴿ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ﴾ قد ضربه لكم مثلًا فيما يصعب ويسهل (٢٤) وقال غيره من أهل المعاني مصححًا لهذه الطريقة: معنى قوله: ﴿ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى ﴾ أي: ما يمثل به في دليلاً صفته الذي هو طريق إلى معرفته من أن إنسانًا إذا نسخ كتابًا فإعادة نسخه عليه أهون، وكذلك إذا صاغ حُليًا، هذا في مقدور العباد مع نقصانهم، فمقدور من لا يلحقه النقص من وجهٍ أولى أن يسع الإعادة.
وعلى هذا المثل الأعلى هو: المثل الذي ضربه الله لتحقيق بيان قدرته على الإعادة، ووصف هذا المثل بأنه: ﴿ الْأَعْلَى ﴾ ؛ لأنه مؤدٍّ إلى معرفةِ قدرة الله وصفتِه.
قوله: ﴿ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ قال ابن عباس: ﴿ الْعَزِيزُ ﴾ في ملكه ﴿ الْحَكِيمُ ﴾ في خلقه.
(١) "تفسير مقاتل" 78 ب.
(٢) أخرجه ابن جرير 21/ 36، عن ابن عباس، وقتادة، والربيع بن خُثيم.
وذكره الثعلبي 8/ 168 أ، عن الربيع بن خثيم، والحسن، وقال: وهو رواية العوفي عن ابن عباس.
وذكره السيوطي عن الحسن، وعزاه لابن المنذر، "الدر المنثور" 6/ 491.
و"تنوير المقباس" ص 340.
(٣) "مجاز القرآن" 2/ 121، و"الكامل" 2/ 876.
و"المقتضب" 3/ 246، و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 183.
(٤) هكذا في النسختين؛ ولعل الصواب: وأنشدوا.
(٥) معن بن أوس بن نصر بن زياد المزنين شاعر فحل، من مخضرمي الجاهلية والإسلام، له مدائح في جماعة من الصحابة، رحل إلى الشام والبصرة، وكف بصره في أواخر أيامه.
مات في المدينة.
"خزانة الأدب" 7/ 261، "الأعلام" 7/ 273.
وذكره ابن حجر في القسم الثالث؛ المخضرمين الذين أدركوا الجاهلية والإسلام، ولم يرد في خبر قط أنهم اجتمعوا بالنبي - -.
"الإصابة في معرفة الصحابة" 6/ 179.
(٦) "مجاز القرآن" 2/ 121، وأنشد البيت كاملًا، ولم ينسبه، وعجزه: == على أيِّنا تعدو المنية أول وهو في "ديوان معن بن أوس" ص 36، وأنشده المبرد، "الكامل" 2/ 876، و"المقتضب" 3/ 246، وابن جرير 21/ 37، ونسباه لمعن بن أوس.
وأنشده ولم ينسبه الزجاج 4/ 183.
(٧) "ديوان الفرزدق" 2/ 155، وصدره: إن الذي سمك السماء بنى لنا وأنشده ونسبه أبو عبيدة 2/ 121، والمبرد، في "الكامل" 2/ 877، وابن جرير 21/ 37.
(٨) "الكامل" 2/ 877، و"المقتضب" 3/ 247، ولم ينسبه، وقال بعده: يريد: صغارًا وكبارًا.
وفي "حاشية المقتضب": لم يعرف قائل البيت.
وهو في "خزانة الأدب" 8/ 246، غير منسوب.
(٩) "مجاز القرآن"، لأبي عبيدة 2/ 121.
ولم ينشد البيت.
والزاهر في "معاني كلمات الناس" 1/ 29.
(١٠) أخرجه عبد الرزاق 2/ 102.
لم أجدها عند ابن خالويه.
(١١) أخرجه ابن جرير 21/ 36، من طريق محمد بن سعد بسنده عن ابن عباس، ولفظه: كل شيء عليه هين.
(١٢) أخرجه ابن جرير 21/ 36، عن ابن عباس، من طريق علي بن أبي طلحة، وأخرجه عن مجاهد، وعكرمة.
وذكره الثعلبي 8/ 168 أ، عن مجاهد وعكرمة، وقال: وهي رواية الوالبي عن ابن عباس.
(١٣) أخرجه بسنده الفراء، عن مجاهد، ثم قال: ولا أشتهي ذلك، والقول فيه: أنه مثل ضربه الله فقال: أتكفرون بالبعث، فابتداء خلقكم من لا شيء أشد.
"معاني القرآن" 2/ 324.
(١٤) "تفسير مقاتل" 78 ب.
(١٥) "المقتضب" 3/ 245، بلفظ: "تأويله: وهو عليه هين؛ لأنه لا يقال: شيء أهون عليه من شيء".
(١٦) "معاني القرآن" للفراء 2/ 324.
(١٧) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 183.
(١٨) ذكر هذا القول ابن جرير 21/ 36، والزجاج 4/ 183، ولم ينسباه.
(١٩) أخرجه بسنده الفراء من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس.
"معاني القرآن" 2/ 324.
وذكره ابن قتيبة في "تأويل مشكل القرآن" ص 382، عن ابن عباس، من طريق أبي صالح.
وذكره كذلك الثعلبي 8/ 168 أ.
(٢٠) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 183.
وقد اعترض على هذا القول أبو عبيدة، فقال بعد أن ذكر أن المراد في الآية: وهو هين عليه، قال: فإن احتج محتج فقال: إن الله لا يوصف بهذا، وإنما يوصف به المخلوق، فالحجة عليه قول الله تعالى: ﴿ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا ﴾ وقوله: ﴿ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ﴾ .
"مجاز القرآن" 2/ 121.
ولم يرجح الواحدي شيئًا من هذه الأقوال، والذي يظهر من سياق الآيات أن المراد إثبات البعث والرد على المنكرين له، المستبعدين وقوعه، بعد موتهم وفنائهم، فأعلمهم الله -عز وجل- أن إقرارهم بالخلق الأول يستلزم الإيمان بإعادتهم، إذ هي أهون وأيسر، ويدل على ذلك تقدم الآيات في إثبات الربوبية، والتي منها == قوله تعالى: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ ﴾ .
والله أعلم.
(٢١) أخرجه ابن جرير 21/ 38، من طريق علي بن أبي طلحة.
وذكره عنه الثعلبي 8/ 168 أ.
(٢٢) أخرجه ابن جرير 21/ 38، عن قتادة.
و"تفسير مقاتل" 78 ب.
بمعناه.
واقتصر على هذا القول ابن قتيبة، "تأويل مشكل القرآن" ص 382، ولم ينسبه.
(٢٣) أطال الواحدي الكلام في تفسير هذه الآية عن وجه ارتفاع: ﴿ مَثَلُ ﴾ فذكر قول سيبويه والمبرد أنه مرفوع على الابتداء بتقدير: فيما نقص عليكم مثل الجنة، واختار هذا القول الأنباري وأبو علي، ثم قال: وقال قوم: المثل هاهنا: بمعنى الصفة؛ قالوا: ومعناها: صفة الجنة التي وعد المتقون، ونسبه لعمرو بن العلاء، ثم ذكر نقد المبرد وأبي علي لهذا القول، ولم يرجح الواحدي في هذه المسألة.
وممن يمنع تفسيره بالصفة سيبويه، "الكتاب" 1/ 143.
(٢٤) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 183.
و"معاني القرآن" للفراء 2/ 324، بنحوه.
<div class="verse-tafsir"