تفسير سورة المائدة الآية ١١٦ عند البسيط

الإسلام > القرآن > تفسير > البسيط > سورة 5 المائدة > الآية ١١٦

وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يَـٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ءَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِى وَأُمِّىَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ ۖ قَالَ سُبْحَـٰنَكَ مَا يَكُونُ لِىٓ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَقٍّ ۚ إِن كُنتُ قُلْتُهُۥ فَقَدْ عَلِمْتَهُۥ ۚ تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلَآ أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ ۚ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّـٰمُ ٱلْغُيُوبِ ١١٦

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 5 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ ﴾ الآية.

قال النحويون: هذا عطف جملة على جملة، والجملة الأولى قوله: (إذ قال الله يا عيسى بن مريم اذكر) (١) وعامة المفسرين على أن هذا القول لعيسى إنما يكون في القيامة؛ إلا السدي (٢) ﴿ وَإِذْ قَالَ اللَّهُ ﴾ وإذ تستعمل لما مضى.

والصحيح ما عليه العامة؛ لأن الله تعالى عقب هذه القصة بقوله تعالى: ﴿ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ ﴾ وأراد به يوم القيامة، وإنما خرج هذا مخرج المضي وهو للمستقبل؛ تحقيقًا لوقوعه كقوله تعالى: ﴿ وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ  ﴾ ولم ينادوا بعد، ولكنه بمنزلة ما قد مضى وفعلوا ذلك، من حيث أنه لا يعترض الشك في وقوعه (٣) وقوله تعالى: ﴿ أَأَنْتَ قُلْتَ ﴾ هذا الاستفهام معناه: التوبيخ لمن ادعى ذلك على المسيح  ، قال الزجاج: وذلك أن النصارى مجمعون على أن صادق الخبر، وإذا كذبهم الصادق كان ذلك أوكد للحجة عليهم، وأبلغ في توبيخهم (٤) وقوله تعالى: ﴿ مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾ أي: من غير الله، كقوله تعالى: ﴿ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ  ﴾ و (من) زائدة مؤكدة للمعنى.

وقوله تعالى: ﴿ قَالَ سُبْحَانَكَ ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: يريد جل جلالك وتعظمت وتعاليت (٥) (٦) وقوله تعالى: ﴿ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ ﴾ قال أبو علي: المعنى إن أكن الآن قلته فيما مضى.

وليس كان فيه على المضي؛ لأن الشرط والجزاء لا يقعان إلا فيما يستقبل، والحروف في الجزاء تحيل معنى المضي إلى الاستقبال لا محالة، قال: وهذا الذي ذكرناه من هذا التأويل كان أبو بكر (٧) وقوله تعالى: ﴿ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ﴾ قال ابن عباس: تعلم ما في غيبي، ولا أعلم ما في غيبك (٨) وقال عبد العزيز بن يحيى (٩) (١٠) وقال أهل المعاني: تعلم ما أخفي ولا أعلم ما تخفي، إلا أنه ذكرت النفس على مزواجة الكلام، لأن ما تخفيه كأنه إخفاء في النفس، وهذا شرح قول ابن عباس وعبد العزيز، لأن ما يخفيه الإنسان يكون في نفسه كالسر الذي يكتمه فقال عيسى: ﴿ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي ﴾ أي: ما أخفيه من سري وغيبي أي: ما غاب ولم أظهره ﴿ وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ﴾ أي: ما تخفيه أنت ولم تطلعنا عليه، فلما كان سر عيسى يخفيه في نفسه، جعل أيضًا سر الله مما يخفيه الله تعالى في نفسه؛ ليزدوج الكلام ويحسن النظم.

هذا طريق في شرح هذا اللفظ.

وقال الزجاج: النفس في اللغة: تقع عبارة عن حقيقة الشيء، فمعنى ﴿ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي ﴾ أي: تعلم ما أضمر ﴿ وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ﴾ أي: لا أعلم ما في حقيقتك وما عندك علمه، والتأويل أنك تعلم ما أعلم، ولا أعلم ما تعلم، ويدل على هذا قوله: ﴿ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ﴾ ، قال: وهذا راجع إلى توكيد أن الغيب لا يعلمه إلا الله (١١) وروى ثعلب عن أبي الأعرابي في معاني النفس في اللغة: أن النفس تكون بمعنى (عند) فقوله: ﴿ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي ﴾ أي: ما عندي ﴿ وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ﴾ أي: ما عندك (١٢) والنفس عند المتكلمين في صفة الله تعالى عبارة عن ذاته وحقيقة وجوده، والموجود يقال له: عين وذات ونفس، وهذا لا يوجب تشبيهًا (١٣) (١) "تفسير الطبري" 7/ 136 - 138.

(٢) "تفسير الطبري" 7/ 137، "زاد المسير" 2/ 463.

(٣) ما رجحه المؤلف اختيار أكثر المفسرين، انظر: "بحر العلوم" 1/ 469، "النكت والعيون" 2/ 90، البغوي 3/ 121، "زاد المسير" 2/ 463.

(٤) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 222 (٥) لم أقف عليه.

(٦) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 222.

(٧) لعله أبو بكر الأنباري.

(٨) "تفسير الوسيط" 2/ 247، والبغوي 3/ 122.

(٩) لعله الكناني، تقدمت ترجمته.

(١٠) انظر: البغوي 3/ 122.

(١١) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 222، 223.

(١٢) انظر "تهذيب اللغة" 4/ 3629 (نفس).

(١٣) اختلف أهل السنة في إثبات النفس لله هل هي صفة للذات؟

أم أنها الذات؟

قال شيخ الإِسلام ابن تيمية رحمه الله: ويراد بنفس الشيء ذاته وعينه ..

وقد قال تعالى: ﴿ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ  ﴾ ..

فهذه المواضع المراد فيها بلفظ النفس عند جمهور العلماء الله نفسه، التي هي ذاته المتصفة بصفاته، ليس المراد ذاتًا منفكة عن الصفات ولا المراد بها صفة للذات.

وطائفة من الناس يجعلونها من باب الصفات، كما يظن طائفة أنها الذات المجردة عن الصفات، وكلا القولين خطأ.

"مجموع الفتاوى" 9/ 292، 293، وانظر: "المفسرون بين التأويل والإثبات في آيات الصفات" للمغراوي 1/ 393 - 396.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.5 / 29.5
الإضاءة 31%
البدر بعد 9 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل