الإسلام > القرآن > تفسير > الرازي > سورة 4 النساء > الآيات ٤٩-٥٠
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 4 دقيقة قراءةاعمل أنه تعالى لما هدد اليهود بقوله: ﴿ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ ﴾ فعند هذا قالوا: لسنا من المشركين، بل نحن خواص الله تعالى كما حكى تعالى عنهم انهم قالوا: ﴿ نَحْنُ أَبْنَاء الله وَأَحِبَّاؤُهُ ﴾ وحكى عنهم أنهم قالوا: ﴿ لَن تَمَسَّنَا النار إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً ﴾ وحكى أيضا أنهم قالوا: ﴿ لَن يَدْخُلَ الجنة إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نصارى ﴾ وبعضهم كانوا يقولون: أن آباءنا كانوا أنبياء فيشفعون لنا.
وعن ابن عباس رضي الله عنه ان قوما من اليهود أتوا بأطفالهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: يا محمد هل على هؤلاء ذنب؟
فقال لا، فقالوا: والله ما نحن إلا كهؤلاء: ما عملناه بالليل كفر عنا بالنهار، وما عملناه بالنهار كفر عنا بالليل.
وبالجملة فالقوم كانوا قد بالغوا في تزكية أنفسهم فذكر تعالى في هذه الآية أنه لا عبرة بتزكية الإنسان نفسه، وإنما العبرة بتزكية الله له وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: التزكية في هذا الموضع عبارة عن مدح الإنسان نفسه، ومنه تزكية المعدل للشاهد، قال تعالى: ﴿ فَلاَ تُزَكُّواْ أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتقى ﴾ وذلك لأن التزكية متعلقة بالتقوى، والتقوى صفة في الباطن، ولا يعلم حقيقتها إلا الله، فلا جرم لا تصلح التزكية إلا من الله، فلهذا قال تعالى: ﴿ بَلِ الله يُزَكّى مَن يَشَاء ﴾ .
فان قيل: أليس أنه صلى الله عليه وسلم قال: «والله إني لأمين في السماء أمين في الأرض».
قلنا: إنما قال ذلك حين قال المنافقون له: اعدل في القسمة، ولأن الله تعالى لما زكّاه أولا بدلالة المعجزة جاز له ذلك بخلاف غيره.
المسألة الثانية: قوله: ﴿ بَلِ الله يُزَكّى مَن يَشَاء ﴾ يدل على أن الايمان يحصل بخلق الله تعالى لأن أجل أنواع الزكاة والطهارة وأشرفها هو الايمان، فلما ذكر تعالى انه هو الذي يزكي من يشاء دل على أن ايمان المؤمنين لم يحصل إلا بخلق الله تعالى.
المسألة الثالثة: قوله: ﴿ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾ هو كقوله: ﴿ إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ﴾ والمعنى ان الذين يزكون أنفسهم يعاقبون على تلك التزكية حق جزائهم من غير ظلم، أو يكون المعنى: أن الذين زكاهم الله فانه يثيبهم على طاعاتهم ولا ينقص من ثوابهم شيئا، والفتيل ما فتلت بين أصبعيك من الوسخ، فعيل بمعنى مفعول، وعن ابن السكيت: الفتيل ما كان في شق النواة، والنقير النقطة التي في ظهر النواة، والقطمير القشرة الرقيقة على النواة، وهذه الأشياء كلها تضرب أمثالا للشيء التافه الحقير، أي لا يظلمون لا قليلا ولا كثيرا.
ثم قال تعالى: ﴿ انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: هذا تعجيب للنبي صلى الله عليه وسلم من فريتهم على الله، وهي تزكيتهم أنفسهم وافتراؤهم على الله، وهو قولهم: ﴿ نَحْنُ أَبْنَاء الله وَأَحِبَّاؤُهُ ﴾ وقولهم: ﴿ لَن يَدْخُلَ الجنة إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نصارى ﴾ وقولهم: ما عملناه بالنهار يكفر عنا بالليل.
المسألة الثانية: مذهبنا أن الخبر عن الشيء اذا كان على خلاف المخبر عنه كان كذبا، سواء علم قائله كونه كذلك أو لم يعلم، وقال الجاحظ: شرط كونه كذبا أن يعلم كونه بخلاف ذلك، وهذه الآية دليل لنا لأنهم كانوا يعتقدون في أنفسهم الزكاء والطهارة، ثم لما أخبروا بالزكاة والطهارة كذبهم الله فيه، وهذا يدل على ما قلناه.
ثم قال تعالى: ﴿ وكفى بِهِ إِثْماً مُّبِيناً ﴾ وإنما يقال: كفى به في التعظيم على جهة المدح أو على جهة الذم، أما في المدح فكقوله: ﴿ وكفى بالله وَلِيّاً وكفى بالله نَصِيراً ﴾ وأما في الذم فكما في هذا الموضع.
وقوله: ﴿ إِثْماً مُّبِيناً ﴾ منصوب على التمييز.
<div class="verse-tafsir"