تفسير سورة محمد الآية ٤ عند البسيط

الإسلام > القرآن > تفسير > البسيط > سورة 47 محمد > الآية ٤

فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَضَرْبَ ٱلرِّقَابِ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا۟ ٱلْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّۢا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ۚ ذَٰلِكَ وَلَوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَٱنتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَـٰكِن لِّيَبْلُوَا۟ بَعْضَكُم بِبَعْضٍۢ ۗ وَٱلَّذِينَ قُتِلُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَـٰلَهُمْ ٤

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 11 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

قوله تعالى (١) ﴿ فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ ﴾ قال أبو عبيدة: هذا كقول العرب: يانفس صبراً (٢) (٣) قال أبو إسحاق: معناه: فاضربوا الرقاب ضرباً، منصوب على الأمر وتأويله: فاقتلوهم، ولكن أكثر مواضع القتل ضرب العنق، فأعلمهم الله كيف القصد، وليس يتوهم بهذا أن الضرب محصور على الرقبة فقط (٤) قوله تعالى: ﴿ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ ﴾ قال ابن عباس: أكثرتم القتل ومضى تفسير الإثخان (٥) ﴿ حَتَّى يُثْخِنَ في الْأَرْضِ  ﴾ وقوله: ﴿ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ ﴾ قال ابن عباس والمفسرون: يريد الأسر يعني إذا بالغتم في قتلهم فأسروهم، فالأمر بعد المبالغة في القتل (٦) ﴿ مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ في الْأَرْضِ  ﴾ وأما الوثاق: فهو اسم من الإيثاق، وقد يوضع موضع المصدر يقال: أوثقه إيثاقًا ووثاقاً، ومنه قوله: ﴿ وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ  ﴾ والوِثاق بالكسر اسم الشيء الذي يوثق به كالرباط (٧) قال المفسرون: أمر الله تعالى بشد وثاق الأسارى كيلا يقتلوا ويهربوا (٨) ﴿ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً ﴾ قال أبو إسحاق: أي بعد أن تأسروهم إما مننتم عليهم منًّا، فأطلقوهم بغير عوض، وإما أن تفدوا فداء (٩) ﴿ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ  ﴾ وهو قول مجاهد وقتادة والحسن ومقاتل والضحاك والسدي وابن جريج ورواية عطاء عن ابن عباس قالوا: إما السيف وإما الإسلام (١٠) وقال سعيد بن جبير: إذا أثخن بالقتل فادى ومنّ (١١) (١٢) ﴿ مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى  ﴾ الآية قال: ذلك يوم بدر والمسلمون يومئذ قليل فلما كثروا واشتد سلطانهم أنزل الله في الأسارى: ﴿ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً ﴾ فجعل الله النبي -  - والمؤمنين بالخيار في الأسارى إن شاؤوا قتلوهم، وإن شاؤوا استعبدوهم، وإن شاؤوا فادوهم (١٣) قال أبو عبيد (١٤)  - كان (١٥) (١٦) (١٧) ومذهب الشافعي رحمه الله مثل ما ذكر (١٨) (١٩) قوله تعالى: ﴿ حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ﴾ تفسير الأوزار ومأخذها من اللغة قد تقدم (٢٠) قال أبو إسحاق: (حتى) موصولة بالقتل والأسر، المعنى: فاقتلوهم وأسروهم حتى تفسع العرب أوزارها (٢١) (٢٢) وقال مجاهد: حتى لا يكون دين إلا الإسلام (٢٣) وقال الحسن: حتى يعبد الله ولا يشرك به (٢٤) وقال سعيد بن جبير: يعني خروج عيسى بن مريم (٢٥) (٢٦) (٢٧) وقال ابن حيان (٢٨) (٢٩)  -: "والجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال" (٣٠) قال أبو إسحاق: أي: اقتلوهم وأسروهم حتى يؤمنوا، فما دام الكفر فالجهاد والحرب قائمة أبداً (٣١) وذُكر في هذا المعنى وجهان آخران.

أحدهما: أن معنى الأوزار هاهنا الأسلحة وآلات الحرب، وهو اختيار أبي عبيد (٣٢) (٣٣) وَأَعْدَدْتُ لِلْحَرْبِ أَوْزَارَهَا ...

رِمَاحاً طِوالاً وَخَيْلاً ذُكُورا (٣٤) ففسر الأوزار بالرماح، قال ابن قتيبة: وأصل الوزر ما حملته، فسمي السلاح أوزاراً؛ لأنه يحمل، قال: والمعنى: حتى تضع أهل الحرب السلاح، ثم يعود هذا إلى ما ذكره الفراء: حتى يسلموا أو يسالموا (٣٥) الوجه الثاني: أن معنى الحرب هاهنا: القوم المحاربون، يقال: هؤلاء حرب لفلان، إذا كانوا يعادونه ويحاربونه.

والتأويل: حتى يضع المحاربون لملة الإسلام السلاح والشرك والآثام بالسلم والإسلام (٣٦) (٣٧) قوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ ﴾ قال أبو إسحاق: الأمر ذلك، قال: ويجوز أن يكون منصوباً على معنى: افعلوا ذلك (٣٨) قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ ﴾ قال ابن عباس: يريد بغيركم (٣٩) وقال مقاتل: لانتصر منهم بملك واحد (٤٠) ﴿ وَلَكِنْ ﴾ يأمركم بالحرب ﴿ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ ﴾ قال ابن عباس: يريد مَنْ قُتِلَ من المؤمنين فمصيره إلى النعيم والثواب، ومن قُتِل من المشركين فمصيره إلى العذاب، [وهو (٤١) وقال أبو إسحاق: أي ليمحص المؤمنين وليمحق الكافرين (٤٢) قوله تعالى ﴿ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ أي جاهدوا المشركين.

﴿ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ ﴾ يعني: كما يضل أعمال الذين كفروا في قوله: ﴿ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ ﴾ ، وقرأ أبو عمرو: ﴿ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ والوجه قراءة العامة؛ لأنها أعم من حيث إنها تشمل مَنْ قاتل ولم يقتل، ومن قاتل وقُتل وقد حصل للمقاتل الثواب كما حصل للمقتول، فكان أولى لعمومه.

وعلى قراءة أبي عمرو يختص المقتول (٤٣) ﴿ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ ﴾ وحجة أبي عمرو (٤٤) (٤٥) (٤٦) (١) كذا نصها في الأصل.

(٢) انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 214.

(٣) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 57.

(٤) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 6.

(٥) قال الأزهري: ﴿ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ ﴾ ، قال أبو العباس: معناه: حتى إذا عليتموهم وقهرتموهم وكثر فيهم الجراح فأعطو بأيديهم.

قال: وقال ابن الأعرابي: أثخن: إذا غلب وقهر وقال أبو زيد: يقال: أثخنت فلانًا معرفة: أي: قتلته معرفة، ورصنته معرفة: نحو الإثخان.

انظر: "تهذيب اللغة" (ثخن) 7/ 334.

(٦) قال الزجاج: ﴿ أَثْخَنْتُمُوهُمْ ﴾ أكثرتم فيهم القتل.

فالأسر بعد المبالغة في القتل.

انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 6، وذكر هذا المعنى البغوي في "تفسيره" ولم ينسبه 7/ 278، وابن الجوزي في "زاد المسير" ولم ينسبه 7/ 397، وقال السمرقندي: يعني: حتى إذا قهرتموهم وأسرتموهم فشدوا الوثاق يعني: فاستوثقوا أيديهم من خلفهم.

انظر: "تفسير أبي الليث" 3/ 240.

(٧) انظر: "تهذيب اللغة" (وثق) 9/ 266، "اللسان" (وثق) 10/ 371.

(٨) ذكر ذلك الطبري في "تفسيره" 13/ 2/ 40.

(٩) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 6.

(١٠) أخرج الطبري قول ابن جريج والسدي وقتادة وابن عباس والضحاك.

انظر: == "تفسيره" 13/ 2/ 41، وذكر القرطبي قول قتادة ومجاهد.

انظر: "الجامع" 16/ 227، "تفسير البغوي" 7/ 278، وانظر: "النا سخ والمنسوخ" للنحاس 3/ 5، "نواسخ القرآن" لابن الجوزي ص 466.

(١١) انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 228.

(١٢) انظر: "تفسير الطبري" 13/ 2/ 41، و"الجامع لأحكام القرآن" 16/ 228، "تفسير البغوي" 7/ 278.

(١٣) انظر: "تفسير الطبري" 13/ 41، "تفسير البغوي" 7/ 287.

(١٤) انظر: "الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز" لأبي عبيد ص 211.

(١٥) كذا رسمها في الأصل ووردت كذلك في إحدى نسخ كتاب "الوسيط" للمؤلف وعند أبي عبيد بلفظ: (وذلك أنه كان عاملًا بالآبات كلها من القتل والفداء والمن حتى توفاه الله).

ص 211.

(١٦) طلب الذحل: أي طلب الثأر.

وقيل: وطلب مكافأة بجناية جنيت عليك أو عداوة أتيت إليك.

انظر: "تهذيب اللغة" (ذحل) 4/ 465، "اللسان" (ذلل) 11/ 256.

(١٧) الناسخ والمنسوخ" لأبي عبيد ص 211 - 216.

(١٨) انظر: "أحكام القرآن" للشافعي 1/ 158.

(١٩) قال ابن قدامة: من أسر من أهل الحرب على ثلاثة أضرب: أحدها النساء والصبيان.

فلا يجوز قتلهم ويصيرون رقيقًا للمسلمين؛ لأن النبي -  - نهى عن قتل النساء والولدان، وكان عليه الصلاة والسلام يسترقهم إذا سباهم.

الثاني: الرجال من أهل الكتاب والمجوس الذين يقرون بالجزية فيتخير الإمام فيهم بين أربعة أشياء: القتل، والمن بغير عوض، والمفاداة بهم، واسترقاقهم.

الثالث: الرجال من عبدة الأوثان وغيرهم ممن لا يقر بالجزية فيتخير الإمام فيهم بين ثلاثة أشياء: القتل أو المن والمفاداة ولا يجوز استرقاقهم، وعن أحمد جواز استرقاقهم وهو مذهب الشافعي.

وبما ذكرنا في أهل الكتاب قال الأوزاعي والشافعي وأبو ثور.

انظر: "المغني" لابن قدامة 13/ 44.

(٢٠) قال الفراء في قول الله جل وعز: ﴿ حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ﴾ قال: يريد آثامها وشركها حتى لا يبقى إلا مسلم أو مسالم.

انظر: "تهذيب اللغة" (وزر) 13/ 243، == "اللسان" (وزر) 4/ 282.

وقال ابن قتيبة: أجل الوزر: ما حملته فسمي السلاح.

أوزارًا لأنه يحمل.

انظر: "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص 409.

(٢١) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 6.

(٢٢) أورد هذا القول ابن الجوزي في "زاد المسير" ولم ينسبه 7/ 397، ونسبه في "الوسيط" لابن عباس انظر: 4/ 120.

(٢٣) ذكر ذلك ابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 397، والقرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 228، و"تفسير الوسيط" 4/ 120.

(٢٤) انظر: "تفسير الحسن البصري" ص 288، "الدر المنثور" 7/ 459.

(٢٥) ذكر ذلك ابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 397، والقرطبي في "الجامع" 16/ 228، والمؤلف في "الوسيط" 4/ 120.

(٢٦) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 44.

(٢٧) أخرج ذلك الطبري عن قتادة انظر: "تفسيره" 13/ 42.

(٢٨) أي مقاتل بن حيان، ولم أقف عليه.

(٢٩) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 57.

(٣٠) قطعة من حديث أخرجه أبو داود في كتاب الجهاد باب 35، في الغزو مع أئمة الجور 3/ 40، كما أخرجه سعيد بن منصور في "سننه" برقم 2367، عن أنس -  - 2/ 143، وأورده الزيلعي في "نصب الراية" وقال: قال المنذري في مختصره: يزيد بن أبي نُشْبَة في معنى المجهول، وقال عبد الحق: يزيد بن أبي نُشْبَة هو رجل من بني سليم، لم يرو عنه إلا جعفر بن برقان.

انظر: "نصب الراية" 3/ 377.

(٣١) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 6.

(٣٢) انظر: قول أبي عبيد في "تهذيب اللغة" (وزر) 13/ 244.

(٣٣) انظر: "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص 409.

(٣٤) انظر: "ديوان الأعشى" ص 71، "تهذيب اللغة" 13/ 244، "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص 409، "الدر المصون" 6/ 147، و"الجامع" 16/ 229.

(٣٥) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 57.

(٣٦) انظر: "تفسير البغوي" 7/ 279، و"زاد المسير" لابن الجوزي 7/ 397، و"الجامع لأحكام القرآن" 16/ 229.

(٣٧) كذا في الأصل ولعل الصواب (على ما ذكرنا).

(٣٨) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 7.

(٣٩) ذكر القرطبي قول ابن عباس لكن بلفظ: (لأهلكم بجند من الملائكة) 16/ 230.

(٤٠) هذا القول غير موجود في "تفسير مقاتل" عند هذه الآية انظر 4/ 44، وقد أورده السيوطي بلفظ: (لأرسل عليهم ملكًا فدمر عليهم) وعزاه لابن المنذر وابن جريج.

انظر: "الدر المنثور" 7/ 461، ونسبه القرطبي لابن عباس بلفظ: "لأهلكهم بجند من الملائكة" انظر: "الجامع" 16/ 230.

(٤١) كذا رسمها، ولعل الصواب (وهذا) وانظر هذا القول في "الوسيط" 4/ 120.

(٤٢) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 7.

(٤٣) هذا المحظور لا يرد على هذه القراءة.

فالتعبير بـ (قتلوا) لبيان أن القتال مظنة القتل ولو لم يُقتل المقاتل فإنه كان معرضًا نفسه لذلك.

وعليه فحتى على هذه القراءة لا يختص ما ورد فيها من مثوبة بمن قتل فحسب.

وبذلك لا يعكر على "تفسيره" ما ورد عن ابن عباس -  ما-.

(٤٤) انظر: "الحجة" لأبي علي الفارسي 6/ 190، "الكشف عن وجوه القراءات" لمكي 2/ 276، "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 666.

(٤٥) أخرج ذلك الطبري عن قتادة انظر: "تفسيره" 23/ 44، وذكره عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 221، والبغوي في "تفسيره" 7/ 280.

(٤٦) انظر: "تفسير مقاتل" إلا أنه قال قتلى بدر 4/ 45، وقال أبو الليث السمرقندي قتلى يوم أحد وبدر.

انظر: "تفسيره" 3/ 241.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الأحد 5 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.8 / 29.5
الإضاءة 33%
البدر بعد 9 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله