الإسلام > القرآن > تفسير > البسيط > تفسير سورة الحديد
تفسيرُ سورةِ الحديد كاملةً من التفسير البسيط (الواحدي) (أبو الحسن الواحدي).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 72 دقيقة قراءة﴿ سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ قال المقاتلان يعني كل شيء من ذي الروح وغيره من الشجر، والجبال، والبحار، والشمس، والقمر، وكل خلق فيهما ولكن لا تفقهون تسبيحهم (١) وقال أهل المعاني: تسبيح ما لا يعقل تنزيه لله من السوء بما فيه من الآية الداعية إلى ذلك كأنها ناطقة به إذ صنعه يقتضي صانعًا غير مصنوع (٢) قال أبو إسحاق: وهذا خطأ؛ لأن التسبيح تمجيد لله عز وجل وتنزيهه من [السوء] (*)، قال الله عز وجل ﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ﴾ فلو كان التسبيح آثار الصنعة لكانت معقولة، وكانوا يفقهونها، وأيضًا فإنه قال ﴿ وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ ﴾ فلو كان تسبيحها آثار الصنعة لم يكن في هذا تخصيص لداود (٣) ﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ﴾ ، وفي مواضع.
(١) انظر: "تفسير مقاتل" 140 أ، و"جامع البيان" 27/ 124 ولم ينسبه، و"الوسيط" 4/ 244، و"فتح القدير" 5/ 165.
(٢) انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 235، و"فتح القدير" 5/ 165.
(٣) انظر: "معاني القرآن" 5/ 121، وقال القرطبي 17/ 236، وما ذكره هو الصحيح.
(*) قال معد الكتاب للشاملة: ما بين المعقوفين غير واضح في المطبوع، وما أثبتناه من معاني القرآن لأبي إسحاق الزجاج (5/ 121).
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ يُحْيِي وَيُمِيتُ ﴾ قال المفسرون: يحيى الأموات للبعث ويميت الأحياء في الدنيا (١) وقال الزجاج: ويجوز أن يكون المعنى يحيي النطف التي إنما هي موات ويميت الأحياء، ويكون موضع يحي ويميت رفعًا على معنى هو يحيي ويميت ويجوز أن يكون نصبًا على معنى له ملك السموات والأرض محييًا ومميتًا قادرًا (٢) (١) انظر: "جامع البيان" 27/ 124، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 236.
(٢) انظر: "معاني القرآن" 5/ 121.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ ﴾ قال جماعة المفسرين: هو الأول قبل كل شيء، كان هو ولا شيء موجود، فهو الأول بلا ابتداء، والآخر بعد كل شيء بلا انتهاء، يفني الأشياء، ويبقى آخرًا كما كان أولاً، وهذا يروى مرفوعًا أنه "الأول وليس قبله شيء والآخر وليس بعده شيء" (١) قال الأزهري: ولا يجوز أن يعدو في تفسير الاسمين ما روي عن النبي - - (٢) قوله تعالى: ﴿ وَالظَّاهِرُ ﴾ أي الغالب العالي على كل شيء، ومثل قوله تعالى: ﴿ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ ﴾ أي غالبين عالين، من قولك: ظهرت على فلان أي علوته.
ومنه قوله تعالى: ﴿ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ ﴾ وهذا معنى ما روي في الحديث: "والظاهر فليس فوقك شيء" وهذا قول أكثر أهل العلم (٣) (٤) قوله تعالى: ﴿ وَالْبَاطِنُ ﴾ قال أبو إسحاق: الباطن العالم بما بطن، كما تقول: فلان يبطن أمر فلان، أي يعلم دِخْلَةَ أمره (٥) قال الليث: يقال أنت أبطن بهذا الأمر من فلان، أي: أخبر بباطنه فالله تعالى العالم الباطن بكل شيء فلا أحد أعلم منه (٦) (١) الحديث أخرجه مسلم (2713) في الدعاء، باب ما يقول عند النوم وأخذ المضجع وفيه "اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء" الحديث.
والترمذي في الدعوات، باب ما جاء في الدعاء إذا أوى إلى فراشه، وأحمد 2/ 381، 404.
(٢) لم أجد هذا اللفظ في "تهذيب اللغة" 13/ 474 (بطن) وإنما قال: ومن صفات الله عز وجل: "الظاهر والباطن" لا تأويلها ما روي عن النبي - - في تمجيد الرب ..
وذكر الحديث.
(٣) انظر: "مجموع الفتاوي" 5/ 244 - 245، و"معاني القرآن" للفراء 3/ 132، قال ابن كثير: وقال البخاري: قال يحيى: ونقل كلام الفراء.
"ابن كثير" 4/ 302.
(٤) انظر: "الكشاف" 4/ 63، و"فتح القدير" 5/ 165، ثم قال: وقد فسر هذه الأشياء الأربعة رسول الله - - فيتعين المصير إلى ذلك.
(٥) انظر: "معاني القرآن" 5/ 122.
(٦) انظر: "تهذيب اللغة" (بطن).
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ﴾ مفسر في سورة الأعراف (١) ﴿ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ ﴾ وهو مفسر في سورة سبأ (٢) ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾ أي بالعلم والقدرة وليس ينفك أحد من تعلق علم الله وقدرته به أينما كان من أرض، وسماء، وبر وبحر.
وهذا حجة على من ترك تأوبل قوله: ﴿ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ﴾ وأجراه على الظاهر إذ لابد من التأويل في قوله: ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾ ولا يجوز إجراؤه على الظاهر حتى يعتقد أنه مع كل واحد في مكانه وجهته وإذا جاء التأويل في بعض جاز في الكل (٣) (١) من الآية (54) من سورة الأعراف.
(٢) "تفسيره" الآية (34) من سورة سبأ.
(٣) قول المؤلف رحمه الله: ولا يجوز إجراؤه على الظاهر ...
أي قوله تعالى ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾ صواب وحق لا ريب فيه.
قال أبو عمر الصلمنكي: وأجمع المسلمون من أهل "السنة"، على معنى قوله: ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾ ونحو ذلك من القرآن أن ذلك علمه، وأن الله فوق السماوات بذاته مستو على عرشه كيف شاء.
انظر: "الصواعق المرسلة" 4/ 1284، و"العلو" ص 178.
أما قوله: وهذا حجة على من ترك تأويل قوله: ﴿ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ﴾ وأجراه على الظاهر فهو كلام مردود مخالف لما عليه أهل السنة والجماعة من سلف هذه الأمة.
قال الإمام أحمد رحمه الله عند تفسير قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ ﴾ يقول: هو إله من في السموات وإله من في الأرض، وهو الله على العرش، وقد أحاط علمه بما دون العرش، لا يخلو من علم الله مكان، ومثل هذا نقل عن الشافعي، وابن جرير، وابن المبارك، وسعيد بن عامر، وابن خزيمة، والبخاري، والأوزاعي، وأبي حنيفة، ومالك، وغيرهم.
انظر: "الأسماء والصفات" للبيهقي 5/ 5، و"شرح الفقه الأكبر"، لأبي حنيفة ص102، و"العلو" للذهبي ص101 - 102، و"السنة" لعبد الله بن أحمد 1/ 7، و"الرسالة" ص 8، و"الصواعق المرسلة" 4/ 1292 - 1305.
وأما قوله: وإذا جاز التأويل في بعض جاز في الكل، فجوابه أن التأويل الذي يقبل هو التأويل بمعنى التفسير أي معرفة معاني الصفات، وهذا حق.
وأما التأويل بمعنى الحقيقة فهذا لا يعلمه إلا الله، فحقائق الصفات من الغيب الذي استأثر الله بعلمه، وأما التأويل الذي يشير إليه المؤلف -عفا الله عنه- فهو صرف نصوص الصفات عما دلت عليه بغير دليل، وإنما لشبهة، وهذا التأويل مردود ولا يصح.
انظر: "التدمرية" لابن تيمية ص 91.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ يخاطب كفار قريش ﴿ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ﴾ يعني المال الذي كان بيد غيرهم فأهلكهم وأعطا قريشًا ذلك فكانوا خلائف عمن مضوا، وهذا معنى قول المفسرين أنفقوا من أموالكم التي ملككم الله وعمركم فيها (١) قوله تعالى: ﴿ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ ﴾ قال عطاء والكلبي ومجاهد والمقاتلان (٢) وقال: ﴿ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى ﴾ .
قوله تعالى: ﴿ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ قال الكلبي: إذا كنتم عند أخذ العهد مقرين له (٣) ﴿ إِنْ ﴾ على قوله بمعنى (إذ)، وقال غيره: إن كنتم مؤمنين بالحجج والدليل فقد بان وظهر على يد محمد - - ببعثته وإنزال القرآن عليه، ويجوز أن يكون المعنى: إن كنتم مؤمنين يومًا فما لكم لا تؤمنون الآن، وقد قامت الحجة على صدق محمد - - وصحة نبوته (٤) (١) انظر: "معالم التنزيل" 4/ 294، و"القرطبي" 17/ 238، قلت: وحمل الآية على العموم أولى من حصرها على كفار قريش أو العرب.
انظر: "التفسير الكبير" 29/ 215، وقال الشوكاني في "تفسيره" 5/ 167: ويجوز أن يكون خطابًا للجميع، ويكون المراد بالأمر بالإيمان في حق المسلمين الاستمرار عليه، أو الازدياد منه.
(٢) انظر: "تنوير المقباس" 5/ 347 - 348، و"تفسير مجاهد" 2/ 656، و"تفسير مقاتل" 140 ب.
(٣) انظر: "تنوير المقباس" 5/ 347.
(٤) انظر: "معالم التنزيل" 4/ 294، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 238 - 239.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال في الحث على الإنفاق، قوله تعالى: ﴿ وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ أي: أيّ شيء لكم في ترك الإنفاق فيما يقرب من الله وأنتم ميتون تاركون أموالكم قاله الزجاج (١) (٢) (١) انظر: "معاني القرآن" 5/ 123.
(٢) انظر: "جامع البيان" 27/ 126، و"معالم التنزيل" 4/ 294.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
ثم بين فضل من سبق بالإنفاق في سبيل الله فقال: ﴿ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ﴾ قال: يعني فتح مكة في قول جميعهم (١) (٢) قال الكلبي في رواية محمد بن فضيل: نزلت في أبي بكر ، يدل على هذا أنه كان أول من أنفق المال على رسول الله في سبيل الله (٣) قال ابن عمر: كنت قاعدًا عند النبي - - وعنده أبو بكر الصديق وعليه عباءة فخلّها (٤) (٥) ولأنه - - كان أيضًا أول من قاتل على الإسلام فقد روى زر عن ابن مسعود قال: أول من أظهر إسلامه بسيفه النبي - - وأبو بكر (٦) قال صاحب النظم: قوله: ﴿ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ ﴾ يقتضي نقيضًا كما قال ﴿ لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ ﴾ ولم يجيء هاهنا النقيض الذي يقابل من أنفق فلما قال ﴿ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا ﴾ دل على هذا النقيض؛ لأن نقيضه من أنفقوا من بعد وقاتلوا (٧) قال عطاء: يريد درجات الجنة تتفاضل، فالذين أنفقوا من قبل الفتح في أفضلها (٨) - أعظم أجرًا ودرجات من درجات من أنفق وقاتل بعد الفتح فتح مكة (٩) قال أبو إسحاق: لأن المتقدمين نالهم من المشقة أكثر مما نال من بعدهم وكانت بصائرهم أيضًا أنفذ (١٠) قوله تعالى: ﴿ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى ﴾ قال مقاتل بن سليمان: يقول وكلا الفريقين وعد الله الجنة (١١) والقراء في النصب في ﴿ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ ﴾ لأنه بمنزلة زيدًا وعدت خيرًا فهو مفعول وعد، وقرأ ابن عامر "وكل" بالرفع (١٢) (١٣) (١٤) قد أصبحتْ أمُّ الخيارِ وتدَّعي ...
عليَّ ذنْبًا كُلُهُ لم أصْنّعِ فرووا (كُلُ) بالرفع لتقدمه على الفعل، وإن لم يكن شيء يمنع من تسلّط الفعل عليه فكذلك ﴿ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى ﴾ ويكون على إرادة الهاء وحذفها كما تحذف من الصلاتِ نحو: ﴿ أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا ﴾ والصفات ﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا ﴾ .
ومثل ذلك قول جرير (١٥) أبحتَ حمى تهامةَ بعد نجدٍ ...
وما شيءٌ حميتَ بمُستباحِ أي حميته (١٦) (١) انظر: "معالم التنزيل" 4/ 294، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 239، وزاد مع الشعبي الزهري.
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" 140 ب.
(٣) انظر: "أسباب النزول" للواحدي ص 469، و "الوسيط" 4/ 245، و"معالم التنزيل" 4/ 294، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 240.
(٤) خلها: أي جمع بين طرفيها بعود أو حديد.
النهاية (خلل).
(٥) انظر: "الكشف والبيان" 12/ 62 أ، و"أسباب النزول" للواحدي ص 469، و"معالم التنزيل" 4/ 295، و"ابن كثير" 4/ 307، كلهم ذكروا بيان أطول من هذا، وتعقبه ابن كثير بقوله: هذا الحديث ضعيف الإسناد من هذا الوجه، وذكره ابن الجوزي في ترجمة أبي بكر عن ابن عمر بدون سند، و"صفة الصفوة" 1/ 249 - 250.
(٦) انظر: "معالم التنزيل" 4/ 295، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 240، و"لباب التأويل" 7/ 32.
(٧) انظر: "التفسيرالكبير" 29/ 218، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 240، و"فتح القدير" 5/ 168.
(٨) انظر: "الوسيط" 4/ 246، و"معالم التنزيل" 4/ 295.
(٩) انظر: "فتح القدير" 5/ 168.
(١٠) انظر: "معاني القرآن" 5/ 123.
(١١) انظر: "تفسير مقاتل" 140 ب.
(١٢) قرأ ابن عامر "وكل" وقرأ الباقون بالنصب انظر: "حجة القراءات" ص 698، و"النشر" 2/ 384، و"الإتحاف" ص 409.
(١٣) قوله: (في الشعر) زيادة لا فائدة منها.
(١٤) "البيت" لأبي النجم.
انظر: "الخزانة" 1/ 173، و"الخصائص" 1/ 292، و"شرح أبيات المغني" 4/ 24.
(١٥) انظر: "ديوان جرير" 1/ 89، و"شرح أبيات المغني" ص 741، "شرح شواهد سيبويه" 1/ 45، و"مغني اللبيب" ص 503، و"أمالي ابن الشجري" 1/ 25، و"شرح شواهد الألفية" 4/ 75.
(١٦) من قوله: "وحجته أن الفعل" إلى هنا من كلام أبي علي الفارسي.
انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 266 - 267.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ﴾ قال الكلبي: صادقًا محتسبًا بالصدقة (١) وقال مقاتل: يعني طيبة بها نفسه (٢) وقال أهل العلم: القرض الحسن أن يجمع أوصافًا عشرة وهي: أن تكون من الحلال، وقد قال رسول الله - -: "إن الله طيب لا يقبل إلا الطيب" (٣) وقد قال أيضًا: "لا يقبل الله صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول" (٤) وأن تكون من أكرم ما تملكه دون أن تقصد إلى الرديء للإنفاق.
قال الله تعالى: ﴿ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ ﴾ .
وأن تتصدق به وأنت تحبه وتحتاج إليه، بأن ترجو الحياة كما قال - - لما سئل عن أفضل الصدقة، فقال: "أن تعطيه وأنت صحيح شحيح تأمل العيش ولا تمهل حتى إذا بلغت التراقي قلت لفلان كذا أو لفلان كذا" (٥) وأن تضعه في الأخل (٦) وأن تكتمه ما أمكن؛ لأن الله تعالى قال: ﴿ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ .
وأن لا تتبعه منا وأذى؛ لأن الله تعالى قال: ﴿ لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى ﴾ .
وأن تقصد به وجه الله ولا ترائي بذلك؛ لأن المرائي مذموم على لسان الشرع.
وأن تستحقرها، تعطي وإن كثر؛ لأن ذلك قليل والدنيا كلها قليلة.
وأن تكون من أحب مالك إليك، قال الله تعالى: ﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾ .
فهذه أوصاف عشرة إذا استكمَلَتها الصدقة كانت قرضًا حسنًا إن شاء الله (٧) (٨) (١) انظر: "تنوير المقباس" 5/ 352.
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" 140 ب.
(٣) جزء حديث صحيح رواه الإمام مسلم في"صحيحه"، كتاب الزكاة، باب قبول الصدقة من الكسب الطيب وتربيتها.
والإمام أحمد في "المسند" 2/ 328.
(٤) رواه الإمام مسلم في الطهارة، باب وجوب الطهارة للصلاة، وأبو داود في الطهارة، باب في فرض الوضوء، والترمذي في الطهارة، باب: ما جاء (لا تقبل صلاة بغير طهور) وقال: هذا الحديث هو أصح شيء في هذا الباب وأحسن.
(٥) رواه البخاري في"صحيحه"، كتاب: الزكاة، باب: أفضل الصدقة صدقة الشحيح الصحيح 2/ 137، ومسلم في كتاب: الزكاة، باب: بيان أن أفضل الصدقه صدقة الصحيح الشحيح.
(٦) في (ك): (الأحل) والتصحيح من "تفسير الوسيط".
والأخل هو الفقير المحتاج، من (الخَلَّة): الحاجة والفقر.
انظر: "اللسان" (خلل).
(٧) انظر: "الوسيط" 2/ 247، و"التفسير الكبير" 29/ 221، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 242، ونسب هذا القول للقشيري.
(٨) عند تفسيره الآية (245) من سورة البقرة.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ﴾ قال أبو إسحاق: يوم منصوب بقوله: ﴿ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ ﴾ أي وله أجر كريم في ذلك اليوم (١) و ﴿ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ﴾ قال مقاتل والحسن: يسعى نورهم بين أيديهم على الصراط يوم القيامة، وهو دليل لهم إلى الجنة (٢) وقال قتادة: إن المؤمن يضيء له نوره كما بين عدن إلى صنعاء ودون ذلك حتى أن من المؤمنين من لا يضيء له نور إلا موضع قدميه (٣) وقال ابن مسعود في هذه الآية: يؤتون نورهم على قدر أعمالهم منهم من نوره مثل الجبل وأدناهم نورًا نوره على إبهامه يطفأ مرة ويَقد أخرى (٤) وقال مجاهد: ما من عبد إلا ينادي يوم القيامة أين فلان بن فلان ها نورك، أين فلان بن فلان لا نور لك.
قوله: ﴿ وَبِأَيْمَانِهِمْ ﴾ قال الأخفش والفراء: يريد من أيمانهم وشمائلهم فأقام الباء مقام عن كما قال: ﴿ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ ﴾ .
يقول بطرف (٥) وقال الضحاك وابن حبان: ﴿ وَبِأَيْمَانِهِمْ ﴾ كتبهم التي أعطوها فكتبهم بأيمانهم ونورهم بين أيديهم (٦) ﴿ وَبِأَيْمَانِهِمْ ﴾ عليها.
قوله تعالى: ﴿ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ ﴾ أي: وتقول لهم الملائكة: بشراكم اليوم.
(١) انظر: "معاني القرآن" 5/ 123.
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" 140 ب، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 244.
(٣) انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 275، و"جامع البيان" 27/ 128، و"الكشف والبيان" 12/ 63 أ.
(٤) انظر: "جامع البيان" 27/ 128، و"زاد المسير" 8/ 165، و"لباب التأويل" 7/ 32، وهو اختيار أبي جعفر النحاس.
انظر: "إعراب القرآن" 3/ 355.
(٥) انظر: "معاني القرآن" للأخفش 2/ 407، و"معاني القرآن" للفراء 3/ 132.
(٦) انظر: "الوسيط" 4/ 248، و"معالم التنزيل" 4/ 295، و"زاد المسير" 8/ 165، وهو اختيار ابن جرير، و"جامع البيان" 27/ 128.
<div class="verse-tafsir"
ثم ذكر حال المنافقين في ذلك اليوم فقال: قوله تعالى: {يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ} يوم بدل من قوله: ﴿ يَوْمَ تَرَى ﴾ (١) ﴿ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا ﴾ قال: وهي خدعة خدع بها المنافقون، قال الله تعالى: ﴿ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ ﴾ ، فيرجعون إلى المكان الذي قسم فيه النور فلا يجدون شيئاً فينصرفون إليهم وقد ﴿ فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ ﴾ (٢) وقال ابن عباس ومجاهد: إن المؤمنين والمنافقين جميعًا يعطون النور وذلك أنهم يحشرون معًا ويعطون النور فيطفأ نور المنافقين ويقولون للمؤمنين ﴿ انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ ﴾ (٣) وقال الكلبي: يستضيء المنافقون بنور المؤمنين ولا يعطون النور فإذا سبقهم المؤمنون قالوا: ﴿ انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ ﴾ أي انتظرونا (٤) ﴿ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ ﴾ منتظرين إدراكه، وأنشد أبو علي (٥) ما زِلت مُذ أشهرَ السُّفَّارُ أنْظُرُهُم ...
مثلُ انتظارِ المضحّي راعيَ الإبلِ المعنى: انتظرهم انتظارًا مثل انتظار الضحي ويجي فعلت وافتعلت بمعنى كثيرًا كقولهم: شريت واشتريت وحفرت واحتفرت (٦) وقرأ حمزة ﴿ أنْظِرُونَا ﴾ بقطع الألف (٧) (٨) (٩) قال أبو إسحاق: ﴿ انْظُرُونَا ﴾ بقطع الألف معناه: انتظرونا أيضًا، وأنشد بيت عمرو بن كلثوم (١٠) أبا هند فلا تعجل علينا ...
وأنظرنا نخبرك اليقينا وقال أبو علي: وقد يكون أنظرتُ في معنى انتظرت بقولك: أنظرني التنفيس الذي يطلب بالانتظار من ذلك قوله: وأنظرنا نخبرك اليقينا ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ إنما هو طلب الإمهال والتسويف، فالمطلوب بقوله: وأنظرنا: تسويف، وكذلك قوله: ﴿ انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ ﴾ نفسونا نقبتس، وانتظروا علينا.
وكذلك ما جاء في الحديث من إنظار المعسر (١١) (١٢) قوله تعالى: ﴿ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ ﴾ قال ابن عباس: يقول المؤمنون لهم ارجعوا وراءكم (١٣) (١٤) ﴿ فَالْتَمِسُوا نُورًا ﴾ قال أبو إسحاق: تأويله لا نور لكم عندنا (١٥) قوله: ﴿ فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ ﴾ قد ذكرنا أن المنافقين ينصرفون لطلب النور فلا يجدون، ثم يقبلون إلى المؤمنين ليلحقوهم فيميز بينهم وبين المؤمنين ويضرب بينهم سد، وهو قوله: ﴿ فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ ﴾ أي أن بين المنافقين والمؤمنين ﴿ بِسُورٍ ﴾ وهو الحائط، والباء فيه صلة للتأكيد، قاله الأخفش (١٦) ﴿ لَهُ بَابٌ ﴾ لذلك السور باب ﴿ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ ﴾ أي في باطن ذلك السور الرحمة، قال ابن عباس والمفسرون (١٧) ﴿ وَظَاهِرُهُ ﴾ يعني وخارج السور ﴿ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ ﴾ أي من قبله يأتيهم العذاب، والمعنى أن ما يلي المؤمنين ففيه الرحمة، وما يلي الكافرين يأتيهم من قبله العذاب.
قال ابن عباس: يريد جهنم (١٨) (١٩) وقال الكلبي: هذا السور هو سور الأعراف (٢٠) وقال قتادة: هو حائط بين الجنة والنار (٢١) (٢٢) (١) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 356 - 357.
(٢) أخرجه ابن المبارك في "الزهد" ص 108 (الرقائق)، والحاكم في "المستدرك" وصححه، والبيهقي في "الأسماء والصفات" 2/ 435، ببيان أطول مما هاهنا، وهو صحيح الإسناد موقوف على أبي أمامة، وانظر: "ابن كثير" 4/ 38، و"الدر" 6/ 173.
(٣) انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 657، و"جامع البيان" 27/ 129.
(٤) انظر: "تنوير المقباس" 5/ 354، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 245.
(٥) البيت ورد في "اللسان" (ش) ولم ينسبه، وفيه: (راعي الغنم).
(٦) انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 272، وأشهر السفار: أي مضى عليهم شهر.
(٧) قرأ حمزة (أَنْظِرُونَا) بقطع الهمزة مفتوحة وكسر الظاء، وقرأ الباقون (انظُرُونَا) بوصل الهمزة وضم الظاء.
انظر: "النشر" 2/ 384، و"الإتحاف" ص 410.
(٨) أي قراءة الجمهور.
(٩) قلت: وإذا ثبتت القراءة عن النبي - -كما هنا فلا عبرة بما قال غيره، وعدم معرفة أبي عبيد -رحمه الله - لهذا المعنى في القراءة لا يطعن في صحة القراءة وقوتها ولا يقلل من قدره رحمه الله، ومعرفة غيره من علماء اللغة لهذا المعنى تشهد لصحة القراءة لغة وقد صحت سندًا، والله أعلم.
(١٠) البيت من معلقة عمرو بن هند.
انظر: "شرح المعلقات السبع" للزوزني ص 98، و"الخزانة" 3/ 628.
(١١) أخرج مسلم في "صحيحه"، كتاب الفضائل، باب من أنظر انقياد الشجر للنبي - - وفيه (من أنظر معسرًا، أو وضع عنه، أظله الله في ظله).
(١٢) انظر: " الحجة للقراء السبعة" 6/ 273، و"معاني القرآن" للفراء 3/ 133، و"إعراب القرآن" للنحاس 3/ 357، وقوله: فيما لطف، أي فيما غمض معناه وغفى، و"اللسان" 3/ 369 (لطف).
(١٣) انظر: "تنوير المقباس" 5/ 354، و"الوسيط" 4/ 249 (١٤) انظر: "تفسير مقاتل" 140 ب، و"جامع البيان" 27/ 129، ونسب القول للمؤمنين موضحًا معنى الآية.
(١٥) انظر: "معاني القرآن" 5/ 124.
(١٦) انظر: "معاني القرآن" 2/ 704.
(١٧) انظر: "جامع البيان" 27/ 129، و"معالم التنزيل" 4/ 296، و"زاد المسير" 8/ 166.
(١٨) انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 246، و"فتح القدير" 5/ 171.
(١٩) انظر: "معالم التنزيل" 4/ 296، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 309.
(٢٠) انظر: "تفسير مقاتل" 141 أ، و"جامع البيان" 27/ 129، و"الجامع" للقرطبي 17/ 246، و"ابن كثير" 4/ 903، عن مجاهد وابن زيد، وقال ابن كثير: وهو الصحيح.
(٢١) انظر: "جامع البيان" 27/ 129، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 39، وزاد نسبته للحسن.
(٢٢) قوله: (يحصلون) أي يميزون، والمُحَصَّلة: التي تْمَيِزّ الذهب من الفضة، و"اللسان" 1/ 654 (حصل).
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ ﴾ قال المفسرون: إن المؤمنين إذا فاتوا المنافقين وسبقوهم نادوهم من وراء السور ألم نكن معكم نصلي بصلاتكم في مساجدكم ونغزو مغازيكم، وكنا معكم في الحج والعمرة ﴿ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ ﴾ قال المفسرون وأهل المعاني: استعملتموها في الكفر والشهوات والمعاصي وكلها فتنة (١) ﴿ وَتَرَبَّصْتُم ﴾ قال ابن عباس: يريد بالتوبة (٢) (٣) - والمؤمنين الدوائر (٤) قوله تعالى: ﴿ وَارْتَبْتُمْ ﴾ قال ابن عباس: شككتم في الوعيد، يعني فيما أوعدهم به محمد - - من العذاب (٥) وقال مقاتل: وشككتم في نبوة محمد (٦) وقوله: ﴿ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ ﴾ قال ابن عباس: يريد الباطل وهو ما كانوا يتمنون الدوائر بالمؤمنين (٧) ﴿ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ ﴾ قالوا: الموت.
قال قتادة: ما زالوا على خدعة من الشيطان حتى قذفهم الله في النار (٨) ﴿ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ﴾ أي وغركم الشيطان بحلم الله وإمهاله وهذا مفسر فيما تقدم (٩) (١) انظر: "جامع البيان" 27/ 130، و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 124، و"معالم التنزيل" 4/ 296.
(٢) انظر: "تنوير المقباس" 5/ 355، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 247.
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" 141 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 296.
(٤) انظر: "معاني القرآن" 5/ 124.
(٥) انظر: "تنوير المقباس" 5/ 355، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 247.
(٦) انظر: "تفسير مقاتل" 141 أ.
(٧) انظر: "الوسيط" 4/ 249، و"معالم التنزيل" 4/ 296.
(٨) (الله في) ساقطة من (ك)، وانظر: "جامع البيان" 27/ 130، و"معالم التنزيل" 4/ 296.
(٩) عند "تفسيره" الآية (33) من سورة لقمان.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: (هي مولاكم) قال ابن عباس: هي مصيركم (١) وقال مقاتل: يعني وليكم (٢) وقال الكلبي: هي أولى بكم (٣) (٤) تعدت كل الفرجين تحسب أنه ...
مولى المخافة خلفها وأمامها قال أبو إسحاق: معن ﴿ مَوْلَاكُمْ ﴾ هي أولى بكم لما أسلفتم من الذنوب، وأنشد البيت ثم قال: أي ولي المخافة (٥) وقال الفراء: هي أولى بكم (٦) (٧) ﴿ يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ ﴾ الآية [ق: 30].
ووجه آخر وهو أن معنى قوله: ﴿ هِيَ مَوْلَاكُمْ ﴾ لا مولى لكم أي لا ناصر، وذلك أن من كانت النار مولاه فهو مولى له وهذا كما يقال: ناصره الخذلان، ومعينه البكاء، أي لا ناصر له ولا معين، ومثله كثير ويؤكد هذا الوجه قوله تعالى: ﴿ وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ ﴾ .
(١) انظر: "التفسير الكبير" 29/ 227.
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" 141 أ.
(٣) انظر: "تنوير المقباس" 5/ 355، و"الوسيط" 4/ 249.
(٤) انظر: "مجاز القرآن" 2/ 254، والبيت في معلقة لبيد.
انظر: "شرح المعلقات السبع" للزوزني ص 85، ومعناه: أن البقر هربت خوفاً من الكلاب، ولا تعرف أن الكلاب خلفها أم أمامها من شدة الخوف، فما بين اليدين فرج وما بين الرجلين فرج.
وورد أيضًا في "شرح شواهد الكتاب" 1/ 202، و"المقتضب" 3/ 201، و"الدرر اللوامع" 1/ 178.
(٥) انظر: "معاني القرآن" 5/ 125.
(٦) انظر: "معاني القرآن" 3/ 134.
(٧) قال الرازي: واعلم أن هذا الذي قالوه معنى وليس بتفسير للفظ؛ لأنه لو كان مولى وأولى بمعنى واحد في اللغة لصح استعمال كل واحد منهما في مكان الآخر.
انظر: "التفسير الكبير" 29/ 227 - 228.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ ﴾ .
يقال: أَنَى لك يَأْني أَنًى، وآن لك يئين أيْناَ إذا حان (١) ﴿ أَلَمْ يَأْنِ ﴾ الآية (٢) (٣) وقال ابن أبي رواد: إن أصحاب النبي - - ظهر فيهم المزاح والضحك فأنزل الله هذه الآية (٤) قال ابن مسعود: لم يكن بين إسلامهم وبين أن عاتبهم الله بهذه الآية إلا أربع سنين (٥) وقال مقاتل بن حيان: إنها حين نزلت قال النبي - -: "إن الله يستبطئكم بالخشوع" فقالوا عند ذلك يعتب ربنا.
(٦) قال ابن عباس: يريد لمواعظ الله، وعلى هذا الذكر مصدر أضيف إلى الفاعل أي "لذكر الله" وعظهم وما يعتبرون به ويستدلون به على الخشوع وهو ما ذكر الله لهم من مواعظ القرآن، ويجوز أن يكون الذكر مضافاً إلى المفعول والمعنى لذكرهم الله، أي يجب أن يورثهم الذكر خشوعاً ولا يكونوا كمن يذكره بالغفلة فلا يخشع قلبه للذكر.
قال أبو إسحاق هذه الآية -والله أعلم- نزلت في طائفة من المؤمنين حُثُّوا على الرقة والخشوع، فأما من وصفه الله جل وعز بالخشوع والرقة فطبقة من المؤمنين فوق هؤلاء (٧) قوله تعالى: ﴿ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ ﴾ (ما) في موضع جر بالعطف على الذكر وهو موصول، والعائد إليه محذوف على تقدير وما نزله (٨) (٩) قال أبو عبيدة: وكذلك هي عندنا على التشديد لذكر الله جل ثناؤه قبل ذلك (١٠) قال المبرد: والمعنى في التشديد والتخفيف واحد؛ لأن الحق لا ينزل إلا بأن ينزله الله عز وجل فهو معلوم أن الله عز وجل أنزله وإن لم يذكر باللفظ ويدل على صحة قراءة من ضعف قوله: ﴿ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ ﴾ (١١) قال ابن عباس والمفسرون: في قوله: ﴿ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ ﴾ يعني القرآن (١٢) قوله تعالى: ﴿ وَلَا يَكُونُوا ﴾ هو قال الفراء: هو في موضع نصب معناه: ألم يأن أن تخشع قلوبهم وألا يكونوا.
قال: ولو كان جزماً على النهي كان صوابًا (١٣) (١٤) قوله تعالى: ﴿ كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ ﴾ قال ابن عباس: يريد اليهود والنصارى ﴿ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ ﴾ قال ابن عباس: يريد الدهر، وهو قول مجاهد (١٥) والمعنى: طال عليهم الزمان بينهم وبين أنبيائهم ﴿ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ قال ابن عباس: يريد حب الدنيا أي مالوا إليها وأعرضوا عن مواعظ الله تعالى (١٦) (١٧) ويكون المعنى على هذا: طال عليهم أمد الجزاء وأمد آجالهم.
وقال ابن حيان: الأمد (١٨) (١٩) (٢٠) وقال هو ومقاتل بن سليمان: يعني طال عليهم أمد خروج النبي - - فقست قلوبهم حتى أحدثوا الأحداث (٢١) - والمعنى: أنه نهى المؤمنين أن يكونوا في صحبة القرآن كاليهود الذين قست قلوبهم لما طال عليهم الدهر، ولهذا قال القرطبي: يجب أن يزداد المؤمن إيمانًا ويقينًا وإخلاصًا في طول صحبته الكتاب (٢٢) قوله تعالى: ﴿ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴾ يعني الذين تركوا الإيمان بعيسى ومحمد - - هذا الذي ذكرنا في هذه الآية هو قول عامة المفسرين (٢٣) وقال الكلبي ومقاتل بن سليمان نزلت في المنافقين (٢٤) ﴿ لِلَّذِينَ آمَنُوا ﴾ أي باللسان في العلانية.
قال مقاتل: كان المنافقون لا ترق قلوبهم لذكر الله والقرآن فلم يَلِن له إلا القليل منهم وهم الذين صدقوا وكثير منهم فاسقون (٢٥) (١) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 125، و"اللسان" 1/ 122 (أني).
(٢) أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 276، وابن المبارك في "الزهد" 2/ 89، وابن المنذر، و"الدر" 6/ 175.
(٣) انظر: "الكشف والبيان" 12/ 66 أ - ب.
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف".
انظر: "الدر" 6/ 175، و"فتح القدير" 5/ 174.
(٥) أخرجه مسلم في التفسير، باب: في قوله تعالى: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ ﴾ .
وانظر: "مجمع الزوائد" 7/ 121، و"تفسير القرآن العظيم " 4/ 31.
(٦) ذكره القرطبي في "تفسيره" بدون سند، وفي "تفسير الثعلبي" 12/ 165 أعن ابن عباس قال: إن الله تعالى استبطأ قلوب المؤمنين فعاتبهم على ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن، وأورده ابن المبارك في "الزهد" ص 89 عنه.
(٧) انظر: "معالم التنزيل" 4/ 297، و"لباب التأويل" 7/ 35، و"الوسيط" 4/ 25.
(٨) في (ك): (نزل).
(٩) قرأ الجمهور، وأبو بكر عن عاصم ﴿ وَمَا نَزَلَ ﴾ بتشديد الزاي، وقرأ نافع والمفضل وحفص عن عاصم بتخفيفها.
انظر: "النشر" 2/ 384، و"الإتحاف" ص 41.
(١٠) انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 274، و"إعراب القرآن" للنحاس 3/ 359.
(١١) من الآية (105) من سورة الإسراء.
وانظر: المراجع السابقة.
قال النحاس: وليس يقع في هذا اختيار، ولو جاز أن يقال الذي مثل هذا اختيار لقيل: الاختيار نزل؛ لأن مثله ﴿ لِذِكْرِ اللَّهِ ﴾ ولم يقل: لتذكير الله.
(١٢) انظر: "معالم التنزيل" 4/ 297، و"فتح القدير" 5/ 172.
(١٣) انظر: "معاني القرآن" 3/ 135.
(١٤) وهي قراءة عيسى، وابن إسحاق، ورويس، وأبي حيوة، وابن أبي عبلة، وغيرهم.== انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 249، و"البحر المحيط" 8/ 223، و"روح المعاني" 27/ 181.
(١٥) انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 658، و"الوسيط" 4/ 255، و"معالم التنزيل" 4/ 297.
(١٦) انظر: "الوسيط" 4/ 250، و"لباب التأويل" 7/ 35.
(١٧) انظر: "التفسير الكبير" 29/ 229، و"فتح القدير" 5/ 173.
(١٨) في (ك): (الأحد) والتصويب من "التفسير الكبير".
(١٩) انظر: "التفسير الكبير" 29/ 230.
(٢٠) انظر: "تفسير مقاتل" 141 ب.
(٢١) انظر: "الكشف والبيان" 12/ 66 ب، و"الوسيط" 4/ 250، و"التفسير الكبير" 29/ 23.
(٢٢) انظر: "جامع البيان" 27/ 132، و"الكشف والبيان" 13/ 66 ب، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 31.
(٢٣) انظر: "تفسير مقاتل" 141 ب، و"الكشف والبيان" 12/ 64 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 297، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 249.
(٢٤) انظر: "تفسير مقاتل" 141 ب.
(٢٥) المرجع السابق.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ ﴾ قراءة العامة بتشديد الصاد على معنى المتصدقين والمتصدقات بالصدقة، وكذا هو في قراءة أُبَّي بالفاء (١) قوله تعالى: ﴿ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ﴾ وهذا الفصل اعتراض بعين الخبر والمخبر عنه والاعتراض بمنزلة الصفة (٢) ﴿ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ﴾ كقوله: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾ (٣) (٤) وذكر أبو علي في المسائل الحلبية في قوله: ﴿ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ ﴾ أوجهًا، واختار الاعتراض فقال: حمله على الاعتراض أرجح الوجوه عندي؛ لأن الاعتراض قد شاع في كلامهم وكثر، ولم يجر ذلك عندهم فجرى مجرى الفصل بين المتصلين بما هو أجنبي؛ لأن فيه تبييناً فأشبه بذلك الصفة والتأكيد (٥) (١) قرأ ابن كثير، وأبو بكر: ﴿ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ ﴾ بتخفيف الصاد فيهما وقرأ الباقون (المصَّدَّقين والمصَّدقات) بتاء ظاهرى وبها احتج الجمهور لقراءة التشديد.
انظر: "حجة القراءات" ص 107، و"النشر" 2/ 384، و"الإتحاف" ص 41.
(٢) في (ك): (الصلة).
(٣) من الآية (277) من سورة البقرة، وفي غيرها من سور القرآن كثير.
(٤) من قوله: (قوله تعالى ﴿ وَأَقْرَضُوا ﴾ وهذا الفصل) إلى هنا من كلام أبي علي الفارسي بتصرف من المؤلف.
انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 274 - 275.
(٥) انظر: "المسائل الحلبيات" ص 143.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ ﴾ في تفسير هذه الآية طريقان: أحدهما: أن الآية عامة في كل من آمن بالله ورسله وهو مذهب مجاهد، وقال: كل من آمن بالله ورسوله فهو صديق، ثم قرأ هذه الآية (١) (٢) الثاني: أن الآية خاصة وهو قول المقاتلين، قال ابن سليمان: هم الذين لم يشكوا في الرسل ساعة حين أخبروهم (٣) وقال ابن حيان: هم الذين آمنوا بالرسل حين أتوهم ولم يكذبوهم ساعة قط مثل حديث آل ياسين ومؤمن آل فرعون وأبي بكر الصديق (٤) م ألحقه الله بهم لما عرف من صدق نيته (٥) ومن قال بالطريقة الأولى قال: قوله: ﴿ وَالشُّهَدَاءُ ﴾ عطف على الآية الأولى.
والمعنى: إن الذين آمنوا بالله ورسله هم الصديقون وهم الشهداء.
قال مجاهد: كل مؤمن صديق وشهيد، ثم قال: ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ ﴾ (٦) وقال الضحاك: الشهداء هم الصديقون، وكانوا كلهم شهداء (٧) قال أبو إسحاق: يجوز أن يكون (والشهداء) نسقًا على ما قبله، فيكون المعنى: أولئك هم الصديقون وأولئك هم الشهداء عند ربهم، ويكون ﴿ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ ﴾ للجماعة من الصديقين والشهداء (٨) وعند قوم من المفسرين هذه الآية مستأنفة.
قال مسروق: هذه للشهداء خاصة (٩) (١٠) وقال مقاتل بن حيان: الآية الأولى مفصولة ثم ذكر الشهداء وهم الأنبياء والرسل (١١) (١٢) وقال الفراء: انقطع الكلام عند قوله: ﴿ هُمُ الصِّدِّيقُونَ ﴾ ثم قال ﴿ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ يعني النبيين ﴿ لَهُمْ أَجْرُهُمْ ﴾ ورفعت ﴿ الشُّهَدَاءُ ﴾ بقوله: ﴿ لَهُمْ أَجْرُهُمْ ﴾ ونحو هذا ذكر أبو إسحاق (١٣) (١) انظر: "جامع البيان" 27/ 133، و"معالم التزيل" 4/ 298، و"زاد المسير" 8/ 17.
(٢) انظر: "تنوير المقباس" 5/ 359، و"التفسير الكبير" 29/ 231.
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" 141 ب.
(٤) انظر: "الوسيط" 4/ 251، و"التفسير الكبير" 29/ 231، و"فتح القدير" 5/ 173، وأبو بكر الصديق هو خليفة رسول الله - - توفي سنة ثلاث عشرة عن ثلاث وستين سنة.
انظر: "الإصابة" 11/ 40، و"العبر" 1/ 13، و"صفة الصفوة" 1/ 235.
(٥) انظر: "الكشف والبيان" 12/ 67 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 298، و"زاد المسير" 8/ 170، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 254.
(٦) انظر: "معالم التنزيل" 4/ 298، و"التفسير الكبير" 29/ 232، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 312.
(٧) انظر: "الكشف والبيان" 12/ 68 أ.
(٨) انظر: "معاني القرآن" 5/ 126 - 127.
(٩) انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 276، و"جامع البيان" 27/ 133.
(١٠) انظر: "تفسير مقاتل" 141 ب.
(١١) انظر: "الوسيط" 4/ 251، و"معالم التنزيل" 4/ 298.
(١٢) انظر: "جامع البيان" 27/ 133 - 134.
(١٣) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 135، و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 126.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ﴾ الآية، آراء المتأخرين من أهل التفسير يفسرون الحياة الدنيا بما في هذه الدار الفانية من العروض والأموال التي تسمى الدنيا وهي لا تسمى الحياة، والحياة الدنيا الحياة في هذه الدار، وللآدمي حياتان، الحياة الدنيا، وهي حياته في هذه الدار، وحياته الثانية: حياته في الآخرة، أعلم الله تعالى أن الحياة الفانية ما هي وهو يريد حياة من لا تكون حياته في طاعته؛ لأن من كانت حياته في طاعة الله لا تكون حياته لعبًا ولهوًا.
قال ابن عباس في هذه الآية: يريد ما كان لغير الله فهو باطل وغرور (١) قوله تعالى: ﴿ وَزِينَةٌ ﴾ قال ابن عباس: يريد يتزين الناس بما لا يحب الله ولا يرضى (٢) ﴿ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ ﴾ يعني أنكم تشتغلون في حياتكم بالتفاخر.
قال ابن عباس: يفاخر الرجل قريبه وجاره (٣) ﴿ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ﴾ قال ابن عباس: يجمع ما لا يحل له تكاثرًا به، ويتطاول على أولياء الله بماله وخدمه وولده (٤) ثم بين لهذه الحياة شبيهًا فقال ﴿ كَمَثَلِ غَيْثٍ ﴾ يعني المطر والكاف موضعه رفع من وجهين أحدهما: أن يكون صفة لقوله.
﴿ لَعِبٌ وَلَهْوٌ ﴾ وما ذكر بعدهما.
والآخر: أن يكون خبرًا بعد خبر قاله الزجاج (٥) ﴿ وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ ﴾ الآية.
وقد بينا الكلام فيها قوله تعالى: ﴿ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ﴾ يعني الزراع، عن عبد الله ومجاهد (٦) قال الأزهري: والعرب تقول: للزارع كافرًا؛ لأنه يكْفُرُ البَذْرَ الذي يبذره بتراب الأرض، ومنه قوله: ﴿ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ﴾ أي الزُّرَّاعَ، وإذا أعجب الزراع نباتة مع علمهم به فهو غاية ما يُسْتَحْسَنُ، قال: وقيل الكفار في هذه الآية الكفار باللهِ وهم أشد إعجابًا بزينة الدنيا وحرثها من المؤمنين هذا كلامه (٧) (٨) وقوله: ﴿ نَبَاتُهُ ﴾ أي ما ينبت من ذلك الغيث وباقي الآية مفسر في سورة الزمر (٩) قال أهل المعاني: زهد الله بهذه الآية في العمل للدنيا ورغب في العمل للآخرة وهي صفة حياة الكافر وحياة من يشتغل باللهو واللعب وما ذكر بعدهما، وهي خطاب للكافر وتحذير للمؤمنين عن مثل حياتهم، ويدل على هذا قوله: ﴿ وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ ﴾ فختم بذكر العذاب، والمعنى: فعذاب شديد لمن كانت حياته بهذه الصفة.
قال مقاتل: عذاب شديد لأعداء الله ﴿ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ ﴾ لأوليائه وأهل طاعته (١٠) قال الزجاج: معناه: مغفرة لأولياء الله، وعذاب لأعدائه (١١) وقال الفراء: ذكر ما في الدنيا وأنه على ما وصف، ثم قال: وأما الآخرة فإنها إما عذاب وإما جنة (١٢) قوله تعالى: ﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾ يعني لمن عمل لها ولم يعمل للآخرة، وهو معنى قول مقاتل، أي: لمن اغتر بها يتمتعون ثم يذهب (١٣) وقال سعيد بن جبير: متاع الغرور هو ما يلهيك عن طلب الآخرة وما لم يلهك فليس بمتاع الغرور ولكنه متاع بلاغ إلى ما هو خير منه (١٤) (١) انظر: "الوسيط" 4/ 252، و"التفسير الكبير" 29/ 233.
(٢) انظر: "التفسير الكبير" 29/ 233، و"الجامع لأحكام القرآن" 5/ 255.
(٣) انظر: "الوسيط" 4/ 252، و"معالم التنزيل" 4/ 298.
(٤) انظر: "الوسيط" 4/ 252، و"التفسير الكبير" 29/ 233.
(٥) انظر: "معاني القرآن" 5/ 127.
(٦) انظر: "التفسير الكبير" 29/ 233، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 313.
(٧) انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 199 (كفر).
(٨) انظر: "معاني القرآن" 5/ 127.
(٩) عند "تفسيره" الآية (21) من سورة الزمر.
(١٠) انظر: "الوسيط" 4/ 252، و"معالم التنزيل" 4/ 298.
(١١) انظر: "معاني القرآن" 5/ 127.
(١٢) انظر: "معاني القرآن" 3/ 135.
(١٣) انظر: "التفسير الكبير" 29/ 234، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 256.
(١٤) انظر: "معالم التنزيل" 4/ 298، و"لباب التأويل" 7/ 36، و"فتح القدير" 5/ 175.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ مضى تفسير هذه الآية عند قوله: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ .
قوله تعالى: ﴿ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ﴾ فيه ثلاثة أقوال.
أحدها: أن السموات السبع والأرضين السبع لو ألزق بعضها ببعض ووصل لكانت الجنة في عرضها جميعًا هذا قول مقاتل (١) وقال عطاء عن ابن عباس: يريد لرجل واحد، يعني أن لكل واحد جنة بهذه السعة (٢) القول الثالث: أن هذا تمثيل للعباد بما يعقلونه ويقع في نفوسهم، وأكبر ما يقع في نفوسهم مقدار السموات والأرض وهذا قول الزجاج (٣) قوله تعالى: ﴿ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ﴾ في هذا أعظم رجاء وأقوى أمل إذ ذكر أن الجنة أعدت لمن آمن ولم يذكر مع الإيمان شيئًا آخر (٤) ثم قال ﴿ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ﴾ فبين أنه لا يدخل أحد الجنة إلا بفضل الله (٥) قال أبو إسحاق: ثم أعلم أن المؤَدَّى إلى الجنة أو إلى النار لا يكون إلا بقضاء وقدر فقال: (١) "تفسير مقاتل" 142 أ، و"التفسير الكبير" 29/ 234.
(٢) انظر: "التفسير الكبير" 29/ 234، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 256، و"فتح القدير" 5/ 175.
وفي "تفسير الثعلبي" 12/ 78 ب قال: وقال ابن كيسان (عني به جنة واحدة من الجنان).
(٣) انظر: "معاني القرآن" 5/ 128.
(٤) انظر: "التفسير الكبير" 29/ 235، قال الشوكاني: ولكن هذا مقيد بالأدلة الدالة على أنه لا يستحقها إلا من عمل بما فرض الله عليه، واجتنب ما نها الله عنه، وهي أدلة كثيرة في الكتاب و"السنة".
"فتح القدير" 5/ 176.
(٥) انظر: "معالم التنزيل" 4/ 299، و"تفسير القرآن" 4/ 313.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: (١) ﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ ﴾ قال الكلبي والمقاتلان: المصيبة في الأرض قحط المطر وقلة النبات ونقص الثمار وغلاء السعر وتتابع الجوع، وقالوا في قوله: ﴿ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ ﴾ المصيبة في الأنفس: النبلاء والأمراض، وذهاب الولد، وإقامة الحدود عليها (٢) وقال الشعبي: المصيبة ما يكون من خير وشر، وما يسوء وشر (٣) (٤) ﴿ إِلَّا فِي كِتَابٍ ﴾ قالوا: يعني اللوح المحفوظ.
وذكر أن سعيد بن جبير لما انطلق به إلى الحجاج بكى رجل، فقال ما يبكيك: قال: الذي نزل بك من الأمر قال: فلا تبك فإنه كان سبق في علم الله أن يكون هذا ثم قرأ هذه الآية (٥) قال أبو علي الفارسي: قوله: ﴿ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ ﴾ موضع قوله: ﴿ فِي الْأَرْضِ ﴾ يحتمل ضربين أحدهما: أن يكون مفعولا فيه ظرفًا، والآخر: أن يكون وصفًا، فإن جعلته ظرفًا احتمل أن يكون ظرفًا لأصاب، واحتمل أن يكون لمصيبة ويؤكد كونه ظرفًا ويحسنه دخول لا في قوله: ﴿ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ ﴾ فصار ذلك مثل: ما ضرب من رجل ولا امرأة.
الوجه الثاني: أن يكون صفة للنكرة، وقوله: ﴿ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ ﴾ صفة معطوفة على صفة، وإذا كان كذلك احتمل موضع قوله: ﴿ فِي الْأَرْضِ ﴾ ضربين: أحدهما: أن يكون جرًا على لفظ قوله: ﴿ مِنْ مُصِيبَةٍ ﴾ والآخر: أن يكون رفعًا على موضع ﴿ مِنْ مُصِيبَةٍ ﴾ .
فإن قلتَ: فما وجه دخول (لا) في قوله: ﴿ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ ﴾ وليس الكلام على هذا التأويل بنفي؟
فالقول فيه: أنه لما كان معطوفًا على ما هو منفي في المعنى وإن لم يكن منفيًا في اللفظ جاز أن يحمل الكلام على المعنى فيدخل فيه لا؛ لأن قوله: ﴿ فِي الْأَرْضِ ﴾ صفة لمنفي (٦) (٧) قوله تعالى: ﴿ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا ﴾ قال ابن عباس: من قبل أن أخلق خلقي (٨) وقال الكلبي والمقاتلان: من قبل أن أخلق الأنفس (٩) (١٠) (١١) (١٢) قوله تعالى: ﴿ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ قال ابن عباس: إن حفظ ذلك على الله هين (١٣) ﴿ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ والمعنى أن إثبات ذلك على كثرته يسير هين على الله.
(١) انظر: "معاني القرآن" 5/ 128.
(٢) انظر: "تنوير المقباس" 5/ 362، و"تفسبر مقاتل" 142 أ، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 257.
(٣) انظر: "الكشف والبيان" 12/ 69 أ، و"التفسير الكبير" 29/ 237، و"روح المعاني" 27/ 186.
(٤) انظر: "معاني القرآن" 5/ 128.
(٥) انظر: "الكشف والبيان" 12/ 69 أ، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 257.
(٦) في (ك): (ملنفى) ولعل صوابها (لمنفى).
(٧) انظر: "الدر المصون" 1/ 251.
(٨) انظر: "التفسير الكبير" 29/ 237، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 313، و"فتح القدير" 5/ 176، ولم ينسب القول لقائل.
(٩) انظر: "تنوير المقباس" 5/ 363، و"تفسير مقاتل" 142 أ.
(١٠) انظر: "معاني القرآن" 3/ 136.
(١١) انظر: "معالم التنزيل" 4/ 299، و"التفسير الكبير" 29/ 237.
(١٢) انظر: "الكشف والبيان" 12/ 69 أ، و"التفسير الكبير" 29/ 237، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 257.
(١٣) انظر: "معالم التنزيل" 4/ 299، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 314.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ ﴾ هذا يدل على قول الشعبي إن المصيبة تكون من خير وشر؛ لأن الله تعالى ذكر في هذه الآية الحزن والفرح جميعًا، وهذه اللام تجعل أول الكلام سببًا لآخره، كما تقول: قمت لأضربك، بينت باللام أن القيام سبب للضرب وفي هذه الآية ليس الأمر على ذلك؛ لأن إثبات الله تعالى للحوادث والكائنات قبل خلقها لو كان سببًا لنفي الحزن والفرح ما فرح أحد ولا حزن، ولا وجد فرح ولا حزن، ولكن اللام تتعلق بإخبار الله تعالى إيانا بانقضائه وسبق قدره وبالكائنات، وذلك يوجب نفي الفرح والحزن وكأنه قيل: أخبرناكم بهذا لكيلا تأسوا، وحذف ذلك؛ لأن المشاهدة أغنت عنه وهذا معنى ما ذكره صاحب النظم (١) والذي يوجب نفي الأسى والفرح من هذا أن الإنسان إذا علم أن ما قضي عليه من مفرح (٢) قوله تعالى: ﴿ مَا آتَاكُمْ ﴾ قراءة العامة بالمد من الإيتاء، وقرأ أبو عمرو مقصورًا من الإتيان (٣) ﴿ فَاتَكُمْ ﴾ فكما أن الفعل للفائت في قوله: ﴿ فَاتَكُمْ ﴾ كذلك يكون الفعل الذي في قوله: ﴿ مَا آتَاكُمْ ﴾ والعائد إلى الموصول من الكلمتين الذكر المرفوع بأنه فاعل، ووجه قراءة العامة أن الخير الذي يأتيهم هو مما يعطيه الله فإذا قد كان ذلك منسوبًا إلى الله وهو المعطي لذلك، ويكون فاعل الفعل في (آتاكم) ضميرًا عائدًا إلى اسم الله، والهاء محذوفة من الصلة تقديره: بما آتاكموه (٤) قال المبرد: المعنى في قوله: ﴿ لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ﴾ أي لا يكون منكم في هذا ولا في هذا ما يجاوز مقدار ما ينبغي فيه (٥) وشرحه الزجاج فقال: معناه: لا تحزنوا حزنًا يطغيكم حتى يخرجكم إلى أن تلزموا أنفسكم الهلكة، ولا تعتدوا بثواب ما تسلبونه وما فاتكم، ولا تفرحوا فرحًا شديدًا تأثروا فيه وتبطروا، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴾ فدل بهذا أنه ذم الفرح الذي يختال فيه صاحبه ويبطر، فأما الفرح بنعمة الله والشكر عليها فغير مذموم (٦) (٧) (١) انظر: "التفسير الكبير" 29/ 238.
(٢) في (ك): (مفراج).
(٣) قرأ الجمهور ﴿ آتَاكُمْ ﴾ بالمد، وقرأ أبو عمرو ﴿ أَتَاكُمْ ﴾ انظر: "النشر" 2/ 384، و"الإتحاف" ص 411.
(٤) انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 275 - 276، و"حجة القراءات" ص 107 - 207.
(٥) انظر: "التفسير الكبير" 29/ 239، والظاهر أن الرازي رحمه الله خلط بين كلام المبرد وكلام الزجاج حيث ذكر ما شرح به الزجاج كلام المبرد ونسبه للمبرد، والصواب ما ذكره المؤلف هنا.
(٦) انظر: "معاني القرآن" 5/ 128.
(٧) انظر: "جامع البيان" 27/ 136، و"التفسير الكبير" 29/ 239، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 314.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ﴾ هذه الآية مستأنفة لا تتعلق بما قبلها لأنها في صفة اليهود الذين كتموا صفة محمد وبخلوا ببيان فعته، قاله ابن عباس في رواية عطاء والكلبي ومقاتل (١) (٢) ﴿ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ﴾ على تقدير الذين يبخلون الله غني عنهم (٣) قال ابن عباس: ومن يتول عن الإيمان فإن الله غني عن عبادته، حميد إلى أوليائه (٤) وقال مقاتل: يعني بخل اليهود حين بخلوا بالزكاة والنفقة في سبيل الله.
يقول الله غني عما عندهم حميد عند خلقه (٥) والذي ذكرنا من حذف الخبر قول الأخفش، قال: وحذف الخبر كير في القرآن كقوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ ﴾ الآية، ولم يأت له خبر (٦) ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ﴾ وقرأ ابن عامر (فإن الله الغني) (٧) (٨) (١) انظر: "تنوير المقباس" 5/ 363، و"تفسير مقاتل" 142 أ، و"التفسير الكبير" 29/ 24.
(٢) عند تفسيره الآية (37) من سورة النساء.
(٣) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 367، و"مشكل إعراب القرآن" 2/ 719.
(٤) انظر: "تنوير المقباس" 5/ 363، و"الوسيط" 4/ 253.
(٥) انظر: "تفسير مقاتل" 142 أ.
(٦) انظر: "معاني القرآن" للأخفش 2/ 407.
(٧) قرأ الجمهور ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ ﴾ وقرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر (فإن الله الغني) انظر: "النشر" 2/ 384، و"الإتحاف" ص 411.
(٨) انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 276.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ ﴾ قال مقاتل بن حيان: البينات: الإخلاص لله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة إلى ذلك دعت الرسل (١) (٢) (٣) (٤) ﴿ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ ﴾ ، والكتاب يتضمن الأحكام.
قوله تعالى: ﴿ وَالْمِيزَانَ ﴾ قال قتادة وابن حيان: الميزان: العدل (٥) ويكون المعنى على.
هذا وأمرنا بالعدل، وهذا كقوله تعالى: ﴿ اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ ﴾ وقد مر.
وقال مقاتل بن سليمان: يعني الموازين (٦) (٧) وعلى هذا المعنى أنزلنا معهم الكتاب ووضعنا الميزان فيكون من باب: علفتها تبنًا وماء باردًا (٨) وأكلت خبزًا ولبنًا.
وقد مر في مواضع، يدل على صحة هذا قوله: ﴿ وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ ﴾ .
قوله: ﴿ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ﴾ أي: ليتبعوا ما أمروا به من الطاعة والعدل فتعملوا بينهم بالعدل.
﴿ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ ﴾ قال الكلبي: أنزل الله على آدم القلاة والمطرقة والكلبتين (٩) وروي عن ابن عباس: نزل آدم من الجنة معه خمسة أشياء من الحديد: السندان والكلبتان والميقعة والمطرقة والإبرة (١٠) ويدل على صحة هذا ما روى ابن عمر أن النبي - - قال: "إن الله -عَزَّ وَجَلَّ- أنزل أربع بركات من السماء إلى الأرض: أنزل الحديد، والنار، والماء، والملح" (١١) وذهب قوم إلى أن معنى أنزلنا الحديد أنشاناه وأحدثناه، كقوله تعالى: ﴿ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ ﴾ وهو معنى قول مقاتل يقول: بأمرنا كان الحديد (١٢) وقال قطرب: معنى أنزلنا هيأنا وخلقنا من التنزل - يقال: أنزل الأمير على فلان نزلاً حسنًا (١٣) قوله تعالى: ﴿ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ ﴾ قال أبو إسحاق: يمتنع به ويحارب (١٤) (١٥) وقال مقاتل: بأس شديد للحرب (١٦) (١٧) قوله تعالى: ﴿ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ﴾ قال المقاتلان والكلبي: ما ينتفعون به في معايشهم مثل السكاكين والفأس والمبرد (١٨) وقال عطاء عن ابن عباس: لأن كل شيء خلقه الله من حجر أو شجر لا يصلح إلا بالحديد (١٩) وقال أبو إسحاق: يستعملونه في أدواتهم وما ينتفعون به (٢٠) قال صاحب النظم قوله: ﴿ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ﴾ كل هذا معترض بين قوله: ﴿ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ﴾ وقوله تعالى: ﴿ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ ﴾ ؛ لأن قوله: ﴿ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ ﴾ لا يتصل بإنزال الحديد وهو نسق على قوله: ﴿ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ﴾ (٢١) والمعنى: أنزلنا الكتاب والميزان لتعامل بالعدل وليعلم الله من ينصره وذلك أن الله تعالى أمر في كتابه بنصرة دينه ورسله وامتحن الناس بذلك الأمر، فمن (٢٢) ولأبي النصر عبد الجبار بن محمد العتبي الكاتب -رحمه الله- فصل في هذه الآية خلاف ما ذكره صاحب النظم؛ وهو أنه قال: كان يختلج في صدري معنى قوله تعالى: ﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ ﴾ لجمعه بين الكتاب، والميزان، والحديد، على تنافر طردها من المناسبة، وبعدها قبل الرؤية والاستنباط عن المشاكلة والمقاربة، وسألت عنه عدة من أعيان العلماء بالتفسير والمشهورين من بينهم بالتذكير فلم أحصل منهم على جواب يزيح العلة، ويشفي الصدر، وينقع الغلة، حتى أعملت التفكر، وأنعمت التوبر، فوجدت الكتاب قانون الشريعة ودستور الأحكام الدينية يبين سبل المراشد، ويفصل جمل الفرائض، ويريهن مصالح الأبدان والنفوس، ويتضمن جوامع الأحكام والحدود، قد خطر فيه التعادي والتظالم، والتباغي والتخاصم، وأمر بالتناصف والتعادل في أقسام الأرزاق المخرجة لهم بين رجع السماء وصدع الأرض، ليكون ما لِصل منها إلى أهل الخطاب بحسب الاستحقاق بالتكسب دون التغلب والتوثب، واحتاجوا في استدامة حياتهم بأقواتهم مع النصفة المندوب إليها إلى استعمال آلة العدل التي يقع بها التعامل، ويعم معها التساوي والتعادل، فألهمم الله -عَزَّ وَجَلَّ- اتخاذ الآلة التي هي الميزان فيما يأخذونه ويعطونه لئلا يتظالموا لمخالفته فيهلكوا به إذا لم يكن ينتظم لهم عيش مع شيوع ظلم البعض منهم للبعض، ويدل على هذا المعنى قوله جل ذكره: ﴿ وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ ﴾ وذلك أنه تعالى جعل السماء سببًا للأرزاق والأقوات من أنواع الحبوب والنبات فكان ما يخرج منها من أغذية العباد مضطرًا إلى أن يكون اقتسامه بينهم على الإنصاف دون الجزاف، ولم يكن ذلك إلا بالآلة المذكورة، فنبه الله -عَزَّ وَجَلَّ- على موقع الفائدة فيه والفائدة به بتكرير ذكره هذا في الكتاب والميزان، ثم إنه من المعلوم أن الكتاب الجامع للأوامر الإلهية والآلة الموضوعة للتعامل بالسوية، إنما تحفظ العامي على ابتغاها ويضطر العالم إلى التزام أحكامها بالسيف الذي هو حجة الله على من جحد ونزع من صفقه الجماعة اليد، وهو بارق سطوته، وشهاب نقمته، وجذوة عقابه، وعذبة عذابه، وهذا السيف هو الحديد الذي وصفه الله بالبأس الشديد، فجمع بالقول الوجيز معاني كثيرة النقوب، متدانية الجيوب، حكمة المطالع، مقومة المبادئ والمقاطع.
انتهى كلامه.
وهذا الذي ذكره من أن المراد بالحديد السيف هو معنى ما ذكرنا من قول المفسرين في تفسير قوله: ﴿ بَأْسٌ شَدِيدٌ ﴾ .
وقوله: ﴿ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ ﴾ قد مضى الكلام في بيان هذا العلم في مواضع، والمفسرون يقولون: وليرى الله من ينصره وينصر دينه، كقوله تعالى: ﴿ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ ﴾ .
﴿ وَرُسُلَهُ ﴾ أي يقاتل مع رسله في سبيله ﴿ بِالْغَيْبِ ﴾ أي ولم ير الله ولا أحكام الآخرة وإنما يحمد إذا أطاع بالغيب، كما قال الله تعالى {يُؤَمنُونَ بِالْغَيْبِ} [البقرة: 3].
﴿ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ ﴾ في أمره، ﴿ عَزِيزٌ ﴾ في ملكه.
قال مقاتل (٢٣) (١) انظر: "التفسير الكبير" 29/ 24.
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" 142 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 299.
(٣) يظهر من قول المؤلف "والمعدل الوجه" سقط في العبارة قبل قوله: قال مقاتل بن حيان.
ولعل العبارة كما في "تفسير مقاتل بن سليمان" هكذا (قال مقاتل بن سليمان: البينات: يعني الآيات).
(٤) في (ك): (كقوله).
(٥) انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 275 ، و"الوسيط" 4/ 253، و"معالم التنزيل" 4/ 299.
(٦) انظر: "الوسيط" 4/ 253، و"معالم التنزيل" 4/ 299، والذي في "تفسير مقاتل" أن المراد بالميزان يعني العدل.
انظر: "تفسير مقاتل" 142 أ.
(٧) انظر: "جامع البيان" 27/ 137، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 26.
(٨) ورد في "البيت" في "الخصائص" 2/ 431، و"الخزانة" 3/ 139، و"إيضاح الشعر" للفارسي ص 573، و"الإنصاف" ص 613، ونسبه إلى ذي الرمة وليس في ديوانه.
وفي "أوضح المسالك" 2/ 245، رقم (258) قال محققه: ولم أقف له على نسبة إلى قائل معين، ثم ذكر ثلاثة تخريجات للبيت ومن قال بكل قول.
وتمام البيت: حتى شتت حمالة عيناها وانظر: "زاد المسير" 8/ 212، و"البحر المحيط" 1/ 247، و"شذرات الذهب" الشاهد رقم (115).
(٩) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 136، والقلاة هي السَّندان وهي الصَّلاءَةُ، و"اللسان" 6/ 215 (سند).
والكلبتان: الآلة التي تكون مع الحدادين، "اللسان" 2/ 284 (كلب).
(١٠) انظر: "الكشف والبيان" 12/ 70 أ، و"التفسير الكبير" 29/ 241 - 242، والميقَعةُ: ما دُفعَ به السيف، وقيل: الميقعة المسن الطويل، و"اللسان" 3/ 968 (وقع).
(١١) أخرجه الثعلبي في "تفسيره" 12/ 70 ب، وقال ابن حجر: وفي إسناده من لا أعرفه.
"تخريج أحاديث الكشاف" 4/ 164، وفي "ضعيف الجامع" 3/ 77: موضوع، وفي "الطب النبوي" لابن القيم ص 396، قال: ذكره البغوي مرفوعًا والموقف أشبه.
(١٢) انظر: "تفسير مقاتل" 142 أ.
(١٣) انظر: "الكشف والبيان" 12/ 70 أ - ب، و"الوسيط" 4/ 253، و"معالم التنزيل" 4/ 300، و"التفسير الكبير" 29/ 242.
(١٤) انظر: "معاني القرآن" 5/ 129.
(١٥) انظر؛ "تنوير المقباس" 5/ 364، و"معالم التنزيل" 4/ 300، وعبارتهما (قوة شديدة).
(١٦) انظر: "تفسير مقاتل" 142 أ.
(١٧) انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 658، و"جامع البيان" 27/ 137.
(١٨) في (ك): (المدّ)، وانظر: "تنوير المقباس" 5/ 364.
(١٩) لم أجده.
(٢٠) انظر: "معاني القرآن" 5/ 126.
(٢١) انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 261، و"الدر المصون" 1/ 253.
(٢٢) (فمن) زيادة يقتضيها السياق.
(٢٣) انظر: "تفسير مقاتل" 142 ب، و "معالم التنزيل" 4/ 30.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
وما بعد هذا ظاهر ومفسر فيما تقدم، إلى قوله: ﴿ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ ﴾ قال ابن عباس يريد الحواريين وأتباعهم (١) ﴿ رَأْفَةً وَرَحْمَةً ﴾ قال مقاتل (٢) - بقوله ﴿ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ﴾ .
قوله تعالى: ﴿ وَرَهْبَانِيَّةً ﴾ هي اسم مبني من الرهبة، وقد مضى الكلام في تفسير الرهبان (٣) (٤) وقال أبو علي: قوله: ﴿ وَرَهْبَانِيَّةً ﴾ محمول على فعل، كأنه قال: وابتدعوا رهبانية ابتدعوها، ألا ترى أن الرهبانية لا يستقيم حملها على جعلنا (٥) (٦) ومعنى ﴿ ابْتَدَعُوهَا ﴾ جاءوا بها من قبل أنفسهم، وهو معنى قوله: ﴿ مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ ﴾ قال ابن عباس: ما فرضناها عليهم (٧) ومعنى رهبانيتهم غلوهم في العبادة من حمل المشاق على أنفسهم في الامتناع من المطعم والمشرب والملبس والنكاح، والتعبد في الغيران والكهوف والديارات والصوامع، وسبب ذلك على ما قال المفسرون: أن ملوكهم بدلوا غيروا وأحدثوا أحداثًا في دينه وقاتلوهم الذين بقوا على دينهم، فقتل منهم الكثير ولم يبق إلا نفر قليل، فذهب هؤلاء النفر وخرجوا إلى البراري والجبال متبتلين، وابتدعوا الرهبانية (٨) قوله تعالى: ﴿ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ ﴾ قال ابن عباس: يريد طلبوا رضي الله (٩) وقال قتادة: ابتدعوها ابتغاء رضوان الله (١٠) وقال أبو إسحاق: ويكون ﴿ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ ﴾ بدلاً من الهاء والألف (١١) (١٢) (١٣) (١٤) قوله تعالى: ﴿ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ﴾ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن هؤلاء الذين ذكرهم الله ووصفهم بتصنع الرهبانية وترك رعايتها هم قوم كفروا بدين عيسى وتهودوا وتنصروا من هؤلاء الذين أحدثوا الرهبانية ودخلوا في دين ملوكهم وتركوا الترهب وهو قول مقاتل، قال: لم يرعوها ولا أحسنوا حين تهودوا وتنصروا فأقام أناس منهم على دين عيسى حتى أدركوا محمدًا - - فآمنوا به، فهو قوله: ﴿ فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴾ الذين تهودوا وتنصروا (١٥) ونحو هذا روى ابن مسعود عن النبي - - قال: "منهم من تمسك بدينه وهم الذين قال الله ﴿ فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ ﴾ ومنهم من كفر، وهو قوله: ﴿ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴾ (١٦) (١٧) القول الثاني: أن الذين لم يرعوها حق رعايتهم (١٨) - ولم يؤمنوا به (١٩) قوله تعالى: ﴿ فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ ﴾ أي آمنوا بمحمد - -، ﴿ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴾ يعني الذين لم يؤمنوا به، يدل على هذا ما روي أن النبي - - قال: "من آمن بي وصدقني واتبعني فقد رعاها حق رعايتها ومن لم يؤمن بي فأولئك هم الهالكون" (٢٠) القول الثالث: أن الصالحين من قوم عيسى ابتدعوا الرهبانية وانقرض على ذلك طائفة منهم، وخلف بعدهم قوم اقتدوا بهم ولم يكونوا على منهاجهم، فهم الذين لم يرعوها حق رعايتها وهذا قول ابن عباس في رواية سعيد (٢١) قال عطاء: لم يرعوها كما رعاها الحواريون وأتباعهم (٢٢) وقال سعيد: ابتدعها (٢٣) ﴿ فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ ﴾ يعني الذين ابتدعوها ﴿ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴾ الذين جاؤا من بعدهم (٢٤) (١) انظر: "الوسيط" 4/ 254، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 262.
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" 142 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 30.
(٣) الآية (40) من سورة البقرة.
رهب، يرهب، رهبًا: أي خاف، والراهب: المتعبد في الصومعة.
وأصل الرهبانية من الرهبة ثم صارت اسمًا لما فضل عن المقدار وأفرط فيه.
"اللسان" 1/ 1237 (رهب).
(٤) انظر: "معاني القرآن" 5/ 13.
(٥) في (ك): (جعلها).
(٦) انظر: "التفسير الكبير" 29/ 245، و"فتح القدير" 5/ 178.
(٧) انظر: "تنوير المقباس" 5/ 365، و"الوسيط" 4/ 254، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 263، ونسبه لابن زيد.
(٨) انظر: "جامع البيان" 27/ 138، سنن النسائي، كتاب آداب القضاة، باب: تأويل قوله -عَزَّ وَجَلَّ- ﴿ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ﴾ ، و"معالم التنزيل" 4/ 103، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 315 - 316.
(٩) انظر: "تنوير المقباس" 5/ 365، و"التفسير الكبير" 29/ 246.
(١٠) انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 276، و"جامع البيان" 27/ 138.
(١١) من الهاء والألف في (كتبناها).
(١٢) في (ك): (أمره).
(١٣) انظر: "معاني القرآن" 5/ 13.
(١٤) انظر: "التفسير الكبير" 29/ 246، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 363.
(١٥) انظر: "تفسير مقاتل" 142 أ، و"التفسير الكبير" 29/ 246.
(١٦) هذا الحديث ذكره المؤلف بالمعنى، وهو حديث طويل أخرجه الحاكم في كتاب التفسير، سودة الحديد.
وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
وقال الذهبي: قلت ليس بصحيح فإن الصعق وإن كان موثقًا فإن شيخه منكر الحديث.
== قال البخاري: وفي كتاب "السنة" لابن أبي عاصم 1/ 35، وقال عنه محققه: إسناده ضعيف جدًّا، ورجاله ثقات غير عقيل الجعدي، فإنه ضعيف جدًّا كما يفيده قول البخاري فيه: منكر الحديث.
قال: والحديث أخرجه الطبراني في الصغير والكبير والحاكم في "صحيحه"، ورده الذهبي بالجعدي، لكن للحديث في كبير الطبراني إسناد آخر عن ابن مسعود خير من هذا.
(١٧) انظر: "الكشف والببان" 12/ 71 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 301، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 263.
(١٨) كذا في (ك)، ولعل الصواب (رعايتها).
(١٩) انظر: "التفسير الكبير" 29/ 246.
(٢٠) جزء من الحديث السابق، وقد أخرجه الثعلبي في "تفسيره" 12/ 71 ب، وفي سنده: عقيل الجعدي أيضًا.
(٢١) انظر: "جامع البيان" 27/ 138.
(٢٢) انظر: "التفسير الكبير" 29/ 246.
(٢٣) كذا في (ك) ولعل الصواب (ابتدعها).
(٢٤) انظر: "معالم التنزيل" 4/ 3012، غرائب القرآن 27/ 141.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ ﴾ خطاب لأهل الكتاب من اليهود والنصارى (١) - وآمنوا به ﴿ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ ﴾ ضعفين وأجرين ونصيبين ﴿ مِنْ رَحْمَتِهِ ﴾ وذكرنا تفسير الكفل في سورة النساء (٢) قوله تعالى: ﴿ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ ﴾ قال ابن عباس: يعني على الصراط، وهو قول مقاتل (٣) (٤) وذكر أبو إسحاق القولين فقال: ويجعل لكم نورًا تمشون به كما قال ﴿ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ﴾ وهذا علامة المؤمنين في القيامة.
قال: ويجوز أن يكون المعنى: ويجعل لكم سبيلا واضحًا من الهدى تهتدون به (٥) وعد الله تعالى لمن آمن من أهل الكتاب أجرين اثنين أجرًا لإيمانهم بالنبي، والكتاب الأول وأجرًا لإيمانهم بالنبي محمد - - والكتاب الثاني، كما قال في موضع آخر ﴿ أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ ﴾ الآية.
ووعدهم أن يجعل لهم نورًا وأن يغفر لهم ما سلف من ذنوبهم قبل الإيمان بمحمد - - وهو قوله تعالى: ﴿ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ .
(١) قال ابن عباس والضحاك وعتبة بن أبي حكيم، وهو اختيار ابن جرير انظر: "جامع البيان" 27/ 140، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 317.
(٢) عند "تفسيره" الآية (85) من سورة النساء.
والكفل: الحظَّ والضَّعف من الأجر والإثم، والكفل: النصيب أخذ من قولهم: اكتفلت البعير إذا أدرت على سنامه أو على موقع من ظهره كساء وركبت عليه، وإنما قيل له كفل؛ لأنه لم يستعمل الظهر كله.
انظر: "تهذيب اللغة"، و"اللسان" 3/ 271، (كفل).
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" 143 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 253، و"فتح القدير" 5/ 179.
(٤) انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 658، و"جامع البيان" 27/ 142، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 267.
(٥) انظر: "معاني القرآن" 5/ 131.
<div class="verse-tafsir"
ولما نزل هذا وآمن من آمن منهم حسدهم الذين لم يؤمنوا فأنزل الله تعالى، قوله تعالى: ﴿ لِئَلَّا يَعْلَمَ ﴾ أي لأن يعلم ولا صلة في قول الجميع (١) ﴿ أَهْلُ الْكِتَابِ ﴾ يعني الذين لم يؤمنوا بمحمد - - وحسدوا المؤمنين منهم ﴿ أَلَّا يَقْدِرُونَ ﴾ يعني أنهم لا يقدرون ﴿ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ﴾ والمعنى: جعلنا الأجرين لمن آمن بمحمد - - ليعلم الذين لم يؤمنوا منهم أنهم لا أجر لهم ولا نصيب لهم في فضل الله ﴿ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ﴾ فآت المؤمنين منهم أجرين.
قوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾ يتفضل على من يشاء من عباده المؤمنين، وهذا الذي ذكرنا معنى قول قتادة (٢) وهذه آية مشكلة، وليس للمفسرين ولا لأهل المعاني فيها بيان ينتهى إليه ويلفق (٣) (٤) (١) انظر: "معاني القرآن" للأخفش، 2/ 470، و"معاني القرآن" للفراء 3/ 137، و"مجاز القرآن" 2/ 254.
(٢) انظر: "تفسر عبد الرزاق" 2/ 376، و"جامع البيان" 27/ 143، و"إعراب القرآن" للنحاس 3/ 370، و"معالم التنزيل" 4/ 203.
(٣) التلفيق بين شيئين: ضم أحدهما إلى الآخر، ويقال للرجلين لا يفترقان هما لَفقَان "اللسان" 3/ 382 (لفق).
(٤) وهو اختيار ابن جرير وابن كثير.
انظر: "جامع البيان" 27/ 142، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 317.