الإسلام > القرآن > تفسير > الماتريدي > سورة 4 النساء > الآيات ٨٣-٨٤
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 6 دقيقة قراءةقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ ٱلأَمْنِ أَوِ ٱلْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ ﴾ .
وفي حرف ابن مسعود - -: "وإذا جاءهم نبأ من خوف أو أمن أذاعوه" وكذلك في حرف حفصة.
قال الكسائي: هما لغتان، أذعت به وأذعته: إذا أفشيته.
وقيل: سمعوا به وأفشوه.
وقيل: أفشوه وأشاعوه.
ثم اختلف فيمن نزلت: قال الحسن: نزلت في المؤمنين؛ وذلك أنهم إذا سمعوا خبراً من أخبار السرايا والعساكر - مما يسرّون ويفرحون - أفشوه في الناس؛ فرحاً منهم، وإذا سمعوا ما يحزنهم ويهمهم أظهروه في الناس؛ حزناً وغمّاً، ثم استثنى إلا قليلا منهم لا يذيعون ولا يفشون بالخبر؛ فلو سكتوا وردُّوا الخبر إلى [رسول الله] حتى يخبر النبي ما كان من الأمر، أو ردُّوه إلى أولي الأمر حتى يكونوا هم الذين يخبرون به - كان أولى، وهو على التقديم والتأخير.
وقال أبو بكر الكسائي: نزلت الآية في المنافقين؛ وذلك أن المنافقين إذا سمعوا رسول الله يخبر عن نصر المسلمين [أذاعوا] إلى الأعداء بذلك ليستعدوا على ذلك، وإذا سمعوا أن الأعداء قد اجتمعوا وأعدوا للحرب أخبروا بذلك ضعفة أصحاب رسول الله ؛ ليمتنعوا عن الخروج إليهم؛ فقال الله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ ﴾ حتى كان هو مخبرهم عن ذلك، أو ردّوا إلى أولي الأمر منهم؛ ليخبروا بذلك، والله أعلم.
ثم اختلف في ﴿ أُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْهُمْ ﴾ : قيل: هم أمراء السرايا.
وقيل: هم العلماء الفقهاء.
﴿ ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ﴾ .
الذين يطلبون علمه بقوله.
وقيل: ﴿ أُوْلِي ٱلأَمْرِ ﴾ - هاهنا - مثل أبي بكر، وعمر، وعثمان، م.
﴿ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ﴾ أي: يستخرجونه من كتاب الله .
وقيل: ﴿ أُوْلِي ٱلأَمْرِ ﴾ ولاة الأمر الذين يستنبطونه، والذين أذاعوا به: قوم إما منافقون وإما مؤمنون، على ما ذكرنا، إنما هو: أذاعوا به إلا قليلا منهم ﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ...
﴾ الآية على قول بعض.
وقوله: ﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ ٱلشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ .
اختلف فيه: قيل: فَضْلُ الله: [رسولنا] محمد ، ورحمته: القرآن؛ تأويله: لولا محمد والقرآن لاتبعوا الشيطان إلا قليلا منهم لم يتبعوه، ولكن آمنوا بالعقل.
وقيل: ﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ﴾ في الأمر والنهي عن الإذاعة والإفشاء، وإلا لأذاعوه واتبعوا الشيطان في إذاعتهم به ﴿ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ منهم فإنهم لا يذيعون به.
وعن الضحَّاك قال: هم أصحاب النبي كانوا حدَّثوا أنفسهم بأمور من أمور الشيطان إلا طائفة منهم لم يحدثوا بها أنفسهم.
وقال آخرون: هم المنافقون، كانوا إذا بلغهم أن الله - - أظهر المسلمين على المشركين وفتح عليهم - صغروه وحقروه، وإذا بلغهم أن المسلمين نُكِبُوا نكبة - شنعوه وعظموه.
وعن ابن عباس - -: ﴿ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ يقول: لعلموا الأمر الذي يريدون، والخير كله، ﴿ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ يقول: لم يخف عليهم إلا قليلا من ذلك الأمر؛ ﴿ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ...
﴾ الآية.
وعن الحسن قال: هم الذين استثنى الله - عز وجل - حين قال إبليس - لعنه الله - ﴿ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ وحيث قال: ﴿ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ ﴾ .
وقال غيرهم ما ذكرنا على التقديم والتأخير: وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به إلا قليلا منهم، والله أعلم بذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ ﴾ .
قوله: ﴿ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ ﴾ يحتمل: وجهين: أي: ليس عليك حسابهم ولا جزاء تخلفهم، إنما حساب ذلك عليهم؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ ﴾ ، وكقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ ﴾ .
والثاني: ﴿ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ ﴾ .
أي: تكلف أنت بالقتال والجهاد، وإن تخلف هؤلاء عن الخروج معك؛ يؤيد ذلك ما روي عن ابن عباس - - قال: هذا حين استنفر النبي أصحابه - م - بوعد أبي سفيان بدرا الصغرى، فخذله الناس؛ فأنزل الله - - هذه الآية؛ فقال رسول الله : "لأَخْرُجَنَّ إِلَى بَدْرٍ وَإِنْ لَمْ يَتَّبِعْنِى أَحَدٌ مِنْكُمْ" ، فاتبعه أقل الصحابة - م - وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل.
وفيه دليل وعد النصر له والفتح، والنكبة على الأعداء؛ لأنه تكلف الخروج وحده؛ فلو لم يكن وعد النصر له - لم يؤمر بالخروج؛ ألا ترى أنه قال الله - عز وجل -: ﴿ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ ، و"عسى" من الله - - واجب.
وفي قوله - -: ﴿ عَسَى ٱللَّهُ ﴾ وعد نصره وإن خرج وحده؛ إذ الـ "عسى" هو من الله واجب.
وقوله - عز وجل -: و ﴿ حَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ يحتمل وجوهاً: يحتمل: حرض المؤمنين بالثواب لهم وكريم المآب على ذلك.
ويحتمل قوله - -: و ﴿ حَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ؛ لما في القتال معهم إظهار دين الله - الإسلام - وفي ترك المجاهدة والقتال معهم نصر العدو عليهم، وإظهار دينهم، أمر - عز وجل - رسوله ليرغبهم في مجاهدة أعدائهم.
والثالث: وحرض المؤمنين على المجاهدة والقتال معهم؛ وعداً بالنصر لهم، والفتح، والغنيمة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ .
والـ"عسى" من والله واجب؛ وعد الله نبيه أن يكلف عنهم بأس الذين كفروا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنكِيلاً ﴾ .
قيل: وقوله: ﴿ أَشَدُّ بَأْساً ﴾ ؛ لما يدفع بأس المشركين عنكم، ولا يقدرون هم دفع بأس الله عن أنفسهم؛ فبأس الله أشد.
وقوله - -: ﴿ وَأَشَدُّ تَنكِيلاً ﴾ ، قيل: التنكيل: هو العذاب الذي يكون للآخر فيه زجر ومنع.
وقيل: حين قال له: ﴿ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ ﴾ ؛ ولو لم يتبعك أحد من الناس - لكف الله عنك بأس المشركين.
وقيل: البأس: هو عذاب الدنيا، والتنكيل والنكال: هو عذاب الآخرة؛ كأنه يخوفهم ببأسه؛ لتخلفهم عن العدو ومخافة بأسهم وعذابهم؛ فأخبر [الله - عز جل -] أن بأس الله وعذابه أشد من بأس الأعداء، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"