الإسلام > القرآن > تفسير > البسيط > سورة 9 التوبة > الآية ١١٢
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 9 دقيقة قراءةقوله تعالى: ﴿ التَّائِبُونَ ﴾ ، قال الفراء: (استؤنفت بالرفع لتمام الآية قبلها وانقطاع الكلام، فحسن الاستئناف) (١) ﴿ التَّائِبُونَ ﴾ منظوم بقوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ على النعت للمؤمنين، وإنما رفع كما رفع قوله: ﴿ جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا (36) رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ (٢) ﴿ وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (8) رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ﴾ (٣) ﴿ التَّائِبُونَ ﴾ وجوهًا: أحدها: المدح كأنه قال: هؤلاء التائبون، أو هم التائبون.
والثاني: أن يكون على البدل، المعنى يقاتل التائبون، قال: وهذا مذهب أهل اللغة (٤) ﴿ التَّائِبُونَ ﴾ رفع بالابتداء وخبره مضمر، المعنى: ﴿ التَّائِبُونَ ﴾ إلى آخر الآية: لهم الجنة أيضًا، أي: من لم يجاهد غير معاند ولا قاصد لترك الجهاد فله الجنة أيضًا) (٥) ﴿ التَّائِبُونَ ﴾ تابعًا لأول الكلام كان الوعد بالجنة خاصًا للمجاهدين الموصوفين بهذه الصفات (٦) وأما التفسير فقال ابن عباس في قوله: ﴿ التَّائِبُونَ ﴾ يريد: (الراجعون عن الشرك) (٧) (٨) (٩) وقال أهل المعاني: (كل من أخلص هذه الصفات مما يحبطها استحق إطلاق هذه الأوصاف عليه) (١٠) وقوله تعالى: ﴿ الْعَابِدُونَ ﴾ ، قال ابن عباس: (الذين يرون عبادة الله واجبة عليهم) (١١) وقال الزجاج: (الذين عبدوا الله وحده) (١٢) (١٣) (١٤) وقوله تعالى: ﴿ الْحَامِدُونَ ﴾ ، قال ابن عباس: (يريد: الله (١٥) (١٦) ﴿ السَّائِحُونَ ﴾ ، قال عامة المفسرين: (الصائمون) (١٧) (١٨) -: "سياحة أمتي الصيام" (١٩) (٢٠) (٢١) (٢٢) (٢٣) (٢٤) وقال الأزهري: (وقيل للصائم سائح لأن الذي يسيح في الأرض متعبدًا لا زاد معه فحين يجد الزاد يطعم، والصائم لا يطعم أيضًا فلشبهه به سمى سائحًا) (٢٥) (٢٦) وقال أهل المعاني: (أجل السياحة: الاستمرار بالذهاب في الأرض كما يسيح الماء، فالصائم مستمر على الطاعة في ترك المنهي من المأكل والمشرب والمنكح) (٢٧) (٢٨) (٢٩) وقوله تعالى: ﴿ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ ﴾ ، قال ابن عباس: (يريد الذين يصلون لله بنية صادقة (٣٠) (٣١) وقال الزجاج: (الذين أدوا (٣٢) (٣٣) (٣٤) قوله تعالى: ﴿ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ ، قال عامة المفسرين: (بالإسلام والإيمان بالله) (٣٥) وقوله تعالى: ﴿ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ ﴾ ، قال: (يريد عن ترك فرائض الله وحدوده والشرك به) (٣٦) وقال الكلبي: (عن اتباع الجبت والطاغوت) (٣٧) وأما دخول الواو في قوله: ﴿ وَالنَّاهُونَ ﴾ فإن العرب قد تنسق بالواو وغير الواو، منه قوله (٣٨) ﴿ حم (1) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (2) غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ ﴾ ،وجاء بعض بالواو وبعض بغير الواو، ومنه قول الخرنق: لا يبعدنْ قومي الذين هم ...
سم العداة وآفة الحزر النازلين بكل معترك ...
والطيبون معاقد الأزر (٣٩) وإنما يفعل ذلك لالتباس الكلام بعضه ببعض.
وقال صاحب النظم: قوله: ﴿ التَّائِبُونَ ﴾ إلى قوله: ﴿ السَّاجِدُونَ ﴾ مبتدأ يقتضي جوابًا، وجاء بهذا (٤٠) ﴿ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ ﴾ فلما كان الفصل الأول مبتدأ جعل له نظمًا غير نظم الجواب، ونظم الجواب نسق بواو العطف فرقًا بينهما، ولولا هذا الفرق لما امتاز الخبر من المبتدأ، فالتأويل: ﴿ التَّائِبُونَ ﴾ إلى قوله: ﴿ السَّاجِدُونَ ﴾ هم الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، أي الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وعلى هذا التأويل دخله واو العطف، لأنه ذهب به مذهب الفعل (٤١) وقوله تعالى: ﴿ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ ﴾ ، قال مجاهد: (حدود الله: فرائضه) (٤٢) (٤٣) (١) "معاني القرآن" 1/ 453.
(٢) وقد قرأ الكوفيون ويعقوب وابن عامر (رب السموات) بالخفض، وقرأ الباقون بالرفع.
انظر: "كتاب السبعة" ص 669، و"تحبير التيسير" ص 197، و"إتحاف فضلاء البشر" ص 431.
(٣) وقد قرأ ابن عامر وحمزة الكسائي ويعقوب وخلف وأبو بكر عن عاصم (رب السموات) بالخفض، وقرأ الباقون بالرفع.
انظر: "كتاب السبعة" ص 658، و"تحبير التيسير" ص 194، و"الإتحاف" ص 426.
(٤) لم أجد من اعتمد هذا المذهب دون غيره، بل قال النحاس في "إعراب القرآن" 2/ 43: (التائبون) رفع على إضمار مبتدأ عند أكثر النحويين، أي: (هم التائبون)، وهذا ما اعتمده أبو البقاء العكبري في "التبيان" ص 431، وابن جني في "المحتسب" 1/ 305، والزمخشري في "الكشاف" 2/ 216، وقد ذكر المذهب المذكور بصيغة التمريض (قيل) الزمخشري في الموضع السابق، وأبو حيان في "البحر المحيط" 5/ 103.
(٥) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 471.
(٦) هذا التعليل فيه نظر؛ إذ إن تخصيص المجاهدين بالوعد في موضع لا يعني عدم شمول غيرهم في مواضع أخرى، وإلا فقد خص الله المجاهدين بالوعد بالجنة في قوله تعالى: ﴿ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ﴾ ثم إن السياق يدل على أن المحذوف هو المبتدأ وليس الخبر.
(٧) ذكره الرازي في "تفسيره" 16/ 202، وأبو حيان في "البحر المحيط" 5/ 104، والمؤلف في "الوسيط" 2/ 527.
(٨) رواه ابن جرير 11/ 36، وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 503.
(٩) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 472.
(١٠) لم أقف عليه.
(١١) ذكره عنه الرازي في "تفسيره" 16/ 203، وبمعناه ابن الجوزي في "زاد الميسر" 3/ 505.
(١٢) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 472.
(١٣) ذكره بنحوه ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 505، عن أبي صالح عن ابن عباس، وهو سند تفسير الكلبي.
(١٤) رواه بنحوه ابن جرير 11/ 37، وابن أبي حاتم 6/ 1888، وابن المنذر وابن أبي شيبة وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 503.
(١٥) في (م) و (ى): (لله)، وما أثبته موافق لما في "الوسيط"، والمراد: الحامدون الله.
(١٦) انظر: "الوسيط" 2/ 527 دون نسبة.
(١٧) انظر: " تفسير ابن جرير" 11/ 37 - 39، وابن أبي حاتم 6/ 1889 - 1890، و"الدر المنثور" 3/ 503 - 504.
(١٨) رواه ابن جرير 11/ 38، وابن المنذر كما في "الدر المنثور" 3/ 503، وبنحوه ابن أبي حاتم 6/ 1890، والبغوي 4/ 99.
(١٩) أجده بهذا اللفظ عند أئمة الرواية، وقد ذكره الرازي في "تفسيره" 16/ 203 والمؤلف في "الوسيط" 2/ 527، والقرطبي في "تفسيره" 8/ 270، ورواه ابن جرير في "تفسيره" 39/ 11 موقوفاً على عائشة، وفي سنده إبراهيم بن يزيد الخوزي، وهو متروك الحديث كما في "تقريب التهذيب" ص 95 (272).
وقد روى أبو داود (2486)، كتاب: الجهاد، الحديث بلفظ: (إن سياحة أمتي الجهاد) وهو صحيح كما في "صحيح الجامع الصغير" رقم (2093).
(٢٠) هو: معمر بن راشد الأزدي مولاهم أبو عروة البصري، نزيك اليمن، الإمام الحافظ، كان ثقة فاضلًا من أوعية العلم، مع الصدق والورع، وتوفي سنة 154هـ.
انظر: "التاريخ الكبير" 7/ 378، و"تذكرة الحفاظ" 1/ 190، و"وسير أعلام النبلاء" 7/ 5، و"تقريب التهذيب" ص 541 (6809).
(٢١) ذكره الزجاج في "معاني القرآن" 2/ 472، والمؤلف في "الوسيط" 2/ 527، ورواه بمعناه ابن جرير في "تفسيره" ص 541 (6809).
(٢٢) في (ى): (وقال).
(٢٣) هذا القول لأبي عمرو العبدي.
انظر: "تفسير ابن جرير" 14/ 504، وابن أبي حاتم 4/ 101 أ، و"الدر المنثور" 3/ 504.
(٢٤) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 472.
(٢٥) "تهذيب اللغة" (ساح) 2/ 1586.
(٢٦) رواه الثعلبي 6/ 151 ب، وابن المنذر كما في "الدر المنثور" 3/ 504، وذكره بنحوه ابن جرير 11/ 39 بغير سند.
(٢٧) انظر: "معاني القرآن الكريم" للنحاس 3/ 258.
(٢٨) يعني الثعلبي.
(٢٩) "تفسير الثعلبي" 6/ 152 أ، ورواه أيضًا ابن أبي حاتم 6/ 1890، والبغوي 4/ 99.
(٣٠) ساقط من (ى).
(٣١) ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 527.
(٣٢) في (ى): (يؤدون)، وما أثبته موافق للمصدر التالي.
(٣٣) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 472.
(٣٤) رواه بنحوه ابن جرير 39/ 11، وابن أبي حاتم 6/ 1891، وابن أبي شيبة وابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 503.
(٣٥) رواه ابن جرير 11/ 39 بنحوه عن أبي العالية، وهو قول الزجاج في "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 472، والبغوي في "تفسيره" 4/ 99، وانظر: "النكت والعيون" 2/ 408، و"المحرر الوجيز" 7/ 56.
(٣٦) "تنوير المقباس" ص 205 بمعناه.
(٣٧) لم أقف عليه.
(٣٨) في (ى) زيادة نصها: (قوله: والناهون) وقوله ...
إلخ).
(٣٩) انظر: "ديوان الخرنق" ص 29، و"أوضح المسالك" 1/ 10، و"كتاب سيبويه" 1/ 202.
لا يبعدن: أي لا يهلكن.
سم العداة: أي هم كالسم لعدوهم.
آفة الجزر: أي هم آفة للإبل التي تجزر لكثرة ما ينحرون منها.
والمعترك: موضع ازدحام الناس في المعركة.
ومعقد الإزار: موضع عقده، والإزار: ما يستر النصف الأسفل من البدن، وطيبها كناية عن العفة والبعد عن الفاحشة.
قال ابن هشام بعد ذكر البيتين: يجوز فيه رفع (النازلين) و (الطيبين) على الإتباع لـ (قومي) أو على القطع بإضمار (هم)، ونصبها بإضمار (أمدح) و (أذكر) ورفع الأول ونصب الثاني على ما ذكرنا، وعكسه على القطع فيهما.
أوضح المسالك 3/ 12.
(٤٠) في (ى): (هذا).
(٤١) في (ح): (الفصل).
(٤٢) لم أجده فيما بين يدي من المصادر.
(٤٣) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 472.
<div class="verse-tafsir"