التسهيل لعلوم التنزيل سورة غافر

الإسلام > القرآن > تفسير > التسهيل > تفسير سورة غافر

تفسيرُ سورةِ غافر كاملةً من التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) (ابن جزي الكلبي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 30 دقيقة قراءة

تفسير سورة غافر كاملةً (ابن جزي الكلبي)

تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ ٢

﴿ تَنزِيلُ الكتاب ﴾ ذكر في الزمر.

<div class="verse-tafsir"

غَافِرِ ٱلذَّنۢبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ ذِى ٱلطَّوْلِ ۖ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ إِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ ٣

﴿ ذِي الطول ﴾ أي ذي الفضل والإنعام، وقيل: الطول: الغنى والسعة.

<div class="verse-tafsir"

مَا يُجَـٰدِلُ فِىٓ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِى ٱلْبِلَـٰدِ ٤

﴿ فَلاَ يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي البلاد ﴾ جعل لا يغررك بمعنى لا يحزنك ففيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم، ووعيد للكفار.

<div class="verse-tafsir"

كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍۢ وَٱلْأَحْزَابُ مِنۢ بَعْدِهِمْ ۖ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍۭ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ ۖ وَجَـٰدَلُوا۟ بِٱلْبَـٰطِلِ لِيُدْحِضُوا۟ بِهِ ٱلْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ ۖ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ ٥

﴿ والأحزاب ﴾ يراد بهم عاد وثمود وغيرهم ﴿ لِيَأْخُذُوهُ ﴾ أي ليقتلوه ﴿ لِيُدْحِضُواْ ﴾ أي ليبطلوا به الحق.

<div class="verse-tafsir"

وَكَذَٰلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَنَّهُمْ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ ٦

﴿ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ ﴾ أي وجب قضاؤه.

<div class="verse-tafsir"

ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُۥ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِۦ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍۢ رَّحْمَةًۭ وَعِلْمًۭا فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا۟ وَٱتَّبَعُوا۟ سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ ٧

﴿ وَمَنْ حَوْلَهُ ﴾ عطف على ﴿ الذين يَحْمِلُونَ ﴾ ﴿ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ إن قيل: ما فائدة قوله: ﴿ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ ، ومعلوم أن حملة العرش ومن حوله يؤمنون بالله؟

فالجواب أن ذلك إظهار لفضيلة الإيمان وشرفه، قال ذلك الزمخشري، وقال: إن فيه فائدة أخرى وهي: أن معرفة حملة العرش بالله تعالى من طريق النظر والاستدلال، كسائر الخلق لا بالرؤية، وهذه نزعته إلى مذهب المعتزلة في استحالة رؤية الله.

﴿ وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً ﴾ أصل الكلام وسعت رحمتك وعلمك كل شيء فالسعة في المعنى مسندة إلى الرحمة والعلم، وإنما أسندتا إلى الله تعالى في اللفظ لقصد المبالغة في وصف الله تعالى بهما كأن ذاته رحمة وعلم واسعان كل شيء.

<div class="verse-tafsir"

وَقِهِمُ ٱلسَّيِّـَٔاتِ ۚ وَمَن تَقِ ٱلسَّيِّـَٔاتِ يَوْمَئِذٍۢ فَقَدْ رَحِمْتَهُۥ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ ٩

﴿ وَقِهِمُ السيئات ﴾ يحتمل أن يكون المعنى قهم السيئات نفسها، بحيث لا يفعلونها، أو يكون المعنى: قِهِمْ جزاء السيئات، فلا تؤاخذهم بها.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى ٱلْإِيمَـٰنِ فَتَكْفُرُونَ ١٠

﴿ إِنَّ الذين كَفَرُواْ يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ الله أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ ﴾ المقت البغض الذي يوجبه ذنب أو عيب، وهذه الحال تكون للكفار عند دخولهم النار؛ فإنهم إذا دخلوها مقتوا أنفسهم، أي مقت بعضهم بعضاً، ويحتمل أن يمقت كل واحد منهم نفسه فتناديهم الملائكة وتقول لهم: مقت الله لكم في الدنيا على كفركم أكبر من مقتكم أنفسكم اليوم.

فقوله: لمقت الله مصدر مضاف إلى الفاعل، وحذف المفعول لدلالة مفعول مقتكم عليه وقوله: ﴿ إِذْ تُدْعَوْنَ ﴾ ظرف العامل فيه ﴿ مَقْتُ الله ﴾ عاماً من طريق المعنى، ويمتنع أن يعمل فيه من طريق قوانين النحو، لأن مقت الله مصدر فلا يجوز أن يفصل بينه وبين بعض صلته، فيحتاج أن يقدر اللظرف عامل، وعلى هذا جاز بعضهم الوقف على قوله: ﴿ أَنفُسَكُمْ ﴾ ، والابتداء بالظرف وهذا ضعيف، لأن المراعى المعنى.

وقد جعل الزمخشري ﴿ مَقْتُ الله ﴾ عاماً في الظرف ولم يعتبر الفصل.

<div class="verse-tafsir"

قَالُوا۟ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ فَٱعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍۢ مِّن سَبِيلٍۢ ١١ ذَٰلِكُم بِأَنَّهُۥٓ إِذَا دُعِىَ ٱللَّهُ وَحْدَهُۥ كَفَرْتُمْ ۖ وَإِن يُشْرَكْ بِهِۦ تُؤْمِنُوا۟ ۚ فَٱلْحُكْمُ لِلَّهِ ٱلْعَلِىِّ ٱلْكَبِيرِ ١٢

﴿ قَالُواْ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا اثنتين وَأَحْيَيْتَنَا اثنتين ﴾ هذه الآية كقوله: ﴿ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ﴾ [البقرة: 28] فالموتة الأولى عبارة عن كونهم عدماً، أو كونهم في الأصلاب، أو في الأرحام، والمؤتة الثانية الموت المعروف، والحياة الأولى حياة الدنيا، والحياة الثانية حياة البعث في القيامة.

وقيل: الحياة الأولى حياة الدنيا، والثانية: الحياة في القبر، والموتة الأولى الموت المعروف، والموتة الثانية بعد حياة القبر، وهذا قول فاسد لأنه لابد من الحياة للبعث فتجيء الحياة ثلاثة مرات.

فإن قيل: كيف اتصال قولهم أمتّنا اثنتين وأحييتنا اثنتين بما قبله؟

فالجواب: أنهم كانوا في الدنيا يكفرون بالبعث، فلما دخلوا النار مقتوا أنفسهم على ذلك، فأقروا به حينئذ ليرضوا الله بإقرارهم، حينئذ فقولهم: ﴿ أَمَتَّنَا اثنتين وَأَحْيَيْتَنَا اثنتين ﴾ إقرار بالبعث على أكمل الوجوه، طمعاً منه أن يخرجوا عن المقت الذي مقتهم الله؛ إذ كانوا يدعون إلى الإسلام فيكفرون ﴿ فاعترفنا بِذُنُوبِنَا ﴾ الفاء هنا رابطة معناها التسبب، فإن قيل: كيف يكون قولهم: ﴿ أَمَتَّنَا اثنتين وَأَحْيَيْتَنَا اثنتين ﴾ سبباً لاعترافهم بالذنوب؟

فالجواب أنهم كانوا كافرين بالبعث، فلمّا رأوا الإماتة والإحياء قد تكرر عليهم، علموا أن الله قادر على البعث فاعترفوا بذنوبهم، وهي إنكار البعث، وما أوجب لهم إنكاره من المعاصي، فإن من لم يؤمن بالآخرة لا يبالي بالوقوع في المعاصي.

﴿ ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ الله وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ ﴾ الباء سببية للتعليل، والإشارة بذلكم يحتمل أن تكون للعذاب الذي هم فيه، أو إلى مقت ألله لهم أو مقتهم لأنفسهم، والأحسن أن تكون إشارة إلى ما يقتضيه سياق الكلام وذلك أنهم لما قالوا: ﴿ فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ ﴾ ، كأنهم قيل لهم: لا سبيل إلى الخروج، فالإشارة بقوله: ﴿ ذَلِكُم ﴾ إلى عدم خروجهم من النار.

<div class="verse-tafsir"

هُوَ ٱلَّذِى يُرِيكُمْ ءَايَـٰتِهِۦ وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ رِزْقًۭا ۚ وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَن يُنِيبُ ١٣

﴿ يُرِيكُمْ آيَاتِهِ ﴾ يعني: العلامات الدالة عليه من مخلوقاته ومعجزات رسله ﴿ وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ السمآء رِزْقاً ﴾ يعني المطر.

<div class="verse-tafsir"

رَفِيعُ ٱلدَّرَجَـٰتِ ذُو ٱلْعَرْشِ يُلْقِى ٱلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِۦ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ لِيُنذِرَ يَوْمَ ٱلتَّلَاقِ ١٥

﴿ رَفِيعُ الدرجات ﴾ يحتمل أن يكون المعنى مرتفع الدرجات، فيكون بمعنى العالي أو رافع درجات عباده في الجنة وفي الدنيا ﴿ يُلْقِي الروح ﴾ يعني الوحي ﴿ مِنْ أَمْرِهِ ﴾ يحتمل أن يريد الأمر الذي هو واحد الأمور، أو الأمر بالخبر، فعلى الأول تكون من للتبعيض أو لإبتداء الغاية، وعلى الثاني تكون لابتداء الغاية أو بمعنى الباء ﴿ يَوْمَ التلاق ﴾ يعني يوم القيامة، وسمي بذلك لأن الخلائق يلتقون فيه، وقيل: لأنه يلتقي فيه أهل السموات والأرض وقيل: لأنه يلتقي الخلق مع ربهم، والفاعل في ينذر ضمير يعود على من يشاء أو على الروح أو على الله.

<div class="verse-tafsir"

يَوْمَ هُم بَـٰرِزُونَ ۖ لَا يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنْهُمْ شَىْءٌۭ ۚ لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ۖ لِلَّهِ ٱلْوَٰحِدِ ٱلْقَهَّارِ ١٦

﴿ لِّمَنِ الملك اليوم ﴾ هذا من كلام الله تعالى تقريراً للخلق يوم القيامة؛ فيجيبونه ويقولون: ﴿ لِلَّهِ الواحد القهار ﴾ وقيل: بل هو الذي يجيب نفسه؛ لأنه الخلق يسكتون هيبة له، وقيل: إن القائل ﴿ لِّمَنِ الملك اليوم ﴾ ملك.

<div class="verse-tafsir"

وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلْـَٔازِفَةِ إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ كَـٰظِمِينَ ۚ مَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ حَمِيمٍۢ وَلَا شَفِيعٍۢ يُطَاعُ ١٨

﴿ يَوْمَ الأزفة ﴾ يعني القيامة ومعناه القريبة ﴿ إِذِ القلوب لَدَى الحناجر ﴾ معناه أن القلوب قد صعدت من الصدور، لشدّة الخوف حتى بلغت الحناجر، فيحتمل أن يكون ذلك حقيقة أو مجاز عبرّ به عن شدّة الخوف.

والخناجر جمع حنجرة وهي الحلق ﴿ كَاظِمِينَ ﴾ أي محزونين حزناً شديداً كقوله: ﴿ فَهُوَ كَظِيمٌ ﴾ [يوسف: 84] وقيل: معناه يكظمونت حزنهم أي يطمعون أن يخفوه، والحال تغلبهم، وانتصابه على الحال من أصحاب القلوب، لأن معناه قلوب الناس، أو من المفعول في أنذرهم أو من القلوب.

وجمعها جمع المذكر لمّا وصفها بالكظم الذي هو من أفعال العقلاء ﴿ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ ﴾ أي صديق مشفق ﴿ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ ﴾ يحتمل أن يكون نفي الشفاعة وطاعة الشفيع أو نفي طاعة خاصة.

كقولك: ما جاءني رجل صالح فنفيت الصلاح، وإن كان قد جاءك رجل غير صالح، والأول أحسن لأن الكفار ليس لهم من يشفع فيهم.

<div class="verse-tafsir"

يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِى ٱلصُّدُورُ ١٩

﴿ يَعْلَمُ خَآئِنَةَ الأعين ﴾ أي استراق النظر، والخائنة مصدر بمعنى الخيانة، أو وصف للنظرة وهذا الكلام متصل بما تقدم من ذكر الله، واعترض في أثناء ذلك بوصف القيامة لما استطرد إليه من قوله: ﴿ لِيُنذِرَ يَوْمَ التلاق ﴾ [غافر: 15].

<div class="verse-tafsir"

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَـٰتِنَا وَسُلْطَـٰنٍۢ مُّبِينٍ ٢٣

﴿ وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ ﴾ حجة ظاهرة وهي المعجزات.

<div class="verse-tafsir"

فَلَمَّا جَآءَهُم بِٱلْحَقِّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا۟ ٱقْتُلُوٓا۟ أَبْنَآءَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ وَٱسْتَحْيُوا۟ نِسَآءَهُمْ ۚ وَمَا كَيْدُ ٱلْكَـٰفِرِينَ إِلَّا فِى ضَلَـٰلٍۢ ٢٥

﴿ قَالُواْ اقتلوا أَبْنَآءَ الذين آمَنُواْ مَعَهُ ﴾ هذا القتل غير القتل الذي كانوا يقتلون أولاً قبل ميلاد موسى.

<div class="verse-tafsir"

وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِىٓ أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُۥٓ ۖ إِنِّىٓ أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِى ٱلْأَرْضِ ٱلْفَسَادَ ٢٦

﴿ وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذروني أَقْتُلْ موسى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ ﴾ المعنى: أنه لا يبالي بدعاء موسى لربه، ولا يخاف من ذلك إن قتله، ويظهر من قوله: ﴿ ذروني ﴾ أنه كان في الناس من ينازعه في قتل موسى، وذلك يدل على أن فرعون كان قد اضطرب أمره بظهور معجزات موسى ﴿ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الأرض الفساد ﴾ يعني فساد أحوالهم في الدنيا، أو أن يظهر وقرئ بالواو فقط ويظهر بفتح الياء، ورفع الفساد على الفاعلية وبضم الياء ونصب الفساد على المفعولية.

<div class="verse-tafsir"

وَقَالَ مُوسَىٰٓ إِنِّى عُذْتُ بِرَبِّى وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍۢ لَّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ ٢٧

﴿ وَقَالَ موسى إِنِّي عُذْتُ ﴾ الآية لما سمع موسى ما همّ به فرعون من قتله، استعاذ بالله فعصمه الله منه، وقال: ﴿ مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ ﴾ ليشمل فرعون وغيره، وليكون فيه وصف لغير فرعون بذلك الوصف القبيح.

<div class="verse-tafsir"

وَقَالَ رَجُلٌۭ مُّؤْمِنٌۭ مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَـٰنَهُۥٓ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّىَ ٱللَّهُ وَقَدْ جَآءَكُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ مِن رَّبِّكُمْ ۖ وَإِن يَكُ كَـٰذِبًۭا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُۥ ۖ وَإِن يَكُ صَادِقًۭا يُصِبْكُم بَعْضُ ٱلَّذِى يَعِدُكُمْ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌۭ كَذَّابٌۭ ٢٨ يَـٰقَوْمِ لَكُمُ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ظَـٰهِرِينَ فِى ٱلْأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِنۢ بَأْسِ ٱللَّهِ إِن جَآءَنَا ۚ قَالَ فِرْعَوْنُ مَآ أُرِيكُمْ إِلَّا مَآ أَرَىٰ وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ ٢٩

﴿ وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ ﴾ قيل: أسم هذا الرجل حبيب وقيل: حزقيل، وقيل: شمعون بالشين المعجمة، وروي أن هذا الرجل المؤمن كان ابن عم فرعون، فقوله: من آل فرعون صفة للمؤمن، وقيل: كان من بني إسرائيل، فقوله: ﴿ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ ﴾ على هذا يتعلق بقوله: ﴿ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ ﴾ ، والأول أرجح؛ لأنه لا يحتاج فيه إلى تقديم وتأخير، ولقوله: ﴿ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ الله ﴾ لأن هذا كلام قريب شفيق، ولأن بني إسرائيل حينئذ كانوا أذلاء، بحيث لا يتكلم أحد منهم بمثل هذا الكلام، و ﴿ أَن يَقُولَ ﴾ في موضع المفعول من أجله تقديره: أتقتلونه من أجل أن يقول ربي الله ﴿ وَإِن يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ ﴾ أي إن كان موسى كاذباً في دعوى الرسالة فلا يضركم كذبه، فلأي شيء تقتلونه، فإن قيل: كيف قال: وإن يك كاذباً بعد أن كان قد آمن به؟

فالجواب أنه لم يقل ذلك على وجه التكذيب له، وإنما قاله على وجه الفرض والتقدير، وقصد بذلك المحاجّة لقومه، فقسم أمر موسى إلى قسمين، ليقيم عليهم الحجة في ترك قتله على كل وجه من القسمين ﴿ وَإِن يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الذي يَعِدُكُمْ ﴾ قيل: إن بعض هنا بمعنى كل وذلك بعيد، وإنما قال بعض ولم يقل كل مع أن الذي يصيبهم هو كل ما يعدهم ليلاطفهم في الكلام، ويبعد عن التعصب لموسى، ويظهر النصيحة لفرعون وقومه، فيرتجى إجابتهم للحق.

<div class="verse-tafsir"

وَقَالَ ٱلَّذِىٓ ءَامَنَ يَـٰقَوْمِ إِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ ٱلْأَحْزَابِ ٣٠

﴿ وَقَالَ الذي آمَنَ ﴾ هو المؤمن المذكور أولاً، وقيل: هو موسى عليه السلام وهذا بعيد، وإنما توهموا ذلك لأنه صرح هنا بالإيمان، وكان كلام المؤمن أولاً غير صريح؛ بل كان فيه تورية وملاطفة لقومه، إذ كان يكتم إيمانه، والجواب: أنه كتم إيمانه أول الأمر، ثم صرح به بعد ذلك، وجاهرهم مجاهرة ظاهرة، لما وثق بالله حسبما حكى الله من كلامه إلى قوله: ﴿ فَسَتَذْكُرُونَ مَآ أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أمري إِلَى الله ﴾ [غافر: 44].

<div class="verse-tafsir"

وَيَـٰقَوْمِ إِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ ٱلتَّنَادِ ٣٢ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُم مِّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍۢ ۗ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنْ هَادٍۢ ٣٣

﴿ يَوْمَ التناد ﴾ التنادي يعني: يوم القيامة وسمي بذلك لأن المنادي ينادي الناس، وذلك قوله: ﴿ يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ ﴾ [الإسراء: 71] وقيل: لأن بعضهم ينادي بعضاً، أن ينادي أهل الجنة ﴿ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّاً ﴾ [الأعراف: 44] وينادي أهل النار: ﴿ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ المآء ﴾ [الأعراف: 50] ﴿ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ﴾ أي منطلقين إلى النار، وقيل: هاربين من النار.

<div class="verse-tafsir"

وَلَقَدْ جَآءَكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِٱلْبَيِّنَـٰتِ فَمَا زِلْتُمْ فِى شَكٍّۢ مِّمَّا جَآءَكُم بِهِۦ ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ ٱللَّهُ مِنۢ بَعْدِهِۦ رَسُولًۭا ۚ كَذَٰلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌۭ مُّرْتَابٌ ٣٤

﴿ وَلَقَدْ جَآءَكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بالبينات ﴾ قيل: هو يوسف بن يعقوب، وقيل: هو يوسف بن إبراهيم بن يوسف بن يعقوب، والبينات التي جاء بها يوسف لم تعيّن لنا، واختلف هل أدركه فرعون موسى أو فرعون آخر قبله لأن كل من ملك مصر يقال له فرعون ﴿ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ الله مِن بَعْدِهِ رَسُولاً ﴾ كلام هذا لا يدل على أنهم مؤمنون برسالة يوسف، وإنما مرادهم: لم يأت أحد يدّعي الرسالة بعد يوسف، قاله ابن عطية، وقال الزمخشري: إنما هو تكذيب لرسالة من بعده مضموم إلى تكذيب رسالته.

<div class="verse-tafsir"

ٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَـٰنٍ أَتَىٰهُمْ ۖ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ۚ كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍۢ جَبَّارٍۢ ٣٥

﴿ الذين يُجَادِلُونَ ﴾ بدل من مسرف مرتاب وإنما جاز إبدال الجمع من المفرد، لأنه من معنى الجمع، كأنه قال: كل مسرف ﴿ كَبُرَ مَقْتاً ﴾ فاعل كبر مصدر يجادلون، وقال الزمخشري: الفاعل ضمير من هو مسرف.

<div class="verse-tafsir"

وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَـٰهَـٰمَـٰنُ ٱبْنِ لِى صَرْحًۭا لَّعَلِّىٓ أَبْلُغُ ٱلْأَسْبَـٰبَ ٣٦ أَسْبَـٰبَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ فَأَطَّلِعَ إِلَىٰٓ إِلَـٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّى لَأَظُنُّهُۥ كَـٰذِبًۭا ۚ وَكَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوٓءُ عَمَلِهِۦ وَصُدَّ عَنِ ٱلسَّبِيلِ ۚ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِى تَبَابٍۢ ٣٧

﴿ الأسباب ﴾ هنا الطريق وقيل: الأبواب، وكررها للتفخيم وللبيان ﴿ فَأَطَّلِعَ ﴾ بالرفع عطف على أبلغ وبالنصف بإضمار أن في جواب لعل، لأن الترجّي غير واجب، فهو كالتمني في انتصاب جوابه، ولا نقول: إن لعل أشربت معنى ليت كما قال بعض النجاة ﴿ تَبَابٍ ﴾ أي خسران.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰقَوْمِ إِنَّمَا هَـٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا مَتَـٰعٌۭ وَإِنَّ ٱلْـَٔاخِرَةَ هِىَ دَارُ ٱلْقَرَارِ ٣٩

﴿ مَتَاعٌ ﴾ أي يتمتع به قليلاً، فإن قيل: لم كرر المؤمن نداء قومه مراراً؟

فالجواب: أن ذلك لقصد التنبيه لهم، وإظهار الملاطفة والنصيحة، فإن قيل: لم جاء بالواو في قوله و ﴿ ياقوم ﴾ في الثالث دون الثاني؟

فالجواب: أن الثاني بيان للأول وتفسير، فلم يصح عطفه عليه بخلاف الثالث، فإنه كلام آخر فصح عطفه عليه.

<div class="verse-tafsir"

تَدْعُونَنِى لِأَكْفُرَ بِٱللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِۦ مَا لَيْسَ لِى بِهِۦ عِلْمٌۭ وَأَنَا۠ أَدْعُوكُمْ إِلَى ٱلْعَزِيزِ ٱلْغَفَّـٰرِ ٤٢

﴿ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ ﴾ أي ليس لي علم بربوبيته والمراد بنفي العلم نفي المعلوم كأنه قال: وأشرك به ما ليس بإله، وإذا لم يكن إلهاً لم يصح ربوبيته.

<div class="verse-tafsir"

لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِىٓ إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُۥ دَعْوَةٌۭ فِى ٱلدُّنْيَا وَلَا فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَآ إِلَى ٱللَّهِ وَأَنَّ ٱلْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ ٤٣

﴿ لاَ جَرَمَ ﴾ أي لابد ولا شك ﴿ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ ﴾ قال ابن عطية ليس له قدر ولا حق، يجب أن يدعى إليه كأنه قال: أتدعونني إلى عبادة ما لا خطر له في الدنيا، ولا في الآخرة، ويحتمل اللفظ أن يكون معناه: ليس له دعوة قائمة، أي لا يدعى أحد إلى عبادته.

<div class="verse-tafsir"

فَوَقَىٰهُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِ مَا مَكَرُوا۟ ۖ وَحَاقَ بِـَٔالِ فِرْعَوْنَ سُوٓءُ ٱلْعَذَابِ ٤٥

﴿ فَوقَاهُ الله سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُواْ ﴾ دليل على أن من فوض أمره إلى الله عز وجل كان الله معه.

<div class="verse-tafsir"

ٱلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّۭا وَعَشِيًّۭا ۖ وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدْخِلُوٓا۟ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ ٤٦

﴿ النار يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا ﴾ النار بدل من سوء العذاب، أو مبتدأ أو خبر مبتدأ مضمر، وعرضهم عليها من حين موتهم إلى يوم القيامة، وذلك مدّة البرزخ بدليل قوله: يوم القيامة ﴿ أدخلوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ العذاب ﴾ واستدل أهل السنة بذلك على صحة ما ورد من عذاب القبر، وروي أن أرواحهم في أجواف طيور سود تروح بهم وتغدوا إلى النار ﴿ غُدُوّاً وَعَشِيّاً ﴾ قيل: معناه في كل غدوة وعشية من أيام الدنيا، وقيل: المعنى على تقدير: ما بين الغدوة والعشية، لأن الآخرة لا غدوة فيها ولا عشية.

<div class="verse-tafsir"

وَقَالَ ٱلَّذِينَ فِى ٱلنَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ٱدْعُوا۟ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًۭا مِّنَ ٱلْعَذَابِ ٤٩ قَالُوٓا۟ أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ ۖ قَالُوا۟ بَلَىٰ ۚ قَالُوا۟ فَٱدْعُوا۟ ۗ وَمَا دُعَـٰٓؤُا۟ ٱلْكَـٰفِرِينَ إِلَّا فِى ضَلَـٰلٍ ٥٠

﴿ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ﴾ إن قيل: هلا قال الذين في النار لخزنتها فلم صرح باسمها؟

فالجواب أن في ذكر جهنم تهويلاً ليس في ذكر الضمير ﴿ وَمَا دُعَاءُ الكافرين إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ ﴾ يحتمل أن يكون من كلام خزنة جهنّم فيكون متّصلاً بقوله: ﴿ فادعوا ﴾ أن يكون من كلام الله تعالى استنئنافاً.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلْأَشْهَـٰدُ ٥١

﴿ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا ﴾ قيل: إن هذا خاص فيمن أظهره الله على الكفار، وليس بعام؛ لأن من الأنبياء من قتله قومه كزكريا ويحيى، والصحيح أنه عام، والجواب عما ذكروه أن زكريا ويحيى لم يكونا من الرسل، إنما كانا من الأنبياء الذي ليسوا بمرسلين، وإنما ضمن الله نصر الرسل خاصة، لا نصر الأنبياء كلهم ﴿ وَيَوْمَ يَقُومُ الأشهاد ﴾ يعني يوم القيامة، والأشهاد جمع شاهد أو شهيد، ويحتمل أن يكون بمعنى الحضور.

أو الشهادة على الناس أو الشهادة في سبيل الله، والأظهر أنه بمعنى الشهادة على الناس لقوله: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ ﴾ [النساء: 41].

<div class="verse-tafsir"

يَوْمَ لَا يَنفَعُ ٱلظَّـٰلِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ ۖ وَلَهُمُ ٱللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوٓءُ ٱلدَّارِ ٥٢

﴿ يَوْمَ لاَ يَنفَعُ الظالمين مَعْذِرَتُهُمْ ﴾ يحتمل أنهم لا يتعذرون أو يعتذرون، ولكن لا تنفعهم معذرتهم، والأول أرجح لقوله: ﴿ وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ ﴾ [المرسلات: 36] فنفى الاعتذار والانتفاع به.

<div class="verse-tafsir"

فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّۭ وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنۢبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِٱلْعَشِىِّ وَٱلْإِبْكَـٰرِ ٥٥

﴿ إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ ﴾ يعني وعده لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بالنصر والظهور على أعدائه الكفار ﴿ بالعشي والإبكار ﴾ قيل: العشي صلاة العصر والإبكار صلا الصبح، وقيل: العشي بعد العصر إلى الغروب والإبكار من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ ٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَـٰنٍ أَتَىٰهُمْ ۙ إِن فِى صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌۭ مَّا هُم بِبَـٰلِغِيهِ ۚ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ ۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ ٥٦

﴿ إِنَّ الذين يُجَادِلُونَ ﴾ يعني كفار قريش ﴿ إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ ﴾ أي تكبر وتعاظم، يمنعهم من أن يتبعوك أن ينقادوا إليك وقيل: كبرهم أنهم أرادوا النبوة لأنفسهم، ورأوا أنهم أحق بها، والأول أظهر لأن إرادتهم النبوة لأنفسهم حسد، والأول هو الكبر ﴿ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ ﴾ أي لا يبلغون ما يقتضيه كبرهم من الظهور عليك، ومن نيل النبوة ﴿ فاستعذ بالله ﴾ أي استعذ من شرهم لأنهم أعداء لك، واستعذ من مثل حالهم في الكبر والحسد، واستعذ بالله من جميع أمورك على الاطلاق.

<div class="verse-tafsir"

لَخَلْقُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ٥٧ وَمَا يَسْتَوِى ٱلْأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَلَا ٱلْمُسِىٓءُ ۚ قَلِيلًۭا مَّا تَتَذَكَّرُونَ ٥٨ إِنَّ ٱلسَّاعَةَ لَـَٔاتِيَةٌۭ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ ٥٩

﴿ لَخَلْقُ السماوات والأرض أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ الناس ﴾ الخلق هنا مصدر مضاف إلى المفعول، والمراد به الاستدلال على البعث، لأن الإله الذي خلق السموات والأرض على كبرها، قادر على إعادة الأجسام بعد فنائها، وقيل: المراد توبيخ الكفار المتكبرين، كأنه قال: خلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس، فما بال هؤلاء يتكبرون على خالقهم، وهم من أصغر مخلوقاته وأحقرهم، والأول أرجح لوروده في مواضع من القرآن لأنه قال بعده: ﴿ إِنَّ الساعة لآتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا ﴾ فقدم الدليل، ثم ذكر المدلول.

<div class="verse-tafsir"

وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدْعُونِىٓ أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ٦٠

﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادعوني أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾ الدعاء هنا هو الطلب والرغبة، وهذا وعد مقيّد بالمشيئة، وهي موافقة القدر لمن أراد أن يستجيب له، وقيل: أدعوني هنا: اعبدوني بدليل قوله بعده: ﴿ إِنَّ الذين يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي ﴾ وقوله صلى الله عليه وسلم: «الدعاء هو العبادة» ثم تلا الآية: ﴿ أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾ لكم على هذا القول بمعنى أغفر لكم أو أعطيكم أجوركم.

والأول أظهر، ويكون قوله: ﴿ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي ﴾ بمعنى يستكبرون عن الرغبة إليّ كما قال صلى الله عليه وسلم: «من لم يسأل الله يغضب عليه» وأما قوله صلى الله عليه وسلم: «الدعاء هو العبادة» فمعناه أن الدعاء والرغبة إلى الله هي العبادة، لأن الدعاء يظهر فيه افتقار العبد وتضرعه إلى الله ﴿ دَاخِرِينَ ﴾ أي صاغرين.

<div class="verse-tafsir"

ٱللَّهُ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ لِتَسْكُنُوا۟ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِرًا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ٦١

﴿ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ ﴾ ذكر في [يونس: 67].

<div class="verse-tafsir"

ٱللَّهُ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ قَرَارًۭا وَٱلسَّمَآءَ بِنَآءًۭ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَـٰتِ ۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ ۖ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ٦٤ هُوَ ٱلْحَىُّ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ فَٱدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ ۗ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ٦٥

﴿ وَرَزَقَكُمْ مِّنَ الطيبات ﴾ يعني المستلذات، لأنه جاء ذكر الطيبات في معرض الإنعام فيراد به المستلذات، وإذا جاء في معرض التحليل والتحريم فيراد به الحلال والحرام ﴿ الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين ﴾ هذا متصل بما قبله، قال ذلك ابن عطية والزمخشري وتقديره: ادعوه مخلصين قائلين ﴿ الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين ﴾ ولذلك قال ابن عباس: من قال لا إله إلا الله فليقل الحمد لله رب العالمين، ويحتمل أن يكون الحمد لله استئنافاً.

<div class="verse-tafsir"

هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍۢ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍۢ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍۢ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًۭا ثُمَّ لِتَبْلُغُوٓا۟ أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا۟ شُيُوخًۭا ۚ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ مِن قَبْلُ ۖ وَلِتَبْلُغُوٓا۟ أَجَلًۭا مُّسَمًّۭى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ٦٧

﴿ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ﴾ أراد الجنس ولذلك أفرد لفظه مع أن الخطاب لجماعة ﴿ ثُمَّ لتبلغوا أَشُدَّكُمْ ﴾ ذكر الأشد في سورة يوسف عليه السلام: [يوسف: 22] واللام تتعلق بفعل محذوف تقديره: ثم يبقيكم لتبلغوا وكذلك ليكونوا أو أما لتبلغوا أجلاً مسمى فمتعلق بمحذوف آخر تقديره: فعل ذلك بكم لتبلغوا أجلاً مسمى هو الموت أو يوم القيامة.

<div class="verse-tafsir"

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ أَنَّىٰ يُصْرَفُونَ ٦٩ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِٱلْكِتَـٰبِ وَبِمَآ أَرْسَلْنَا بِهِۦ رُسُلَنَا ۖ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ٧٠ إِذِ ٱلْأَغْلَـٰلُ فِىٓ أَعْنَـٰقِهِمْ وَٱلسَّلَـٰسِلُ يُسْحَبُونَ ٧١ فِى ٱلْحَمِيمِ ثُمَّ فِى ٱلنَّارِ يُسْجَرُونَ ٧٢

﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين يُجَادِلُونَ ﴾ يعني كفار قريش، وقيل: هم أهل الأهواء كالقدرية وغيرهم، وهذا مردود بقوله: ﴿ الذين كَذَّبُواْ بالكتاب ﴾ إلا إن جعلته منقطعاً مما قبله وذلك بعيد ﴿ إِذِ الأغلال في أَعْنَاقِهِمْ ﴾ العامل في إذ يعملون وجعل الظرف الماضي من الموضع المستقبل لتحقيق الأمر به ﴿ إِذِ الأغلال ﴾ أي يجرون والحميم الماء الشديد الحرارة ﴿ يُسْحَبُونَ * فِي الحميم ﴾ أي يجرون في الحميم والماء الشديد الحرارة ﴿ ثُمَّ فِي النار يُسْجَرُونَ ﴾ هذا من قولك: سجرت التنور إذا ملأته بالنار، فالمعنى أنهم يدخلون فيها كما يدخل الحطب في التنور، ولذلك قال مجاهد في تفسيره: توقد بهم النار ﴿ تمرحون ﴾ من المرح وهو الأشر والبطر.

وقيل: الفخر والخيلاء.

<div class="verse-tafsir"

ٱدْخُلُوٓا۟ أَبْوَٰبَ جَهَنَّمَ خَـٰلِدِينَ فِيهَا ۖ فَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَبِّرِينَ ٧٦ فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّۭ ۚ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِى نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ ٧٧

﴿ فَبِئْسَ مَثْوَى المتكبرين ﴾ إن قيل: قياس النظم أن يقول بئس مدخل الكافرين لأنه تقدم قبله ادخلوا.

فالجواب أن الدخول المؤقت بالخلود في معنى الثوى ﴿ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الذي نَعِدُهُمْ ﴾ أصل إما إن نريك ودخلت ما الزائدة بعد إن الشرطية، وجواب الشرط محذوف تقديره: إن أريناك بعض الذي نعدهم من العذاب قرّت عينك بذلك، وإن توفيناك قبل ذلك فإلينا يرجعون، فننتقم منهم أشد الانتقام.

<div class="verse-tafsir"

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًۭا مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ ۗ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِىَ بِـَٔايَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ فَإِذَا جَآءَ أَمْرُ ٱللَّهِ قُضِىَ بِٱلْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلْمُبْطِلُونَ ٧٨ ٱللَّهُ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَنْعَـٰمَ لِتَرْكَبُوا۟ مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ٧٩ وَلَكُمْ فِيهَا مَنَـٰفِعُ وَلِتَبْلُغُوا۟ عَلَيْهَا حَاجَةًۭ فِى صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى ٱلْفُلْكِ تُحْمَلُونَ ٨٠ وَيُرِيكُمْ ءَايَـٰتِهِۦ فَأَىَّ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ تُنكِرُونَ ٨١ أَفَلَمْ يَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَيَنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَانُوٓا۟ أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةًۭ وَءَاثَارًۭا فِى ٱلْأَرْضِ فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ ٨٢

﴿ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ ﴾ روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى بعث ثمانية آلاف رسول وفي حديث آخر أربعة آلاف، وفي حديث أبي ذر أن الأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً منهم الرسل ثلاثمائة وثلاثة عشر؛ فذكر الله بعضهم في القرآن، فهم الذي قص عليه ولم يذكر سائرهم فهم الذين لم يقصص عليه ﴿ فَإِذَا جَآءَ أَمْرُ الله قُضِيَ بالحق ﴾ قال الزمخشري: أمر الله: القيامة، وقال ابن عطية: المعنى إذا أراد الله إرسال رسول قضي ذلك، ويحتمل أن يريد بأمر الله إهلاك المكذبين للرسل لقوله: ﴿ وَخَسِرَ هُنَالِكَ المبطلون ﴾ هنالك في الموضعين يراد به الوقت والزمان، وأصله ظرف كان ثم وضع موضع ظرف الزمان ﴿ الأنعام ﴾ هي الإبل والبقر والضأن والمعز، فقوله: ﴿ لِتَرْكَبُواْ مِنْهَا ﴾ يعني الإبل، و ﴿ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ﴾ يعني اللحوم والمنافع منها اللبن والصوف وغير ذلك ﴿ وَلِتَبْلُغُواْ عَلَيْهَا حَاجَةً ﴾ يعني قطع المسافة البعيدة، وحمل الأثقال على الإبل، ﴿ تُحْمَلُونَ ﴾ يريد الركوب عليها وإنما كرره بعد قوله: ﴿ لِتَرْكَبُواْ مِنْهَا ﴾ لأنه أراد الركوب الأول المتعارف في القرى والبلدان وبالحمل عليها، الأسفار البعيدة، قاله ابن عطية ﴿ وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ ﴾ هذا عموم بعد ما قدم من الآيات المخصوصة ولذلك وبخهم بقوله: ﴿ فَأَيَّ آيَاتِ الله تُنكِرُونَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ فَرِحُوا۟ بِمَا عِندَهُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ ٨٣

﴿ فَرِحُواْ بِمَا عِندَهُمْ مِّنَ العلم ﴾ الضمير يعود على الأمم المكذبين وفي تفسير علمهم وجوه: أحدها أنه ما كانوا يعتقدون من أنهم لا يبعثون ولا يحاسبون، والثاني أنه علمهم بمنافع الدنيا ووجوه كسبها، والثالث أنه علم الفلاسفة الذين يحتقرون علوم الشرائع وقيل: الضمير يعود على الرسل، أي فرحوا بما أعطاهم الله من العلم وشرائعه أو بما عندهم من العلم بأن الله ينصرهم على من يكذبهم، وأما الضمير في ﴿ وَحَاقَ بِهِم ﴾ فيعود على الكفار باتفاق، ولذلك ترجع أن يكون الضمير في ﴿ فَرِحُواْ ﴾ يعود عليهم ليتسق الكلام ﴿ سنة الله ﴾ انتصب على المصدرية والله سبحانه أعلم.

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.4 / 29.5
الإضاءة 30%
البدر بعد 9 يوم
الله أكبر