تفسير سورة المائدة الآية ٧١ عند البسيط

الإسلام > القرآن > تفسير > البسيط > سورة 5 المائدة > الآية ٧١

وَحَسِبُوٓا۟ أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌۭ فَعَمُوا۟ وَصَمُّوا۟ ثُمَّ تَابَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا۟ وَصَمُّوا۟ كَثِيرٌۭ مِّنْهُمْ ۚ وَٱللَّهُ بَصِيرٌۢ بِمَا يَعْمَلُونَ ٧١

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 6 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

قوله تعالى: ﴿ وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ ﴾ ، قال عطاء عن ابن عباس: "يريد وظنوا أن الله لا يعذبهم" (١) وقال الكلبي: "أي ألا يُبْتَلَوا بقتلهم الأنبياء وتكذيبهم الرسل" (٢) وقال قتادة: "وحسب القوم أن لا يكون بلاء" (٣) وقال مقاتل: "وحسبوا أن لا يكون بلاءً، وقحط المطر" (٤) (٥) وقال ابن الأنباري: قدروا أن لا تقع بهم فتنة في الإصرار على الكفر، وظنوا أن ذلك لا يكون موبقًا لهم (٦) واختلفوا في إعراب: (ألا تكون) فنصبه بعضهم، ورفعه آخرون، والأصل في هذا الباب أن تعرف أن الأفعال على ثلاثة أضرب: فعل يدل على ثبات الشيء واستقراره، نحو: العلم والتيقن والتبين، فما كان مثل هذا وقع بعده (إنّ) الثقيلة ولم يقع بعده الخفيفة الناصبة للفعل، وذلك أن الثقيلة معناها ثبات الشيء واستقراره، والعلم كذلك أيضًا، فإذا وقع على الثقيلة واستعمل معه كان وفقه وملائمًا له، وذلك قوله تعالى: ﴿ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ  ﴾ ﴿ أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ  ﴾ ، و ﴿ أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى  ﴾ والباء زائدة (٧) والضرب الثاني: فعل يدل على خلاف الاستقرار والثبات نحو: أطمع وأخاف وأخشى وأشفق وأرجو، فهذا ونحوه لا يستعمل بعده إلا الخفيفة الناصبة للفعل، قال الله تعالى: ﴿ وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي  ﴾ ، و ﴿ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ  ﴾ ﴿ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا  ﴾ ﴿ أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا  ﴾ .

والضرب الثالث: فعل يجذب مرة إلى ذاك القبيل، ومرة إلى هذا القبيل، نحو: حسبت وظننت وزعمت، وهذا النحو يجعل مرة بمنزلة: أرجو وأطمع، من حيث كان أمرًا غير مستقر، ومرة يجعل بمنزلة العلم، من حيث استعمل استعماله، وفي هذه الآية أجري مجرى العلم، لأنهم عملوا عليما حسبوا، فكأنه أجري مجرى العلم، (ويمكن) (٨) (٩) ﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا  ﴾ ﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ  ﴾ ﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا  ﴾ .

ومثل قراءة من رفع: ﴿ أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ  ﴾ {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ} [المؤمنون: 55] ﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ  ﴾ .

فهذه مخففة من الثقيلة، لأن الناصبة للفعل لا يقع بعدها (أن)، ومثل المذهبين في الظن قوله تعالى: ﴿ تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا  ﴾ ﴿ إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا  ﴾ .

ومن الرفع قوله تعالى: ﴿ وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ  ﴾ ﴿ وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا  ﴾ فأنْ ههنا الخفيفة من الشديدة كقوله: ﴿ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ  ﴾ لأن (أن) الناصبة للفعل لا تجتمع مع (لن) ومع السين؛ لاجتماع الحرفين في الدلالة على الاستقبال، كما لا يجتمع الحرفان لمعنى واحد، فمن رفع قوله: (أن لا تكون) كان المعنى: أنَّه لا تكون، ثم خففت المشددة وجعلت (لا) عوضًا من حذف الضمير، ولو قلت: علمت أن يقول، بالرفع، لم يحسن حتى تأتي بما يكون عوضًا من حذف الضمير، نحو قد والسين وسوف، كما قال تعالى: ﴿ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ  ﴾ ووجه النصب ظاهر.

وقوله تعالى: ﴿ فَعَمُوا وَصَمُّوا ﴾ ، أي عن الهدى فلم يعقلوه (١٠) (١١) وقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ﴾ ، قال الحسن: "فاستنقذهم بمحمد فكذبوه" (١٢) قال (١٣)  يعلمهم أن الله عز وجل قد تاب عليهم إن آمنوا وصدقوا (١٤) وقال أبو بكر: ثم تاب الله عليهم بإرساله محمدًا  داعياً إلى الصراط المستقيم، فكانوا بذلك معرضين للتوبة وإن لم يتوبوا.

وقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ ﴾ ، أي بعد تبيّن الحق لهم بمحمد  عمي كثير منهم، خص الله تعالى بعضهم بالفعل الآخر من العمى والصمم، إذ لم يكونوا أجمعوا على خلاف النبي  (١٥) ﴿ كَثِيرٌ مِنْهُمْ ﴾ بإضمار فعل مقدر يدل عليه: ﴿ عَمُوا وَصَمُّوا ﴾ ، كأنه قيل: عمي وصم كثير منهم.

قاله الفراء (١٦) (١٧) وذكر الزجاج وجهين آخرين: أحدهما: أن يكون ﴿ كَثِيرٌ مِنْهُمْ ﴾ بدلاً من الواو، كأنه لما قال: ﴿ عَمُوا وَصَمُّوا ﴾ أبدل الكثير منهم، والثاني أن يكون ﴿ كَثِيرٌ مِنْهُمْ ﴾ خبر ابتداء محذوف، والمعنى: والعمي والصم كثير منهم (١٨) وقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ﴾ ، أي: من قتل الأنبياء وتكذيب الرسل، قاله مقاتل (١٩) (١) "تفسير الوسيط" 2/ 211، ونسبه المحقق إلى تفسير ابن عباس ص 98.

(٢) انظر: "النكت والعيون" 2/ 55، "تفسير الوسيط" 2/ 211، "تفسير البغوي" 3/ 82، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 120.

(٣) أخرجه الطبري 6/ 312.

(٤) تفسيره 1/ 494.

(٥) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 195.

(٦) انظر: "زاد المسير" 2/ 401.

(٧) سبق التنبيه أن مثل هذا التعبير غير لائق في جانب كلام الله عز وجل، لئلا يتوهم أن في القرآن زائدًا.

(٨) هذه الكلمة ساقطة من (ج).

(٩) في (ج): (وكلي).

(١٠) انظر: "تفسير الطبري" 6/ 312، "بحر العلوم" 1/ 451، "النكت والعيون" 2/ 55، "تفسير البغوي" 3/ 82.

(١١) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 195، انظر: "بحر العلوم" 1/ 451.

(١٢) لم أقف عليه عن الحسن ، انظر: "معاني القرآن" للنحاس 2/ 341، "بحر العلوم" 1/ 451 ، "زاد المسير" 2/ 401.

(١٣) في (ج): (فقال).

(١٤) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 195.

(١٥) انظر: "النكت والعيون" 1/ 478.

(١٦) "معاني القرآن" 1/ 316.

(١٧) انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 316، "معاني الزجاج" 2/ 195، 196.

(١٨) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 195، 196.

(١٩) تفسيره 1/ 494.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.2 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده