الإسلام > القرآن > تفسير > البسيط > سورة 37 الصافات > الآية ١٠٢
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 9 دقيقة قراءةقوله: ﴿ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ ﴾ قال مجاهد: لما شب وأدرك سعيه سعى إبراهيم (١) (٢) وقال الزجاج: أدرك معه العمل (٣) وقال أبو عبيدة: أدرك أن يسعى على أهله معه وأعانه (٤) وقال ابن قتيبة: أي بلغ أن يتصرف معه ويعينه (٥) وروي عن ابن عباس أنه قال: يعني المشي مع أبيه إلى الجبل (٦) (٧) وقال عطاء عن ابن عباس: يريد العمل لله تعالى وهو الاحتلام (٨) (٩) (١٠) قوله: ﴿ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ ﴾ قال مقاتل: رأى ذلك إبراهيم ثلاث ليال متتابعات (١١) وقال محمد بن كعب: كانت الرسل يأتيهم الوحي من الله أيقاظًا ورقوداً (١٢) وقال السدي: كان إبراهيم حين بشر بإسحاق قبل أن يولد له قال: هو إذًا لله ذبيح (١٣) ﴿ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ ﴾ .
وقال أبو إسحاق: رؤيا الأنبياء وحي بمنزلة الوحي إليهم في اليقظة (١٤) (١٥) ﴿ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ﴾ فدل أنه أمر في المنام بذبح ابنه.
وقد صرح مقاتل بما ذكر فقال: يقول إني أمرت في المنام أني أذبحك (١٦) وقال ابن قتيبة: (لم يرد أنه ذبحه في المنام، ولكنه أمر في المنام بذبحه، فقال: ﴿ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ ﴾ أي: أني سأذبحك، ومثل هذا رجل رأى في المنام أنه يؤذن، والأذن دليل الحج، فقال: إني رأيت في المنام أني أحج أي سأحج) (١٧) واختلفوا في الذبيح من هو من ابني إبراهيم.
فالأكثرون على أنه إسحاق، وهو قول علي وابن مسعود وكعب وقتادة ومجاهد في بعض الروايات وعكرمة وابن عباس، وهؤلاء قالوا: كانت هذه القصة بالشام (١٨) وقال سعيد بن جبير لما رأى إبراهيم في المنام ذبح إسحاق، سار به مسيرة شهر في غداة واحدة، حتى أتى المنحر، فلما صرف الله عنه الذبح وذبح الكبش، سار به مسيرة شهر في غداة واحدة طويت له الأودية والجبال (١٩) وقال آخرون: الذي أمر بذبحه إسماعيل، وهو قول سعيد بن المسيب والشعبي والحسن ومجاهد في رواية ابن أبي نجيح، وابن عباس في رواية عطاء، وعامر ومجاهد بن كعب ومحمد بن إسحاق (٢٠) ﴿ فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ ﴾ ، ولا خلاف (٢١) ﴿ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ ﴾ فعطف بقصة الذبح على ذكر إسحاق، وقوله بعد ذكر هذه القصة: ﴿ وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ ﴾ قال عكرمة: بشر بنبوته (٢٢) وقال قتادة: بعد الذي كان من أمره (٢٣) ﴿ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ ﴾ قال: يقول بابن وابن ابن، فلم يكن يأمره بذبح إسحاق ولد من الله من الموعود ما وعده (٢٤) (٢٥) .
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
قوله: ﴿ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى ﴾ وقرأ حمزة والكسائي: تُري بضم التاء وكسر الراء.
قال إبراهيم: ماذا تُرى تأمر وماذا تَرى تشير) (٢٦) قال أبو علي الفارسي: (من فتح التاء كان مفعول ترى أحد شيئين أحدهما: أن يكون ما مع ذا بمنزلة اسم واحد، فيكونان في موضع نصب بأنه مفعول ترى، والآخر أن يكون ذا بمنزلة الذي، والهاء محذوفة من الصلة، ويكون ترى على هذه القراءة الذي معناه الرأي وليس إدراك المرى (٢٧) (٢٨) (٢٩) ويجوز أن يجعل ما مبتدأ وذا بمنزلة الذي ويعود إليه الذكر المحذوف من الصلة، والفعل منقول من رأى زيد الشيء وأريته الشيء إلا أنه من باب أعطيت، فيجوز أن يقتصر على أحد المفعولين دون الآخر كما أن أعطيت كذلك) (٣٠) (٣١) وقال أبو إسحاق: ولا أعلم أحدًا قال هذا، وفي كل التفسير ماذا ترى ماذا تشير (٣٢) (٣٣) وأما وجه مشاورته الابن فيما أمر به، فيجوز أن يكون أمر بأن طلع ابنه على ذلك ويشاوره ليعلم صبره لأمر الله، فيكون في ذلك قرة عين لإبراهيم حيث يرى من ابنه طاعته في أمر الله وصبره على أعظم المكروه، وهو القتل في رضا الله ورضا أبيه.
ويكون فيه أيضًا ثواب للابن وثناء حسن يبقى له، حيث قال في جوابه لأبيه (٣٤) ﴿ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ﴾ قال ابن عباس: يريد ما أوحي إليك من ربك (٣٥) قال أبو علي: (التقدير ما تؤمر به، فحذف الجار فوصل الفعل إلى الضمير، فصار تؤمره، ثم حذفت الهاء من الصلة كما حذفت من قوله (٣٦) ﴿ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى ﴾ أي اصطفاهم) (٣٧) ﴿ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ﴾ على بلاء الله.
(١) "تفسير مجاهد" ص 544.
(٢) هكذا هي في النسخ، والصواب ثلاث عشرة سنة.
وانظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 389.
(٣) "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 310.
(٤) "مجاز القرآن" 2/ 171.
(٥) "تفسير غريب القرآن" ص 373.
(٦) انظر: "البغوي" 4/ 32، وذكره السمرقندي في "بحر العلوم" 3/ 119، ولم ينسبه لأحد.
(٧) "تفسير مقاتل" 112 ب.
(٨) انظر: "القرطبي" 15/ 99، وأورده الشوكاني في "فتح القدير" 4/ 403 ولم ينسبه لأحد.
(٩) انظر: "البغوي" 4/ 32، "مجمع البيان" 8/ 706.
(١٠) انظر: "الطبري" 23/ 77، "البغوي" 4/ 32، "القرطبي" 15/ 99.
(١١) "تفسير مقاتل" 112 ب.
(١٢) انظر: "القرطبي" 15/ 101، وقد ذكر القول مقاتل في "تفسيره" 112 ب، وذكره البغوي 4/ 33 عن مقاتل.
(١٣) انظر: "البغوي" 4/ 33، "القرطبي" 15/ 102.
(١٤) "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 310.
(١٥) ما بين المعقوفين بياض في (ب).
(١٦) "تفسير مقاتل" 112ب.
(١٧) "تفسير غريب القرآن" ص 373.
(١٨) انظر: "الطبري" 23/ 81 - 82، "بحر العلوم" 9/ 113، "تفسير الثعلبي" 3/ 243 ب، "القرطبي" 15/ 99 - 101، "البغوي" 4/ 32.
(١٩) انظر: "البغوي" 4/ 32، "القرطبي" 15/ 100، وأورده السيوطي في "الدر" 7/ 109، وعزاه لعبد الله بن أحمد في "زوائد الزهد" عن سعيد بن جبير.
(٢٠) انظر: "الطبري" 23/ 82، "بحر العلوم" 3/ 119، "تفسير الثعلبي" 3/ 243 ب، "القرطبي" 15/ 99 - 101، "البغوي" 4/ 32.
(٢١) قول المؤلف رحمه الله هنا ولا خلاف أن هذا إسحاق.
فيه نظر إذ الخلاف مشهور جدًّا في تحديد الذبيح، وإن كان الراجح والله أعلم أنه إسماعيل كما سيأتي معنا.
(٢٢) انظر: "الطبري" 23/ 89، "القرطبي" 15/ 101، "زاد المسير" 7/ 78.
(٢٣) انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 154، "زاد المسير" 7/ 87.
(٢٤) أخرجه: الطبري في "تفسيره" 23/ 84، والحاكم في "المستدرك" "كتاب التاريخ" ذكر إسماعيل بن إبراهيم صلوات الله عليهما 2/ 555، ووافقه الذهبي.
وأورده السيوطي في "الدر" 7/ 106، وزاد نسبته لعبد بن حميد عن محمد بن كعب.
(٢٥) اختلف العلماء قديمًا وحديثًا في تعيين الذبيح من هو من ولدي إبراهيم، هل هو إسماعيل أم إسحاق إلى ثلاثة أقوال: فمنهم من يرى أنه إسماعيل، وقد ذكر المؤلف بعضًا ممن قال بهذا القول.
ومنهم من يرى أنه إسحاق، وقد ذكر المؤلف كذلك بعضًا ممن قال بهذا القول.
وذهب بعضهم إلى التوقف في المسألة نظرًا لطول الخلاف فيها وقدِمه، ولعدم وجود دليل صريح وواضح من الكتاب أو == السنة حسب فهمهم يفيد تعيين الذبيح من هو، ومن هؤلاء الحافظ جلال الدين السيوطي رحمه الله، يقول في آخر كتابه القول الفصيح في تعيين الذبيح ص 86 بعد أن ذكر القولين: وأنا الآن متوقف في ذلك، والله أعلم.
وكذا الشوكاني، فقد قال في "فتح القدير": 4/ 392 بعد أن ذكر القولين وأدلة كل فريق.
قال: وكل ذلك يحتمل المناقشة.
ولعل الراجح والله أعلم هو القول القائل بان الذبيح هو إسماعيل - -، والقائلون بهذا القول يستدلون بالشواهد التاريخية، وبما عند أهل الكتاب في التوراة والإنجيل، وكذلك بالقرآن.
ونحن هنا نذكر أدلة هؤلاء من وجهة النظر الإسلامية بعيدًا عن الشواهد التاريخية وما يستنبط من التوراة والإنجيل، وذلك من أجل الاختصار والإيجاز وبُعدًا عن الإطالة، ومن أراد الاستزادة من الأدلة فليرجع إلى المراجع التي سوف أشير إليها بعد ذكر أدلة القول الراجح.
يقول الإمام ابن القيم رحمه الله في "زاد المعاد في هدي خير العباد" 1/ 71: وإسماعيل هو الذبيح على القول الصواب عند علماء الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وأما القول بأنه إسحاق فباطل بأكثر من عشرين وجهاً، وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدَّس الله روحه يقول: هذا القول -أن الذبيح إسحاق- إنما هو متلقى من أهل الكتاب، مع أنه باطل بنص كتابهم.
فإن فيه أن الله أمر إبراهيم أن يذبح ابنه بكره وفي لفظ وحيده، ولا يشك أهل الكتاب مع المسلمين أن إسماعيل هو بكر أولاده.
والذي غرَّ أصحاب هذا القول أن في التوراة التي بأيديهم اذبح بكرك ووحيدك، ولكن اليهود حسدت بني إسماعيل على هذا الشرف ...
ثم قال: وكيف يسوغ أن يقال إن الذبيح إسحاق والله تعالى قد بشَّر أم إسحاق به وبابنه يعقوب، فقال تعالى عن الملائكة أنهم قالوا لإبراهيم لما أتوه بالبشرى: ﴿ لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (70) وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ ﴾ فمحال أن يبشرها بأنه يولد له ولد ثم يأمر بذبحه.
ويدل عليه أيضًا أن الله سبحانه لما ذكر قصة إبراهيم وابنه الذبيح في سورة الصافات قال: {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (106) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي = (٢٦) "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 310.
(٢٧) في "الحجة": (إدراك الحاجة).
(٢٨) في (أ): (أبي)، وهو خطأ.
(٢٩) في (ب): (خورًا)، وهو خطأ.
(٣٠) "الحجة" 6/ 57 - 58.
(٣١) "معاني القرآن" 2/ 390.
(٣٢) "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 310.
(٣٣) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 433، "القرطبي" 15/ 103، "فتح القدير" 4/ 404.
(٣٤) انظر: "الطبري" 23/ 79، "الماوردي" 5/ 60، "القرطبي" 15/ 103.
(٣٥) لم أقف عليه عن ابن عباس.
وانظر: "الماوردي" 5/ 61، "البغوي" 4/ 33، "القرطبي" 15/ 103.
(٣٦) زيدت من هنا في (ب).
(٣٧) "الحجة" 6/ 99.
<div class="verse-tafsir"