الإسلام > القرآن > تفسير > الماتريدي > سورة 4 النساء > الآيات ١٠٢-١٠٣
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 15 دقيقة قراءةقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ ٱلصَّلاَةَ...
﴾ الآية.
اختلف أهل العلم في صلاة الخوف: قال بعض أهل العلم: يجعل الإمام القوم طائفتين، يصلي بالطائفة [الأولى] ركعة، ويصف الطائفة الأخرى مصاف العدو، فإذا صلى بهم ركعة؛ فيقومون ويصلون الركعة الثانية وحداناً.
ثم ينصرفون ويقومون مقامهم بإزاء العدو، وترجع الطائفة التي كانت مصاف العدو فيصلي بهم الإمام الركعة الثانية، ثم يسلم بهم الإمام، فيقومون ويقضون الركعة الأولى وحداناً.
ويقولون: لأنه ليس في الآية إتيان الطائفة الأولى وعودها إلى الإمام؛ لذلك لا يفعل.
وقالوا - أيضاً - بأن القيام بعد الفراغ من الصلاة مصاف العدو أطمع وأرجى من القيام قبل الفراغ منها.
[و] قيل: بل القيام مصاف العدو، وهم في الصلاة أطمع وأرجى من القيام في غير الصلاة.
وأما أصحابنا - رحمهم الله - فإنهم ذهبوا إلى ما روي في الأخبار.
روي عن ابن عمر - - قال: صلى رسول الله صلاةَ الخوف: فصلى بإحدى الطائفتين ركعة والطائفة الأخرى مواجهو العدو، ثم انصرفوا وقاموا في مقام أصحابهم، مقبلين على العدو، وجاء أولئك، فصلى بهم النبي ركعة ثم سلم النبي ، ثم قضى هؤلاء ركعة، وهؤلاء ركعة.
وعن عبد الله قال: صلى بنا رسول الله صلاة الخوف، فقاموا صفين: فقام صف خلف النبي وصفٌّ مستقبلٌ العدوَّ، وصلى رسول الله بالصف الذي يلونه ركعة، ثم قاموا فذهبوا وقاموا مقام أولئك، واستقبل هؤلاء العدو، وجاء أولئك فقاموا مقام هؤلاء، فصلى بهم رسول الله ركعة، ثم سلم، فقاموا يصلون لأنفسهم ركعة، ثم سلموا، فذهبوا فقاموا مقام أولئك مستقبلين العدو، وجاء أولئك إلى مقامهم، فصلوا لأنفسهم ركعة، ثم سلموا.
وروى ابن عباس وزيد بن ثابت وحذيفة بن اليمان - م - عن النبي نحو ذلك، فاتفق على هذه الرواية عن النبي هؤلاء الجماعة من الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين -: ابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وزيد بن ثابت، وحذيفة؛ كلهم يقولون: إن [رسول الله ] صلى بإحدى الطائفتين ركعة، والطائفة الأخرى مواجهو العدو، ثم صلى بالطائفة الأخرى ركعة، وإن واحداً منهم لم يقض بقية صلاته حتى فرغ النبي من صلاته كلها، فصلى المؤتمون ما بقي عليهم من صلاتهم؛ وهذا نظراً لما عليه المسلمون جميعاً فيما سبقهم الإمام: لا يقضونه حتى يفرغ الإمام من صلاته، ثم يقضون ما فاتهم، والأخبار التي جاءت بخلاف ذلك يحتمل أن تكون في الوقت الذي كانوا يقضون الفائتة قبل فراغ الإمام من صلاته، ثم نسخ ذلك بما توارث الأمة القضاء بعد الفراغ، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلْيَأْخُذُوۤاْ أَسْلِحَتَهُمْ ﴾ اختلف فيه.
قيل: هم الطائفة التي بإزاء العدو، يأخذون السلاح؛ ليكون أهيب للحرب والقتال.
وقيل: هم الطائفة الذي يصلون، يأخذون السلاح حتى إذا استقبلهم العدو والحرب يقدرون على ذلك.
وقيل: إذا وقع بينهم الحرب فلهم تأخير الصلاة إلى وقت انقطاع الحرب بينهم.
وقال الحسن: يصلي الإمام بكل طائفة تمام الصلاة؛ لأنه ذكر في الخبر أنه كان يصلي بكل طائفة سجدة، والسجدة هي اسم التمام، وهذا جائز في اللغة.
لكن عندنا ما ذكرنا من الأخبار عن الصحابة: عن عمر، وابن عباس، وغيرهما - رضوان الله عليهم أجمعين - حيث قالوا: صلاة السفر ركعتان، وصلاة الفطر والأضحى ركعتان، وصلاة الخوف ركعة تمام غير قصر، وما روينا أن النبي سجد بالصف الأول، ولم يسجد معه الصف الثاني، فلما رفع رسول الله رأسه من السجدتين سجدهما أهل الصف الثاني؛ فهذا يدل على أن الأمر ما وصفنا.
وإذا كان العدو مواجَهةَ القبلة فالإمام بالخيار: إن شاء جعل القوم صفين: صفّاً أمامه بإزاء العدو، وصفّاً معه يصلي بهم؛ هكذا روي عن رسول الله أنه فعل [ذلك] بالمسلمين: [و] روى جابر بن عبد الله أن [رسول الله ] صلى بهم والعدو في القبلة، فصلى بطائفة ركعة، وجاءت الأخرى فصلى بها أخرى.
وإن شاء جعل القوم كلهم خلفه صفين فيصلي بهم، فإذا انتهوا إلى السجود، سجد الصف الأول، والصف الثاني يحرس العدو، فلما فرغ هؤلاء من السجود سجد الآخرون، ثم كذلك يفعل بهم في الثانية، وهذا - أيضاً - روى أنه فعل؛ فيختار أيهما شاء.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ ﴾ .
أي: ليكونوا مصاف العدو يحرسونهم من العدو.
[وقوله - عز وجل -:] ﴿ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ ﴾ .
يحتمل قوله - -: ﴿ حِذْرَهُمْ ﴾ ، أي: يأخذون ما يستترون به ويحرسون العدو، من نحو الترس، والدرع، ونحوه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَسْلِحَتَهُمْ ﴾ : ما يقاتل به من السلاح ويحارب.
ويحتمل ما يتحصن به من الحصن، من نحو الجبال وغيرها.
وفيه الأمر بتعلم آداب الحرب والقتال، وأخذ الأهبة والإعداد للعدو دون أن يَكِلُوا الأمر إلى ذلك؛ ولكن يكلوا الأمر إلى ما وعد الله لهم من النصر - بقوله - -: ﴿ وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ﴾ ، وبقوله: ﴿ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ ﴾ وقوله - -: ﴿ وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ ﴾ ، وقوله: ﴿ فَٱنفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ ٱنْفِرُواْ جَمِيعاً ﴾ ، وغيره من الآيات، فيها الدلالة على تعلم آداب الحرب وأخذ الأهبة فيه؛ حيث أمرهم - عز وجل - بمجاهدة العدو في غير آي من القرآن.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَدَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ...
﴾ الآية.
هذا يعلم بالطبع أن كل أحد يطلب الفرصة على عدوه والغفلة منه، هذا معروف في طباع الخلق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ ﴾ : ما يحارب به ويقاتل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَمْتِعَتِكُمْ ﴾ - يحتمل: أمتعتكم: ما يحرس به العدو ويستتر به منه، أي: يطلبون الغفلة عن الأسلحة والأمتعة.
ويحتمل: الأمتعة أن يريد بها غيرها، من: الثياب وغيرها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُمْ مَّرْضَىۤ أَن تَضَعُوۤاْ أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ ﴾ .
في الآية دلالة أن الله - - لم يرد بقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ...
﴾ - بَذْلَها للقتل؛ حيث رخص لهم وضع الأسلحة وأخذ الحذر عندما بُلُوا بالمطر والمرض؛ لأنه لو كان المراد بشراء الأنفس منهم بذلها للقتل - لكان لا يرفع ذلك عندما يخافون على أنفسهم من الهلاك؛ إذ المرض وخوف الهلاك لا يرفع ذلك في الأحوال كلها إذا كان الأمر بذلك أمراً بالقتل والهلاك؛ ألا ترى أن من وجب عليه الرجم لم يرفع عنه بالمرضِ الرجم؛ لأن في الرجم هلاكه، فلما رفع عنهم القتال في حال المرض، أو في الحال الذي يخاف الهلاك - دل أنه لم يرد بشراء الأنفس بذلها للقتل؛ ولكن أراد - والله أعلم - إظهار دين الله، ونصر [أهل دينه]؛ ألا ترى أنه قال في آية أخرى: ﴿ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ﴾ جعل الثواب والأجر عند الغلبة على عدوه مثل ما جعل عند القتل، ولو كان الأمر بذلك أمراً بالقتل خاصة - لا يستوجب الأجر والثواب بغيره؛ دل أنه ما ذكرنا؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً ﴾ : جعل الوعد للقاتل ما جعل للمقتول.
هذا كله يدل أن الأمر بذلك ليس على القتل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ ﴾ .
قد ذكرنا أن الأمر بأخذ الحذر يحتمل وجهين: أحدهما: فيه الأمر بتعلم آداب الحرب وأسباب القتال، وألا يكلوا الأمر إلى ذلك خاصة؛ لكن إلى ما وعد لهم من النصر والظفر على عدوهم بعد أخذ الأهبة؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ...
﴾ الآية [الأنفال: 60]، وقال - -: ﴿ وَلْيَأْخُذُوۤاْ أَسْلِحَتَهُمْ ﴾ الآية [النساء: 102].
والثاني: يحتمل أن يأمرهم بأخذ ما يدفعون به سلاح العدو عن أنفسهم ويتقون به، نحو الترس، أو الدرع، أو البنيان، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً ﴾ .
أي: أعد لهم من العذاب ما يهانون به، نصروا أو غلبوا، وأعد لكم من الثواب ما تشرفون وتفوزون به، نصرتم أو غلبتم؛ فما لكم لا تقاتلون؟!.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِذَا قَضَيْتُمُ ٱلصَّلَٰوةَ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمْ ﴾ .
قيل يحتمل وجهين: يحتمل: ﴿ فَإِذَا قَضَيْتُمُ ٱلصَّلَٰوةَ ﴾ ، أي: إذا فرغتم منها، فاذكروا الله على كل حال، تستعينون به بالنصر على عدوكم، كقوله - - ﴿ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَٱثْبُتُواْ وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً ﴾ أمر بالثبات عند لقاء العدو؛ وذكر الله؛ استعانة منه على عدوهم؛ فعلى ذلك الأول.
ويحتمل: أن يكون معناه: إذا أردتم أن تقضوا الصلاة فاذكروا الله كثيراً في أي حال كنتم: في حال القيام، والركوع، والسجود؛ كقوله: ﴿ وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ ٱلصَّلاَةَ...
﴾ معناه - والله أعلم -: إذا كانت فيهم فأردت أن تقيم لهم الصلاة فافعل كذا؛ فعلى [ذلك] الأول، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِذَا ٱطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَٰوةَ ﴾ .
هذا - والله أعلم - مقابل قوله: ﴿ وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلَٰوةِ إِنْ خِفْتُمْ...
﴾ الآية [النساء: 101]، وقد ذكرنا أن القصر يحتمل وجوهاً: يحتمل: القصر للضرب في الأرض، وهو القصر في عدد الركعات.
ويحتمل القصر للمرض والخوف، فهو قصر الإيماء، فنحن نأخذ بذلك كله على اختلاف الأحوال؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ فَإِذَا ٱطْمَأْنَنتُمْ ﴾ يحتمل الوجوه التي ذكرنا، أي: اذا اطمأننتم صرتم أصحاء؛ فصلوا كذا صلاة الأصحاء.
ويحتمل: ﴿ فَإِذَا ٱطْمَأْنَنتُمْ ﴾ : أمنتم من الخوف؛ فصلوا كذا.
ويحتمل - أيضا -: ﴿ فَإِذَا ٱطْمَأْنَنتُمْ ﴾ إذا رجعتم وأقمتم، فصلوا صلاة المقيمين أربعاً؛ فهذا - والله أعلم - على ما ذكرنا مقابل قوله: ﴿ وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ...
﴾ الآية.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلصَّلَٰوةَ كَانَتْ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ كِتَٰباً مَّوْقُوتاً ﴾ أي: مفروضا، وهو قول ابن عباس.
وقيل: ﴿ كِتَٰباً مَّوْقُوتاً ﴾ أي: لها وقت كوقت الحج، وهو قول ابن مسعود، .
وقيل: ﴿ كِتَٰباً مَّوْقُوتاً ﴾ : محدودا، فنحن نقول بهذا كله، نقول: إنها مفروضة، موقوتة، محدودة؛ على ما قيل، والله أعلم.
والآية ترد على من يقول بأن على الكافر الصلاة؛ لأنه أخبر أنها كانت على المؤمنين كتاباً موقوتا، وهم يقولون: على الكافرين والمؤمنين، لكنها كتبت على المؤمنين فعلا، وعلى الكافرين قولا؛ هذا - والله أعلم - معنى قوله: ﴿ إِنَّ ٱلصَّلَٰوةَ كَانَتْ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ كِتَٰباً مَّوْقُوتاً ﴾ ، أي: فعلها على المؤمنين كتابا موقوتا.
ثم يحتمل قوله: ﴿ كَانَتْ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ كِتَٰباً مَّوْقُوتاً ﴾ أي: لم تزل هي كانت كتاباً موقوتاً على الأمم السالفة، لا أنّ هذه الأمة خصت بها؛ كقول إبراهيم - -: ﴿ رَبِّ ٱجْعَلْنِي مُقِيمَ ٱلصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَتِي ﴾ ، وكقول عيسى - -: ﴿ وَأَوْصَانِي بِٱلصَّلاَةِ وَٱلزَّكَاةِ...
﴾ ، وكقول موسى - -: ﴿ وَٱجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ ﴾ .
ويحتمل قوله - -: ﴿ كَانَتْ ﴾ ، أي: [الصلوات صارت]، ﴿ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ كِتَٰباً مَّوْقُوتاً ﴾ بعد أن لم تكن.
وكل ذلك محتمل، ولكن لا نشهد على الله أنه أراد كذا، وكذلك في قوله - -: ﴿ وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلَٰوةِ ﴾ .
وقوله - -: ﴿ فَإِذَا ٱطْمَأْنَنتُمْ ﴾ نتأول فيه ونعمل فيه بالوجوه كلها على اختلاف الأحوال؛ لاحتماله الوجوه التي ذكرنا؛ فلا نقطع القول فيه، ولا نشهد على الله أنه أراد كذا، وهكذا السبيل في جميع المجتهدات أن نعمل بها، ولا نشهد على الله أنه أراد ذا أو أمر بذا، وبالله التوفيق.
ذكر الله - - ما بَيَّنَ فرض الصلاة ووجوبها في غير موضع من كتابه، منها الآية التي ذكرناها، ومنها قوله - -: ﴿ وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ حُنَفَآءَ وَيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَيُؤْتُواْ ٱلزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ ٱلقَيِّمَةِ ﴾ ، وقوله - -: ﴿ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ فَإِخْوَٰنُكُمْ فِي ٱلدِّينِ ﴾ ، ولم تدل هذه الآيات على كيفية الصلاة وعددها؛ إنما دلت على وجوبها ولزوم فرضها، ودلت آيات أخر على عددها وجمل أوقاتها؛ قال الله - وتعالى -: ﴿ أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيلِ وَقُرْآنَ ٱلْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً ﴾ فهذه ثلاثة أوقات ذكر الله - - فيهن ثلاث صلوات، روي عن مجاهد، عن ابن عباس - - قال: سألته عن قول الله - - ﴿ أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ...
﴾ ؛ قال: إذا زالت الشمس عن بطن السماء، لصلاة: الظهر ﴿ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيلِ ﴾ قال: بذا صلاة المغرب.
وعن ابن عمر - - قال: ﴿ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ ﴾ قال: دلوكها: زيغها بعد نصف النهار، وهو وقت الظهر.
وعن ابن عباس - - قال: دلوكها: زوالها.
وعن عبد الله قال: ﴿ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ ﴾ قال: زوالها.
وقد روي عن ابن مسعود وابن عباس قالا: ﴿ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ ﴾ : غروبها.
فأيَّ التأويلين كان دلوك الشمس فقد أوجب فيه صلاة، وصلاة عند غسق الليل، وصلاة عند الفجر؛ فهذه ثلاث صلوات.
قال الله - -: ﴿ وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ ﴾ ؛ فأحد طرفي النهار يجب فيه صلاة الفجر، وقد ذكر في هذه الآية، والطرف الآخر قبل غروب الشمس؛ فهذه أربعة، وهي العصر.
وروي عن الحسن - - أن الصلوات الخمس مجموعة في هذه الآية: ﴿ وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ...
﴾ ، قال صلاة الفجر، والطرف الآخر: الظهر والعصر: ﴿ وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ...
﴾ المغرب والعشاء.
فأي التأويلين كان فإن صلاة العصر مذكورة في هذه الآية.
وعن ابن عباس - - قال: جمعت هذه الآية مواقيت الصلاة: ﴿ فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ ﴾ المغرب والعشاء، ﴿ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ﴾ : الفجر، ﴿ وَعَشِيّاً ﴾ العصر، ﴿ وَحِينَ تُظْهِرُونَ ﴾ : الظهر.
وعن ابن عباس - - أيضاً: ﴿ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ ٱلْغُرُوبِ ﴾ ؛ قال: الصلاة المكتوبة.
دلت هذه الآيات - والله أعلم - أن الله - - فرض على عباده في كل يوم وليلة خمس صلوات، وبيَّن رسول الله كيف فرضت الصلاة؟
ومتى فرضت؟.
وروي عن عبادة بن الصامت قال: سمعت رسول الله يقول: "خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهَا اللهُ - - عَلَى العِبَادِ، فَمَنْ أَتَى بِهِنَّ لَمْ يُضَيِّعْ مِنْ حَقِّهِنَّ شَيْئاً اسْتِخْفَافاً بِحَقِّهِنَّ؛ فَإِنَّ لَهُ عِنْدَ اللهِ عَهْداً أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِنَّ فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللهِ عَهْدٌ: إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ" وعن أبي معبد، عن ابن عباس - ما - أن النبي حين بعث مُعاذاً إلى اليمن قال: "إِنَّكَ تَأْتِي قَوْماً أَهْلَ الكِتَابِ، فَادْعُهُمْ إِلَى شَهادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ، فَإِنْ أَطَاعُوكَ لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ" .
وعلى ذلك اتفاق الأمة لا اختلاف بينهم، إلا أن قوماً زعموا أن النبي أوجب بعد ذلك الوتر؛ بقوله: "إِنَّ اللهَ زَادَكُمْ صَلاَةً، أَلاَ وَهِيَ الوَتْرُ" وليس في الكتاب ذكر ولا دليل وجوبه؛ فتركنا الكلام فيها، لكن أبا حنيفة - - سلك فيها مسلك المكتوبة؛ احتياطا.
<div class="verse-tafsir"