تفسير سورة الحديد الآية ٢٧ عند البسيط

الإسلام > القرآن > تفسير > البسيط > سورة 57 الحديد > الآية ٢٧

ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ وَءَاتَيْنَـٰهُ ٱلْإِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِى قُلُوبِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ رَأْفَةًۭ وَرَحْمَةًۭ وَرَهْبَانِيَّةً ٱبْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَـٰهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ٱبْتِغَآءَ رِضْوَٰنِ ٱللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ۖ فَـَٔاتَيْنَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ ۖ وَكَثِيرٌۭ مِّنْهُمْ فَـٰسِقُونَ ٢٧

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 6 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

وما بعد هذا ظاهر ومفسر فيما تقدم، إلى قوله: ﴿ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ ﴾ قال ابن عباس يريد الحواريين وأتباعهم (١) ﴿ رَأْفَةً وَرَحْمَةً ﴾ قال مقاتل (٢)  - بقوله ﴿ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ  ﴾ .

قوله تعالى: ﴿ وَرَهْبَانِيَّةً ﴾ هي اسم مبني من الرهبة، وقد مضى الكلام في تفسير الرهبان (٣) (٤) وقال أبو علي: قوله: ﴿ وَرَهْبَانِيَّةً ﴾ محمول على فعل، كأنه قال: وابتدعوا رهبانية ابتدعوها، ألا ترى أن الرهبانية لا يستقيم حملها على جعلنا (٥) (٦) ومعنى ﴿ ابْتَدَعُوهَا ﴾ جاءوا بها من قبل أنفسهم، وهو معنى قوله: ﴿ مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ ﴾ قال ابن عباس: ما فرضناها عليهم (٧) ومعنى رهبانيتهم غلوهم في العبادة من حمل المشاق على أنفسهم في الامتناع من المطعم والمشرب والملبس والنكاح، والتعبد في الغيران والكهوف والديارات والصوامع، وسبب ذلك على ما قال المفسرون: أن ملوكهم بدلوا غيروا وأحدثوا أحداثًا في دينه وقاتلوهم الذين بقوا على دينهم، فقتل منهم الكثير ولم يبق إلا نفر قليل، فذهب هؤلاء النفر وخرجوا إلى البراري والجبال متبتلين، وابتدعوا الرهبانية (٨) قوله تعالى: ﴿ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ ﴾ قال ابن عباس: يريد طلبوا رضي الله (٩) وقال قتادة: ابتدعوها ابتغاء رضوان الله (١٠) وقال أبو إسحاق: ويكون ﴿ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ ﴾ بدلاً من الهاء والألف (١١) (١٢) (١٣) (١٤) قوله تعالى: ﴿ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ﴾ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن هؤلاء الذين ذكرهم الله ووصفهم بتصنع الرهبانية وترك رعايتها هم قوم كفروا بدين عيسى وتهودوا وتنصروا من هؤلاء الذين أحدثوا الرهبانية ودخلوا في دين ملوكهم وتركوا الترهب وهو قول مقاتل، قال: لم يرعوها ولا أحسنوا حين تهودوا وتنصروا فأقام أناس منهم على دين عيسى حتى أدركوا محمدًا -  - فآمنوا به، فهو قوله: ﴿ فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴾ الذين تهودوا وتنصروا (١٥) ونحو هذا روى ابن مسعود عن النبي -  - قال: "منهم من تمسك بدينه وهم الذين قال الله ﴿ فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ ﴾ ومنهم من كفر، وهو قوله: ﴿ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴾ (١٦) (١٧) القول الثاني: أن الذين لم يرعوها حق رعايتهم (١٨)  - ولم يؤمنوا به (١٩) قوله تعالى: ﴿ فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ ﴾ أي آمنوا بمحمد -  -، ﴿ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴾ يعني الذين لم يؤمنوا به، يدل على هذا ما روي أن النبي -  - قال: "من آمن بي وصدقني واتبعني فقد رعاها حق رعايتها ومن لم يؤمن بي فأولئك هم الهالكون" (٢٠) القول الثالث: أن الصالحين من قوم عيسى ابتدعوا الرهبانية وانقرض على ذلك طائفة منهم، وخلف بعدهم قوم اقتدوا بهم ولم يكونوا على منهاجهم، فهم الذين لم يرعوها حق رعايتها وهذا قول ابن عباس في رواية سعيد (٢١) قال عطاء: لم يرعوها كما رعاها الحواريون وأتباعهم (٢٢) وقال سعيد: ابتدعها (٢٣) ﴿ فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ ﴾ يعني الذين ابتدعوها ﴿ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴾ الذين جاؤا من بعدهم (٢٤) (١) انظر: "الوسيط" 4/ 254، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 262.

(٢) انظر: "تفسير مقاتل" 142 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 30.

(٣) الآية (40) من سورة البقرة.

رهب، يرهب، رهبًا: أي خاف، والراهب: المتعبد في الصومعة.

وأصل الرهبانية من الرهبة ثم صارت اسمًا لما فضل عن المقدار وأفرط فيه.

"اللسان" 1/ 1237 (رهب).

(٤) انظر: "معاني القرآن" 5/ 13.

(٥) في (ك): (جعلها).

(٦) انظر: "التفسير الكبير" 29/ 245، و"فتح القدير" 5/ 178.

(٧) انظر: "تنوير المقباس" 5/ 365، و"الوسيط" 4/ 254، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 263، ونسبه لابن زيد.

(٨) انظر: "جامع البيان" 27/ 138، سنن النسائي، كتاب آداب القضاة، باب: تأويل قوله -عَزَّ وَجَلَّ- ﴿ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ﴾ ، و"معالم التنزيل" 4/ 103، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 315 - 316.

(٩) انظر: "تنوير المقباس" 5/ 365، و"التفسير الكبير" 29/ 246.

(١٠) انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 276، و"جامع البيان" 27/ 138.

(١١) من الهاء والألف في (كتبناها).

(١٢) في (ك): (أمره).

(١٣) انظر: "معاني القرآن" 5/ 13.

(١٤) انظر: "التفسير الكبير" 29/ 246، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 363.

(١٥) انظر: "تفسير مقاتل" 142 أ، و"التفسير الكبير" 29/ 246.

(١٦) هذا الحديث ذكره المؤلف بالمعنى، وهو حديث طويل أخرجه الحاكم في كتاب التفسير، سودة الحديد.

وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.

وقال الذهبي: قلت ليس بصحيح فإن الصعق وإن كان موثقًا فإن شيخه منكر الحديث.

== قال البخاري: وفي كتاب "السنة" لابن أبي عاصم 1/ 35، وقال عنه محققه: إسناده ضعيف جدًّا، ورجاله ثقات غير عقيل الجعدي، فإنه ضعيف جدًّا كما يفيده قول البخاري فيه: منكر الحديث.

قال: والحديث أخرجه الطبراني في الصغير والكبير والحاكم في "صحيحه"، ورده الذهبي بالجعدي، لكن للحديث في كبير الطبراني إسناد آخر عن ابن مسعود خير من هذا.

(١٧) انظر: "الكشف والببان" 12/ 71 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 301، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 263.

(١٨) كذا في (ك)، ولعل الصواب (رعايتها).

(١٩) انظر: "التفسير الكبير" 29/ 246.

(٢٠) جزء من الحديث السابق، وقد أخرجه الثعلبي في "تفسيره" 12/ 71 ب، وفي سنده: عقيل الجعدي أيضًا.

(٢١) انظر: "جامع البيان" 27/ 138.

(٢٢) انظر: "التفسير الكبير" 29/ 246.

(٢٣) كذا في (ك) ولعل الصواب (ابتدعها).

(٢٤) انظر: "معالم التنزيل" 4/ 3012، غرائب القرآن 27/ 141.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الأحد 5 محرّم
هلال متزايد اليوم 6.5 / 29.5
الإضاءة 41%
البدر بعد 8 يوم
أستغفر الله