الآية ٨٣ من سورة النساء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ٨٣ من سورة النساء

وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌۭ مِّنَ ٱلْأَمْنِ أَوِ ٱلْخَوْفِ أَذَاعُوا۟ بِهِۦ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰٓ أُو۟لِى ٱلْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنۢبِطُونَهُۥ مِنْهُمْ ۗ وَلَوْلَا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُۥ لَٱتَّبَعْتُمُ ٱلشَّيْطَـٰنَ إِلَّا قَلِيلًۭا ٨٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 157 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٨٣ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٨٣ من سورة النساء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ) إنكار على من يبادر إلى الأمور قبل تحققها ، فيخبر بها ويفشيها وينشرها ، وقد لا يكون لها صحة .

وقد قال مسلم في " مقدمة صحيحه " حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا علي بن حفص ، حدثنا شعبة ، عن خبيب بن عبد الرحمن ، عن حفص بن عاصم ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " كفى بالمرء أن يحدث بكل ما سمع " وكذا رواه أبو داود في كتاب " الأدب " من سننه ، عن محمد بن الحسين بن إشكاب ، عن علي بن حفص ، عن شعبة ورواه مسلم أيضا من حديث معاذ بن هشام العنبري ، وعبد الرحمن بن مهدي .

وأخرجه أبو داود أيضا من حديث حفص بن عمر النمري ، ثلاثتهم عن شعبة ، عن خبيب عن حفص بن عاصم ، به مرسلا .

وفي الصحيحين عن المغيرة بن شعبة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن قيل وقال أي : الذي يكثر من الحديث عما يقول الناس من غير تثبت ، ولا تدبر ، ولا تبين .

وفي سنن أبي داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " بئس مطية الرجل زعموا عليه " .

وفي الصحيح : " من حدث بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين " .

ويذكر هاهنا حديث عمر بن الخطاب المتفق عليه ، حين بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلق نساءه ، فجاءه من منزله حتى دخل المسجد فوجد الناس يقولون ذلك ، فلم يصبر حتى استأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستفهمه : أطلقت نساءك ؟

قال : " لا " .

فقلت : الله أكبر .

وذكر الحديث بطوله .

وعند مسلم : فقلت : أطلقتهن ؟

فقال : " لا " فقمت على باب المسجد فناديت بأعلى صوتي : لم يطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه .

ونزلت هذه الآية : ( وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ) فكنت أنا استنبطت ذلك الأمر .

ومعنى قوله : ( يستنبطونه ) أي : يستخرجونه ويستعلمونه من معادنه ، يقال : استنبط الرجل العين ، إذا حفرها واستخرجها من قعورها .

ومعنى قوله : ( لاتبعتم الشيطان إلا قليلا ) قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : يعني المؤمنين .

وقال عبد الرزاق ، عن معمر ، عن قتادة : ( لاتبعتم الشيطان إلا قليلا ) يعني : كلكم .

واستشهد من نصر هذا القول .

بقول الطرماح بن حكيم ، في مدح يزيد بن المهلب : أشم كثير يدي النوال قليل المثالب والقادحة يعني : لا مثالب له ، ولا قادحة فيه .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به "، وإذا جاء هذه الطائفة المبيّتة غير الذي يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم=" أمرٌ من الأمن "، فالهاء والميم في قوله: " وإذا جاءهم "، من ذكر الطائفة المبيتة= يقول جل ثناؤه: وإذا جاءهم خبرٌ عن سريةٍ للمسلمين غازية بأنهم قد أمِنوا من عدوهم بغلبتهم إياهم=" أو الخوف "، يقول: أو تخوّفهم من عدوهم بإصابة عدوهم منهم=" أذاعوا به "، يقول: أفشوه وبثّوه في الناس قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقبل مأتَى سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم (17) = و " الهاء " في قوله: " أذاعوا به "، من ذكر " الأمر ".

وتأويله أذاعوا بالأمر من الأمن أو الخوف الذي جاءهم.

* * * يقال منه: " أذاع فلان بهذا الخبر، وأذاعه "، ومنه قول أبي الأسود: أَذَاعَ بِــهِ فِـي النَّـاسِ حَـتَّى كَأَنَّـهُ بِعَلْيَــاءَ نَــارٌ أُوقِــدَتْ بِثَقُــوبِ (18) وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

*ذكر من قال ذلك: 9990 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به "، يقول: سارعوا به وأفشوه.

9991 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به "، يقول: إذا جاءهم أمر أنهم قد أمنوا من عدوهم، أو أنهم خائفون منهم، أذاعوا بالحديث حتى يبلغ عدوَّهم أمرُهم.

9992 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: " وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به "، يقول: أفشوه وسعَوْا به.

(19) 9993 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج: " وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به "، قال هذا في الأخبار، إذا غزت سريّة من المسلمين تخبَّر الناس بينهم فقالوا (20) " أصاب المسلمون من عدوهم كذا وكذا "،" وأصاب العدو من المسلمين كذا وكذا "، فأفشوه بينهم، من غير أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي أخبرهم (21) = قال ابن جريج: قال ابن عباس قوله: " أذاعوا به "، قال: أعلنوه وأفشوه.

9994 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " أذاعوا به "، قال: نشروه.

قال: والذين أذاعوا به، قوم: إمّا منافقون، وإما آخرون ضعفوا.

(22) 9995 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال: سمعت أبا معاذ يقول: أفشوه وسَعَوْا به، (23) وهم أهل النفاق.

* * * القول في تأويل قوله : وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " ولو ردوه "، الأمر الذي نالهم من عدوهم [والمسلمين]، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى أولي أمرهم (24) = يعني: وإلى أمرائهم = وسكتوا فلم يذيعوا ما جاءهم من الخبر، حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو ذو وأمرهم، هم الذين يتولّون الخبر عن ذلك، (25) بعد أن ثبتت عندهم صحته أو بطوله، (26) فيصححوه إن كان صحيحًا، أو يبطلوه إن كان باطلا =" لعلمه الذين يستنبطونه منهم "، يقول: لعلم حقيقة ذلك الخبر الذي جاءهم به، الذين يبحثون عنه ويستخرجونه =" منهم "، يعني: أولي الأمر =" والهاء "" والميم " في قوله: " منهم "، من ذكر أولي الأمر = يقول: لعلم ذلك من أولي الأمر من يستنبطه.

* * * وكل مستخرج شيئًا كان مستترًا عن أبصار العيون أو عن معارف القلوب، فهو له: " مستنبط"، يقال: " استنبطت الركية "، (27) إذا استخرجت ماءها،" ونَبَطتها أنبطها "، و " النَّبَط"، الماء المستنبط من الأرض، ومنه قول الشاعر: (28) قَــرِيبٌ ثَــرَاهُ, مـا يَنَـالُ عَـدُوُّه لَــهُ نَبَطًـا, آبِـي الهَـوَانِ قَطُـوبُ (29) يعني: ب " النبط"، الماء المستنبط.

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

*ذكر من قال ذلك: 9996 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم "، يقول: ولو سكتوا وردوا الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإلى أولي أمرهم حتى يتكلم هو به =" لعلمه الذين يستنبطونه "، يعني: عن الأخبار، وهم الذين يُنَقِّرون عن الأخبار.

9997 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم "، يقول: إلى علمائهم =(لعلمه الذين يستنبطونه منهم)، لعلمه الذين يفحصون عنه ويهمّهم ذلك.

(30) 9998 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج: " ولو ردوه إلى الرسول "، حتى يكون هو الذي يخبرهم =" وإلى أولي الأمر منهم "، الفقه في الدين والعقل.

(31) 9999 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: " ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم "، العلم (32) =" الذين يستنبطونه منهم "، يتتبعونه ويتحسسونه.

10000 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، أخبرنا ليث، عن مجاهد: " لعلمه الذين يستنبطونه منهم "، قال: الذين يسألون عنه ويتحسسونه.

10001 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، &; 8-573 &; عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: " يستنبطونه "، قال: قولهم: " ما كان "؟" ماذا سمعتم "؟

10002 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

10003 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: " الذين يستنبطونه "، قال: يتحسسونه.

10004 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " لعلمه الذين يستنبطونه منهم "، يقول: لعلمه الذين يتحسسونه منهم.

10005 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: " يستنبطونه منهم "، قال، يتتبعونه.

10006 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ حتى بلغ " وإلى أولي الأمر منهم "، قال: الولاة الذين يَلُون في الحرب عليهم، (33) الذين يتفكرون فينظرون لما جاءهم من الخبر: أصدق، أم كذب؟

أباطل فيبطلونه، أو حق فيحقونه؟

قال: وهذا في الحرب، وقرأ: أَذَاعُوا بِهِ ، ولو فعلوا غير هذا: وردوه إلى الله وإلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم، الآية.

* * * القول في تأويل قوله : وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلا قَلِيلا (83) قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: ولولا إنعام الله عليكم، أيها المؤمنون، بفضله وتوفيقه ورحمته، (34) فأنقذكم مما ابتلى به هؤلاء المنافقين = الذين يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمرهم بأمر: طَاعَةٌ ، فإذا برزوا من عنده بيت طائفة منهم غير الذي يقول = لكنتم مثلهم، فاتبعتم الشيطان إلا قليلا كما اتبعه هؤلاء الذين وصف صفتهم.

* * * وخاطب بقوله تعالى ذكره: " ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان "، الذين خاطبهم بقوله جل ثناؤه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا [سورة النساء: 71].

* * * ثم اختلف أهل التأويل في" القليل "، الذين استثناهم في هذه الآية: من هم؟

ومن أيّ شيء من الصفات استثناهم؟

فقال بعضهم: هم المستنبطون من أولي الأمر، استثناهم من قوله: لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ، ونفى عنهم أن يعلموا بالاستنباط ما يعلم به غيرهم من المستنبطين من الخبر الوارد عليهم من الأمن أو الخوف.

(35) *ذكر من قال ذلك: 10007 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، &; 8-575 &; عن قتادة قال: إنما هو: لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ = إلا قليلا منهم =" ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان ".

10008 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: " ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا "، يقول: لاتبعتم الشيطان كلّكم = وأما قوله: " إلا قليلا "، فهو كقوله: لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ، إلا قليلا.

10009 - حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك قراءة، عن سعيد، عن قتادة: " ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا "، قال يقول: لاتبعتم الشيطان كلكم.

وأما " إلا قليلا "، فهو كقوله: لعلمه الذين يستنبطونه منهم إلا قليلا.

10010 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج، عن ابن جريج نحوه = يعني نحو قول قتادة = وقال: لعلموه إلا قليلا.

وقال آخرون: بل هم الطائفة الذين وصفهم الله أنهم يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم: طَاعَةٌ ، فإذا برزوا من عنده بيتوا غير الذي قالوا.

ومعنى الكلام: وإذا جاءهم أمرٌ من الأمن أو الخوف أذاعوا به = إلا قليلا منهم.

*ذكر من قال ذلك: 10011 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: " ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا "، فهو في أول الآية لخبر المنافقين، قال: وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ، يعني بـ " القليل "، المؤمنين، كقوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْـزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا * قَيِّمًا [سورة الكهف: 1 - 2] يقول الحمد لله الذي أنـزل الكتاب عدلا قيّما، ولم يجعل له عوجًا.

(36) 10012 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: هذه الآية مقدَّمة ومؤخرة، إنما هي: أذاعوا به إلا قليلا منهم، ولولا فضل الله عليكم ورحمته لم ينج قليل ولا كثير.

* * * وقال آخرون: بل ذلك استثناء من قوله: " لاتبعتم الشيطان ".

وقالوا: الذين استثنوا هم قوم لم يكونوا همّوا بما كان الآخرون همّوا به من اتباع الشيطان.

فعرَّف الله الذين أنقذهم من ذلك موقع نعمته منهم، واستثنى الآخرين الذين لم يكن منهم في ذلك ما كان من الآخرين.

*ذكر من قال ذلك: 10013 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك بن مزاحم يقول: في قوله: " ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا "، قال: هم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، كانوا حدّثوا أنفسهم بأمور من أمور الشيطان، إلا طائفة منهم.

* * * وقال آخرون معنى ذلك: ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان جميعًا.

&; 8-577 &; قالوا: وقوله: " إلا قليلا "، خرج مخرج الاستثناء في اللفظ، وهو دليل على الجميع والإحاطة، وأنه لولا فضل الله عليهم ورحمته لم ينج أحدٌ من الضلالة، فجعل قوله: " إلا قليلا "، دليلا على الإحاطة، (37) واستشهدوا على ذلك بقول الطرِمّاح بن حكيم، في مدح يزيد بن المهلب: أَشَـــمُّ كَثِــيرُ يُــدِيِّ النَّــوَالِ, قَلِيـــلُ المَثَـــالِبِ وَالقَادِحَـــةْ (38) قالوا: فظاهر هذا القول وصف الممدوح بأن فيه المثالب والمعايب، ومعلوم أن معناه أنه لا مثالب فيه ولا معايب.

لأن من وصف رجلا بأنّ فيه معايب، وإن وصف الذي فيه من المعايب بالقلة، فإنما ذمَّه ولم يمدحه.

ولكن ذلك على ما وصفنا من نفي جميع المعايب عنه.

قالوا: فكذلك قوله: " لاتبعتم الشيطان إلا قليلا "، إنما معناه: لاتبعتم جميعكم الشيطان.

* * * قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب في ذلك عندي، قولُ من قال: عنى باستثناء " القليل " من " الإذاعة "، وقال: معنى الكلام: وإذا جاءهم أمرٌ من الأمن أو الخوف أذاعوا به إلا قليلا ولو ردوه إلى الرسول.

* * * وإنما قلنا إن ذلك أولى بالصواب، لأنه لا يخلو القولُ في ذلك من أحد الأقوال التي ذكرنا، وغير جائز أن يكون من قوله: " لاتبعتم الشيطان "، لأن من تفضل الله عليه بفضله ورحمته، فغير جائز أن يكون من تُبَّاع الشيطان.

* * * وغير جائز أن نحمل معاني كتاب الله على غير الأغلب المفهوم بالظاهر من الخطاب في كلام العرب، ولنا إلى حمل ذلك على الأغلب من كلام العرب، سبيل، فنوجِّهه إلى المعنى الذي وجهه إليه القائلون (39) " معنى ذلك: لاتبعتم الشيطان جميعًا "، ثم زعم أن قوله: " إلا قليلا "، دليل على الإحاطة بالجميع.

هذا مع خروجه من تأويل أهل التأويل.

(40) * * * وكذلك لا وجه لتوجيه ذلك إلى الاستثناء من قوله: لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ، لأن علم ذلك إذا رُدَّ إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم، فبيَّنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأولو الأمر منهم بعد وضوحه لهم، استوى في علم ذلك كلّ مستنبطٍ حقيقتَه، (41) فلا وجه لاستثناء بعض المستنبطين منهم، وخصوص بعضهم بعلمه، مع استواء جميعهم في علمه.

وإذْ كان لا قول في ذلك إلا ما قلنا، ودخَل هذه الأقوال الثلاثة ما بيّنا من الخلل، (42) فبيِّنٌ أن الصحيح من القول في ذلك هو الرابع، وهو القول الذي قضينا له بالصواب من الاستثناء من " الإذاعة ".

(43) ---------------- الهوامش : (17) في المطبوعة: "وقبل أمراء سرايا رسول الله" وفي المخطوطة: "وقبل أمانا" وجر مع الميم شبه الراء ، فاختلطت الكلمة ، ورجحت صواب قراءتها ما أثبت.

(18) ديوانه (في نفائس المخطوطات: 2): 44 ، والأغاني 12: 305 ، مجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 133 ، اللسان (ذيع) ، من أبيات قالها أبو الأسود الدؤلي لما خطب امرأة من عبد القيس يقال لها أسماء بنت زياد ، فأسر أمرها إلى صديق له ، فحدث الصديق ابن عم لها كان يخطبها ، فمشى ابن عمها إلى أهلها وسألهم أن يمنعوها من نكاحه ، ففعلوا ، وضاروها حتى تزوجت ابن عمها ، فقال أبو الأسود: أَمِنْـتُ امْـرءَا فِي السَّرِّ لَمْ يَكُ حَازِمًا ولكِنَّـهُ فِـي النُّصْـحِ غَـيْرُ مُـرِيبِ أَذَاعَ بِـهِ فِـي النَّـاسِ، حَـتَّى كأنَّـهُ بِعَلْيَــاءَ نَــارٌ أُوقِــدَتْ بِثُقـوبِ وَكُـنْتَ مَتَـى لَـمْ تَـرْعَ سِرَّكَ تَلْتَبِسْ قَوَارِعُــهُ مِـنْ مُخْـطِئٍ وَمُصِيـبِ فَمَـا كُـلُّ ذِي نُصْـحٍ بِمُؤْتِيكَ نُصْـحَهُ وَمَــا كُـلُّ مُـؤْتٍ نُصْحَـهُ بِلَبِيـبِ وَلكِـنْ إِذَا مَـا اسْـتُجْمِعَا عِنْـدَ وَاحِدٍ، فَحُـقَّ لــهُ مِـنْ طَاعَـةٍ بِنَصِيـبِ وهي أبيات حسان كما ترى ، و"الثقوب": ما أثقبت به النار ، أي أوقدتها.

(19) في المطبوعة: "وشنعوا به" ، والصواب من المخطوطة."سعى بفلان إلى الوالي" ، وشى به إليه ، وهذا من مجازه: أي: مشى بالخبر حتى يبلغ العدو ، فكأنه وشى بالسرايا إلى عدوهم.

وانظر التعليق التالي رقم: 4.

(20) في المطبوعة: إذا غزت سرية من المسلمين خبر الناس عنها" غير ما في المخطوطة إذ لم يفهمه!

وقوله: "تخبر الناس بينهم" ، أي تساءلوا عن أخبارهم بينهم: يقال: "تخبر الخبر واستخبر" ، إذا سأل عن الأخبار ليعرفها.

(21) في المطبوعة: "هو الذي يخبرهم به" ، لا أدري لم غير ما في المخطوطة.

(22) في المطبوعة: "وإما آخرون ضعفاء" وأثبت ما في المخطوطة.

(23) في المطبوعة: "وشنعوا به" كما سلف في ص569 تعليق: 1.

(24) قوله: "والمسلمين" هكذا في المخطوطة والمطبوعة ، ولم أدر ما هو ، فتركته على حاله ، ووضعته بين القوسين ، وأخشى أن يكون سقط من الكلام شيء.

وبحذف ما بين القوسين يستقيم الكلام على وجهه.

(25) في المطبوعة والمخطوطة: "هم الذين يقولون الخبر عن ذلك" وهو كلام مريض ، صوابه ما أثبت ، وهو تصحيف ناسخ.

(26) في المطبوعة: "ثبتت عندهم" أساء قراءة المخطوطة ، لأنها غير منقوطة.

و"البطول" مصدر"بطل الشيء" ومثله"البطلان".

(27) "الركية": البئر تحفر.

(28) هو كعب بن سعد الغنوي ، أو: غريقة بن مسافع العبسي ، وانظر تفصيل ذلك في التعليق على الأصمعيات ، وتخريج الشعر هناك.

(29) الأصمعيات: 103 ، وتخريجه هناك.

وقوله: "قريب الثرى" ، يريدون كرمه وخيره.

و"الثرى": التراب الندي ، كأنه خصيب الجناب.

وقوله: "ما ينال عدوه له نبطًا" ، أي لا يرد ماءه عدو ، من عزه ومنعته ، / إذا حمى أرضًا رهب عدوه بأسه."آبى الهوان" لا يقيم على ذل.

و"قطوب": عبوس عند الشر (30) في المخطوطة: "يفصحون عنه" ، وهو تصحيف ، قدم وأخر.

(31) في المطبوعة: "أولى الفقه" زاد"أولى" ، والذي في المخطوطة صواب أيضًا ، على طريقة قدماء المفسرين في الاختصار ، كما سلف آلافًا من المرات.

(32) في المطبوعة: "لعلمه" مكان"العلم" ، والذي في المخطوطة صواب ، كما سلف في التعليق السابق ، وهو طريقتهم في الاختصار ، ويعني"أولي العلم".

(33) في المطبوعة: "الذين يكونون في الحرب عليهم" ، لم يحسن قراءة المخطوطة ، فغير وبدل.

(34) انظر تفسير"الفضل" فيما سلف: 535 ، تعليق: 4 ، والمراجع هناك.

(35) انظر معاني القرآن للفراء 1: 279 ، ويعني أن الاستثناء من"الاستنباط" لا من"الإذاعة".

(36) الأثر: 10011- نص هذا الأثر في المطبوعة: "ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان- فانقطع الكلام ، وقوله: "إلا قليلا" ، فهو في أول الآية يخبر عن المنافقين ، قال: وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به- إلا قليلا.

يعني بالقليل المؤمنين كقول الحمد لله..." إلى آخر الأثر.

وهو منقول من الدر المنثور 2: 187.

أما في المخطوطة ، فهو كمثل الذي أثبته ، إلا أنه قال في آخره: "يقول الحمد لله الذي أنزل الكتاب عدلا قيما..." إلى آخر الكلام.

وقد رجحت أن الذي في المخطوطة من صدر الكلام هو الصواب ، وأن آخر الخبر قد سقط منه ذكر نص الآية من سورة الكهف ، فأثبتها بين الكلامين.

وقوله: "فهو في أول الآية لخبر المنافقين" ، يعني أنه مردود إلى أول الآية في خبرهم.

ثم عقب على ذلك بذكر آية سورة الكهف ، وبين ما فيها من التقديم والتأخير.

وكأن الذي رجحت هو الصواب.

(37) انظر ما قاله في معنى"القليل" فيما سلف 2: 331 / 8: 439 ، وما كتبته في الجزء الأول: 554 ، تعليق: 1.

(38) ديوانه: 139."الأشم": السيد ذو الأنفة والكبرياء ، من"الشمم" وهو ارتفاع في قصبة الأنف ، مع استواء أعلاه ، وإشراف الأرنبة قليلا.

وهو من صفات الكرم والعتق.

وقوله"يدي" (بضم الياء وكسر الدال ، والياء المشددة) أو (بفتح الياء وكسر الدال وتشديد الياء) ، جمع"يد" الأول جمعها على وزن"فعول" ، مثل فلس وفلوس ، والثاني جمعها على وزن"فعيل" مثل عبد وعبيد.

كأنه قال: كثير أيدي النوال.

وفي ديوانه: "يدي" بفتح الياء والدال وهو خطأ.

وفي المخطوطة: "برى النوادي" ، وهو خطأ لا معنى له.

و"المثالب" جمع"مثلبة" ، وهي العيوب الجارحة.

و"القادحة" يعني بها: العيوب التي تقدح في أصله وخلائقه ، سماها بالقادحة ، وهي الدودة التي تأكل الأسنان ، أو الأشجار ، ووضعها اسما للجمع.

(39) في المطبوعة: "فتوجيهه إلى المعنى" ، كأنه ابتداء كلام ، وهو فساد في القول ، والصواب ما في المخطوطة.

ومن أجل هذا الخطأ في قراءة المخطوطة ، زاد الناشر: "لا وجه له" كما سترى في التعليق التالي.

وهو عمل غير حسن.

(40) في المطبوعة: "...

من تأويل أهل التأويل ، لا وجه له" ، فحذفت هذه الكلمة التي زادها الناشر ، ليستقيم له قراءة الكلام.

وانظر التعليق السالف.

(41) في المطبوعة والمخطوطة: "كل مستنبط حقيقة" ، والسياق يقتضي ما أثبت.

(42) في المطبوعة والمخطوطة: "فدخل" ، ولا معنى للفاء هنا ، والصواب ما أثبته.

(43) انظر معاني القرآن للفراء 1: 279 ، 280.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا[ ص: 251 ] قوله تعالى : وإذا جاءهم أمر من الأمن في إذا معنى الشرط ولا يجازى بها وإن زيدت عليها " ما " وهي قليلة الاستعمال .

قال سيبويه .

والجيد ما قال كعب بن زهير :وإذا ما تشاء تبعث منها مغرب الشمس ناشطا مذعورايعني أن الجيد لا يجزم بإذا ما كما لم يجزم في هذا البيت ، وقد تقدم في أول " البقرة " .والمعنى أنهم إذا سمعوا شيئا من الأمور فيه أمن نحو ظفر المسلمين وقتل عدوهم أو الخوف وهو ضد هذا أذاعوا به أي أفشوه وأظهروه وتحدثوا به قبل أن يقفوا على حقيقته .

فقيل : كان هذا من ضعفة المسلمين ؛ عنالحسن ؛ لأنهم كانوا يفشون أمر النبي صلى الله عليه وسلم ويظنون أنهم لا شيء عليهم في ذلك .

وقال الضحاك وابن زيد : وهو في المنافقين فنهوا عن ذلك لما يلحقهم من الكذب في الإرجاف .قوله تعالى : ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم أي لم يحدثوا به ولم يفشوه حتى يكون النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي يحدث به ويفشيه .

أو أولوا الأمر وهم أهل العلم والفقه ؛ عن الحسن وقتادة وغيرهما .

السدي وابن زيد : الولاة .

وقيل : أمراء السرايا .

لعلمه الذين يستنبطونه منهم أي يستخرجونه ، أي لعلموا ما ينبغي أن يفشى منه وما ينبغي أن يكتم .

والاستنباط مأخوذ من استنبطت الماء إذا استخرجته .

والنبط : الماء المستنبط أول ما يخرج من ماء البئر أول ما تحفر .

وسمي النبط نبطا لأنهم يستخرجون ما في الأرض .

والاستنباط في اللغة الاستخراج ، وهو يدل على الاجتهاد إذا عدم النص والإجماع كما تقدم .قوله تعالى : ولولا فضل الله عليكم ورحمته رفع بالابتداء عند سيبويه ، ولا يجوز أن يظهر الخبر عنده .

والكوفيون يقولون : رفع بلولا .

لاتبعتم الشيطان إلا قليلا في هذه الآية ثلاثة أقوال ؛ قال ابن عباس وغيره : المعنى أذاعوا به إلا قليلا منهم لم يذع ولم يفش .

وقاله جماعة من النحويين : الكسائي والأخفش وأبو عبيد وأبو حاتم والطبري .

وقيل : المعنى لعلمه الذين يستنبطونه منهم إلا قليلا منهم ؛ عن الحسن وغيره ، واختاره الزجاج قال : لأن هذا الاستنباط الأكثر يعرفه ؛ لأنه استعلام خبر .

واختار الأول الفراء قال : لأن علم السرايا إذا ظهر علمه المستنبط وغيره ، والإذاعة تكون في بعض دون بعض .

قال الكلبي عنه : فلذلك استحسنت [ ص: 252 ] الاستثناء من الإذاعة .

قال النحاس : فهذان قولان على المجاز ، يريد أن في الكلام تقديما وتأخيرا .

وقول ثالث بغير مجاز : يكون المعنى ولولا فضل الله عليكم ورحمته بأن بعث فيكم رسولا أقام فيكم الحجة لكفرتم وأشركتم إلا قليلا منكم فإنه كان يوحد .

وفيه قول رابع - قال الضحاك : المعنى لاتبعتم الشيطان إلا قليلا ، أي إن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم حدثوا أنفسهم بأمر من الشيطان إلا قليلا ، يعني الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى .

وعلى هذا القول يكون قوله إلا قليلا مستثنى من قوله لاتبعتم الشيطان .

قال المهدوي : وأنكر هذا القول أكثر العلماء ، إذ لولا فضل الله ورحمته لاتبع الناس كلهم الشيطان .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

هذا تأديب من الله لعباده عن فعلهم هذا غير اللائق.

وأنه ينبغي لهم إذا جاءهم أمر من الأمور المهمة والمصالح العامة ما يتعلق بالأمن وسرور المؤمنين، أو بالخوف الذي فيه مصيبة عليهم أن يتثبتوا ولا يستعجلوا بإشاعة ذلك الخبر، بل يردونه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم، أهلِ الرأي: والعلم والنصح والعقل والرزانة، الذين يعرفون الأمور ويعرفون المصالح وضدها.

فإن رأوا في إذاعته مصلحة ونشاطا للمؤمنين وسرورا لهم وتحرزا من أعدائهم فعلوا ذلك.

وإن رأوا أنه ليس فيه مصلحة أو فيه مصلحة ولكن مضرته تزيد على مصلحته، لم يذيعوه، ولهذا قال: { لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ } أي: يستخرجونه بفكرهم وآرائهم السديدة وعلومهم الرشيدة.

وفي هذا دليل لقاعدة أدبية وهي أنه إذا حصل بحث في أمر من الأمور ينبغي أن يولَّى مَنْ هو أهل لذلك ويجعل إلى أهله، ولا يتقدم بين أيديهم، فإنه أقرب إلى الصواب وأحرى للسلامة من الخطأ.

وفيه النهي عن العجلة والتسرع لنشر الأمور من حين سماعها، والأمر بالتأمل قبل الكلام والنظر فيه، هل هو مصلحة، فيُقْدِم عليه الإنسان؟

أم لا،فيحجم عنه؟

ثم قال تعالى: { وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ } أي: في توفيقكم وتأديبكم، وتعليمكم ما لم تكونوا تعلمون، { لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا } لأن الإنسان بطبعه ظالم جاهل، فلا تأمره نفسه إلا بالشر.

فإذا لجأ إلى ربه واعتصم به واجتهد في ذلك، لطف به ربه ووفقه لكل خير، وعصمه من الشيطان الرجيم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ) وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبعث السرايا فإذا غلبوا أو غلبوا بادر المنافقون يستخبرون عن حالهم ، فيفشون ويحدثون به قبل أن يحدث به رسول الله صلى الله عليه وسلم فيضعفون به قلوب المؤمنين فأنزل الله تعالى ( وإذا جاءهم ) يعني : المنافقين ( أمر من الأمن ) أي : الفتح والغنيمة ( أو الخوف ) القتل والهزيمة ( أذاعوا به ) أشاعوه وأفشوه ، ( ولو ردوه إلى الرسول ) أي : لو لم يحدثوا به حتى يكون النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي يحدث به ، ( وإلى أولي الأمر منهم ) أي : ذوي الرأي من الصحابة مثل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم ، ( لعلمه الذين يستنبطونه منهم ) أي : يستخرجونه وهم العلماء ، أي : علموا ما ينبغي أن يكتم وما ينبغي أن يفشى ، والاستنباط : الاستخراج ، يقال : استنبط الماء إذا استخرجه ، وقال عكرمة : يستنبطونه أي : يحرصون عليه ويسألون عنه ، وقال الضحاك : يتبعونه ، يريد الذين سمعوا تلك الأخبار من المؤمنين والمنافقين ، لو ردوه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وإلى ذوي الرأي والعلم ، لعلمه الذين يستنبطونه منهم ، أي : يحبون أن يعلموه على حقيقته كما هو .

( ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان ) كلكم ( إلا قليلا ) فإن قيل : كيف استثنى القليل ولولا فضله لاتبع الكل الشيطان؟

قيل : هو راجع إلى ما قبله ، قيل : معناه أذاعوا به إلا قليلا لم يفشه ، عني بالقليل المؤمنين ، وهذا قول الكلبي واختيار الفراء ، وقال : لأن علم السر إذا ظهر علمه المستنبط وغيره ، والإذاعة قد تكون في بعض دون بعض ، وقيل : لعلمه الذين يستنبطونه منهم إلا قليلا ثم قوله : ( ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان ) كلام تام .

وقيل : فضل الله : الإسلام ، ورحمته : القرآن ، يقول لولا ذلك لاتبعتم الشيطان إلا قليلا وهم قوم اهتدوا قبل مجيء الرسول صلى الله عليه وسلم ونزول القرآن ، مثل زيد بن عمرو بن نفيل ، وورقة بن نوفل وجماعة سواهما .

وفي الآية دليل على جواز القياس ، فإن من العلم ما يدرك بالتلاوة والرواية وهو النص ، ومنه ما يدرك بالاستنباط وهو القياس على المعاني المودعة في النصوص .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وإذا جاءهم أمر» عن سرايا النبي صلى الله عليه وسلم ما حصل لهم «من الأمن» بالنصر «أو الخوف» الهزيمة «أذاعوا به» أفشَوه نزل في جماعة من المنافقين أو في ضعفاء المؤمنين كانوا يفعلون ذلك فتضعف قلوب المؤمنين ويتأذى النبي «ولو ردوه» أي الخبر «إلى الرسول وإلى أُولي الأمر منهم» أي الرأي من أكابر الصحابة أي لو سكتوا عنه حتى يخبروا به «لعَلِمَه» هل هو مما ينبغي أن يذاع أو لا «الذين يستنبطونه» يتبعونه ويطلبون علمه وهم المذيعون «منهم» من الرسول وأولي الأمر «ولولا فضل الله عليكم» بالإسلام «ورحمته» لكم بالقرآن «لاتبعتم الشيطان» فيما يأمركم به من الفواحش «إلا قليلا».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وإذا جاء هؤلاء الذين لم يستقر الإيمان في قلوبهم أمْرٌ يجب كتمانه متعلقًا بالأمن الذي يعود خيره على الإسلام والمسلمين، أو بالخوف الذي يلقي في قلوبهم عدم الاطمئنان، أفشوه وأذاعوا به في الناس، ولو ردَّ هؤلاء ما جاءهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى أهل العلم والفقه لَعَلِمَ حقيقة معناه أهل الاستنباط منهم.

ولولا أنْ تَفَضَّلَ الله عليكم ورحمكم لاتبعتم الشيطان ووساوسه إلا قليلا منكم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم حكى القرآن بعد ذلك مسلكا آخر من المسالك الذميمة التى عرفت عن المنافقين وضعفاء النفوس فقال - تعالى - ( وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأمن أَوِ الخوف أَذَاعُواْ بِهِ ) .والمراد بالأمر هنا : الخبر الذى يكون له أثر إذا أشيع وأذيع .وقوله ( أَذَاعُواْ بِهِ ) أى نشروه وأشاعوه .

يقال : أذاع الخبر وأذاع به أفشاه وأعلنه .والمعنى : أن هؤلاء الذين فى قلوبهم مرض إذا سمعوا شيئا من الآخبار التى تتعلق بأمن المسلمين أو خوفهم أذاعواها وأظهروها قبل أن يقفوا على حقيقتها .قال الآلوسى : والكلام مسوق لبيان جناية أخرى من جنايات المنافقين ، أو لبيان جناية الضعفاء أثر بيان جناية المنافقين ، وذلك أنهم كانوا إذا غزت سرية من المسلمين قالوا عنها : أصاب المسلمون من عدوهم كذا .

وأصاب العدو من المسلمين كذا وكذا من غير أن يكون النبى صلى الله عليه وسلم هو الذى يخبرهم به .

وقيل : كان الضعفاء يسمعون من أفواه المنافقين شيئا من الخبر عن السرايا مظنون غير معلوم الصحة فيذيعونه قبل أن يحققوه فيعود ذلك وبالا على المؤمنين .ثم بين - سبحانه - ما كان يجب عليهم فعله فقال - : ( وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرسول وإلى أُوْلِي الأمر مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الذين يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ) .والمراد بأولى الأمر : كبار الصحابة البصراء بالأمور .

وقيل المراد بهم : الولاة وأمراء السرايا .ويستبطونه أى يستخرجونه .

والاستنباط - كما يقول القرطبى - مأخوذ من استنبطت الماء إذا استخرجته .

والنبط : الماء المستنبط أول ما يخرج من ماء البئر أول ما تحفر .

وسمى النبط نبطا لأنهم يستخرجون ما فى الأرض .والمعنى : أن هؤلاء المنافقين وضعاف الإِيمان كان من شأنهم وحالهم أنهم إذا سمعوا شيئا من الأمور فيه أمن أو خوف يتعلق بالمؤمنين أشاعوه وأظهروه بدون تحقق أو تثبت ، بقصد بليلة الأفكار ، واضطراب حال المؤمنين ، ولو أن هؤلاء المنافقين ومن يستمعون إليهم ردوا ذلك الخبر الذى جاءهم والذى أشاعوا بدون تثبت ، لو أنهم ردوه الى الرسول صلى الله عليه وسلم وإلى كبار الصحابة البصراء فى الأمور : ( لَعَلِمَهُ ) أى لعلم حقيقة ذلك الخبر ( الذين يَسْتَنْبِطُونَهُ ) أى : الذين يستخرجونه ويستعملونه ويتطلبونه وهم المنافقون المذيعون للأخبار ( مِنْهُمْ ) أى : من الرسول وأولى الأمر .أى : لو أن أولئك المنافقين وأشباههم الذين يستخرجون الأخبار ويذيعونها بغير تثبت سكتوا عن إذاعتها وردوا الأمر فى شأنها إلى الرسول وإلى كبار أصحابه ، لو أنهم فعلوا ذلك لعلموا من جهة الرسول وجهة كبار أصحابه حقيقة تلك الأخبار ، وما يجب عليهم نحوها من كتمان أو إذاعة .وعلى هذا يكون الضمير فى قوله ( مِنْهُمْ ) فى الموضعين يعود إلى الرسول وإلى أولى الأمر .ويكون المراد بالذين يستنبطونه : المنافقون وضعاف الإِيمان الذين يذيعون الأخبار ويكون فى الكلام إظهار فى مقام الإِضمار؛ حيث قال : سبحانه - ( لَعَلِمَهُ الذين يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ) ولم يقل لعلموه منهم ، وذلك لزيادة تقرير الغرض المسوق له الكلام ، وللمبالغة فى ذمهم على بجثهم وراء الأخبار الخفية الهامة واستنباطها وتطلبها ثم إذاعتها بقصد الإِضرار بمصلحة المسلمين .وقد ذكر الفخر الرازى فى المراد بالذين يستنطبونه وجها آخر فقال :وفى قوله ( الذين يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ) قولان :الأول : أنهم أولئك المنافقون المذيعون .والتقدير : لو أن هؤلاء المنافقين المذيعين للأخبار ردوا أمر الأمن والخوف إلى الرسول وإلى أولى الأمر ، وطلبوا معرفة الحال فيه من جهتهم ، لعلمه الذين يستنطبونه وهم هؤلاء المنافقون المذيعون ( مِنْهُمْ ) أى من جانب الرسول ومن جانب أولى الأمر .والقول الثانى : أنهم طائفة من أولى الأمر .

والتقدير : ولو أن المنافقين ردوا إلى الرسول وإلى أولى الأمر لكان علمه حاصلا عند من يستنبط هذه الوقائع من أولى الأمر ، وذلك لأن أولى الأمر فريقان : بعضهم من يكون مستنبطا ، وبعضهم من لا يكون كذلك .

فقوله ( مِنْهُمْ ) يعنى لعلمه الذين يستنبطون المخفيات من طوائف أولى الأمر .فإن قيل : إذا كان الذين أمرهم الله برد هذه الاخبار إلى الرسول وإلى المؤمنين هم المنافقون فكيف جعل أولى الأمر منهم فى قوله ( وإلى أُوْلِي الأمر مِنْهُمْ ) ؟

قلنا : إنما جعل أولى الأمر منهم على حسب الظاهر .

لأن المنافقين يظهرون من أنفسهم أنهم يؤمنون .

ونظيره قوله - تعالى - : ( وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ ) ثم ختم - سبحانه - الآية ببيان فضله على عباده فقال ( وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشيطان إِلاَّ قَلِيلاً ) .أى : ولولا فضل الله عليكم ورحمته بكم - أيها المؤمنون - بتوفيقه إياكم إلى الخير والطاعة ، لوقعتم فى إغواء الشيطان كما وقع هؤلاء المنافقون وأشباههم ، إلا عددا قليلا منكم وهم الذين أخلصوا دينهم لله واعتصموا به فصاروا لا سبيل للشيطان عليهم كما قال - تعالى - ( إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ) هذا .

ومن الأحكام والآداب التى أخذها العلماء من هذه الآية الكريمة وجوب عدم إذاعة الأخبار - خصوصها فى حالات الحرب - إلا بعد التأكد من صحتها ومن عدم إضرارها بمصلحة المسلمين .وفى ذلك يقول الإِمام ابن كثير : قوله - تعالى - ( وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأمن أَوِ الخوف أَذَاعُواْ بِهِ ) إنكار على من يبادر إلى الأمور قبل تحققها فيخبر بها ويفشيها وينشرها ، وقد لا يكون لها صحة .

وفى صحيح مسلم عن أبى هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع " .وفى الصحيحين عن المغيرة بن شعبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن قيل وقال .

أى : الذى يكثر من الحديث عما يقول الناس من غير تثبت ولا تدبر ولا تبين .وفى الصحيح " من حدث بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين " .وفى سنن أبى داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " بئس مطية الرجل زعموا " .وقد عدد الفخر الرازى المضار التى تعود على الأمة بسبب إذاعة الأخبار بدون تثبت فقال : وكان سبب الضرر من إذاعة هذه الأخبار من وجوه :الأول : أن مثل هذه الإِرجافات لا تنفك عن الكذب الكثير .الثاني : أنه إذا كان ذلك الخبر فى جانب الأمن زادوا فيه زيادات كثيرة .

فإذا لم توجد فيه تلك الزيادات ، أورث ذلك شبهة للضعفاء فى صدق الرسول صلى الله عليه وسلم لأن المنافقين كانوا يروون هذه الإِرجافات عن الرسول صلى الله عليه وسلم .وإن كان ذلك فى جانب الخوف تشوش الأمر بسببه على ضعفاء المسلمين ، ووقعوا عنده فى الحيرة والاضطراب ، فكانت تلك الإِرجافات سببا للتفنة من هذا الوجه .الثالث : أن الإِرجاف سبب لتوفير الدواعى على البحث الشديد والاستقصاء التام .

وذلك سبب لظهورا لأسرار .

وذلك ما لا يوافق المصحلة .الرابع : أن العداوة الشديدة كانت قائمة بين المسلمين والكفار .

فكل ما كان أمنا لأحد الفريقين كان خوفا للفريق الثانى .

فإن قوع خبر الأمن للمسلمين وحصول العسكر وآلات الحرب لهم .

أرجف المنافقون بذلك ، فوصل الخبر إلى الكفار فأخذوا فى التحصن من المسلمين .

وإن وقع خبر الخوف للمسلمين بالغوا فى ذلك وزادوا فيه .

فظهر من ذلك أن ذلك الإِرجاف كان منشأ للفتن والآفات من كل الوجوه .

ولما كان الأمر كذلك ذم الله - تعالى - تلك الإِذاعة وذلك التشهير ومنعهم منه .وقال الشيخ محمد المنير - الذى عاصر الحروب الصليبية - معلقا على هذه الآية : ( فى هذه الآية تأديب لمن يحدث بكل ما يسمع وكفى به كذبا؛ وخصوصا عن مثل السرايا والمناصبين الأعداء العداوة ، والمقيمن فى نحر العدو .

وما أعظم المفسدة فى لهج العامة بكل ما يسمعون من أخبارهم خيرا أو غيره .

ولقد جربنا ذلك فى زماننا هذا منذ طرق العدو المخذول البلاد - طهرها الله منه وصانها من رجسه ونجسه ، وعجل للمسلمين الفتح وأنزل عليهم السكينة والنصر ) .والخلاصة ، أن إذاعة الأخبار بدون تثبت - خصوصا فى أوقات الحروب تؤدى إلى أعظم المفاسد والشرور ، لأنها إن كانت تتعلق بالأمن فإنها قد تحدث لونا من التراخى وعدم أخذ الحذر ، وإن كانت تتعلق بالخوف فإنها قد تحدث بلبلة واضطرابا فى الصفوف .والمجتمع الذى يكثر فيه العقلاء الفطناء هو الذى تقل فيه إذاعة الأخبار إلا من مصادرها الأصلية ، وهو الذى يرجع أفراده فى معرفة الحقائق إلى العلماء المتخصصين .وهكذا نرى الآية الكريمة تغرس فى نفوس المؤمنين أسمى ألوان الإِخلاص لدينهم ودولتهم وقيادتهم ، فهى فى مطلعها تنكر عليهم إذاعة الاخبار بدون تحقق من صدقها ومن فائدتها ، وفى وسطها تأمرهم بأن يرجعوا إلى حقائق دينهم وإلى الحكام العادلين ، والعلماء المخصلين الذين يعرفون الأمور على وجهها ليسألوهم عما يريدون معرفته ، وفى آخرها تذكرهم بفضل الله عليهم ورحمته بهم حتى يداوموا على طاعته ، ويشكروه على نعمه .وبعد هذا الحديث الحكيم عن أحوال المنافقين وضعفاء الإِيمان ، وعن تباطئهم عن الجهاد وإشاعتهم للأخبار بدو تثبت ، بعد كل ذلك أمر الله - تعالى - نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أن يستمر فى قتاله للمشركين ، وأن يحرض أصحابه على ذلك ، كما أرشد - سبحانه - المؤمنين إلى طائفة من مكارم الأخلاق التى تقوى رابطتهم فقال - تعالى - : ( فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ .

.

.

.

مِنَ الله حَدِيثاً ) .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى حكى عن المنافقين في هذه الآية نوعا آخر من الأعمال الفاسدة، وهو أنه إذا جاءهم الخبر بأمر من الأمور سواء كان ذلك الأمر من باب الأمن أو من باب الخوف أذاعوه وأفشوه، وكان ذلك سبب الضرر من وجوه: الأول: أن مثل هذه الارجافات لا تنفك عن الكذب الكثير.

والثاني: أنه إن كان ذلك الخبر في جانب الأمن زادوا فيه زيادات كثيرة، فاذا لم توجد تلك الزيادات أورث ذلك شبهة للضعفاء في صدق الرسول عليه السلام، لأن المنافقين كانوا يروون تلك الارجافات عن الرسول، وإن كان ذلك في جانب الخوف تشوش الأمر بسببه على ضعفاء المسلمين، ووقعوا عنده في الحيرة والاضطراب، فكانت تلك الارجافات سببا للفتنة من هذا الوجه.

الوجه الثالث: وهو أن الارجاف سبب لتوفير الدواعي على البحث الشديد والاستقصاء التام، وذلك سبب لظهور الأسرار، وذلك مما لا يوافق مصلحة المدينة.

الرابع: أن العداوة الشديدة كانت قائمة بين المسلمين وبين الكفار، وكان كل واحد من الفريقين في إعداد آلات الحرب وفي انتهاز الفرصة فيه، فكل ما كان آمناً لأحد الفريقين كان خوفا للفريق الثاني، فإن وقع خبر الأمن للمسلمين وحصول العسكر وآلات الحرب لهم أرجف المنافقون بذلك فوصل الخبر في أسرع مدة إلى الكفار، فأخذوا في التحصن من المسلمين، وفي الاحتراز عن استيلائهم عليهم، وإن وقع خبر الخوف للمسلمين بالغوا في ذلك، وزادوا فيه وألقوا الرعب في قلوب الضعفة والمساكين، فظهر من هذا أن ذلك الارجاف كان منشأ للفتن والآفات من كل الوجوه، ولما كان الأمر كذلك ذم الله تلك الاذاعة وذلك التشهير، ومنعهم منه.

واعلم أن قوله: أذاع به لغتان.

ثم قال تعالى: ﴿ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرسول وإلى أُوْلِى الأمر مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الذين يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ﴾ .

وفيه مسائل: المسألة الأولى: في ﴿ أُوْلِى الأمر ﴾ قولان: أحدهما: إلى ذوي العلم والرأي منهم.

والثاني: إلى أمراء السرايا، وهؤلاء رجحوا هذا القول على الأول، قالوا لأن أولي الأمر الذين لهم أمر على الناس، وأهل العلم ليسوا كذلك، إنما الأمراء هم الموصوفون بأن لهم أمراً على الناس.

وأجيب عنه: بأن العلماء إذا كانوا عالمين بأوامر الله ونواهيه، وكان يجب على غيرهم قبول قولهم لم يبعد أن يسموا أولي الأمر من هذا الوجه، والذي يدل عليه قوله تعالى: ﴿ لّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدين وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ  ﴾ فأوجب الحذر بانذراهم وألزم المنذرين قبول قولهم، فجاز لهذا المعنى إطلاق اسم أولي الأمر عليهم.

المسألة الثانية: الاستنباط في اللغة الاستخراج؛ يقال: استنبط الفقيه اذا استخرج الفقه الباطن باجتهاده وفهمه، وأصله من النبط وهو الماء الذي يخرج من البئر أول ما تحفر، والنبط إنما سموا نبطا لاستنباطهم الماء من الأرض.

المسألة الثالثة: في قوله: ﴿ الذين يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ﴾ قولان: الأول: أنهم هم أولئك المنافقون المذيعون، والتقدير: ولو أن هؤلاء المنافقين المذيعين ردوا أمر الأمن والخوف إلى الرسول وإلى أولي الأمر، وطلبوا معرفة الحال فيه من جهتهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم، وهم هؤلاء المنافقون المذيعون منهم، أي من جانب الرسول ومن جانب أولي الأمر.

القول الثاني: أنهم طائفة من أولي الأمر، والتقدير: ولو أن المنافقين ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر لكان علمه حاصلا عند من يستنبط هذه الوقائع من أولي الأمر، وذلك لأن أولي الأمر فريقان، بعضهم من يكون مستنبطا، وبعضهم من لا يكون كذلك، فقوله: ﴿ مِنْهُمْ ﴾ يعني لعلمه الذين يستنبطون المخفيات من طوائف أولي الأمر.

فان قيل: إذا كان الذين أمرهم الله برد هذه الأخبار إلى الرسول وإلى أولي الأمر هم المنافقون، فكيف جعل أولي الأمر منهم في قوله: ﴿ وإلى أُوْلِى الأمر مِنْهُمْ ﴾ .

قلنا: إنما جعل أولي الأمر منهم على حسب الظاهر، لأن المنافقين يظهرون من أنفسهم أنهم يؤمنون، ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطّئَنَّ  ﴾ وقوله: ﴿ مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مّنْهُمْ  ﴾ والله أعلم.

المسألة الرابعة: دلت هذه الآية على أن القياس حجة في الشرع، وذلك لأن قوله: ﴿ الذين يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ﴾ صفة لأولي الأمر، وقد أوجب الله تعالى على الذين يجيئهم أمر من الأمن أو الخوف أن يرجعوا في معرفته إليهم، ولا يخلو إما أن يرجعوا اليهم في معرفة هذه الوقائع مع حصول النص فيها، أولا مع حصول النص فيها، والأول باطل، لأن على هذا التقدير لا يبقى الاستنباط لأن من روى النص في واقعة لا يقال: إنه استنبط الحكم، فثبت أن الله أمر المكلف برد الواقعة إلى من يستنبط الحكم فيها، ولولا أن الاستنباط حجة لما أمر المكلف بذلك، فثبت أن الاستنباط حجة، والقياس إما استنباط أو داخل فيه، فوجب أن يكون حجة.

إذا ثبت هذا فنقول: الآية دالة على أمور: أحدها: أن في أحكام الحوادث ما لا يعرف بالنص بل بالاستنباط.

وثانيها: أن الاستنباط حجة:.

وثالثها: أن العامي يجب عليه تقليد العلماء في أحكام الحوادث.

ورابعها: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مكلفا باستنباط الأحكام لأنه تعالى أمر بالرد إلى الرسول وإلى أولي الأمر.

ثم قال تعالى: ﴿ لَعَلِمَهُ الذين يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ﴾ ولم يخصص أولي الأمر بذلك دون الرسول وذلك يوجب أن الرسول وأولي الأمر كلهم مكلفون بالاستنباط.

فان قيل: لا نسلم أن المراد بقوله: ﴿ الذين يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ﴾ هم أولوا الأمر، بل المراد منهم المنافقون المذيعون على ما رويتم هذا القول في تفسير الآية، سلمنا أن المراد بالذين يستنبطونه منهم أولو الأمر لكن هذه الآية إنما نزلت في شأن الوقائع المتعلقة بالحروب والجهاد، فهب أن الرجوع إلى الاستنباط جائز فيها، فلم قلتم إنه يلزم جوازه في الوقائع الشرعية؟

فإن قيس أحد البابين على الآخر كان ذلك إثباتا للقياس الشرعي بالقياس الشرعي وإنه لا يجوز، سلمنا أن الاستنباط في الأحكام الشرعية داخل تحت الآية.

فلم قلتم: إنه يلزم أن يكون القياس حجة؟

بيانه أنه يمكن أن يكون المراد من الاستنباط استخراج الأحكام من النصوص الخفية أو من تركيبات النصوص، أو المراد من استخراج الأحكام من البراءة الاصلية، أو مما ثبت بحكم العقل كما يقول الاكثرون: إن الاصل في المنافع الاباحة، وفي المضار الحرمة، سلمنا أن القياس من الشرعي داخل في الآية، لكن بشرط أن يكون ذلك القياس مفيداً للعلم بدليل قوله تعالى: ﴿ لَعَلِمَهُ الذين يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ﴾ فاخبر تعالى في هذه الآية أنه يحصل العلم من هذا الاستنباط، ولا نزاع في مثل هذا القياس، انما النزاع في أن القياس الذي يفيد الظن هل هو حجة في الشرع أم لا؟

والجواب: أما في السؤال الأول: فمدفوع لأنه لو كان المراد بالذين يستنبطونه المنافقين لكان الأولى أن يقال: ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلموه، لأن عطف المظهر على المضمر، وهو قوله: ﴿ وَلَوْ رَدُّوهُ ﴾ قبيح مستكره.

وأما السؤال الثاني: فمدفوع لوجهين: الأول: أن قوله: ﴿ وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مّنَ الأمن أَوِ الخوف ﴾ عام في كل ما يتعلق بالحروب وفيما يتعلق بسائر الوقائع الشرعية، لأن الامن والخوف حاصل في كل ما يتعلق بباب التكليف، فثبت أنه ليس في الآية ما يوجب تخصيصها بأمر الحروب.

الثاني: هب أن الامر كما ذكرتم لكن تعرف أحكام الحروب بالقياس الشرعي، ولما ثبت جوازه وجب أن يجوز التمسك بالقياس الشرعي في سائر الوقائع لأنه لا قائل بالفرق، ألا ترى أن من قال: القياس حجة في باب البيع لا في باب النكاح لم يلتفت اليه، فكذا هاهنا.

وأما السؤال الثالث: وهو حمل الاستنباط على النصوص الخفية أو على تركيبات النصوص فجوابه: أن كل ذلك لا يخرج عن كونه منصوصا، والتمسك بالنص لا يسمى استنباطا.

قوله: لم لا يجوز حمله على التمسك بالبراءة الاصلية؟

قلنا ليس هذا استنباطا بل هو إبقاء لما كان على ما كان، ومثل هذا لا يسمى استنباطا ألبتة.

وأما السؤال الرابع: وهو قوله إن هذا الاستنباط إنما يجوز عند حصول العلم، والقياس الشرعي لا يفيد العلم.

قلنا: الجواب عنه من وجهين: الأول: أن القياس الشرعي عندنا يفيد العلم، وذلك لأن بعد ثبوت أن القياس حجة نقطع بأنه مهما غلب على الظن أن حكم الله في الاصل معلل بكذا، ثم غلب على الظن أن ذلك المعنى قائم في الفرع، فهاهنا يحصل ظن أن حكم الله في الفرع مساو لحكمه في الاصل، وعند هذا الظن نقطع بأنه مكلف بأن يعمل على وفق هذا الظن، فالحاصل أن الظن واقع في طريق الحكم، وأما الحكم فمقطوع به، وهو يجري مجرى ما إذا قال الله: مهما غلب على ظنك كذا فاعلم ان في الواقعة الفلانية حكمي كذا فإذا حصل الظن قطعنا بثبوت ذلك الحكم.

والثاني: وهوأن العلم قد يطلق ويراد به الظن، قال عليه الصلاة والسلام: إذا علمت مثل الشمس فاشهد شرط العلم في جواز الشهادة، وأجمعنا على أن عند الظن تجوز الشهادة، فثبت أن الظن قد يسمى بالعلم والله أعلم.

ثم قال تعالى: ﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشيطان إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: أن ظاهر هذا الاستنثاء يوهم أن ذلك القليل وقع لا بفضل الله ولا برحمته ومعلوم أن ذلك محال.

فعند هذا اختلف المفسرون وذكروا وجوها، قال بعضهم: هذا الاستثناء راجع إلى قوله: ﴿ أَذَاعُواْ ﴾ وقال قوم: راجع إلى قوله: ﴿ لَعَلِمَهُ الذين يَسْتَنْبِطُونَهُ ﴾ وقال آخرون: إنه راجع إلى قوله: ﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ﴾ .

واعلم أن الوجوه لا يمكن أن تزيد على هذه الثلاثة لأن الآية متضمنة للاخبار عن هذه الأحكام الثلاثة، ويصح صرف الاستثناء إلى كل واحد منها، فثبت أن كل واحد من هذه الأقوال محتمل.

أما القول الأول: فالتقدير: وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به إلا قليلا، فأخرج تعالى بعض المنافقين عن هذه الاذاعة كما أخرجهم في قوله: ﴿ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مّنْهُمْ غَيْرَ الذي تَقُولُ  ﴾ والقول الثاني: الاستنثاء عائد إلى قوله: ﴿ لَعَلِمَهُ الذين يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ﴾ يعني لعلمه الذين يستنبطونه منهم إلا القليل: قال الفراء والمبرد: القول الأول أولى لأن ما يعلم بالاستنباط فالأقل يعلمه، والأكثر يجهله، وصرف الاستثناء إلى ما ذكره يقتضي ضد ذلك.

قال الزجاج: هذا غلط لأنه ليس المراد من هذا الاستثناء شيئا يستخرجه بنظر دقيق وفكر غامض، إنما هو استنباط خبر، وإذا كان كذلك فالأكثرون يعرفونه، إنما البالغ في البلادة والجهالة هو الذي لا يعرفه ويمكن أن يقال: كلام الزجاج إنما يصح لو حملنا الاستنباط على مجرد تعرف الاخبار والاراجيف، أما إذا حملناه على الاستنباط في جميع الأحكام كما صححنا ذلك بالدليل كان الحق كما ذكره الفراء والمبرد.

القول الثالث: أنه متعلق بقوله: ﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ﴾ ومعلوم أن صرف الاستثناء إلى ما يليه ويتصل به أولى من صرفه إلى الشيء البعيد عنه.

واعلم أن هذا القول لا يتمشى الا إذا فسرنا الفضل والرحمة بشيء خاص، وفيه وجهان: الأول: وهو قول جماعة من المفسرين، أن المراد بفضل الله وبرحمته في هذه الآية إنزال القرآن وبعثة محمد صلى الله عليه وسلم، والتقدير: ولولا بعثة محمد صلى الله عليه وسلم وإنزال القرآن لاتبعتم الشيطان وكفرتم بالله الا قليلا منكم، فإن ذلك القليل بتقدير عدم بعثة محمد صلى الله عليه وسلم وعدم إنزال القرآن ما كان يتبع الشيطان، وما كان يكفر بالله، وهم مثل قس بن ساعدة وورقة بن نوفل، وزيد بن عمرو بن نفيل، وهم الذين كانوا مؤمنين بالله قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم.

الوجه الثاني: ما ذكره أبو مسلم، وهو أن المراد بفضل الله وبرحمته في هذه الآية هو نصرته تعالى ومعونته اللذان عناهما المنافقون بقولهم: ﴿ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً  ﴾ فبين تعالى أنه لولا حصول النصر والظفر على سبيل التتابع لاتبعتم الشيطان وتركتم الدين الا القليل منكم، وهم أهل البصائر الناقدة والنيات القوية والعزائم المتمكنة من أفاضل المؤمنين الذين يعلمون أنه ليس من شرط كونه حقا حصول الدولة في الدنيا، فلأجل تواتر الفتح والظفر يدل على كونه حقا، ولأجل تواتر الانهزام والانكسار يدل على كونه باطلا، بل الامر في كونه حقا وباطلا على الدليل، وهذا أصح الوجوه وأقربها إلى التحقيق.

المسألة الثانية: دلت الآية على أن الذين اتبعوا الشيطان فقد منعهم الله فضله ورحمته، والا ما كان يتبع، وهذا يدل على فساد قول المعتزلة في أنه يجب على الله رعاية الاصلح في الدين.

أجاب الكعبي عنه بأن فضل الله ورحمته عامان في حق الكل، لكن المؤمنين انتفعوا به، والكافرين لم ينتفعوا به، فصح على سبيل المجاز أنه لم يحصل للكافر من الله فضل ورحمة في الدين.

والجواب: أن حمل اللفظ على المجاز خلاف الاصل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

هم ناس من ضعفة المسلمين الذين لم تكن فيهم خبرة بالأحوال ولا استبطان للأمور.

كانوا إذا بلغهم خبر عن سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمن وسلامة أو خوف وخلل ﴿ أَذَاعُواْ بِهِ ﴾ وكانت إذاعتهم مفسدة، ولو ردوا ذلك الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى أولي الأمر منهم- وهم كبراء الصحابة البصراء بالأمور أو الذين كانوا يؤمرون منهم- ﴿ لَعَلِمَهُ ﴾ لعلم تدبير ما أخبروا به ﴿ الذين يَسْتَنْبِطُونَهُ ﴾ الذين يستخرجون تدبيره بفطنهم وتجاربهم ومعرفتهم بأمور الحرب ومكايدها.

وقيل: كانوا يقفون من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأولي الأمر على أمن ووثوق بالظهور على بعض الأعداء، أو على خوف واستشعار، فيذيعونه فينتشر فيبلغ الأعداء، فتعود إذاعتهم مفسدة.

ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر وفوّضوه إليهم وكانوا كأن لم يسمعوا، لعلم الذين يستنبطون تدبيره كيف يدبرونه وما يأتون ويذرون فيه.

وقيل: كانوا يسمعون من أفواه المنافقين شيئاً من الخبر عن السرايا مظنوناً غير معلوم الصحة فيذيعونه، فيعود ذلك وبالاً على المؤمنين.

ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر وقالوا: نسكت حتى نسمعه منهم ونعلم هل هو مما يذاع أو لا يذاع، لعلمه الذين يستنبطونه منهم، لعلم صحته وهل هو مما يذاع أو لا يذاع هؤلاء المذيعون، وهم الذين يستنبطونه من الرسول وأولي الأمر، أي يتلقونه منهم ويستخرجون علمه من جهتهم.

يقال: أذاع السِّر، وأذاع به.

قال: أَذَاعَ بِهِ فِي النَّاسِ حَتَّى كَأَنَّهُ ** بِعَلْيَاءَ نَارٌ أُوقِدَتْ بِثَقُوب ويجوز أن يكون المعنى فعلوا به الإذاعة، وهو أبلغ من أذاعوه، وقرئ ﴿ لعلْمِه ﴾ بإسكان اللام كقوله: فَإِنْ أَهْجُهُ يَضْجَرْ كَمَا ضَجْرَ بَازِلٌ ** مِنَ الأُدْمِ دَبْرَتْ صَفْحَتَاهُ وَغَارِبُهْ والنبط: الماء يخرج من البئر أول ما تحفر، وإنباطه واستنباطه: إخراجه واستخراجه، فاستعير لما يستخرجه الرجل بفضل ذهنه من المعاني والتدابير فيما يعضل ويهم ﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ﴾ وهو إرسال الرسول، وإنزال الكتاب، والتوفيق ﴿ لاَتَّبَعْتُمُ الشيطان ﴾ لبقيتم على الكفر ﴿ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ منكم.

أو إلا اتباعا قليلاً، لما ذكر في الآي قبلها تثبطهم عن القتال، وإظهارهم الطاعة وإضمارهم خلافها.

قال: ﴿ فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ الله ﴾ إن أفردوك وتركوك وحدك ﴿ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ ﴾ غير نفسك وحدها أن تقدّمها إلى الجهاد، فإنّ الله هو ناصرك لا الجنود، فإن شاء نصرك وحدك كما ينصرك وحولك الألوف.

وقيل: دعا الناس في بدر الصغرى إلى الخروج، وكان أبو سفيان واعد رسول الله صلى الله عليه وسلم اللقاء فيها، فكره بعض الناس أن يخرجوا فنزلت، فخرج وما معه إلا سبعون لم يلوِ على أحد، ولو لم يتبعه أحد لخرج وحده، وقرئ ﴿ لاَ تُكَلَّفُ ﴾ بالجزم على النهي، و ﴿ لا نكلف ﴾ : بالنون وكسر اللام، أي لا نكلف نحن إلا نفسك وحدها ﴿ وَحَرِّضِ المؤمنين ﴾ وما عليك في شأنهم إلا التحريض فحسب، لا التعنيف بهم ﴿ عَسَى الله أَن يَكُفَّ بَأْسَ الذين كَفَرُواْ ﴾ وهم قريش، وقد كف بأسهم فقد بدا لأبي سفيان وقال: هذا عام مجدب، وما كان معهم زاد إلا السويق، ولا يلقون إلا في عام مخصب فرجع بهم ﴿ والله أَشَدُّ بَأْساً ﴾ من قريش ﴿ وَأَشَدُّ تَنكِيلاً ﴾ تعذيباً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَإذا جاءَهم أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ ﴾ مِمّا يُوجِبُ الأمْنَ أوِ الخَوْفَ.

﴿ أذاعُوا بِهِ ﴾ أفْشَوْهُ كَما كانَ يَفْعَلُهُ قَوْمٌ مِن ضَعَفَةِ المُسْلِمِينَ إذا بَلَغَهم خَبَرٌ عَنْ سَرايا رَسُولِ اللَّهِ  ، أوْ أخْبَرَهُمُ الرَّسُولُ  بِما أُوحِي إلَيْهِ مِن وعْدٍ بِالظَّفَرِ، أوْ تَخْوِيفٍ مِنَ الكَفَرَةِ أذاعُوا بِهِ لِعَدَمِ حَزْمِهِمْ فَكانَتْ إذاعَتُهم مَفْسَدَةً.

والباءُ مَزِيدَةٌ أوْ لِتَضْمَنَ الإذاعَةُ مَعْنى التَّحَدُّثِ.

﴿ وَلَوْ رَدُّوهُ ﴾ أيْ ولَوْ رَدُّوا ذَلِكَ الخَبَرَ.

﴿ إلى الرَّسُولِ وإلى أُولِي الأمْرِ مِنهُمْ ﴾ إلى رَأْيِهِ ورَأْيِ كِبارِ أصْحابِهِ البُصَراءِ بِالأُمُورِ، أوِ الأُمَراءِ.

﴿ لَعَلِمَهُ ﴾ لَعَلِمَ ما أُخْبِرُوا بِهِ عَلى أيِّ وجْهٍ يُذْكَرُ.

﴿ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهُمْ ﴾ يَسْتَخْرِجُونَ تَدابِيرَهُ بِتَجارِبِهِمْ وأنْظارِهِمْ.

وقِيلَ كانُوا يَسْمَعُونَ أراجِيفَ المُنافِقِينَ فَيُذِيعُونَها فَتَعُودُ وبالًا عَلى المُسْلِمِينَ، ولَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ وإلى أُولِي الأمْرِ مِنهم حَتّى يَسْمَعُوهُ مِنهم وتَعْرِفُوا أنَّهُ هَلْ يُذاعُ لِعِلْمِ ذَلِكَ مِن هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنَ الرَّسُولِ وأُولِي الأمْرِ أيْ: يَسْتَخْرِجُونَ عِلْمَهُ مِن جِهَتِهِمْ، وأصْلُ الِاسْتِنْباطِ إخْراجُ النَّبَطِ: وهو الماءُ، يَخْرُجُ مِنَ البِئْرِ أوَّلَ ما يُحْفَرُ.

﴿ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ ﴾ بِإرْسالِ الرَّسُولِ وإنْزالِ الكِتابِ.

﴿ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ ﴾ والكُفْرَ والضَّلالَ.

﴿ إلا قَلِيلا ﴾ أيْ إلّا قَلِيلًا مِنكم تَفَضَّلَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِعَقْلٍ راجِحٍ اهْتَدى بِهِ إلى الحَقِّ والصَّوابِ، وعَصَمَهُ عَنْ مُتابَعَةِ الشَّيْطانِ كَزَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، ووَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ.

أوْ إلّا اتِّباعًا قَلِيلًا عَلى النُّدُورِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مّنَ الأمن أَوِ الخوف} هم ناس من ضعفة المسلمين الذين لم يكن فيهم خبرة بالأحوال أو المنافقون كانوا إذا بلغهم خبر من سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمن وسلامة أو خوف وخلل {أَذَاعُواْ بِهِ} أفشوه وكانت إذاعتهم مفسدة يقال أذاع السر وأذاع به والضمير يعود إلى الأمر أو إلى الأمن أو الخوف لأن أو تقتضي أحدهما {وَلَوْ رَدُّوهُ} أي ذلك الخبر {إِلَى الرسول} أى رسول الله صلى الله عليه وسلم {وإلى أُوْلِى الأمر مِنْهُمْ} يعني كبراء الصحابة البصراء بالأنور أو الذين كانوا يؤمِّرون منهم {لَعَلِمَهُ}

لعلم تدبير ما أخبروا به {الذين يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} يستخرجون تدبيره بفطنهم وتجاربهم ومعرفتهم بأمور الحرب ومكايدها وقيل كانوا يقفون من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأولي الأمر على أمن ووثوق بالظهور على بعض الأعداء أو على خوف واستشعار فيذيعونه فينشر فيبلغ الأعداء فتعود إذاعتهم مفسدة ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر وفوضوه إليهم وكانوا كأن لم يسمعوا لعلم الذين يستنبطون تدبيره كيف يدبرونه وما يأتون ويذرون فيه والنبط الماء الذى

النساء (٨٣ _ ٨٦)

يخرج من البئر أول ما تجفر واستنباطه استخراجه فاستعير لما يستخرجه الرجل بفضل ذهنه من المعاني والتدابير فيما يعضل {وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ} بإرسال الرسول {وَرَحْمَتُهُ} بإنزال الكتاب {لاَتَّبَعْتُمُ الشيطان} لبقيتم على الكفر {إِلاَّ قَلِيلاً} لم يتبعوه ولكن آمنوا بالعقل كزيد ابن عمرو بن نفيل وقس بن ساعدة وغيرهما

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وإذا جاءَهُمْ ﴾ أيِ: المُنافِقِينَ، كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - والضَّحّاكِ وأبِي مُعاذٍ، أوْ ضُعَفاءَ المُسْلِمِينَ، كَما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، وذَهَبَ إلَيْهِ غالِبُ المُفَسِّرِينَ، أوِ الطّائِفَتَيْنِ كَما نَقَلَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ ﴿ أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ ﴾ أيْ: مِمّا يُوجِبُ الأمْنَ والخَوْفَ ﴿ أذاعُوا بِهِ ﴾ أيْ: أفْشَوْهُ، والباءُ مَزِيدَةٌ، وفي الكَشّافِ يُقالُ: أذاعَ الشَّرَّ وأذاعَ بِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: فَعَلُوا بِهِ الإذاعَةَ، وهو أبْلَغُ مِن (أذاعُوهُ) لِدَلالَتِهِ عَلى أنَّهُ يَفْعَلُ نَفْسَ الحَقِيقَةِ، كَما في نَحْوِ: (فُلانٌ يُعْطِي ويَمْنَعُ) ولِما فِيهِ مِنَ الإبْهامِ والتَّفْسِيرِ، وقِيلَ: الباءُ لِتُضَمُّنِ الإذاعَةِ مَعْنى التَّحْدِيثِ، وجَعْلُها بِمَعْنى مَعَ والضَّمِيرُ لِلْمَجِيءِ مِمّا لا يَنْبَغِي تَخْرِيجُ كَلامِ اللَّهِ تَعالى الجَلِيلِ عَلَيْهِ.

والكَلامُ مَسُوقٌ لِبَيانِ جِنايَةٍ أُخْرى مِن جِناياتِ المُنافِقِينَ، أوْ لِبَيانِ جِنايَةِ الضُّعَفاءِ إثْرَ بَيانِ جِنايَةِ المُنافِقِينَ، وذَلِكَ أنَّهُ إذا غَزَتْ سَرِيَّةٌ مِنَ المُسْلِمِينَ خُبِّرَ النّاسُ عَنْها فَقالُوا: أصابَ المُسْلِمُونَ مِن عَدُّوِهم كَذا وكَذا، وأصابَ العَدُوُّ مِنَ المُسْلِمِينَ كَذا وكَذا، فَأفْشَوْهُ بَيْنَهم مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ النَّبِيُّ  هو الَّذِي يُخْبِرُهم بِهِ، ولا يَكادُ يَخْلُو ذَلِكَ عَنْ مَفْسَدَةٍ، وقِيلَ: كانُوا يَقِفُونَ مِن رَسُولِ اللَّهِ  وأُولِي الأمْرِ عَلى أمْنٍ ووُثُوقٍ بِالظُّهُورِ عَلى بَعْضِ الأعْداءِ، أوْ عَلى خَوْفٍ فَيُذِيعُونَهُ، فَيُنْشَرُ فَيَبْلُغُ الأعْداءَ، فَتَعُودُ الإذاعَةُ مَفْسَدَةً، وقِيلَ: الضُّعَفاءُ يَسْمَعُونَ مِن أفْواهِ المُنافِقِينَ شَيْئًا مِنَ الخَبَرِ عَنِ السَّرايا مَظْنُونً غَيْرَ مَعْلُومِ الصِّحَّةِ فَيُذِيعُونَهُ قَبْلَ أنْ يُحَقِّقُوهُ، فَيَعُودُ ذَلِكَ وبالًا عَلى المُؤْمِنِينَ، وفِيهِ إنْكارٌ عَلى مَن يُحَدِّثُ بِالشَّيْءِ قَبْلَ تَحْقِيقِهِ.

وقَدْ أخْرَجَ مُسْلِمٌ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: ««كَفى بِالمَرْءِ إثْمًا أنْ يُحَدِّثَ بِكُلٍّ ما سَمِعَ»» والجُمْلَةُ عِنْدَ صاحِبِ الكَشْفِ مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: (ويَقُولُونَ طاعَةٌ).

وقَوْلَهُ سُبْحانَهُ: (أفَلا يَتَدَبَّرُونَ) اعْتِراضٌ، تَحْذِيرًا لَهم عَنِ الإضْمارِ لِما يُخالِفُ الظّاهِرَ، فَإنَّ في تَدَبُّرِ القُرْآنِ جارًّا إلى طاعَةِ المُنَزَّلِ عَلَيْهِ أيَّ جارٍّ!

وقِيلَ: الكَلامُ مَسُوقٌ لِدَفْعِ ما عَسى أنْ يُتَوَهَّمَ في بَعْضِ المَوادِّ مِن شائِبَةِ الِاخْتِلافِ بِناءً عَلى عَدَمِ فَهْمِ المُرادِ بِبَيانِ أنَّ ذَلِكَ لِعَدَمِ وُقُوفِهِمْ عَلى مَعْنى الكَلامِ، لا لِتَخَلُّفِ مَدْلُولِهِ عَنْهُ، وذَلِكَ أنَّ ناسًا مِن ضَعْفَةِ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ لا خِبْرَةَ لَهم بِالأحْوالِ كانُوا إذا أخْبَرَهُمُ النَّبِيُّ  بِما أُوحِي إلَيْهِ مِن وعْدٍ بِالظَّفَرِ أوْ تَخْوِيفٍ مِنَ الكَفَرَةِ يُذِيعُونَهُ مِن غَيْرِ فَهْمٍ لِمَعْناهُ ولا ضَبْطِ لِفَحْواهُ عَلى حَسَبِ ما كانُوا يَفْهَمُونَهُ ويَحْمِلُونَهُ عَلَيْهِ مِنَ المُحامِلِ، وعَلى تَقْدِيرِ الفَهْمِ قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ مَشْرُوطًا بِأُمُورٍ تَفُوتُ بِالإذاعَةِ، فَلا يَظْهَرُ أثَرُهُ المُتَوَقَّعُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مَنشَأً لِتَوَهُّمِ الِاخْتِلافِ، ولا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ، غَيْرَ أنَّ رِواياتِ السَّلَفِ عَلى خِلافِهِ.

وأيّا ما كانَ فَقَدْ نَعى اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وقالَ سُبْحانَهُ: ﴿ ولَوْ رَدُّوهُ ﴾ أيْ: ذَلِكَ الأمْرَ الَّذِي جاءَهم ﴿ إلى الرَّسُولِ ﴾  ﴿ وإلى أُولِي الأمْرِ مِنهُمْ ﴾ وهم كَبائِرُ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمُ - البُصَراءُ في الأُمُورِ، وهو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الحَسَنُ وقَتادَةُ وخَلْقٌ كَثِيرٌ.

وقالَ السُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ، وأبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ: المُرادُ بِهِمْ أُمَراءُ السَّرايا والوُلاةُ، وعَلى الأوَّلِ المُعَوَّلُ ﴿ لَعَلِمَهُ ﴾ أيْ: لَعَلِمَ تَدْبِيرَ ذَلِكَ الأمْرِ الَّذِي أُخْبِرُوا بِهِ ﴿ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهُمْ ﴾ أيْ: يَسْتَخْرِجُونَ تَدْبِيرَهُ بِفِطْنَتِهِمْ وتَجارِبِهِمْ ومَعْرِفَتِهِمْ بِأُمُورِ الحَرْبِ ومَكايِدِهِ، أوْ لَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ  ومَن ذُكِرَ، وفَوَّضُوهُ إلَيْهِمْ وكانُوا كَأنْ لَمْ يَسْمَعُوا لَعَلِمَ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَ تَدْبِيرَهُ كَيْفَ يُدَبِّرُونَهُ وما يَأْتُونَ وما يَذَرُونَ، أوْ (لَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ)  ، وإلى كِبارِ أصْحابِهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - وقالُوا: نَسْكُتُ حَتّى نَسْمَعَهُ مِنهم ونَعْلَمَهُ هَلْ مِمّا يُذاعُ أوْ لا يُذاعُ لَعُلِمَ صِحَّتُهُ، وهَلْ هو مِمّا يُذاعُ أوْ لا، هَؤُلاءِ المُذِيعُونَ، وهُمُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنَ الرَّسُولِ وأُولِي الأمْرِ، أيْ: يَتَلَقَّوْنَهُ مِنهُمْ، ويَسْتَخْرِجُونَ عِلْمَهُ مِن جِهَتِهِمْ، أوْ لَوْ عَرَضُوهُ عَلى رَأْيِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُسْتَكْشِفِينَ لِمَعْناهُ، وما يَنْبَغِي لَهُ مِنَ التَّدْبِيرِ، وإلى أجِلَّةِ صَحْبِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم لَعَلِمَ الرّادُّونَ مَعْناهُ وتَدْبِيرَهُ، وهُمُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ ويَسْتَخْرِجُونَ عِلْمَهُ وتَدْبِيرَهُ مِن جِهَةِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ومَن تَشَرَّفَ بِالعَطْفِ عَلَيْهِ، والتَّعْبِيرُ بِالرِّسالَةِ لِما أنَّها مِن مُوجِباتِ الرَّدِّ.

وكَلِمَةُ (مِن) إمّا ابْتِدائِيَّةٌ، والظَّرْفُ لَغْوٌ مُتَعَلِّقٌ بِـ(يَسْتَنْبِطُونَهُ)، وإمّا تَبْعِيضِيَّةٌ أوْ بَيانِيَّةٌ تَجْرِيدِيَّةٌ، والظَّرْفُ حالٌ، ووُضِعَ المَوْصُولُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ في الِاحْتِمالَيْنِ الأخِيرَيْنِ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ القَصْدُ بِالرَّدِّ اسْتِكْشافُ المَعْنى واسْتِيضاحُ الفَحْوى، والِاسْتِنْباطُ في الأصْلِ اسْتِخْراجُ الشَّيْءِ مِن مَأْخَذِهِ، كالماءِ مِنَ البِئْرِ، والجَوْهَرِ مِنَ المَعْدِنِ، ويُقالُ لِلْمُسْتَخْرَجِ: نَبَطٌ بِالتَّحْرِيكِ، ثُمَّ تُجُوِّزَ بِهِ فَأُطْلِقَ عَلى كُلِّ أخْذٍ وتَلَقٍّ.

﴿ ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ ﴾ خِطابٌ لِلطّائِفَةِ المَذْكُورَةِ آنِفًا، بِناءً عَلى أنَّهم ضَعْفَةُ المُؤْمِنِينَ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ، والمُرادُ مِنَ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ شَيْءٌ واحِدٌ، أيْ: لَوْلا فَضْلُهُ سُبْحانَهُ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ بِإرْشادِكم إلى سَبِيلِ الرَّشادِ، الَّذِي هو الرَّدُّ إلى الرَّسُولِ  وإلى أُولِي الأمْرِ ﴿ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ ﴾ وعَمِلْتُمْ بِآرائِكُمُ الضَّعِيفَةِ، أوْ أخَذْتُمْ بِآراءِ المُنافِقِينَ فِيما تَأْتُونَ وتَذَرُوَنَ، ولَمْ تَهْتَدُوا إلى صَوْبِ الصَّوابِ ﴿ إلا قَلِيلا ﴾ وهم أُولُو الأمْرِ المُسْتَنِيرَةِ عُقُولُهم بِأنْوارِ الإيمانِ الرّاسِخِ، الواقِفُونَ عَلى الأسْرارِ، الرّاسِخُونَ في مَعْرِفَةِ الأحْكامِ بِواسِطَةِ الِاقْتِباسِ مِن مِشْكاةِ النُّبُوَّةِ، فالِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، أوِ الخِطابُ لِلنّاسِ، أيْ: ﴿ ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ ﴾ تَعالى بِالنَّبِيِّ  ﴿ ورَحْمَتُهُ ﴾ بِإنْزالِ القُرْآنِ، كَما فَسَّرَهُما السُّدِّيُّ والضَّحّاكُ، وهو اخْتِيارُ الجُبّائِيِّ، ولا يَبْعُدُ العَكْسُ ﴿ لاتَّبَعْتُمُ ﴾ كُلُّكُمُ ﴿ الشَّيْطانَ ﴾ وبَقَيْتُمْ عَلى الكُفْرِ والضَّلالَةِ ﴿ إلا قَلِيلا ﴾ مِنكم قَدْ تُفُضِّلَ عَلَيْهِ بِعَقْلٍ راجِحٍ، فاهْتَدى بِهِ إلى الطَّرِيقِ الحَقِّ، وسَلِمَ مِن مَهاوِي الضَّلالَةِ، وعُصِمَ مِن مُتابَعَةِ الشَّيْطانِ مِن غَيْرِ إرْسالِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وإنْزالِ الكِتابِ، كَقُسِّ بْنِ ساعِدَةَ الإيادِيِّ، وزَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، ووَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ وأضْرابِهِمْ، فالِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الأنْبارِيُّ.

وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: المُرادُ بِفَضْلِ اللَّهِ ورَحْمَتُهُ النُّصْرَةُ والمَعُونَةُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، والمَعْنى: لَوْلا حُصُولُ النُّصْرَةِ والظَّفَرِ لَكم عَلى سَبِيلِ التَّتابُعِ (لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ) فِيما يُلْقِي إلَيْكم مِنَ الوَساوِسِ والخَواطِرِ المُؤَدِّيَةِ إلى الجُبْنِ والفَشَلِ والرُّكُونِ إلى الضَّلالِ وتَرْكِ الدِّينَ (إلّا قَلِيلًا) وهم مِن أهْلِ البَصائِرِ النّافِذَةِ، والعَزائِمِ المُتَمَكِّنَةِ، والنِّيّاتِ الخالِصَةِ، مَن أفاضِلِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ أنَّهُ لَيْسَ مِن شَرْطُ كَوْنِ الدِّينِ حَقًّا حُصُولُ الدَّوْلَةِ في الدُّنْيا، أوْ باطِلًا حُصُولُ الِانْكِسارِ والِانْهِزامِ، بَلْ مَدارُ الأمْرِ في كَوْنِهِ حَقًّا وباطِلًا عَلى الدَّلِيلِ، ولا يَرِدُ أنَّهُ يَلْزَمُ مِن جَعْلِ الِاسْتِثْناءِ مِنَ الجُمْلَةِ الَّتِي ولِيَها جَوازُ أنْ يَنْتَقِلَ الإنْسانُ مِنَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ، ومِنِ اتِّباعِ الشَّيْطانِ إلى عِصْيانِهِ وخِزْيِهِ، ولَيْسَ لِلَّهِ تَعالى عَلَيْهِ في ذَلِكَ فَضْلٌ، ومَعاذَ اللَّهِ تَعالى أنْ يَعْتَقِدَ هَذا مُسْلِمٌ مُوَحِّدٌ سُنِّيًّا كانَ أوْ مُعْتَزِلِيًّا، وذَلِكَ لِأنَّ لَوْلا حَرْفُ امْتِناعٍ لِوُجُودٍ، وقَدْ أنْبَأتْ أنَّ امْتِناعَ اتِّباعِ المُؤْمِنِينَ لِلشَّيْطانِ في الكُفْرِ وغَيْرِهِ إنَّما كانَ بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ، فالفَضْلُ هو السَّبَبُ المانِعُ مِنِ اتِّباعِ الشَّيْطانِ، فَإذا جُعِلَ الِاسْتِثْناءُ مِمّا ذُكِرَ فَقَدْ سَلَبْتَ تَأْثِيرَ فَضْلِ اللَّهِ تَعالى في امْتِناعِ الِاتِّباعِ عَنِ البَعْضِ المُسْتَثْنى ضَرُورَةً، وجَعْلُهم مُسْتَبِدِّينَ بِالإيمانِ وعِصْيانِ الشَّيْطانِ الدّاعِي إلى الكُفْرِ بِأنْفُسِهِمْ لا بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى، ألا تُراكَ إذا قُلْتَ لِمَن تُذَكِّرُهُ بِحَقِّكَ عَلَيْهِ: لَوْلا مُساعَدَتِي لَكَ لَسُلِبْتَ أمْوالَكَ إلّا قَلِيلًا، كَيْفَ لَمْ تَجْعَلْ لِمُساعَدَتِكَ أثَرًا في بَقاءِ القَلِيلِ لِلْمُخاطِبِ، وإنَّمًا مَنَنْتَ عَلَيْهِ في تَأْثِيرِ مُساعَدَتِكَ في بَقاءِ أكْثَرِ مالِهِ لا في كُلِّهِ، لِأنّا نَقُولُ هَذا إذا عَمَّ الفَضْلُ لا إذا خَصَّ كَما أشَرْنا إلَيْهِ؛ لِأنَّ عَدَمَ الِاتِّباعِ إذا لَمْ يَكُنْ بِهَذا الفَضْلِ المَخْصُوصِ يُنافِي أنْ يَكُونَ بِفَضْلٍ آخَرَ، نَعَمْ، ظاهِرُ عِبارَةِ الكَشّافِ في هَذا المَقامِ مُشْكِلٌ، حَيْثُ جَعَلَ الِاسْتِثْناءَ مِنَ الجُمْلَةِ الأخِيرَةِ، وزادَ التَّوْفِيقَ في البَيانِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ أيْضًا: أرادَ بِهِ تَوْفِيقًا خاصًّا نَشَأ مِمّا قَبْلَهُ، وهَذا أوْلى مِنَ الإطْلاقِ ودَفْعِ الإشْكالِ بَأنَّ عَدَمَ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ عَلى الجَمِيعِ لا يَلْزَمُ مِنهُ العَدَمُ عَلى البَعْضِ لِما فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ.

وذَهَبَ بَعْضُهم لِلتَّخَلُّصِ مِنَ الإيرادِ إلى الِاسْتِثْتاءِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أذاعُوا بِهِ)، ﴾ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو اخْتِيارُ المُبَرِّدِ، والكِسائِيِّ، والفَرّاءِ، والبَلْخِيِّ، والطَّبَرِيِّ، واتَّخَذَ القاضِي أبُو بَكْرٍ الآيَةَ دَلِيلًا في الرَّدِّ عَلى مَن جَزَمَ بِعَوْدِ الِاسْتِثْناءِ عِنْدَ تَعَدُّدِ الجُمَلِ إلى الأخِيرَةِ.

وعَنْ بَعْضِ أهْلِ اللُّغَةِ أنَّ الِاسْتِثْناءَ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا ﴾ وعَنْ أكْثَرِهِمْ أنَّهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ ﴾ واعْتَرَضَهُ الفَرّاءُ والمُبَرِّدُ بِأنَّ ما يُعْلَمُ بِالِاسْتِنْباطِ فالأقَلُّ يَعْلَمُهُ والأكْثَرُ يَجْهَلُهُ، وصَرْفُ الِاسْتِثْناءِ إلى ما ذَكَرُوهُ يَقْتَضِي ضِدَّ ذَلِكَ، وتَعَقَّبَ ذَلِكَ الزَّجّاجُ بِأنَّهُ غَلَطٌ؛ لِأنَّهُ لا يُرادُ بِهَذا الِاسْتِنْباطِ ما يُسْتَخْرَجُ بِنَظَرٍ دَقِيقٍ وفِكْرٍ غامِضٍ، إنَّما هو اسْتِنْباطُ خَبَرٍ، وإذا كانَ ذَلِكَ فالأكْثَرُونَ يَعْرِفُونَهُ ولا يَجْهَلُهُ إلّا البالِغُ في البَلادَةِ، وفِيهِ نَظَرٌ، وبَعْضُهم إلى جَعْلِ الِاسْتِثْناءِ مُفَرَّغًا مِنَ المَصْدَرِ فَما بَعْدَ (إلّا) مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ، أيْ: لاتَّبَعْتُمُوهُ كُلَّ اتِّباعٍ إلّا اتِّباعًا قَلِيلًا، بِأنْ تَبْقَوْا عَلى إجْراءِ الكُفْرِ وآثارِهِ إلّا البَقاءَ القَلِيلَ النّادِرَ بِالنِّسْبَةِ إلى البَعْضِ، وذَلِكَ قَدْ يَكُونُ بِمُجَرَّدِ الطَّبْعِ والعادَةِ، وأحْسَنُ الوُجُوهِ وأقْرَبُها إلى التَّحْقِيقِ عِنْدَ الإمامِ ما ذَكَرَهُ أبُو مُسْلِمٍ، وأُيِّدَ التَّخْصِيصُ فِيما ذَهَبَ إلَيْهِ الأنْبارِيُّ بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ مَن يُطِعِ الرَّسُولَ ﴾ إلَخْ، وقَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ ﴾ يَشْهَدانِ لَهُ، وفي الَّذِي بَعْدَهُ بِأنَّ قَوْلَهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وإذا جاءَهم أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ ﴾ إلَخْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ يعني أفلا يتفكرون في مواعظ القرآن ليعتبروا بها، ويقال: أفلا يتفكرون في معاني القرآن فيعلمون أنه من عند الله تعالى؟

لأنه وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً أي تناقضاً كثيراً، ويقال: أباطيل وكذباً كثيراً لأن الاختلاف في قول الناس، وقول الله تعالى لا اختلاف فيه، فلهذا قال أهل النظر: إن الإجماع حجة، لأن الإجماع من الله تعالى، ولو لم يكن من الله تعالى لوقع فيه الاختلاف.

ولهذا قالوا: إن القياس إذا انتقض سقط الاحتجاج به لأنه لو كان حكم الله تعالى لم يرد عليه النقض.

قوله تعالى: وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ يعني المنافقين إذا جاءهم خبر من أمر السرية بالفتح والغلبة على العدو، سكتوا وقصروا عما جاءهم من الخبر أو الخوف، أي وإن جاءهم خبر من السرية ببلاء وشدة نزلت بالمؤمنين أَذاعُوا بِهِ أي أفشوه وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ قال الكلبي: يقول لو سكتوا عن إفشائه حتى يكون رسول الله  هو الذي يفشيه وأولو الأمر منهم مثل أبي بكر الصديق وعمر وعثمان وعلي  م لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ يقول: يبتغونه مِنْهُمْ فيكون هؤلاء الذين يستمعونه ويفشونه ويعلمونه إلا قليلاً منهم.

يقول الله تعالى: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ أي لولا منُّ الله عليكم ورحمته ونعمته لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ فيه تقديم وتأخير.

وقال مقاتل: أذاعوا به أي أفشوه إِلَّا قَلِيلًا منهم لا يفشون الخبر.

وقال الزجاج: أَذاعُوا بِهِ أي أظهروه.

ومعنى يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ أي يستخرجونه، وأصله من النبط وهو أول الماء الذي يخرج من البئر إذا حفرت، ولو ردوا ذلك إلى أن يأخذوا من قبل الرسول ومن قبل أولي الأمر منهم، لعلمه هؤلاء الذين أذاعوا به من ضعف المسلمين وعلموا من النبي  وذوي العلم، وكانوا يعلمون مع ذلك.

وقال عكرمة لعلمه الذين يخوضون فيه ويسألون عنه.

وقال أبو العالية: يعني الذين يستحسنونه منهم.

وقال الضحاك: ولو ردوا أمرهم في الحلال والحرام إلى الرسول في التصديق به والقبول منه، وإلى أولى الامر منهم، يعني حملة الفقه والحكمة، لعلمه الذين يستنبطونه منهم، يعني يتفحصون عن العلم.

وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ بالقرآن لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلَّا قَلِيلًا وهم الذين امتحن الله قُلُوبَهُمْ للتقوى.

وفي هذه الآية دليل على جواز الاستنباط من الخبر والكتاب، لأن الله تعالى قد أجاز الاستنباط من قبل الرسول وأهل العلم.

ثم قال: فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي في طاعة الله لاَ تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ قال مقاتل: يعني ليس عليك ذنب غيرك.

وقال الزجاج: أمر الله تعالى رسوله  بالجهاد وإن قاتل وحده، لأنه قد ضمن له النصر.

وقال أبو بكر في أهل الردة: لو خالفتني يميني لجاهدت بشمالي.

ويقال: واعد رسول الله  أبا سفيان بأن يخرج إلى بدر الصغرى، فكره المسلمون الخروج فأمره الله تعالى بأن يخرج وإن كان وحده.

فقال: وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ أي على القتال، يعني على الجهاد بقتال أعداء الله عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا أي يمنع قتال الذين كفروا.

والبأس هو القتال، كما قال في آية أخرى وَحِينَ الْبَأْسِ [البقرة: 177] ثم قال تعالى: وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً أي عذاباً.

ويقال: وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا أي أشد عقوبة في الآخرة عن عقوبة الكفار في الدنيا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

والوَكِيلُ: القائمُ بالأمورِ المُصْلِحُ لما يُخَافُ مِنْ فسادها.

وقوله تعالى: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ...

الآية: المعنى: أَفلا يتدبَّر هؤلاءِ المنافقُونَ كَلاَمَ اللَّه تعالى، فتظهر لهم براهِينُهُ، وتلُوح لهم أدلَّته، قُلْتُ: اعلم (رحمك اللَّه تعالى) أنَّ تدبُّر القرآن كفيلٌ لصاحبه بكُلِّ خير، وأما الهَذْرَمَة «١» والعَجَلَةُ، فتأثيرُها في القَلْب ضعيفٌ قال النوويُّ (رحمه اللَّه) : وقد كَرِهَ جماعةٌ من المتقدِّمين الخَتْمَ فِي يومٍ وليلةٍ ويدلُّ عليه ما رُوِّينَاهُ بالأسانيدِ الصَّحيحة في سُنَن أبي دَاوُد، والتِّرمذيِّ، والنَّسَائِيِّ وغيرها، عن عبد اللَّه بْنِ عَمْرِو بْنَ العَاصِي، قال: قَالَ رَسُولُ الله صلّى الله عليه وسلّم: «لاَ يَفْقَهُ مَنْ قَرَأَ القُرْآنَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلاَثٍ» «٢» .

انتهى.

قال ع «٣» : والتدبُّر هو النظر في أعقابِ الأُمُور وتأويلاتِ الأشياءِ، هذا كلّه يقتضيه قوله سبحانه: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ، وهذا أمرٌ بالنَّظَرِ والاستدلال، ثم عَرَّف تعالى بِمَوْقِعِ الحُجَّة، أي: لو كان مِنْ كلامِ البَشَر، لَدَخَلَهُ مَا فِي البَشَرَ من القُصُور، وظهر فيه التناقُضُ والتنافِي الَّذي لا يُمْكِنُ جَمْعُه إذ ذلك موجودٌ في كلامِ البَشَرِ، والقرآنُ منزَّه عنه إذ هو كلامُ المحيطِ بِكُلِّ شيء سبحانه.

قال ع «٤» : فإن عرضَتْ لأحدٍ شبهةٌ، وظنَّ اختلافا في شَيْءٍ مِنْ كتابِ اللَّه، فالواجبُ أنْ يتَّهم نَظَرَهُ ويسأَلَ مَنْ هو أعلَمُ منه.

وقوله تعالى: وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ ...

الآية: قال جُمْهور المفسِّرين: إن الآيةَ من المنافِقِينَ حَسْبما تقدَّم، والمعنى: أنَّ المنافقين كانوا يتشوَّفون إلى

سماع ما يسيء النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فإذا طَرَأَتْ لهم شبهةُ أَمْنٍ للمسلمينَ، أو فَتْحٍ عليهم، حَقَّرُوهَا وصَغَّروا شأنَها، وأذاعوا ذلك التحْقيرَ والتَّصْغِيرَ، وإذا طرأت لهم شُبْهَةُ خوفٍ للمسلمين أو مصيبة، عظّموها، وأذاعوا ذلك، وأَذاعُوا بِهِ: معناه: أَفْشَوْهُ، وهو فِعْلٌ يتعدى بحرفِ الجَرِّ وبنفسه أحياناً.

وقالت فرقة: الآية نزلَتْ في المنافقين، وفِيمَنْ ضَعُفَ جَلَدُه، وقَلَّتْ تجْرِبَتُهُ مِنَ المؤمنين/ وفي الصحيحِ مِنْ حديثِ عُمَرَ بْنِ الخطَّاب (رضي اللَّه عنه) أنه جَاءَ، وَقَوْمٌ فِي المَسْجِدِ، يَقُولُونَ: طَلَّقَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم نِسَاءَهُ، ثُمَّ قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَطَلَّقْتَ نِسَاءَكَ؟

فَقَالَ: لاَ، قَالَ عُمَرُ: فَقُمْتُ على بَابِ المَسْجِدِ، فَقُلْتُ: أَلاَ إنَّ رَسُولَ الله صلّى الله عليه وسلّم لَمْ يُطَلِّقْ نِسَاءَهُ، فأنزَلَ اللَّه تعالى هذه الآيةَ «١» .

وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ ...

الآية قال: وَأَنَا الَّذِي استنبطته.

وقوله تعالى: وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ ...

الآية: المعنى: لو أمسكوا عن الخَوْض واستقصوا الأمرِ مِنْ قِبَلِ الرسولِ، وأولِي الأمْر، وهم الأَمَرَاءُ والعُلَمَاءُ، لَعَلِمَهُ طُلاَّبُهُ مِنْ أُولِي الأمْرِ، والبَحَثَةِ عنه، وهم مستنْبِطُوهُ كَمَا يُسْتَنْبَطُ الماءُ، وهو استخراجه مِنَ الأرْضِ.

وقوله سبحانه: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ...

الآية: خِطَابٌ لجميعِ المؤمنينَ باتفاقٍ من المتأوِّلين، وقوله: إِلَّا قَلِيلًا هو مستثنى في قول جماعةٍ من قوله:

لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلَّا قَلِيلًا، وقال ابن عَبَّاس، وابن زَيْدٍ: ذلك مستثنًى من قوله: «أَذَاعُوا بِهِ إلاَّ قليلاً» ، ورجَّحه «٢» الطبريُّ «٣» ، وقال قتادة: هو مستثنًى من قوله: «يستنبطُونَهُ إلا قليلاً» «٤» .

ت: قال الدَّاوُوديُّ: قال أبو عُبَيْدة: وإنما كَرِهَ العلماءُ أن يجعلوا الاستثناء من

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا جاءَهم أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: «أنَّ النَّبِيَّ  لَمّا اعْتَزَلَ نِساءَهُ، دَخَلَ عُمَرُ المَسْجِدَ، فَسَمِعَ النّاسَ يَقُولُونَ: طَلَّقَ رَسُولُ اللَّهِ  نِساءَهُ، فَدَخَلَ عَلى النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ فَسَألَهُ أطْلَّقْتَ نِساءَكَ؟

قالَ: "لا" .

فَخَرَجَ فَنادى: ألّا إنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَمْ يُطْلِّقْ نِساءَهُ.

فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.

فَكانَ هو الَّذِي اسْتَنْبَطَ الأمْرَ.» انْفَرَدَ بِإخْراجِهِ مُسْلِمٌ، مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنْ عُمْرَ.

والثّانِي: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  كانَ إذا بَعَثَ سَرِيَّةً مِنَ السَّرايا فَغَلَبَتْ أوْ غَلَبَتْ، تَحَدَّثُوا بِذَلِكَ، وأفْشَوْهُ، ولَمْ يَصْبِرُوا حَتّى يَكُونَ النَّبِيُّ هو المُتَحَدِّثُ بِهِ.

فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.» رَواهُ أبُو صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وَفِي المُشارِ إلَيْهِمْ بِهَذِهِ الآَيَةِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُنافِقُونَ.

قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والجُمْهُورُ.

والثّانِي: أهْلُ النِّفاقِ، وضَعَفَةُ المُسْلِمِينَ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.

وَفِي المُرادِ بِالأمْنِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: فَوْزُ السَّرِيَّةِ بِالظَّفْرِ والغَنِيمَةِ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ.

والثّانِي: أنَّهُ الخَبَرُ يَأْتِي إلى النَّبِيِّ  أنَّهُ ظاهِرٌ عَلى قَوْمٍ، فَيَأْمَنُ مِنهم، قالَهُ الزَّجّاجُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ ما يَعْزِمُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ  مِنَ المُوادَعَةِ والأمانِ لِقَوْمٍ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

والرّابِعُ: أنَّهُ الأمْنُ يَأْتِي مِنَ المَأْمَنِ وهو المَدِينَةُ، ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ مُخْرَّجًا مِن حَدِيثِ عُمَرَ.

وَفِي "الخَوْفِ" ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ النَّكْبَةُ الَّتِي تُصِيبُ السَّرِيَّةَ، ذَكَرَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.

والثّانِي: أنَّهُ الخَبَرُ يَأْتِي أنَّ قَوْمًا يَجْمَعُونَ لِلنَّبِيِّ  فَيَخافُ مِنهم، قالَهُ الزَّجّاجُ.

والثّالِثُ: ما يَعْزِمُ عَلَيْهِ النَّبِيُّ مِنَ الحَرْبِ والقِتالِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أذاعُوا بِهِ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أشاعُوهُ.

وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: والهاءُ عائِدَةٌ عَلى الأمْرِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ رَدُّوهُ ﴾ يَعْنِي: الأمْرُ ﴿ إلى الرَّسُولِ ﴾ حَتّى يَكُونَ هو المُخْبِرُ بِهِ ﴿ وَإلى أُولِي الأمْرِ مِنهُمْ ﴾ وفِيهِمْ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهم مِثْلُ أبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ، وعُثْمانَ، وعَلِيٍّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهم أبُو بَكْرٍ، وعُمَرَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

والثّالِثُ: العُلَماءُ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وابْنُ جُرَيْجٍ.

والرّابِعُ: أُمَراءُ السَّرايا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، ومُقاتِلٌ.

وَفِي ﴿ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ الَّذِينَ يَتَتَبَّعُونَهُ مِنَ المُذِيعِينَ لَهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: أنَّهم أُولُو الأمْرِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

و"الِاسْتِنْباطُ" في اللُّغَةِ: الِاسْتِخْراجُ.

قالَ الزَّجّاجُ: أصْلُهُ مِنَ النَّبَطِ، وهو الماءُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ البِئْرِ أوَّلَ ما تُحْفَرُ، يُقالُ مِن ذَلِكَ: قَدْ أنْبَطَ فَلانٌ في غَضْراءَ، أيْ: اسْتَنْبَطَ الماءَ مِن طِينٍ حُرٍّ.

والنَّبَطُ: سُمُّوا نَبَطًا، لِاسْتِنْباطِهِمْ ما يُخْرِجُ مِنَ الأرْضِ.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ومَعْنى الآَيَةِ: وإذا جاءَهم خَبَرٌ عَنْ سَرِيَّةٍ لِلْمُسْلِمِينَ بِخَيْرٍ أوْ بَشَرٍّ أفْشَوْهُ، ولَوْ سَكَتُوا حَتّى يَكُونَ الرَّسُولُ وذَوُوُ الأمْرِ يَتَوَلَّوْنَ الخَبَرَ عَنْ ذَلِكَ، فَيُصَحِّحُوهُ إنْ كانَ صَحِيحًا، أوْ يُبْطِلُوهُ إنْ كانَ باطِلًا، لِعِلْمِ حَقِيقَةِ ذَلِكَ مَن يَبْحَثُ عَنْهُ مِن أُولِي الأمْرِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ﴾ فِي المُرادِ بِالفَضْلِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ.

والثّانِي: الإسْلامُ.

والثّالِثُ: القُرْآَنُ.

والرّابِعُ: أُولُو الأمْرِ.

وَفِي الرَّحْمَةِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها الوَحْيُ.

والثّانِي: اللُّطْفُ.

والثّالِثُ: النِّعْمَةُ.

والرّابِعُ: التَّوْفِيقُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إلا قَلِيلا ﴾ في مَعْنى هَذا الِاسْتِثْناءِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ راجِعٌ إلى الإذاعَةِ، فَتَقْدِيرُهُ: أذاعُوا بِهِ إلّا قَلِيلًا.

وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ زَيْدٍ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ، وابْنُ جَرِيرٍ.

والثّانِي: أنَّهُ راجِعٌ إلى المُسْتَنْبِطِينَ، فَتَقْدِيرُهُ: لِعِلْمِهِ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهُمُ إلّا قَلِيلًا، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وقَتادَةُ، واخْتارَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

فَعَلى هَذَيْنَ القَوْلَيْنِ، في الآَيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ.

والثّالِثُ: أنَّهُ راجِعٌ إلى اتِّباعِ الشَّيْطانِ، فَتَقْدِيرُهُ: لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إلّا قَلِيلًا مِنكم، وهَذا قَوْلُ الضَّحّاكَ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ.

وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: المَعْنى: لَوْلا فَضْلُ اللَّهِ بِإرْسالِ النَّبِيِّ إلَيْكم، لَضَلَلْتُمُ إلّا قَلِيلًا مِنكم كانُوا يَسْتَدْرِكُونَ بِعُقُولِهِمْ مِعْرِفَةَ اللَّهِ، ويَعْرِفُونَ ضَلالَ مَن يَعْبُدُ غَيْرَهُ، كَقَسِّ بْنِ ساعِدَةَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا ﴾ ﴿ وَإذا جاءَهم أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ أذاعُوا بِهِ ولَوْ رَدُّوهُ إلى الرَسُولِ وإلى أُولِي الأمْرِ مِنهم لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهم ولَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَيْطانَ إلا قَلِيلا ﴾ المَعْنى: هَؤُلاءِ المُنافِقُونَ، الطاعِنُونَ عَلَيْكَ، الرافِعُونَ بِغَيْرِ بُرْهانٍ في صَدْرِ نُبُوَّتِكَ، ألا يَرْجِعُونَ إلى النَصَفَةِ، ويَنْظُرُونَ مَوْضِعَ الحُجَّةِ، ويَتَدَبَّرُونَ كَلامَ اللهِ تَعالى فَتَظْهَرُ لَهم بَراهِينُهُ، وتَلُوحُ أدِلَّتُهُ؟

والتَدَبُّرُ: النَظَرُ في أعْقابِ الأُمُورِ وتَأْوِيلاتِ الأشْياءِ، هَذا كُلُّهُ يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ: ﴿ أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ ﴾ وهَذا أمْرٌ بِالنَظَرِ والِاسْتِدْلالِ.

ثُمَّ عَرَّفَ تَعالى بِمَواقِعِ الحُجَّةِ، أيْ: لَوْ كانَ مِن كَلامِ البَشَرِ لَدَخَلَهُ ما في كَلامِ البَشَرِ مِنَ القُصُورِ، وظَهَرَ فِيهِ التَناقُضُ والتَنافِي الَّذِي لا يُمْكِنُ جَمْعُهُ، إذْ ذَلِكَ مَوْجُودٌ في كَلامِ البَشَرِ، والقُرْآنُ مُنَزَّهٌ عنهُ، إذْ هو كَلامُ المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَإنْ عَرَضَتْ لِأحَدٍ شُبْهَةٌ وظَنَّ اخْتِلافًا في شَيْءٍ مِن كِتابِ اللهِ، فالواجِبُ أنْ يَتَّهِمَ نَظَرَهُ، ويَسْألَ مَن هو أعْلَمُ مِنهُ.

وذَهَبَ الزَجّاجُ إلى أنَّ مَعْنى الآيَةِ: لَوَجَدُوا فِيما نُخْبِرُكَ بِهِ مِمّا يُبَيِّتُونَ اخْتِلافًا، أيْ: فَإذْ تُخْبِرُهم بِهِ عَلى حَدِّ ما يَقَعُ فَذَلِكَ دَلِيلُ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللهِ غَيْبٌ مِنَ الغُيُوبِ، هَذا مَعْنى قَوْلِهِ، وقَدْ بَيَّنَهُ ابْنُ فُورَكٍ، والمَهْدَوِيُّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا جاءَهم أمْرٌ مِنَ الأمْنِ ﴾ الآيَةُ، قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: الآيَةُ في المُنافِقِينَ حَسْبَما تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِهِمْ، والآيَةُ نازِلَةٌ في سَرايا رَسُولِ اللهِ  وبُعُوثِهِ، والمَعْنى: أنَّ المُنافِقِينَ كانُوا يَشْرَئِبُّونَ إلى سَماعِ ما يَسُوءُ النَبِيَّ  في سَراياهُ، فَإذا طَرَأتْ لَهم شُبْهَةُ أمْنٍ لِلْمُسْلِمِينَ أو فُتِحَ عَلَيْهِمْ حَقَّرُوها وصَغَّرُوا شَأْنَها، وأذاعُوا بِذَلِكَ التَصْغِيرِ والتَحْقِيرِ، وإذا طَرَأتْ لَهم شُبْهَةُ خَوْفِ المُسْلِمِينَ أو مُصِيبَةٌ عَظَّمُوها، وأذاعُوا ذَلِكَ التَعْظِيمَ، و"أذاعُوا بِهِ" مَعْناهُ: أفْشَوْهُ، وهو فِعْلٌ يَتَعَدّى بِحَرْفِ جَرٍّ، وبِنَفْسِهِ أحْيانًا، تَقُولُ: أذَعْتُ كَذا، وأذَعْتُ بِهِ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي الأسْوَدِ: أذاعُوا بِهِ في الناسِ حَتّى كَأنَّهُ بِعَلْياءَ نارٌ أُوقِدَتْ بِثُقُوبِ وقالَتْ فِرْقَةٌ: الآيَةُ نازِلَةٌ في المُنافِقِينَ، وفي مَن ضَعُفَ جَلَدُهُ عَنِ الإيمانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ وقَلَّتْ تَجْرِبَتُهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَإمّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ في أمْرِ السَرايا فَإنَّهم كانُوا يَسْمَعُونَ أقْوالَ المُنافِقِينَ فَيَقُولُونَها مَعَ مَن قالَها، ويُذِيعُونَها مَعَ مَن أذاعَها، وهم غَيْرُ مُتَثَبِّتِينَ في صِحَّتِها، وهَذا هو الدالُّ عَلى قِلَّةِ تَجْرِبَتِهِمْ، وإمّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ في سائِرِ الأُمُورِ الواقِعَةِ، كالَّذِي قالَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: «إنَّهُ جاءَ وقَوْمٌ في المَسْجِدِ يَقُولُونَ: طَلَّقَ رَسُولُ اللهِ  نِساءَهُ، قالَ: فَدَخَلْتُ عَلى عائِشَةَ، فَقُلْتُ: يا ابْنَةَ أبِي بَكْرٍ بَلَغَ مِن أمْرِكِ أنْ تُؤْذِي رَسُولَ اللهِ  ؟

فَقالَتْ: يا ابْنَ الخَطّابِ، عَلَيْكَ بِعَيْبَتِكَ، قالَ: فَدَخَلْتُ عَلى حَفْصَةَ، فَقُلْتُ: يا حَفْصَةُ قَدْ عَلِمْتِ أنَّ رَسُولَ اللهِ  لَمْ يَكُنْ يُحِبُّكِ، ولَوْلا أنا لَطَلَّقَكِ، فَجَعَلَتْ تَبْكِي، قالَ: فَخَرَجْتُ حَتّى جِئْتُ إلى رَسُولِ اللهِ  وهو في غُرْفَةٍ لَهُ، ورَباحٌ مَوْلاهُ جالِسٌ عَلى أُسْكُفَّةِ الغُرْفَةِ، فَقُلْتُ: يا رَباحُ، اسْتَأْذِنْ لِي عَلى رَسُولِ اللهِ، فَنَظَرَ إلى الغُرْفَةِ، ثُمَّ نَظَرَ إلَيَّ وسَكَتَ، فَقُلْتُ: يا رَباحُ، اسْتَأْذِنْ لِي عَلى رَسُولِ اللهِ، فَلَعَلَّهُ يَظُنُّ أنِّي جِئْتُ مِن أجْلِ حَفْصَةَ، واللهِ لَوْ أمَرَنِي أنْ أضْرِبَ عُنُقَها لَضَرَبْتُهُ، فَنَظَرَ ثُمَّ أشارَ إلَيَّ بِيَدِهِ أنِ ادْخُلْ، فَدَخَلْتُ وإذا رَسُولُ اللهِ  مُضْطَجِعٌ عَلى حَصِيرٍ، وقَدْ أثَّرَ في جَنْبِهِ، وإذا لَيْسَ في غُرْفَتِهِ.

إلّا قَبْضَةٌ مِن شَعِيرٍ، وقَبْضَةٌ مِن قَرَظٍ، وإذا أفِيقانِ مُعَلَّقانِ، فَبَكَيْتُ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ  : ما يُبْكِيكَ يا ابْنَ الخَطّابِ؟

فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ، أنْتَ صَفْوَةُ اللهِ مِن خَلْقِهِ ورَسُولُهُ، ولَيْسَ لَكَ مِنَ الدُنْيا إلّا هَذا، وكِسْرى وقَيْصَرُ في الأشْجارِ والأنْهارِ، فَقالَ: ها هُنا أنْتَ يا عُمَرُ؟

أما تَرْضى أنْ تَكُونَ لَهُمُ الدُنْيا ولَنا الآخِرَةُ؟

فَقُلْتُ: بَلى، ثُمَّ جَعَلْتُ أُحَدِّثُهُ حَتّى تَهَلَّلَ وابْتَسَمَ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ، إنَّهُمُ ادَّعَوْا أنَّكَ طَلَّقْتَ نِساءَكَ، فَقالَ: لا، فَقُلْتُ: أتَأْذَنُ لِي أنْ أُعَرِّفَ الناسَ؟

فَقالَ: افْعَلْ إنْ شِئْتَ.

قالَ: فَقُمْتُ عَلى بابِ المَسْجِدِ فَقُلْتُ: ألا إنَّ رَسُولَ اللهِ  لَمْ يُطَلِّقْ نِساءَهُ، فَأنْزَلَ اللهُ في هَذِهِ القِصَّةِ ﴿ وَإذا جاءَهم أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ أذاعُوا بِهِ ﴾ .

الآيَةَ،» وأنا الَّذِي اسْتَنْبَطَهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ رَدُّوهُ إلى الرَسُولِ ﴾ الآيَةُ.

المَعْنى: لَوْ أمْسَكُوا عَنِ الخَوْضِ، واسْتَقْصَوُا الأُمُورَ مِن قِبَلِ الرَسُولِ، أو أُولِي الأمْرِ -وَهُمُ الأُمَراءُ- قالَهُ السُدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ، وقِيلَ: أهْلُ العِلْمِ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وغَيْرُهُما، والمَعْنى يَقْتَضِيهِما مَعًا "لَعَلِمَهُ" طُلّابُهُ مِن أُولِي الأمْرِ، والبَحَثَةُ عنهُ وهم مُسْتَنْبِطُوهُ كَما يُسْتَنْبَطُ الماءُ وهُوَ: النَبَطُ، أيِ: الماءُ المُسْتَخْرَجُ مِنَ الأرْضِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: قَرِيبٌ ثَراهُ ما يَنالُ عَدُوُّهُ ∗∗∗ لَهُ نَبَطًا آبى الهَوانَ قَطُوبُ وهَذا التَأْوِيلُ جارٍ مَعَ قَوْلِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أنا اسْتَنْبَطْتُهُ بِبَحْثِي وسُؤالِي.

وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: لَعَلِمَهُ المَسْؤُولُونَ المُسْتَنْبِطُونَ فَأخْبَرُوا بِعِلْمِهِمْ، وقَرَأ أبُو السَمّالِ: " لَعَلْمَهُ" بِسُكُونِ اللامِ، وذَلِكَ مِثْلُ "شَجْرَ بَيْنَهُمْ"،والضَمِيرُ فِي: "رَدُّوهُ" عَلى الأمْرِ، وفِي: "مِنهُمْ" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الرَسُولِ وأُولِي الأمْرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الجَماعَةِ كُلِّها، أيْ: لَعَلِمَهُ البَحَثَةُ مِنَ الناسِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ ﴾ الآيَةُ، هَذا الخِطابُ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ بِاتِّفاقٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ، والمَعْنى: لَوْلا هِدايَةُ اللهِ وإرْشادُهُ لَكم بِالإيمانِ -وَذَلِكَ فَضْلٌ مِنهُ ورَحْمَةٌ- لَكُنْتُمْ عَلى كُفْرِكُمْ، وذَلِكَ اتِّباعُ الشَيْطانِ.

وحَكى الزَجّاجُ: لَوْلا فَضْلُ اللهِ في هَذا القُرْآنِ ورِسالَةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في الِاسْتِثْناءِ بِقَوْلِهِ: "إلّا قَلِيلًا"، مِمَّ هُوَ؟

فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ زَيْدٍ: ذَلِكَ مُسْتَثْنىً مِن قَوْلِهِ: "أذاعُوا بِهِ- إلّا قَلِيلًا"، ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ، وقالَ قَتادَةُ: مُسْتَثْنىً مِن قَوْلِهِ: "يَسْتَنْبِطُونَهُ-إلّا قَلِيلًا"، وقالَتْ فِرْقَةٌ: ذَلِكَ مُسْتَثْنىً مِن قَوْلِهِ: ﴿ لاتَّبَعْتُمُ الشَيْطانَ إلا قَلِيلا ﴾ ، عَلى سَرْدِ الكَلامِ دُونَ تَقْدِيرِ تَقْدِيمٍ، ثُمَّ اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ، فَقالَ الضَحّاكُ: إنَّ اللهَ هَدى الكُلَّ مِنهم لِلْإيمانِ، فَكانَ مِنهم مَن تَمَكَّنَ فِيهِ حَتّى لَمْ يَخْطُرْ لَهُ قَطُّ خاطِرُ شَكٍّ، ولا عَنَتْ لَهُ شُبْهَةُ ارْتِيابٍ، فَذَلِكَ هو القَلِيلُ، وسائِرُ مَن أسْلَمَ مِنَ العَرَبِ لَمْ يَخْلُ مِنَ الخَواطِرِ، فَلَوْلا فَضْلُ اللهِ بِتَجْرِيدِ الهِدايَةِ لَهم لَضَلُّوا واتَّبَعُوا الشَيْطانَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: هَذا مَعْنى قَوْلِ الضَحّاكِ، ويَجِيءُ الفَضْلُ مُعَيَّنًا، أيْ: رِسالَةُ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ والقُرْآنُ، لِأنَّ الكُلَّ إنَّما هُدِيَ بِفَضْلِ اللهِ عَلى الإطْلاقِ، وقالَ قَوْمٌ: المُخاطَبُ بِقَوْلِهِ "لاتَّبَعْتُمُ" جَمِيعُ المُؤْمِنِينَ، وقَوْلُهُ: "إلّا قَلِيلًا" إشارَةٌ إلى مَن كانَ قَبْلَ الإسْلامِ غَيْرَ مُتَّبِعٍ لِلشَّيْطانِ عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ، كَوَرَقَةِ بْنِ نَوْفَلٍ، وزَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وغَيْرِهِما.

وقالَ قَوْمٌ: الِاسْتِثْناءُ إنَّما هو مِنَ الاتِّباعِ، أيْ: لاتَّبَعْتُمُ الشَيْطانَ كُلُّكم إلّا قَلِيلًا مِنَ الأُمُورِ كُنْتُمْ لا تَتَّبِعُونَهُ فِيها.

وقالَ قَوْمٌ: قَوْلُهُ: "إلّا قَلِيلًا" عِبارَةٌ عَنِ العَدَمِ، يُرِيدُونَ: لاتَّبَعْتُمُ الشَيْطانَ كُلُّكُمْ، وهَذا الأخِيرُ قَوْلٌ قَلِقٌ، ولَيْسَ يُشْبِهُ ما حَكى سِيبَوَيْهِ مِن قَوْلِهِمْ: "أرْضٌ قَلَّما تُنْبِتُ كَذا" بِمَعْنى: لا تُنْبِتُهُ لِأنَّ اقْتِرانَ القِلَّةِ بِالِاسْتِثْناءِ يَقْتَضِي حُصُولَها، ولَكِنْ قَدْ ذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على جملة ﴿ ويقولون طاعة ﴾ [النساء: 81] فضمير الجمع راجع إلى الضمائر قبله، العائدة إلى المنافقين، وهو الملائم للسياق، ولا يعكّر عليه إلاّ قوله: ﴿ وإلَى أولي الأمر منهم ﴾ ، وسنعلم تأويله، وقيل: الضمير هذا راجع إلى فريق من ضعفة المؤمنين: ممّن قلّت تجربَته وضعف جَلده، وهو المناسب لقوله: ﴿ وإلى أولي الأمر منهم ﴾ بحسب الظاهر، فيكون معَاد الضمير محذوفاً من الكلام اعتماداً على قرينة حال النزول، كما في قوله: ﴿ حتّى توارت بالحجاب ﴾ [ص: 32].

والكلام مسوق مساق التوبيخ للمنافقين واللوم لمن يقبل مثل تلك الإذاعة، من المسلمين الأغرار.

ومعنى ﴿ جاءهم أمر ﴾ أي أخبروا به، قال امرؤ القيس: وذَلك مِنْ نَبَإ جَاءَني *** فالمجيء مجاز عرفي في سماع الأخبار، مثل نظائره.

وهي: بلغ، وانتهى إليه وأتاه، قال التابغة: أتأني أبيتَ اللعن أنَّكَ لُمَتَنِي *** والأمر هنا بمعنى الشيء، وهو هنا الخبر، بقرينة قوله: ﴿ أذاعوا به ﴾ .

ومعنى ﴿ أذاعوا ﴾ أفْشَوْا، ويتعدّى إلى الخبر بنفسه، وبالباء، يقال: أذاعَه وأذاع به، فالباء لتوكيد اللصوق كما في ﴿ وامْسَحُوا برؤوسكم ﴾ [المائدة: 6].

والمعنى إذا سمعوا خبَراً عن سَرايا المسلمين من الأمن، أي الظَّفَر الذي يوجب أمن المسلمين أو الخوف وهو ما يوجب خوف المسلمين، أي اشتداد العدوّ عليهم، بادروا بإذاعته، أو إذا سمعوا خَبراً عن الرسول عليه السلام وعن أصحابه، في تدبير أحوال المسلمين من أحوال الأمن أو الخوف، تحدّثوا بتلك الأخبار في الحالين، وأرجفوها بين الناس لقصد التثبيط عن الاستعداد، إذا جاءت أخبار أمن حتّى يؤخذ المؤمنون وهم غَارَّون، وقصد التجبين إذا جاءت أخبار الخوف، واختلاف المعَاذير للتهيئة للتخلّف عن الغزو إذا استنفروا إليه، فحذّر الله المؤمنين من مكائد هؤلاء، ونبّه هؤلاء على دخيلتهم، وقَطَع معذرتهم في كيدهم بقوله: ﴿ ولو ردّوه إلى الرسول ﴾ الخ، أي لولا أنّهم يقصدون السوء لاستثبتوا الخبر من الرسول ومن أهل الرأي.

وعلى القول بأنّ الضمير راجع إلى المؤمنين فالآية عتاب للمؤمنين في هذا التسرّع بالإذاعة، وأمرُهم بإنهاء الأخبار إلى الرسول وقادة الصحابة ليضعوه مواضعه ويعلّموهم محامله.

وقيل: كان المنافقون يختلقون الأخبار من الأمن أو الخوف، وهي مخالفة للواقع، ليظنّ المسلمون الأمْن حين الخوف فلا يأخذوا حذرهم، أو الخوفَ حين الأمن فتضطرب أمورهم وتختلّ أحوال اجتماعهم، فكان دهماء المسلمين إذا سمعوا ذلك من المنافقين راج عندهم فأذاعوا به، فتمّ للمنافقين الدست، وتمشّت المكيدة، فلامهم الله وعلّمهم أن ينهوا الأمر إلى الرسول وجلّة أصحابه قبل إشاعته ليعلموا كنه الخبر وحالَه من الصدق أو الكذب، ويأخذوا لكلّ حالة حيطتها، فيسلم المؤمنون من مكر المنافقين الذي قصدوه.

وهذا بعيد من قوله: ﴿ جاءهم ﴾ وعلى هذا فقوله: ﴿ لَعَلِمَه ﴾ هو دليل جواب (لو) وعِلَّتُه، فجُعل عوضه وحذف المعلول، إذ المقصود لعلمه الذين يستنبطونه من أولي الأمر فلَبَيَّنُوه لهم على وجهه.

ويجوز أن يكون المعنى: ولو ردّوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلم ذلك المنافقون الذين اختلقوا الخبَر فلَخابوا إذ يوقنون بأنّ حيلتهم لم تتمشّ على المسلمين، فيكون الموصول صادقاً على المختلقين بدلالة المقام، ويكون ضمير ﴿ منهم ﴾ الثاني عائداً على المنافقين بقرينة المقام.

والردّ حقيقته إرجاع شيء إلى ما كان فيه من مكان أو يَدٍ.

واستعمل هنا مجازاً في إبلاغ الخبر إلى أوْلى الناس بعلمه.

وأولو الأمر هم كبّراء المسلمين وأهل الرأي منهم، فإن كان المتحدّث عنهم المنافقين فوصف أولي الأمر بأنّهم منهم جارٍ على ظاهر الأمر وإرخاءِ العِنان، أي أولو الأمر الذين يجعلون أنفسهم بعضَهم؛ وإن كان المتحدّث عنهم المؤمنين، فالتبعيض ظاهر.

والاستنباط حقيقته طلب النَّبَط بالتحريك؛ وهو أول الماء الذي يخرج من البئر عند الحفر؛ وهو هنا مجاز في العلم بحقيقة الشيء ومعرفة عواقبه، وأصله مكنية: شبّه الخبر الحادث بحفير يُطلب منه الماء، وذكْر الاستنباط تَخييلٌ.

وشاعت هذه الاستعارة حتّى صارت حقيقة عرفية، فصار الاستنباط بمعنى التفسير والتبيين، وتعدية الفعل إلى ضمير الأمر على اعتبار المعنى العرفي، ولولا ذلك لقيل: يستنبطون منه، كما هو ظاهر، أوْ هو على نزع الخافض.

وإذا جريتَ على احتمال كون (يستنبطون) بمعنى يختلقون كما تقدّم كانت ﴿ يستنبطونه ﴾ تبعية، بأن شبّه الخبر المختلَق بالماء المحْفور عنه، وأطلق يستنبطون بمعنى يختلقون، وتعدّى الفعل إلى ضمير الخبرلأنّه المستخرَج.

والعرب يكثرون الاستعارة من أحوال المياه كقولهم: يُصْدر ويُورِد، وقولهم ضَرَبَ أخماساً لأسْدَاسسٍ، وقولهم: يَنْزِع إلى كذا، وقوله تعالى: ﴿ فإنّ للذين ظلموا ذَنُوباً مثلَ ذَنوب أصحابهم ﴾ [الذاريات: 59]، وقال عَبدة بن الطبيب: فحقّ لشاس من نداك ذَنوب *** ومنه قولهم: تَساجل القوم، أصله من السَّجْل، وهو الدلو.

وقال قيس بن الخطيم: إذَا ما اصطبَحْتُ أرْبعاً خطّ مِئْزَري *** وأتْبَعْتُ دلوي في السماح رِشاءها فذكَر الدلوَ والرشاء.

وقال النابغة: خَطاطِيف حَجْننٍ في حِباللٍ متينَة *** تَمُدّ بها أيْدٍ إليكَ نَوازِع وقال: ولولا أبُو الشقراء مَا زال ماتح *** يُعالج خَطَّافاً بإحدى الجرائر وقالوا أيضاً: «انتهز الفرصة»، والفرصة نوبة الشرب، وقالوا: صدر الوم عن رأي فلان ووَردوا على رأيه.

وقوله: ﴿ منهم ﴾ وصفٌ للذين يستنبطونه، وهم خاصّة أولي الأمر من المسلمين، أي يردّونه إلى جماعةِ أولي الأمر فيفهمه الفاهمون من أولي الأمر، وإذا فهمه جميعهم فأجدَر.

وقوله: ﴿ ولولا فضلُ الله عليكم ورحمتُه ﴾ امتنان بإرشادهم إلى أنواع المصالح، والتحذير من المكائد ومن حبائل الشيطان وأنصاره.

واستثناء ﴿ إلاّ قليلاً ﴾ من عموم الأحوال المؤذن بها ﴿ اتّبعتم ﴾ ، أي إلاّ في أحوال قليلة، فإن كان المراد من فضل الله ورحمته ما يشمل البعثة فما بعدها، فالمراد بالقليل الأحوال التي تنساق إليها النفوس في بعض الأحوال بالوازع العقلي أو العادي، وإن أريد بالفضل والرحمة النصائح والإرشاد فالمراد بالقليل ما هو معلوم من قواعد الإسلام.

ولك أن تجعله استثناء من ضمير ﴿ اتّبعتم ﴾ أي إلاّ قليلاً منكم، فالمراد من الاتّباع اتّباع مثل هذه المكائد التي لا تروج على أهل الرأي من المؤمنين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ ﴾ أصْلُ التَّدَبُّرِ الدَّبُّورُ، لِأنَّهُ النَّظَرُ في عَواقِبِ الأُمُورِ.

﴿ وَلَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا ﴾ في الِاخْتِلافِ هَهُنا ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: تَناقُضٌ مِن جِهَةِ حَقٍّ وباطِلٍ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، وابْنِ زَيْدٍ.

والثّانِي: مِن جِهَةِ بَلِيغٍ ومَرْذُولٍ، وهو قَوْلُ بَعْضِ البَصْرِيِّينَ.

والثّالِثُ: يَعْنِي اخْتِلافًا في الأخْبارِ عَمّا يُسِرُّونَ، وهَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا جاءَهم أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ أذاعُوا بِهِ ﴾ في المَعْنِيِّ بِهَذا قَوْلانِ: أحَدُهُما: المُنافِقُونَ، وهو قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ والضَّحّاكِ.

والثّانِي: أنَّهم ضَعَفَةُ المُسْلِمِينَ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، والزَّجّاجِ.

﴿ وَلَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ وإلى أُولِي الأمْرِ مِنهُمْ ﴾ وفِيهِمْ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُمُ الأُمَراءُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ، والسُّدِّيِّ.

والثّانِي: هم أُمَراءُ السَّرايا.

والثّالِثُ: هم أهْلُ العِلْمِ والفِقْهِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ، وابْنِ جُرَيْجٍ، وابْنِ نَجِيحٍ، والزَّجّاجِ.

﴿ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهُمْ ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم أُولُو الأمْرِ.

والثّانِي: أنَّهُمُ المُنافِقُونَ أوْ ضَعَفَةُ المُسْلِمِينَ المَقْصُودُونَ بِأوَّلِ الآيَةِ، ومَعْنى يَسْتَنْبِطُونَهُ: أيْ يَسْتَخْرِجُونَهُ، مَأْخُوذٌ مِنِ اسْتِنْباطِ الماءِ، ومِنهُ سُمِّيَ النَّبَطُ لِاسْتِنْباطِهِمُ العُيُونُ.

﴿ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إلا قَلِيلا ﴾ في فَضْلِ اللَّهِ هَهُنا ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَعْنِي النَّبِيَّ  .

والثّانِي: القُرْآنُ.

والثّالِثُ: اللُّطْفُ والتَّوْفِيقُ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إلا قَلِيلا ﴾ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَعْنِي لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إلّا قَلِيلًا مِنكم فَإنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَتْبَعُ الشَّيْطانَ.

والثّانِي: لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَ إلّا قَلِيلًا مِنكم وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ وقَتادَةَ.

والثّالِثُ: أذاعُوا بِهِ إلّا قَلِيلًا، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ زَيْدٍ.

والرّابِعُ: لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إلّا قَلِيلًا مَعَ الِاتِّباعِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد ومسلم وابن أبي حاتم من طريق ابن عباس عن عمر بن الخطاب قال: لما اعتزل النبي صلى الله عليه وسلم نساءه، دخلت المسجد فإذا الناس ينكتون بالحصا ويقولون: طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه، فقمت على باب المسجد، فناديت بأعلى صوتي: لم يطلق نساءه.

ونزلت هذه الآية في ﴿ وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ﴾ فكنت أنا استنبطت ذلك الأمر.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ﴾ يقول: أفشوه وسعوا به ﴿ ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ﴾ يقول: لعلمه الذين يتجسسونه منهم.

وأخرج ابن جريج وابن المنذر من طريق ابن جريج عن ابن عباس ﴿ وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ﴾ قال: هذا في الإخبار، إذا غزت سرية من المسلمين خبر الناس عنها، فقالوا: أصاب المسلمين من عدوهم كذا وكذا، وأصاب العدو من المسلمين كذا وكذا، فأفشوه بينهم من غير أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم هو يخبرهم به.

قال ابن جريج: قال ابن عباس: ﴿ أذاعوا به ﴾ أعلنوه وأفشوه ﴿ ولو ردوه إلى الرسول ﴾ حتى يكون هو الذي يخبرهم به ﴿ وإلى أولي الأمر منهم ﴾ أولي الفقه في الدين والعقل.

وأخرج ابن جريج وابن أبي حاتم عن السدي ﴿ وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف ﴾ يقول: إذا جاءهم أمر أنهم قد أمنوا من عدوهم، أو أنهم خائفون منه، أذاعوا بالحديث حتى يبلغ عدوهم أمرهم ﴿ ولو ردوه إلى الرسول ﴾ يقول: ولو سكتوا وردوا الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ وإلى أولي الأمر منهم ﴾ يقول: إلى أميرهم حتى يتكلم به ﴿ لعلمه الذين يستنبطونه منهم ﴾ يعني عن الأخبار، وهم الذين ينقرون عن الأخبار.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك ﴿ وإذا جاءهم أمر ﴾ قال: هم أهل النفاق.

وأخرج ابن جرير عن أبي معاذ.

مثله.

وأخرج عن ابن زيد في قوله: ﴿ أذاعوا به ﴾ قال: نشروه.

قال: والذين أذاعوا به قوم إمَّا منافقون وإما آخرون ضعفاء.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم ﴾ يقول: إلى علمائهم.

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في الآية قال: الولاة الذين يكونون في الحرب عليهم، يتفكرون فينظرون لما جاءهم من الخبر أصدق أم كذب.

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي العالية ﴿ لعلمه الذين يستنبطونه منهم ﴾ قال: يتبعونه ويتجسسونه.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد ﴿ لعلمه الذين يستنبطونه منهم ﴾ قال: الذين يسألون عنه ويتجسسونه.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ لعلمه الذين يستنبطونه منهم ﴾ قال: قولهم ماذا كان وما سمعتم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر من طريق سعيد عن قتادة قال: إنما هو ﴿ لعلمه الذين يستنبطونه منهم ﴾ الذين يفحصون عنه ويهمهم ذلك إلا قليلاً منهم ﴿ ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق معمر عن قتادة في قوله: ﴿ ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلاً ﴾ يقول: لاتبعتم الشيطان كلكم.

وأما قوله: ﴿ إلا قليلاً ﴾ فهو لقوله: ﴿ لعلمه الذين يستنبطونه منهم ﴾ إلا قليلاً.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان ﴾ قال: فانقطع الكلام.

وقوله: ﴿ إلا قليلاً ﴾ فهو في أوّل الآية يخبر عن المنافقين قال: ﴿ فإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ﴾ إلا قليلاً.

يعني بالقليل المؤمنين.

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال: هذه الآية مقدمة ومؤخرة، إنما هي ﴿ أذاعوا به إلا قليلاً منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لم ينج قليل ولا كثير ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله: ﴿ ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلاً ﴾ قال: هم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، كانوا حدثوا أنفسهم بأمر من أمور الشيطان إلا طائقة منهم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ﴾ الآية (١) قال أبو بكر محمد بن القاسم (٢)  وُيخبرون بما وقع بها وبما أدركت ولحقت، قبل أن يُخبر به النبي  فيضعفون قلوب المؤمنين ويؤذون النبي  سبقهم إياه بالأخبار، فأنزل الله تعالى: ﴿ وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ﴾ أي أبدوه وأظهروه قبل إبداء الرسول إياه إلا قليلًا منهم ﴿ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ ﴾ أي أولي أمر السرايا، حتى يكون النبي  والأمراء هم الذين يُخبرون به ﴿ لَعَلِمَهُ ﴾ كل طالب علمه، واستغنوا بذلك عن الإخبار بما يغم رسول الله  ويؤذي المسلمين (٣) وهذا الذي قاله أبو بكر معنى صحيح عليه كثير من المفسرين (٤) قال ابن عباس: هذا في الأخبار، إذا غزت السرية من المسلمين أخبروا الناس عنها، فقالوا: أصاب المسلمين من عدوهم كذا وكذا، فأفشوه بينهم (٥) وقال (السدي) (٦) (٧) وقال الكلبي: ﴿ وَإِذَا جَاءَهُمْ ﴾ يعني المناِفقين ﴿ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ ﴾ حديث فيه أمن ﴿ أَوِ الْخَوْفِ ﴾ يعني الهزيمة ﴿ أَذَاعُوا بِهِ ﴾ أفشوه، ولو سكتوا عنه حتى يكون الرسول هو الذي يُفشيه، أو أولو الأمر مثل أبي بكر وعمر وعلي، ويقال أمراء السرايا ﴿ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ ﴾ يتبعونه، ويقال: يطلبون علم ذلك (٨) قال: وكان رسول الله  إذا بعث سرية فغلبت أو غُلبت تحدثوا بذلك وأفشوه، ولم يقفوا في ذلك حتى يكون رسول الله يخبرهم، فأنزل الله: ﴿ وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ ﴾ .

ونحو هذا قال مقاتل (٩) فهذه الأقوال التي ذكرنا توافق المعنى الذي ذكره أبو بكر وتقاربه.

فأما سوق الألفاظ على هذا التفسير، فقوله: ﴿ وَإِذَا جَاءَهُمْ ﴾ يعني المنافقين في قول أكثرهم (١٠) قال الزجاج: وكان ضعفة من المسلمين يُشيعون ذلك معهم من غير علم منهم بالضرر في ذلك (١١) (١٢) والسدي أبهم الأمر فقال: نزل في أصحاب الأخبار (١٣) فاحتمل أن يكونوا من المنافقين وأن يكونوا من المسلمين.

ومعنى ﴿ وَإِذَا جَاءَهُمْ ﴾ إذا وقع إليهم وانتهى إليهم هذا الخبر الذي هو أمر ﴿ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ ﴾ من جهة استخبار وتجسس في معنى قول المفسرين إلا في قول السدي، فإنه قال: كانوا إذا سمعوا من النبي  خبرًا (١٤)  ، وعلى قوله لا يجوز أن يكونوا كاذبين بأن كان ما وقع إليهم من الخبر كذبًا، فقد قال ابن عباس: أفشوه بينهم من غير أن يكون شيء من ذلك (١٥) وقوله: ﴿ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ ﴾ .

مضى فيه كلام المفسرين.

وقال الحسن: من السلم أو الحرب (١٦) وقوله تعالى: ﴿ أَذَاعُوا بِهِ ﴾ .

الذيع أن يشيع الأمر (١٧) (١٨) وقال أبو زيد: أذعتُ الأمر وأذعت به (١٩) (٢٠) أذاع به في الناس حتى كأنه ...

بعلياء نار أوقدت بثقوب (٢١) قال قتادة: ﴿ أَذَاعُوا بِهِ ﴾ أظهروه (٢٢) وقوله تعالى: ﴿ وَلَوْ رَدُّوهُ ﴾ .

أي ردوا الأمر من الأمن أو الخوف (٢٣) (٢٤) وفي أولي الأمر قولان ذكرتهما (٢٥) (٢٦) والثاني اختيار الفراء؛ لأنه قال: لو ردوه إلى أمراء السرايا (٢٧) وقوله تعالى: ﴿ مِنْهُمْ ﴾ يعني من هؤلاء المرجفين.

وجعل أمراء السرايا وذوي العلم منهم من حيث الظاهر.

وقد مضى مثل هذا في آيتين، وذكرنا الكلام هناك، إحدى الآيتين قوله: ﴿ وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ  ﴾ والثانية قوله معنى (٢٨) ﴿ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ  ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ﴾ .

معنى الاستنباط في اللغة الاستخراج، يقال: استنبط الفقيه، إذا استخرج الفقه الباطن باجتهاده وفهمه.

وأصله من النبط وهو الماء الذي يخرج من البئر أول ما يُحفر.

يقال من ذلك: أنبط في غضراء (٢٩) قال: والنبط (٣٠) (٣١) وقال الفراء: ينبطونه مثل يستنبطونه، ونبط الماء ينبط وينبط نبوطًا والأنباط الذين استنبطوا الماء من الأرض (٣٢) وقال ابن الأعرابي: يقال للرجل إذا كان يعدُ ولا يُنجز: فلان قريب الثرى بعيد النبط (٣٣) وقال غيره: يقال ذلك إذا وصف بالعز والمنعة، حتى لا يجد عدوه سبيلًا إلى أن يهضمه (٣٤) (٣٥) قريب ثراه ما ينال عدوُّه ...

له نبطًا أبي الهوان قطوبُ (٣٦) وأنشده الفراء في المصادر.

هذا كلام أهل اللغة.

فأما قول أهل التأويل، فقال الضحاك: ﴿ يَسْتَنْبِطُونَهُ ﴾ يتبعونه (٣٧) وقال عكرمة: الذين يحرصون عليه ويسألون عنه (٣٨) وقال مجاهد: هو قولهم: ماذا كان؟، وماذا سمعتم (٣٩) وقال أبو العالية: يتحسسونه (٤٠) وكل هذه أقوال في معاني الاستنباط.

وقال عطاء: يريد يستيقنونه ويعلمونه (٤١) وهذا مرتب على الاستنباط، أي يعلمونه بعد الاستنباط الذي هو السبب المؤدي إلى العلم.

وقوله: ﴿ مِنْهُمْ ﴾ من صلة الاستنباط، يقال: استنبطت من فلان أمرًا.

والكناية تعود على المرجفين، وهي كقوله: ﴿ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ ﴾ (٤٢) والمعنى: لو سكتوا وفوضوا ذلك إلى (نبي، ذكرهم الله تعالى) (٤٣) وقوله تعالى: ﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ﴾ .

قال ابن عباس: فضل الله الإسلام ورحمته القرآن (٤٤) وقال أبو روق: ﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ﴾ بالإسلام ﴿ وَرَحْمَتُهُ ﴾ بالقرآن ﴿ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ (٤٥) واختلفوا في وجه هذا الاستنباط: فقال ابن عباس في رواية الوالبي عنه: تَمَّ الكلام عند قوله ﴿ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ ﴾ ثم استثنى القليل.

قوله: ﴿ أَذَاعُوا ﴾ أي أذاعوا به إلا قليلًا، يعني بالقليل المؤمنين (٤٦) (٤٧) (٤٨) (٤٩) وقال الحسن وقتادة: الاستثناء من قوله ﴿ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ ﴾ ﴿ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ أجود (٥٠) (٥١) قال الزجاج: وهذا في هذا الموضع غلط من النحويين؛ لأن هذا الاستنباط ليس من شيء (٥٢) ﴿ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ ﴾ صحيح (٥٣) وقال الفراء: استثناء (قليل) مما في ﴿ أَذَاعُوا ﴾ أوضح وأبين معنى؛ لأنهم لا يجتمعون في الإذاعة كما يجتمعون في الاستنباط ومعرفة الخبر المظهر لهم.

هذا معنى قوله.

ولفظه أنه يقول: الاستثناء من ﴿ أَذَاعُوا ﴾ أجود لوجهين: لأن علم السرايا إذا ظهر علمه المستنبط وغيره، والإذاعة قد تكون في بعض دون بعض، فلذلك استحببت (٥٤) (٥٥) وقال ابن عباس في رواية عطاء: يريد لاتبعتم الشيطان إلا قليلًا ممن (عصم) (٥٦) (٥٧) قال ابن الأنباري: قال أصحاب هذا القول: الذين وقع عليهم الاستثناء هم الذين اهتدوا بعقولهم لترك عبادة الأوثان والإشراك بالله عز وجل وأقاموا على التوحيد بغير رسول ولا كتاب، نحو زيد بن عمرو بن نفيل ورقة بن نوفل (٥٨) (٥٩) (٦٠) (٦١) (٦٢) ونصر الزجاج هذا القول الثالث، وأجاب عن ترجيح ابن الأنباري القولين الأولين، فقال: قبل أن ينزل القرآن على النبي  وقبل أن يُبعث قد كان في الناس القليل ممن لم يشاهد القرآن ولا النبي  مؤمنًا، فإن قال قائل: إن من كان قبل ذلك مؤمنًا فبفضل الله ورحمته آمن، قيل: إن المقصود بالفضل والرحمة في هذا الموضع النبي  والقرآن، وإيمان هؤلاء القليل كان قبلهما (٦٣) فيصح الاستثناء إذا خصصت الفضل والرحمة بالنبي  والقرآن.

هذا الذي ذكرنا في هذا الآية قول أكثر المفسرين (٦٤) وفي الآية قول آخر، وهو ما قال ابن عباس في رواية الضحاك في قوله: ﴿ وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ ﴾ يعني المنافقين، كانوا إذا أمروا بالقتال لم يطيعوا الله فيما أمرهم به، وإن نهاهم عن محارمه لم ينتهوا، وإن أفضى الرسول إليهم سرًا أذاعوا عند العدو، فأنزل الله عز وجل ﴿ وَلَوْ رَدُّوهُ ﴾ يعني أمورهم في الحلال والحرام، ﴿ إِلَى الرَّسُولِ ﴾ في التصديق به، ﴿ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ ﴾ يعني حملة الفقه والحكمة، ﴿ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ﴾ يعني الذين يفحصون عن العلم (٦٥) فعلى هذا القول قوله: ﴿ وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ﴾ معناه كما ذكرنا في القول الأول.

وقوله تعالى: ﴿ وَلَوْ رَدُّوهُ ﴾ .

الكناية لا تعود إلى الأمر كما عادت إليه في القول الأول، لكنها عائدة إلى غير مذكور، وهو ما يعرض لهم من أمر يحتاجون فيه إلى بيان الرسول وأولي العلم من الصحابة، كأنه قيل: ولو ردوا ذلك الذي عرض لهم إلى الرسول وإلى حملة الفقه لعلموه وأخبروا بما فيه من الصواب (٦٦) والكناية عن غير مذكور كثيرة إذا كان في الكلام دليل على ما لم يذكر.

ونحو هذا قال الحسن وقتادة وابن جريج وابن أبي نجيح في ﴿ أُولِي الْأَمْرِ ﴾ أنهم أهل العلم والفقه (٦٧) ﴿ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ ﴾ : أي لو طلبوا علمه من الرسول وعلمائهم الراسخين في العلم، لعلموا صواب ذلك وخطأه (٦٨) وقوله تعالى: ﴿ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ﴾ الاستنباط على هذا القول هو استخراج ما خفي من العلم، كما ذكره ابن عباس (٦٩) وقال قتادة في قوله: ﴿ يَسْتَنْبِطُونَهُ ﴾ "أي يفصحون (٧٠) (٧١) وقوله: ﴿ مِنْهُمْ ﴾ على هذا القول للتبعيض، وليس صلة للاستنباط خاصٍ لبعضهم.

واستثناء قوله: ﴿ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ من قوله: ﴿ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ ﴾ صحيح سائغ حسن، ولا يرد عليه ما ورد من الاعتراض في القول الأول، ويكون أحسن من الاستثناء من ﴿ أَذَاعُوا ﴾ على هذا القول (٧٢) والذي ذهب إليه الحسن وقتادة من استثناء القليل من قوله: ﴿ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ ﴾ (٧٣) وهذا التفسير يدل على وجوب القول بالاجتهاد عند عدم النص؛ لأن الاستنباط ليس بتلاوة، بل هو اعتبار وقياس وحكم بالمعاني المودعة في النصوص (1).

وقوله تعالى: ﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ﴾ إلى آخرها.

فيه تذكير للمؤمنين بنعمة الله عز وجل في لطفه لهم، حتى سَلِموا من النفاق وما ذُم به المنافقون.

وذكر صاحب النظم وجهًا آخر في الاستثناء، فزعم أن الاستثناء متصل بقوله: ﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ﴾ دون قوله: ﴿ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ ﴾ على تأويل: ولولا فضل الله عليكم ورحمته إلا قليلًا ممن لم يُدخله في رحمته وفضله، فاتبعوا الشيطان، لاتبعتم أنتم الشيطان، فيكون الممتنع من اتباع الشيطان بفضله ورحمته، وغير الممتنع منه من لم يصبه فضل الله ورحمته، وهذا هو الصواب إن شاء الله انتهى كلامه.

فإن قيل على هذا: الذين اتبعوا الشيطان كانوا أكثر من الذين امتنعوا من اتباعه فكيف يجعلهم قليلًا؟

قيل: هذا خطاب للذين أظهروا الإيمان من المخلص والمنافق، والذين نافقوا واتبعوا الشيطان كانوا أقل من المخلصين، فلذلك جعلهم قليلًا.

(١) جعلت هنا تفسير الآية (83) الذي كان مقدمًا في المخطوط على تفسير الآية (82).

(٢) ابن الأنباري.

(٣) لم أقف عليه عن ابن الأنباري.

(٤) انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 279، والطبري 5/ 182، "معاني الزجاج" 2/ 83، "بحر العلوم" 1/ 371، "الكشف والبيان" 4/ 93 أ، "زاد المسير" 2/ 145.

(٥) أخرجه بمعناه من طريق العوفي ومن طريق ابن جريج الطبري 5/ 182 - 183، وانظر: "زاد المسير" 2/ 145، "الدر المنثور" 2/ 333 - 334.

(٦) الكلمة بين القوسين غير واضحة تمامًا في المخطوط، وما أثبته محتمل.

(٧) أخرجه بمعناه الطبري 5/ 182 - 183، وابن أبي حاتم، انظر: "الدر المنثور" 2/ 333 - 334.

(٨) بنحوه في "بحر العلوم" 1/ 371، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 91.

(٩) في "تفسيره" 1/ 393.

(١٠) هذا قول ابن زيد والضحاك وغيرهما.

انظر: الطبري 5/ 182 - 183، "بحر العلوم" 1/ 371، "الكشف والبيان" 4/ 92 أ، و"النكت والعيون" 1/ 511.

(١١) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 83.

(١٢) "النكت والعيون" 1/ 511.

(١٣) انظر: "الدر المنثور" 2/ 333 - 334.

(١٤) انظر: "الدر المنثور" 2/ 333 - 334.

(١٥) أخرجه الطبري 5/ 182 - 183 من طريق ابن جريج، وانظر: "الدر المنثور" 2/ 333 - 334.

(١٦) انظر: "تفسير كتاب الله العزيز" للهواري 1/ 404.

(١٧) "تهذيب اللغة" 2/ 1262 (ذاع)، وانظر: "الصحاح" 3/ 1211 (ذيع).

(١٨) ليس في "معاني القرآن"، ويحتمل وجوده في كتابه "المصادر"، وهو مفقود.

(١٩) "تهذيب اللغة" 2/ 1262 (ذاع).

(٢٠) "مجاز القرآن" 1/ 133، وانظر: الطبري 5/ 182 - 183.

(٢١) البيت لأبي الأسود الدؤلي كما في "المجاز" 1/ 133، والطبري 5/ 182 - 183، وفي "معاني الزجاج" 2/ 83 دون نسبة.

قال أبو عبيدة عقبه: "يقال: أثقب نارك، أي أوقدها حتى تضيء" ويقصد أبو الأسود بهذا البيت صديقًا له أفشى له سرًا، والمعنى: أشاع هذا السر وأظهره حتى صار كالنار الموقدة في مكان عال يراها كل مار.

(٢٢) أخرجه الطبري 5/ 182 - 183، لكن بلفظ: "سارعوا به وأفشوه".

(٢٣) انظر: الطبري 5/ 182 - 183، و"زاد المسير" 2/ 146.

(٢٤) انظر: الطبري 5/ 182 - 183، و"معاني الزجاج" 2/ 83، و"الكشف والبيان" 4/ 92 أ.

(٢٥) كأن هذِه الكلمة في المخطوط: "ذكرهما".

(٢٦) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 83.

(٢٧) "معاني القرآن" 1/ 279.

(٢٨) لعل الصواب: "تعالى".

(٢٩) الغضراء: "طينة خضراء علكة" "الصحاح" 2/ 770 (غضر).

(٣٠) "النبط والنبيط: قوم ينزلون بالبطائح بين العراقين، والجمع أنباط".

"الصحاح" 3/ 1162 (نبط).

(٣١) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 83، وانظر: الطبري 5/ 182 - 183، و"إعراب القرآن" للنحاس 1/ 438، و"تهذيب اللغة" 4/ 3497، و"الصحاح" 3/ 1162 (نبط) و"زاد المسير" 2/ 147، و"اللسان" 7/ 4325 (نبط).

(٣٢) ليس في "معاني القرآن"، فيحتمل وجوده في كتابه المفقود: المصادر.

(٣٣) "تهذيب اللغة" 4/ 3497 (نبط).

(٣٤) "تهذيب اللغة" 4/ 3497 (نبط).

(٣٥) هو كعب بن سعد بن عمرو بن عقبة الغنوي، شاعر جاهلي مجيد، وقيل: أدرك الإسلام، وهو من أصحاب المراثي.

انظر: "طبقات الشعراء" ص 48، و"الأعلام" 5/ 227.

(٣٦) البيت في "تهذيب اللغة" 4/ 3497، و"الصحاح" 3/ 1162 (نبط) دون نسبة.

ونسب لكعب في "أساس البلاغة" 2/ 416، و"اللسان" 7/ 4325 (نبط)، و"الصحاح" و"اللسان": "عند" بدل قوله: "أبي".

ومعنى: قريب ثراه: أي قريب خبره، انظر: "اللسان" 1/ 480 (ثرا).

وقطوب: من القطوب وهو كناية عن الغضب والعبوس.

انظر: "اللسان" 6/ 3667 (قطب).

(٣٧) أخرجه الطبري 5/ 182 بلفظ: "يتتبعونه" وذكره في "الكشف والبيان" 4/ 12 و"معالم التنزيل" 2/ 255.

(٣٨) "الكشف والبيان" 4/ 92 أ، و"معالم التنزيل" 2/ 255.

(٣٩) "تفسيره" 1/ 167، وأخرجه الطبري 5/ 182 - 183، وعبد بن حميد وابن أبي حاتم، انظر: "الدر المنثور" 2/ 334.

(٤٠) أخرجه الطبري 5/ 182 - 183، وابن المنذر وابن أبي حاتم، انظر: "الدر المنثور" 2/ 334.

(٤١) لم أقف عليه.

(٤٢) انظر: "معاني الزجاج" 2/ 83، و"إعراب القرآن" للنحاس 1/ 438.

(٤٣) هكذا في المخطوط وهو غير واضح.

(٤٤) "الكشف والبيان" 4/ 92 ب، وانظر: "معالم التنزيل" 2/ 255، و"زاد المسير" 2/ 148.

(٤٥) انظر: "معالم التنزيل" 2/ 255، و"زاد المسير" 2/ 148.

(٤٦) بنحوه في تفسير ابن عباس من رواية علي بن أبي طلحة وهو المراد بقول المؤلف: الوالبي.

وأخرجه الطبري 5/ 183، وابن المنذر وابن أبي حاتم، انظر: "الدر المنثور" 2/ 334.

(٤٧) أخرجه الطبري 5/ 183، وانظر: "الدر المنثور" 2/ 334.

(٤٨) انظر: "معاني القرآن" للنحاس 2/ 142.

(٤٩) في "معاني القرآن" 1/ 279.

وهذا القول اختيار الطبري، انظر: "تفسير الطبري" 5/ 183، و"زاد المسير" 2/ 148.

(٥٠) أخرجه بمعناه عن قتادة الطبري 5/ 183، وابن المنذر وابن أبي حاتم، انظر: "الدر المنثور" 2/ 334.

وذكره عنهما الماوردي 1/ 511، وابن الجوزي في "زاد المسير" 2/ 148.

(٥١) هذا التعليل للنحويين، انظر: "معاني الزجاج" 2/ 84.

(٥٢) في "معاني الزجاج" 2/ 84: "ليس بشيء" والصواب ما في المعاني، ويحتمل حصول تصحف هنا.

(٥٣) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 84 - بتصرف-.

(٥٤) عند الفراء: "استحسنت".

(٥٥) "معاني القرآن" 1/ 279، 280، وانظر: "الكشف والبيان" 4/ 92 ب.

(٥٦) هذِه الكلمة في المخطوط: "عظم" بالظاء، والتصويب من "الوسيط" 2/ 637.

(٥٧) أورده المؤلف في "الوسيط" 2/ 637، ولم أقف عليه.

(٥٨) هو ورقة بن نوفل بن عبد العزى القرشي، من الحكماء، اعتزل عبادة الأصنام، ولم يأكل مما ذبح عليها، واعتنق النصرانية، وقد أدرك أوائل عصر النبوة وقصته في بدء الوحي مشهورة في البخاري وغيره، وقد آمن وعد من الصحابة.

انظر: "أسد الغابة" 5/ 447، و"الإصابة" 3/ 633، و"الأعلام" 8/ 114.

(٥٩) انظر: "معاني الزجاج" 2/ 84، و"النكت والعيون" 1/ 511، 512، و"الوسيط" 2/ 637، و"زاد المسير" 2/ 148.

(٦٠) تكررت هذِه الكلمة في المخطوط.

(٦١) هكذا في المخطوط، ولعل الصواب: "ثبت".

(٦٢) هكذا هذِه الكلمة في المخطوط، ولعل الصواب: "أم لم يدركه".

(٦٣) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 84.

(٦٤) إلى هنا في المخطوط انتهى الكلام عن تفسير الآية 83، وأتى الناسخ بتفسير للآية 86 قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ ﴾ الآية، وكان قد قدم في المخطوط تفسير للآية 83 من أثنائها، ويحتمل أنه بعد هذا الكلام مباشرة فجعلته بعده في الصفحة التالية.

(٦٥) أخرج طرفه الطبري 5/ 183 من طريق العوفي عن ابن عباس، وابن أبي حاتم انظر: "الدر المنثور" 2/ 334.

(٦٦) انظر: الطبري 5/ 181 - 182.

(٦٧) أخرج الأثر عن ابن جريج وعن قتادة بمعناه الطبري 5/ 182، وذكره عن الحسن الهواري في "تفسيره" 1/ 403، وقد ذكره عن جميعهم الماوردي في "النكت والعيون" 1/ 511، وانظر: "زاد المسير" 2/ 147، و"الدر المنثور" 2/ 333.

(٦٨) لم أقف عليه.

(٦٩) الأثر من طريق العوفي عن ابن عباس: " ﴿ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ﴾ يقول: لعلمه الذين يتحسسونه منهم" أخرجه الطبري 5/ 182.

(٧٠) هكذا في المخطوط الصاد قبل الحاء، وقد أثبتها محمود شاكر عند الطبري: "يفحصون" بتقديم الحاء على الصاد، واعتبر ما في المخطوط تصحيفًا، وهذا وجيه.

وهكذا في "الدر المنثور".

انظر: الطبري 5/ 180، و"الدر المنثور" 2/ 333 - 334.

(٧١) أخرجه الطبري 5/ 180، وعبد بن حميد وابن المنذر.

انظر: "الدر المنثور" 2/ 333 - 334.

(٧٢) انظر: "معاني الزجاج" 2/ 84، و"معاني القرآن" للنحاس 2/ 142.

(٧٣) قول الحسن ذكره الهواري في "تفسيره" 1/ 404.

أما قول قتادة فأخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 166، والطبري 5/ 180، وابن المنذر وابن أبي حاتم.

انظر: "الدر المنثور" 2/ 333 - 334 ، ونسبه لهما ابن الجوزي في "زاد المسير" 2/ 148.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأمن أَوِ الخوف أَذَاعُواْ بِهِ ﴾ قيل: هم المنافقون وقيل: قوم من ضعفاء المسلمين، كانوا إذا بلغهم خبر عن السرايا والجيوش أو غير ذلك أذاعوا به، أي تكلموا به وشهروه قبل أن يعلموا صحته، وكان في إذاعتهم له مفسدة على المسلمين مع ما في ذلك من العجلة وقلة التثبيت، فأنكر الله ذلك عليهم ﴿ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرسول وإلى أُوْلِي الأمر مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الذين يَسْتَنْبِطُونَهُ ﴾ أي: لو ترك هؤلاء القوم الكلام بذلك الأمر الذي بلغهم، وردوه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلىأولي الأمر؛ وهم كبراء الصحابة وأهل البصائر منهم، لعلمه القوم الذين يستنبطونه أي يستخرجونه من الرسول وأولي الأمر؛ فالذين يستبطونه على هذا طائفة من المسلمين؛ يسألون عنه الرسول صلى الله عليه وسلم وأولي الأمر، وحرف الجر في قوله يستنبطونه منهم لابتداء الغاية وهو يتعلق بالفعل، والضمير المجرور يعود على الرسول وأولي الأمر، وقيل: الذين يستنبطونه هم أولوا الأمر، كما جاء في الحديث عن عمر رضي الله عنه؛ أنه سمع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلق نساءه، فدخل عليه، فقال: أطلقت نساءك؟

فقال: لا، فقام على باب المسجد، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يطلق نساءه، فأنزل الله هذه القصة، قال: وأنا الذي استنبطته، فعلى هذا؛ يستنبطونه هم أولوا الأمر، والضمير المجرور يعود عليهم، ومنهم لبيان الجنس، واستنباطه على هذا هو: سؤالهم عنه النبي صلى الله عليه وسلم أو بالنظر والبحث، واستنباطه على التأويل الأول وهو سؤال الذين أذاعوه للرسول عليه الصلاة والسلام ولأولي الأمر ﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ﴾ أي: هداه وتوفيقه، أو بعثه للرسل، وإنزاله للكتب، والخطاب في هذه الآية للمؤمنين ﴿ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ أي إلا اتباعاً قليلاً فالاستثناء من المصدر، والمعنى: لولا فضل الله ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا في أمور قليلة كنتم لا تتبعونه فيها، وقيل: إنه استثناء من الفاعل في اتبعتم أي إلاّ قليلاً منكم، وهو الذي يقتضيه اللفظ، وهم الذين كانوا قبل الإسلام غير متبعين للشيطان؛ كورقة بن نوفل، والفضل والرحمة على بعث الرسول وإنزال الكتاب، وقيل: إن الاستثناء من قوله أذاعوا به.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ومن أصدق ﴾ وكل صاد ساكنة بعدها دال بإشمام الصاد الزاي: علي ورويس وحمزة غير العجلي.

﴿ حصرت صدورهم ﴾ وبابه مدغماً: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف وابن عامر.

وقرأ سهل ويعقوب والمفضل ﴿ حصرة صدورهم ﴾ بالنصب والتنوين.

الوقوف: ﴿ القرآن ﴾ ط لتناهي الاستفهام إلى الشرط.

﴿ كثيراً ﴾ ه ﴿ أذاعوا به ﴾ ط ﴿ منهم ﴾ ط ﴿ قليلاً ﴾ ه ﴿ في سبيل الله ﴾ ج ط لأن قوله: ﴿ لا تكلف ﴾ يحتمل الاستئناف والحال أي قاتل غير مكلف.

﴿ إلاّ نفسك ﴾ ط لعطف قوله: ﴿ وحرض ﴾ على قوله: ﴿ فقاتل ﴾ .

﴿ المؤمنين ﴾ ج لأنّ ﴿ عسى ﴾ مستأنف لفظاً ومتصل معنى لأنه لترجية نجح ما أمر به.

﴿ كفروا ﴾ ط ﴿ تنكيلاً ﴾ ه ﴿ نصيب منها ﴾ ط لابتداء شرط آخر مع واو العطف.

﴿ كفل منها ﴾ ط ﴿ مقيتاً ﴾ ه ﴿ ردوها ﴾ ط ﴿ حسيباً ﴾ ه ﴿ إلا هو ﴾ ط ﴿ لا ريب فيه ﴾ ط ﴿ حديثاً ﴾ ه ﴿ بما كسبوا ﴾ ط ﴿ من أضلّ الله ﴾ ط لتناهي الاستفهام إلى الشرط.

﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ في سبيل الله ﴾ ط ﴿ وجدتموهم ﴾ ص ﴿ نصيراً ﴾ ه ط ﴿ أو يقاتلوا قومهم ﴾ ط ﴿ فلقاتلوكم ﴾ ط ﴿ السلم ﴾ لا لأن ما بعده جواب "فإن".

﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ قومهم ﴾ ط ﴿ أركسوا فيها ﴾ ج ﴿ ثقفتموهم ﴾ ط ﴿ مبيناً ﴾ ه.

التفسير: لما حكي عن المنافقين ما حكى وكان السبب فيه اعتقادهم أنه  غير محق في ادعاء الرسالة، أمرهم بالتفكر والتدبر وهو النظر في عواقب الأمور وأدبارها، ومنه قول أكثم: لا تدبروا أعجاز أمور قد ولت صدورها.

ويقال في فصيح الكلام: لو استقبلت من أمري ما استبدرت.

أي لو عرفت في صدره ما عرفت من عاقبته.

وظاهر الآية يدل على أنه احتج بالقرآن على صحة نبوة محمد  وإلا انقطع النظم.

ودلالة القرآن على صدق النبي من ثلاثة أوجه: الفصاحة والاشتمال على الغيوب والسلامة من الاختلاف وهو المقصود من الآية.

واختلف المفسرون في المراد من سلامته من الاختلاف.

فقال أبو بكر الأصم: معناه / أن المنافقين كانوا يتواطئون في السر على أنواع كثيرة من المكايد، والرسول كان يخبرهم عنها حالاً فحالاً.

فقيل لهم: إن ذلك لو لم يحصل بإخبار الله  لم يطرد صدقه ولظهر أنواع الاختلاف والتفاوت.

وقال أكثر المتكلمين: المراد تجاوب معانيه وتلاؤم مقاصده مع أنه مشتمل على علوم كثيرة وفنون غزيرة، ولو كان من عند غير الله لم يخل من تناقض واضطراب.

والذي تظن به التناقض كقوله: ﴿ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان  ﴾ مع قوله: ﴿ لنسألنهم أجمعين  ﴾ أو كقوله: ﴿ فإذا هي ثعبان مبين  ﴾ مع قوله: ﴿ كأنها جان  ﴾ ليس بذاك عند التدبر وملاحظة شروط التناقض من اتحاد الزمان والمكان وغيرهما وقال أبو مسلم: المراد صحة نظمه وكون كله بل كل جزء من أجزائه وأبعاضه بالغاً حد الإعجاز.

ومن المعلوم أن الإنسان وإن كان في غاية البلاغة ونهاية الفصاحة إذا كتب كتاباً طويلاً مشتملاً على المعاني الكثيرة فلا بد أن يظهر التفاوت في كلامه بحيث يكون بعضه قوياً متيناً وبعضه سخيفاً نازلاً، ولما لم يكن القرآن كذلك علمنا أنه معجز من عند الله  .

وفي الآية دلالة على وجوب النظر والاستدلال أعني التدبر فيما إليه سبيل.

وقال الجبائي: فيها دلالة على أن أفعال العباد غير مخلوقة لله لأن فعل العبد لا ينفك عن التفاوت والاختلاف.

والجواب أنه لا يلزم من كون كلامه غير متفاوت ولا مختلف أن لا تكون أفعاله مختلفة بحسب اختلاف المظاهر والقوابل.

سلمنا لكن اختلافه وهو كونه غير مطابق للأغراض والمقاصد الإنسانية قد يكون بحسب نظرنا لا بحسب الأمر نفسه.

ثم حكى عن المنافقين - وقيل عن ضعفة المسلمين - أنه إذا جاءهم الخبر بأمر من الأمور سواء كان ذلك الأمر من باب الأمن أو من باب الخوف أذاعوا به وأفشوه.

يقال: أذاع السر وأذاع به لغتان.

ويجوز أن يكون معنى أذاع به فعل به الإذاعة وهو أبلغ.

ولا يخفى ما في ذلك الإفشاء من الضرر من جهة أن الإرجاف لا ينفكعن الكذب، ومن جهة أن تلك الزيادات إن كانت في جانب الأمن ولم تقع أورثت شبهة لضعفة المسلمين في صدق الرسول، لأن المنافقين كانوا يروونها عن الرسول، وإن كانت في جانب الخوف حصل اضطراب في الضعفة ووقعوا في الحيرة، وأيضاً البحث عن الإرجاف موجب ظهور الأسرار وذلك لا يوافق مصلحة المدينة فربما وصل الخبر إلى الكفار فاستعدوا للقتال أو تحصنوا.

وفي معنى الآية أقوال: الأول: ولو ردوا ذلك الخبر إلى رسول الله  وإلى أولي الأمر - وهم كبار الصحابة البصراء بالأمور أو الذين كانوا يؤمرون منهم - ﴿ لعلمه ﴾ لعلم تدبير ما أخبروا به ﴿ الذين يستنبطونه ﴾ الذين يستخرجون تدبيره بفطنهم وتجاربهم ومعرفتهم بأمور الحرب ومكايدها، وأصل الاستنباط إخراج النبط وهو الماء يخرج من / البئر أول ما تحفر فاستعير لاستخراج المعاني.

والتدبير الثاني: كانوا يقفون من رسول الله  وأولي الأمر على أمن ووثوق بالظهور على بعض الأعداء، أو على خوف واستشعار فيذيعونه فتعود إذاعتهم مفسدة.

فقيل لهم: لو فوضوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر وكانوا كأن لم يسمعوا العلم الذي يستنبطون تدبيره كيف يدبرونه وما يأتون ويذرون فيه.

الثالث: كانوا يسمعون من أفواه بعض المنافقين شيئاً من خبر السرايا غير معلوم الصحة فيذيعونه فقيل لهم: لو سكتوا حتى سمعوه من الرسول وأولي الأمر لعلمه صحته وهل هو مما يذاع أو لا يذاع فالمستنبطون هم المذيعون.

ومعنى يستنبطونه منهم يتلقونه من الرسول وأولي الأمر ويستخرجون علمه من جهنم.

قالت العلماء: في الآية دلالة على أن القياس حجة لأنهم أمروا أن يرجعوا في معرفة الوقائع إلى أولي الأمر من المستنبطين.

فرواية النص لا تكون استنباطاً فهو إذن رد واقعة إلى نظيرها وهو القياس.

واعترض بأنا لا نسلم أن المستنبطين هم العلماء وأولو الآراء بل هم المذيعون كما في القول الثالث.

سلمنا لكن الآية نزلت في الحروب، ولا يلزم من جواز الاستنباط في الوقائع المتعلقة بها جواز الاستنباط في الوقائع الشرعية.

فإن قيس أحد البابين على الآخر كان إثباتاً للقياس الشرعي بالقياس الشرعي.

سلمنا لكن لم لا يجوز أن يكون المراد استخراج الأحكام الشرعية من النصوص الخفية أو من تركيبات النصوص أو بالبراءة الأصلية أو بحكم العقل كما يقول الأكثرون إن الأصل في المنافع الإباحة وفي المضار الحرمة وكل هذه الأمور ليست من القياس الشرعي في شيء؟

سلنما أن القياس الشرعي داخل في الآية.

لكن بشرط كونه مفيداً "للعلم" بدليل قوله ﴿ لعلمه الذين يستنبطونه ﴾ ولا نزاع في مثله إنما النزاع في أن القياس المفيد للظن هل هو حجة أن لا.

وأجيب بأن صرف المستنبطين إلى المذيعين ليس بالقوي إذ لو كان المراد ذلك لكان الأليق بنظم الكلام أن يقال: ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر لعلموه من غير إقامة المظهر مقام المضمر.

وعن الثاني بأن الأمن او الخوف عام في كل ما يتعلق بباب التكليف.

ولئن سلم أنه مخصوص بأمور الحرب فإذا عرف أحكام الحروب بالقياس الشرعي لزم جواز التمسك به في سائر الوقائع إذ لا قائل بالفرق.

ألا ترى أن من قال القياس حجة في باب البيع لا في باب النكاح لم يلتفت إليه؟

وعن الثالث أن شيئاً من ذلك لا يسمى استنباطاً.

وعن الرابع أن العلم قد يراد به الظن الغالب.

سلمنا لكن القياس الشرعي عندنا يفيد العلم لأنه مهما غلب على الظن أن حكم الله في الأصل معلل بكذا ثم غلب على الظن أن ذلك المعنى قائم في الفرع، حصل ظن أن حكم الله في الفرع مساوٍ لحكمه في الصل، وعند هذا الظن نقطع بأنه مكلف بأن يعمل على وفق هذا الظن وهذا معنى قولهم: "الظن واقع في طريق الحكم" والحكم مقطوع به كأنه  قال: مهما / غلب على ظنك كذا في الواقعة الفلانية فاعلم قطعاً أن حكمي فيها كذا.

أما قوله ﴿ لاتبعتم الشيطان إلا قليلاً ﴾ فظاهره يقتضي إشكالاً وهو أن قليلاً من الناس لا يحتاج في عدم اتباع الشيطان إلى فضل الله ورحمته، لكن الاحتياج بالنسبة إلى كل واحد من الناس ثابت بالاتفاق فهذا تناقض.

فذكر المفسرون في إزالة التناقض وجوهاً الأول: أن الاستثناء راجع إلى قوله: ﴿ أذاعوا به ﴾ كأنه  أخرج بعض المنافقين من هذه الإذاعة كما أخرجهم في قوله: ﴿ بيت طائفة ﴾ الثاني: أنه عائد إلى قوله: ﴿ لعلمه ﴾ يعني لعلمه الذين يستنبطونه منهم إلاّ قليلاً.

قال الفراء والمبرد: القول الأول أولى لأن ما يعلم بالاستنباط فالأقل يعلمه والأكثر يجهله.

وصرف الاستثناء إلى ما ذكروه يقتضي ضد ذلك، قال الزجاج: هذا غلط لأنه لا يراد بهذا الاستنباط ما يستخرج بنظر دقيق وفكر غامض إنما هو استنباط خبر، وإذا كان كذلك فالأكثرون يعرفونه إلاّ البالغ في البلادة.

والإنصاف أن الاستنباط لو حمل على مجرد تفرق الأخبار والأراجيف فكلام الزجاج الصحيح وإن كان محمولاً على استخراج الأحكام الشرعية كما مر فالحق ما ذكره الفراء والمبرد.

الثالث: أن الاستثناء مصروف إلى ما يليه كما هو حق النسق لأن الفضل والرحمة مفسران بشيء خاص وفيه وجهان: أحدهما قول جماعة من المفسرين أن المراد إنزال القرآن وبعثة محمد والتقدير: لولا بعثة محمد وإنزال القرآن لاتبعتم الشيطان ولكفرتم بالله إلاّ القليل منكم فإن ذلك القليل بتقدير عدم بعثة محمد ما كان يكفر بالله وهم مثل قس بن ساعدة وورقة بن نوفل وزيد بن عمرو بن نفيل، كانوا مؤمنين بالله قبل بعثة محمد  .

وثانيهما قول أبي مسلم أن المراد بالفضل والرحمة ههنا نصرته  ومعونته اللذان تمناهما المنافقون بقولهم: ﴿ فأفوز فوزاً عظيماً  ﴾ والتقدير: لولا حصول النصر والظفر على سبيل التتابع لتركتم الدين إلاّ القليل منكم وهم أهل البصائر والعزائم، ومن أفاضل المؤمنين الذين يعلمون أنه ليس من شرط كونه حقاً حصول الدولة في الدنيا، فلا تواتر الفتح والظفر يدل على كونه حقاً، ولا انقطاع النصر والغلبة يدل على كونه باطلاً، بل الأمر في كونه حقاً وباطلاً مبني على الدليل وهذا أحسن الوجوه.

قوله: ﴿ فقاتل ﴾ قيل: إنه جواب لقوله: ﴿ ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل  ﴾ كأنه  قال: إن أردت الفوز فقاتل.

وقيل: إنه متصل بمعنى ما ذكر من قصص المنافقين كذا وكذا فلا تعتد بهم ولا تلتفت إليهم بل قاتل فإنك لا تؤاخذ إلاّ بفعلك، فإذا أديت فرضك لم تكلف فرض غيرك، ويعلم من قوله: ﴿ وحرض المؤمنين ﴾ أن الواجب على الرسول إنما هو الجهاد وتحريض الناس على الجهاد أي الحث والإحماء عليه، فإذا أتى بالأمرين فقد خرج عن عهدة التكليف وليس عليه من كون غيره تاركاً شيء.

واعلم أن الجهاد في حق غير الرسول من فروض الكفايات، فما لم يغلب على الظن أنه مفيد لم يجب / بخلاف رسول الله  فإنه على ثقة من النصر والظفر بدليل قوله: ﴿ والله يعصمك من الناس  ﴾ وبدليل قوله ههنا: ﴿ عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا ﴾ وعسى من الله جزم لأن الرجاء عليه محال فهو إطماع وإطماع الكريم إيجاب فلزمه الجهاد وإن كان وحده فلا جرم أنه  قال في بدر الصغرى: " لأخرجن وحدي" فخرج وتبعه سبعون راكباً، ولو لم يتبعه أحد لخرج وحده، ثم إنه  كف بأس المشركين وألقى الرعب في قلوب أبي سفيان وأصحابه حتى ندموا وترك الحرب في تلك السنة.

وفي الآية دليل على أنه  كان أشجع الخلق لأنه  لم يأمره بالقتال وحده إلاّ أنه كذلك.

وقيل: اقتدى به أبو بكر حيث حاول الخروج وحده إلى قتال مانعي الزكاة ومن عرف أن الأمر كله بيد الله وأنه لا يحدث شيء إلاّ بقضاء الله سهل عليه الفوت وكان بمعزل عن تقية الموت.

﴿ والله أشد بأساً ﴾ من قريش ﴿ وأشد تنكيلاً ﴾ تعذيباً لأن عذاب الله دائم وعذاب غيره غير دائم، وعذاب غير الله يخلصه الله عنه وعذاب الله لا يقدر أحد على تخليصه منه، وعذاب غير الله يكون من وجه واحد وعذاب الله يصل إلى جميع الأبعاض والأجزاء ويشمل الروح والجسم فهذا طرف من الفرق والله أعلم بكنه عذابه ونعوذ بالله من عقابه.

قوله  : ﴿ من يشفع شفاعة حسنة ﴾ وجه نظمه يعرف من تفسيره وذلك أنه قيل: المراد منه تحريض النبي  إياهم على الجهاد، لأنه إذا كان يأمرهم بالغزو فقد جعل نفسه شفيعاً لهم في تحصيل الأغراض المتعلقة بالجهاد.

وأيضاً التحريض وهو الحث على سبيل الرفق والتلطف والتهديد جار مجرى الشفاعة.

وقيل: كان بعض المنافقين يشفع لمنافق آخر في أن يأذن له الرسول في التخلف عن الجهاد، وكان بعض المؤمنين يشفع لمؤمن آخر عند مؤمن ثالث أن يحصل له عدّة الجهاد فنزلت.

ونقل الواحدي عن ابن عباس أن الشفاعة الحسنة ههنا هي ان يشفع إيمانه بالله بقتال الكفار، والشفاعة السيئة أن يشفع كفره بالله بمحبة الكفار وترك إيذائهم.

وقال مقاتل: الشفاعة إلى الله إنما هي دعوة الله المسلم لما روي عن النبي  : " "من دعا لأخيه المسلم بظهر الغيب استجيب له وقال له الملك ولك مثل ذلك" " فذلك النصيب والدعوة على المسلم بضد ذلك.

وقال الحسن ومجاهد والكلبي وابن زيد: هي مطلق الشفاعة والحسنة منها هي التي بها روعي حق مسلم ودفع بها عنه شر أو جلب إليه خير وابتغى بها وجه الله ولم يؤخذ عليها رشوة كانت في أمر حائز لا في حد من حدود الله ولا في إبطال حق من الحقوق، والسيئة ما كان بخلاف ذلك، وعلى هذا فوجه النظم أن التحريض على الجهاد بعث على الفعل الحسن وأنه نوع شفاعة كما مر في القول / الأول.

وعن مسروق أنه شفع شفاعة فأهدى إليه المشفوع له جارية فغضب وردها وقال: لو علمت ما في قلبك لما تكلمت في حاجتك ولا أتكلم فيما بقي منها.

قال أهل اللغة: الكفل أيضاً النصيب فهل لاختلاف اللفظين فائدة؟

فأجيب بأن الكفل اسم للنصيب الذي يكون عليه اعتماد الإنسان ومنه يقال "كفل البعير واكتفله" إذا أدار حول سنامه كساء وركب.

والكفيل الضامن لأن الغريم اعتمد عليه.

والتقدير من يشفع شفاعة سيئة يكن له منها نصيب يعتمد عليه ويكون له ذخيرة في معاشه ومعاده والغرض التهكم وحصول ضد ذلك مثل: ﴿ فبشرهم بعذاب أليم  ﴾ ﴿ وكان الله على كل شيء مقيتاً ﴾ أي مقتدراً وحفيظاً.

واشتقاقه من القوت لأنه يمسك النفس ويحفظها.

والغرض أنه قادر على كل المقدورات حفيظ لجميع المعلومات فيجازي كل شافع بما يليق بحاله، ثم لما أمر المؤمنين بالجهاد أمرهم أيضاً بأن الأعداء لو رضوا بالمسالمة أو ألقوا في المبارزة بالسلم فقابلوهم بالإكرام وأيضاً السلام دعاء بالسلامة والدعاء نوع من الشفاعة والتحية تفعلة من الحياة ويجيء الناقص من باب التفعيل على "تفعلة" مثل: تسلية وتعزية.

لكنه أدغم ههنا لاجتماع المثلين.

وكانت العرب تقول عند التلاقي حياك الله.

دعاء له بالحياة فأبدل الله ذلك بالسلام، ولعمري إن هذا أحسن لأن الحياة إن لم تكن مقرونة بالسلامة لم يعتد بها بل لعل الموت خير منها، ولأن السلام اسم من اسماء الله  فالابتداء به أولى، ولأن دفع الضرر أهم من جلب النفع وقد سلم الله عليك يا مؤمن في اثني عشر موضعاً في الأزل ولهذا سمى نفسه بالسلام، وعلى لسان نوح: ﴿ يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك  ﴾ والمراد أمة محمد  عليك على لسان جبريل: ﴿ تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر سلام  ﴾ قال المفسرون إنه خاف على أمته أن يصيروا مثل أمة موسى وعيسى فقال الله  : لا تهتم بذلك فإني وإن أخرجتك من الدنيا إلاّ إني جعلت جبرائيل خليفة لك ينزل إلى أمتك كل ليلة قدر ويبلغهم السلام مني.

وسلم عليك على لسان موسى: ﴿ والسلام على من اتبع الهدى  ﴾ وسلم عليك على لسان محمد  : ﴿ قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى  ﴾ وأمر محمداً  بالسلام عليك: ﴿ وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم  ﴾ وأمر المؤمنين بالسلام: ﴿ وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها ﴾ وسلم عليك على لسان ملك الموت: ﴿ الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم  ﴾ قيل: إن ملك الموت يسلم في أذن المسلم: السلام يقرئك السلام ويقول: أجبني فإني مشتاق إليك واشتاقت الجنات والحور العين إليك، فإذا سمع المؤمن البشارة يقول لملك الموت: لا هدية أعز من روحي فاقبض روحي هدية لك.

وسلم عليك من الأرواح الطاهرة: ﴿ وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين  ﴾ وسلم عليك على لسان خزنة الجنة: ﴿ وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين  ﴾ وسلم عليك على لسان الملائكة في الجنة: ﴿ والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم  ﴾ وسلم عليك على لسان أهل الجنة: ﴿ تحيتهم يوم يلقونه سلام  ﴾ وسلم عليك إلى الأبد: ﴿ سلام قولاً من رب رحيم  ﴾ ولما أراد إكرام يحيى  وعده بالسلام في مواطن ثلاثة هي أشد الأوقات حاجة إلى السلام فقال: ﴿ وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حياً  ﴾ ولما ذكر تعظيم محمد  قال: ﴿ إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً ﴾ {الأحزاب:56] وعن عبد الله بن سلام قال: لما سمعت بقدوم رسول الله  دخلت في غمار الناس فأول ما سمعت عنه: " يا أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا الأرحام وصلّوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام " وكانت تحية النصارى وضع اليد على الفم، وتحية اليهود الإشارة بالأصابع، وتحية المجوس الانحناء، وتحية الجاهلية "حياك الله"، وتحيتهم للملوك "أنعم صباحاً" فشتان ما بين تحياتهم وتحيتنا "السلام عليك ورحمة الله وبركاته" وفي هذا دليل على أن هذا الدين أشرف الأديان وأكملها.

ومما يدل على فضيلة السلام عقلاً أن الوعد بالنفع قد يقدر الإنسان على الوفاء به وقد لا يقدر، وأما الوعد بترك الضرر فإنه يقدر عليه لا محالة والسلام يدل عليه فهو أفضل أنواع التحية.

قال بعض العلماء: فمن دخل بيتاً وجب عليه أن يسلم على الحاضرين لقوله  : ﴿ فإذا دخلتم بيوتاً فسلموا على أنفسكم  ﴾ وقال  : "أفشوا السلام" والأمر للوجوب، ولأن السلام بشارة بالسلامة وإزالة الضرر وهو واجب لقوله: " "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" ولأنه من شعائر الإسلام وإظهار شعائر الإسلام واجب.

وعن ابن عباس والنخعي وأكثر العلماء أن السلام سنة.

وأما الجواب فواجب بالإجماع لأن ترك الجواب إهانة والإهانة ضرر والضرر حرام ولقوله  : ﴿ وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها ﴾ وظاهر الأمر الوجوب وعن ابن عباس: ما من / رجل يمر على قوم مسلمين فيسلم عليهم ولا يردون عليه إلاّ نزع عنهم روح القدس وردت عليه الملائكة.

قال العلماء: الأحسن أن يزيد في جواب السلام والرحمة، وإن ذكر في الابتداء السلام والرحمة زاد في جوابه البركة، وإن ذكر المجموع أعادها فقط فإن منتهى الأمر في السلام أن يقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

لأن هذا القدر هو الوارد في التشهد.

وروي "أن رجلاً قال لرسول الله  : السلام عليك يا رسول الله.

فقال: وعليك السلام ورحمة الله، وقال آخر: السلام عليك ورحمة الله.

فقال: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته.

وجاء ثالث وقال السلام عليك ورحمة الله وبركاته.

فقال: وعليك فقال: نقصتني فأين قول الله: ﴿ فحيوا بأحسن منها ﴾ فقال: إنك لم تترك لي فضلاً فرددت عليك مثله" .

فقوله  : ﴿ أو ردوها ﴾ أي أجيبوها بمثلها، ورد السلام كرّه ورجعة إما إشارة إلى هذه الصورة وإما إلى التخيير بين الزيادة وتركها، ورد الجواب فرض على الكفاية إذا قام به بعض سقط عن الباقين.

والأولى أن يقوم به الكل إكثاراً للإكرام، والأحسن أن يدخل حرف العطف فيقول: وعليكم السلام.

وهو واجب على الفور بقدر ما يعهد بين الإيجاب والقبول في العقود فإن أخر عن ذلك كان ابتداء سلام لا جواباً وإذا ورد عليه سلام في كتاب فجوابه بالكتابة أيضاً واجب لقوله: ﴿ وإذا حييتم بتحية فحيوا ﴾ ومن قال لآخر أقرىء فلاناً عني السلام وجب عليه أن يفعل.

قال العلماء: المبتدىء يقول السلام عليكم والمجيب يقول: وعليكم السلام ليقع الابتداء والاختتام بذكر الله.

فإن خالف المبتدىء فليكن الاختتام بحاله.

ويجوز "سلام عليكم" بل قالوا إنه أولى من المعرف لأن المنكر في القرآن أكثر، وإن المنكر ورد من الله والملائكة والمؤمنين، والمعرف ورد في تسليم الإنسان على نفسه، قال موسى: ﴿ والسلام على من اتبع الهدى  ﴾ وقال عيسى: ﴿ والسلام عليّ يوم ولدت  ﴾ وأيضاً المعرف يدل على أصل الماهية والمنكر على الماهية مع وصف الكمال.

ومن السنة أن يسلم الراكب لزيادة هيبته على الماشي، وراكب الفرس على راكب الحمار، والصغير على الكبير، والأقل على الأكثر احتراماً للجماعة، والقائم على القاعد لأنه الواصل إليه لأن القائم أهيب ومن السنة الجهر بالسلام لأنه أقوى في إدخال السرور في القلب.

ومنها الابتداء به إظهاراً للتواضع، ومنها الإفشاء والتعميم لأن التخصيص إيحاش، والمصافحة عند السلام عادة النبي  : " إذا تصافح المسلمان تحاتت ذنوبهما كما يتحات ورق الشجر " ومن استقبله رجل واحد فليقل: سلام عليكم وليقصد الرجل والملكين لأنه إذا سلم عليهما ردا السلام عليه، ومن سلم الملك عليه فقد سلم من عذاب / الله، ومن دخل بيتاً خالياً فليسلم ويكون كأنه سلام من الله على نفسه، أو سلام على من فيه من مؤمني الجن، أو طلب السلامة ببركة اسم السلام ممن في البيت من الشياطين والمؤذيات.

ولو قال: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين كان حسناً، ومن السنة أن يكون المبتدىء بالسلام على الطهارة وكذا المجيب.

روي أن واحداً سلم على رسول الله  وهو في قضاء الحاجة فقام وتيمم ثم رد الجواب.

وإذا دخل يوم الجمعة والإمام يخطب فلا ينبغي أن يسلم لاشتغال الناس بالاستماع، فإن سلم ورد بعضهم فلا بأس، ولو اقتصروا على الإشارة كان أحسن.

ومن دخل الحمام فرأى الناس متزرين سلم عليهم فإن لم يكونوا مترزين لم يسلم عليهم.

والأولى ترك السلام على القارىء كيلا يقطع عليه باشتغاله بالجواب، وكذا القول فيمن كان مشتغلاً برواية الحديث ومذاكرة العلم أو بالأذان أو الإقامة.

ولا يسلم على المشغول بالأكل هكذا أطلق وحمله بعضهم على ما إذا كانت اللقمة في فيه.

ولا يسلم على قاضي الحاجة قال أبو يوسف: ولا على لاعب النرد ولا على المغني ومطير الحمام وكل من كان مشتغلاً بنوع معصية، ولا مانع من السلام على من هو في مساومة أو معاملة.

وإذا دخل الرجل بيته سلم على امرأته فإن حضرت أجنبية هناك لم يسلم عليها، وإذا سلمت الأجنبية عليه وكان يخاف في رد الجواب عليها تهمة أو فتنة لم يجب الرد بل الأولى أن لا يفعل.

وحيث قلنا لا يسلم فلو سلم لم يجب عليها الرد لأنه أتى بفعل منهي عنه فكان وجوده كعدمه.

وروي عن النبي  أنه قال: " لا يبتدأ اليهودي بالسلام " وعن أبي حنيفة أنه قال: لا تبتدئه بسلام في كتاب ولا في غيره.

وعن أبي يوسف: لا تسلم عليهم ولا تصافحهم وإذا دخلت فقل: السام على من اتبع الهدى.

ولا بأس في الدعاء له بما يصلحه في دنياه، ورخص بعض العلماء في ابتداء السلام عليهم إذا دعت إلى ذلك حاجة، أما إذا سلموا علينا فقال أكثر العلماء ينبغي أن نقول: وعليك لما روي أن اليهود تقول للمسلمين: السلام عليكم، وعن الحسن: يجوز أن يقول للكافر وعليك السلام ولا يقل: ورحمة الله.

لأنها استغفار.

وعن الشعبي أنه قال لنصراني سلم عليه عليك السلام ورحمة الله فقيل له في ذلك؟

فقال: أليس في رحمة الله يعيش؟

واعلم أن مذهب أبي حنيفة أن من وهب لغير ذي رحم محرم فله الرجوع فيها ما لم يثب منها، فإذا أثيب منها فلا رجوع له فيها.

وقال الشافعي: له الرجوع في حق الولد وليس له الرجوع في حق الأجنبي.

واحتج لأبي حنيفة بالآية وذلك أن التحية تشمل جميع أنواع الإكرام فتشمل الهبة ومقتضاها وجوب / الرد إذا لم يصر مقابلاً بالأحسن، فإذا لم يثبت الوجوب فلا أقل من الجواز، وقال الشافعي: هذا الأمر محمول على الندب بدليل أنه لو أثيب بما هو أقل منه سقطت مكنة الرد بالإجماع مع أن ظاهر الآية يقتضي أن يثاب بالأحسن.

ثم احتج الشافعي على قوله بما روي عن ابن عباس وابن عمر أن النبي  قال: " لا يحل لرجل أن يعطي عطية أو يهب هبة فيرجع فيها إلاّ الوالد فيما يعطي ولده " ﴿ إن الله كان على كل شيء حسيباً ﴾ فيحاسبكم على محافظة حقوق التحية وغيرها، فكونوا على حذر من مخالفته.

ثم أكد الوعيد بقوله: ﴿ الله لا إله إلاّ هو ليجمعنكم ﴾ فالأول توحيد والثاني عدل كأنه  يقول: من سلم عليكم وحياكم فاقبلوا سلامة وأكرموه وعاملوه بناء على الظاهر فإن البواطن إنما يعرفها الله الذي لا اله إلاّ هو، وإنما تنكشف بواطن الخلق للخلق في يوم القيامة الذي يجمع فيه الأولون والآخرون للجزاء والحساب.

وقوله: ﴿ لا إله إلاّ هو ﴾ إما خبر المبتدأ وإما اعتراض والخبر: ﴿ ليجمعنكم ﴾ والتقدير الله والله ليجمعنكم إلى يوم القيامة أي ليضمنكم إليه ويجمعن بينكم وبينه بأن يبعثكم فيه، والقيامة والقيام كالطلابة والطلاب وهي قيامهم من القبور أو قيامهم للحساب.

قال  : ﴿ يوم يقوم الناس لرب العالمين  ﴾ ﴿ ومن أصدق من الله حديثاً ﴾ استفهام على سبيل الإنكار، وذلك أن الصدق من صفات الكمال والكمال للواجب أولى وأحق وأقدم وأتم من غيره، والمعتزلة نفوا عنه الكذب بناء على أنه قبيح، ومن كذب لم يكذب إلاّ لأنه محتاج إلى أن يكذب لجر منفعة أو دفع مضرة، أو هو غني عنه إلاّ أنه يجهل غناه أو هو جاهل بقبحه، أو هو سفيه لا يفرق بين الصدق والكذب في إخباره ولا يبالي بأيهما نطق، وربما كان الكذب أحلى على حنكه من الصدق، وكل هذه الأمور من الحكيم قبيح يجب تنزيهه عنها، واعلم أن المسائل الأصولية قسمان منها ما العلم بصحة النبوة يحتاج إلى العلم بصحته كعلمنا بافتقار العالم إلى صانع عالم بكل المعلومات قادر على كل الممكنات، فهذا القسم يمتنع إثباته بالقرآن والخبر وإلاّ وقع الدور.

ومنها غير ذلك كإثبات الحشر والنشر فإنه يمكن إثباته بالقرآن والحديث فاعلم.

ثم عاد إلى حكاية أحوال المنافقين فقال: ﴿ فما لكم في المنافقين فئتين ﴾ وهو منصوب على الحال والعامل معنوي مثل: ما لك قائماً أي ما تصنع؟

وقيل: نصب على أنه خبر "كان" أي ما لكم كنتم في شأن المنافقين فئتين؟

استفهام على سبيل الإنكار أي لا تختلفوا في كفرهم، ولكن اقطعوا بنفاقهم فقد ظهرت دلائل ذلك وانكشفت جلية الحال.

وذلك أنها نزلت "في قوم من العرب أتوا رسول الله  بالمدينة فأسلموا وأصابوا وباء المدينة وحماها فقالوا: يا رسول الله نريد أن نخرج إلى الصحراء فأذن لنا فيه فأذن لهم.

فلما خرجوا لم يزالوا يرحلون مرحلة مرحلة حتى لحقوا بالمشركين.

فتكلم المؤمنون فيهم فقال بعضهم: نافقوا.

وقال بعضهم: هم مسلمون.

فبين الله نفاقهم" .

وقال مجاهد وقتادة: هم قوم هاجروا من مكة ثم بدا لهم فرجعوا وكتبوا إنا على دينك وما أخرجنا إلا اجتواء المدينة والاشتياق إلى بلدنا.

وعن زيد بن ثابت: هم الذين تخلفوا يوم أحد وقالوا: لو نعلم قتالاً لاتبعناكم.

وطعن بعضهم في هذا القول بأن نسق الكلام وهو قوله: ﴿ حتى يهاجروا في سبيل الله ﴾ يأباه إذ الهجرة تكون من مكة إلى المدينة.

وعن عكرمة: هم قوم أخذوا أموال المشركين وانطلقوا بها إلى اليمامة.

وقيل: هم العرنيون الذين أغاروا على السرح وقتلوا يساراً مولى النبي  .

وقال ابن زيد: نزلت في أهل الإفك.

قال الحسن: سماهم المنافقين وإن أظهروا الكفر باعتبار حالهم التي كانوا عليها.

﴿ والله أركسهم ﴾ الركس والإركاس رد الشيء مقلوباً.

ويقال للرفث الركس لأنه رد إلى حالة خسيسة وهي حال النجاسة ويسمى رجيعاً أيضاً لذلك والمراد ردهم إلى أحكام الكفار من الذل والصغار والسبي والقتل ﴿ بما كسبوا ﴾ أي ما أظهروا من الارتداد بعدما كانوا على النفاق ﴿ ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلاً ﴾ لأن المخلوق لا يقدر على تبديل خلق الخالق وعلى خلاف مقتضى إرادته ومشيئته.

وهذا ظاهر في المقصود.

والمعتزلة يقولون: قوله: ﴿ أركسهم بما كسبوا ﴾ أي بسبب كسبهم وفعلهم ينفي القول بأن ضلالهم حصل بخلق الله فإذن المراد من إضلال الله حكمه بضلالهم كما يقال: فلان يكفر فلاناً أي ينسبه إلى الكفر ويحكم عليه بذلك.

أو المراد إضلالهم عن طريق الجنة وهو مفسر بمنع الألطاف.

ثم ذكر أنهم بالغوا في الكفر إلى أن تمنوا أن تصيروا كفاراً فكيف تطمعون في إيمانهم وهو قوله: ﴿ ودّوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء ﴾ أي في الكفر.

والمراد فتكونون أنتم وهم سواء إلاّ أنه اكتفى بذكر المخاطبين عن ذكر غيرهم لتقدم ذكرهم.

وقوله: ﴿ فتكونون ﴾ عطف على ﴿ تكفرون ﴾ .

﴿ فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا ﴾ أي حتى يضموا إلى إيمانهم المهاجرة الصحيحة المعتمدة وهي الهجرة في سبيل الله لا لغرض من الأغراض الفانية مثل قوله  : " "أنا بريء من كل مسلم قام بين أظهر المشركين وأنا بريء من كل مسلم مع مشرك " وكانت الهجرة واجبة إلى أن فتحت مكة.

عن ابن عباس قال: قال رسول الله  يوم فتح مكة "لا هجرة / بعد الفتح ولكن جهاد ونية" .

وعن الحسن: إن حكم الآية ثابت في كل من أقام في دار الحرب فرأى فرض الهجرة إلى دار الإسلام قائماً.

قال المحققون: الهجرة في سبيل الله تشمل الانتقال من دار الكفر إلى دار الإيمان، والانتقال من أعمال الكفار إلى أعمال المسلمين بل هذا أقدم وأهم لقوله  : " المهاجر من هجر ما نهى الله عنه " ﴿ فإن تولوا ﴾ عن الإيمان المظاهر بالهجرة الصحيحة فحكمهم حكم سائر المشركين ﴿ فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ﴾ في الحل أو في الحرم ﴿ ولا تتخذوا منهم ﴾ في هذه الحالة ﴿ ولياً ﴾ يتولى شيئاً من مهماتكم ﴿ ولا نصيراًً ﴾ ينصركم على أعدائكم بل جانبوهم مجانبة كلية.

ثم لما أمر بقتل هؤلاء الكفار استثنى عنه موضعين: الأول ﴿ إلا الذين يصلون ﴾ أي ينتهون ويتصلون ﴿ إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق ﴾ والمعنى أن من دخل في عهد من كان داخلاً في عهدكم فهم أيضاً داخلون في عهدكم.

قال القفال: وقد يدخل في الآية أن يقصد قوم حضرة الرسول  فيتعذر عليهم ذلك المطلوب فيلتجئوا إلى قوم بينهم وبين المسلمين عهد إلى أن يجدوا السبيل إليه.

والقوم هم الأسلميون وذلك أنه  وادع وقت خروجه إلى مكة هلال بن عويمر الأسلمي على أن لا يعينه ولا يعين عليه، وعلى أن من وصل إلى هلال ولجأ إليه فله من الجوار مثل الذي لهلال.

وقال ابن عباس: هم بنو بكر بن زيد مناة كانوا في الصلح.

وقال مقاتل: هم خزاعة وخزيمة.

وههنا نكتة وهي أنه  رفع السيف عمن التجأ إلى الكفار المصالحين فلان يدفع النار عمن التجأ إلى محبة الله ومحبة رسوله كان أولى.

وعن أبي عبيدة: المراد بالوصلة الانتساب.

يقال: وصلت إلى فلان واتصلت به إذا انتهيت إليه.

وأعترض عليه بأن أهل مكة أكثرهم كانوا متصلين بالرسول  من جهة النسب مع أنه كان قد أباح دم الكفار منهم.

الاستثناء الثاني قوله: ﴿ أو جاؤكم ﴾ وفي العطف وجهان: أحدهما أن يكون معطوفاً على صفة قوم والمعنى إلا الذين يصلون إلى قوم معاهدين أو إلى قوم جاؤوكم ممسكين عن القتال لا لكم ولا عليكم.

وثانيهما العطف على صلة الذين كأنه قيل: الذين يتصلون بالمعاهد أو إلى الذين لا يقاتلونكم وهذا أنسب بقوله في صفتهم ﴿ فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم ﴾ إلى آخر الآية.

إذ بين أن كفهم عن القتال سبب استحقاقهم لنفي التعرض لهم بالاستقلال لا بواسطة الاتصال.

ومعنى ﴿ حصرت صدورهم ﴾ ضاقت.

والحصر الضيق والانقباض وهو في موضع الحال بإضمار "قد" بدلالة قراءة من قرأ / ﴿ حصرة ﴾ .

وجعله المبرد صفة لموصوف محذوف منصوب على الحال أي جاؤوكم قوماً حصرت.

وقيل: هو بيان لجاؤوكم.

وقوله: ﴿ أن يقاتلوكم ﴾ أي عن أن يقاتلوكم.

ثم هؤلاء الجاؤون من الكفار أو من المؤمنين قال الجمهور: هم من الكفار بنو مدلج جاءوا رسول الله  غير مقاتلين.

وعلى هذا يلزم النسخ لأن الكافر وإن ترك القتال جاز قتله، وقال أبو مسلم: إنه  لما أوجب الهجرة على كل من أسلم استثنى من له عذر وهما طائفتان: إحداهما الذين قصدوا الرسول  للهجرة والنصرة إلاّ أنه كان في طريقهم كفار غالبون فصاروا إلى قوم بينهم وبين المسلمين عهد وأقاموا عندهم إلى أن يمكنهم الخلاص.

والثانية من صار إلى الرسول ولا يقاتل الرسول ولا أصحابه لأنه يخاف الله فيه، ولا يقاتل الكفار أيضاً لأنهم أقاربه أو لأنه بقي أولاده وأزواجه بينهم فيخاف لو قاتلهم أن يقتلوا أولاده وأصحابه.

فهذان الفريقان من المشركين لا يحل قتالهم وإن كان لم يوجد منهم الهجرة ومقاتلة الكفار، وعلى هذا فمعنى قوله: ﴿ ولو شاء الله لسلطهم عليكم ﴾ أي لو شاء لقوّى قلوبهم ليدفعوا عن أنفسهم إن أقدمتم على مقاتلتهم على سبيل الظلم.

وعلى الأول معناه أن ضيق صدورهم عن قتالكم لأن الله قذف الرعب في قلوبهم، ولو قوّى قلوبهم لتسلطوا عليكم ولقاتلوكم وهو جواب "لو" على التكرير أو البدل.

قال الكعبي: إنه  أخبر أنه لو شاء لفعل وهذا ينبىء عن القدرة على الظلم وهو صحيح عندنا ولا يدل على أنه فعل الظلم وأراده والنزاع فيه ﴿ فإن اعتزلوكم ﴾ أي فإن لم يتعرضوا لكم ﴿ وألقوا إليكم السلم ﴾ أي الانقياد والاستسلام ﴿ فما جعل الله لكم عليهم سبيلاً ﴾ فما أذن لكم في أخذهم وقتلهم ﴿ ستجدون آخرين ﴾ هم قوم من أسد وغطفان كانوا إذا أتوا المدينة أسلموا وعاهدوا ليأمنوا المسلمين فإذا رجعوا إلى قومهم كفروا ونكثوا عهودهم ﴿ كلما ردوا إل الفتنة ﴾ كلما دعاهم قومهم إلى قتال المسلمين ﴿ أركسوا فيها ﴾ أي ردوا مقلوبين منكوسين فيها.

وهذه استعارة لشدة إصرارهم على الكفر وعداوة المسلمين، لأن من وقع في حفر منكوساً تعذر خروجه ﴿ فإن لم يعتزلوكم ويلقوا ﴾ أي ولم يلقوا ولم يكفوا ﴿ فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم ﴾ حيث تمكنتم منهم.

قال الأكثرون: وفيه دليل على أنهم إذا اعتزلوا قتالنا وطلبوا الصلح منا وكفوا أيديهم عن إيذائنا لم يجز لنا قتالهم ولا قتلهم.

وهذا مبني على أن المعلق بكلمة "إن" على الشرط يعدم عند الشرط.

أما قوله: ﴿ سلطاناً ﴾ فمعناه حجة واضحة لانكشاف حالهم في الكفر والغدر، أو تسلط ظاهر حيث أذنا لكم في قتلهم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ ٱلأَمْنِ أَوِ ٱلْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ ﴾ .

وفي حرف ابن مسعود -  -: "وإذا جاءهم نبأ من خوف أو أمن أذاعوه" وكذلك في حرف حفصة.

قال الكسائي: هما لغتان، أذعت به وأذعته: إذا أفشيته.

وقيل: سمعوا به وأفشوه.

وقيل: أفشوه وأشاعوه.

ثم اختلف فيمن نزلت: قال الحسن: نزلت في المؤمنين؛ وذلك أنهم إذا سمعوا خبراً من أخبار السرايا والعساكر - مما يسرّون ويفرحون - أفشوه في الناس؛ فرحاً منهم، وإذا سمعوا ما يحزنهم ويهمهم أظهروه في الناس؛ حزناً وغمّاً، ثم استثنى إلا قليلا منهم لا يذيعون ولا يفشون بالخبر؛ فلو سكتوا وردُّوا الخبر إلى [رسول الله]  حتى يخبر النبي ما كان من الأمر، أو ردُّوه إلى أولي الأمر حتى يكونوا هم الذين يخبرون به - كان أولى، وهو على التقديم والتأخير.

وقال أبو بكر الكسائي: نزلت الآية في المنافقين؛ وذلك أن المنافقين إذا سمعوا رسول الله  يخبر عن نصر المسلمين [أذاعوا] إلى الأعداء بذلك ليستعدوا على ذلك، وإذا سمعوا أن الأعداء قد اجتمعوا وأعدوا للحرب أخبروا بذلك ضعفة أصحاب رسول الله  ؛ ليمتنعوا عن الخروج إليهم؛ فقال الله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ ﴾ حتى كان هو مخبرهم عن ذلك، أو ردّوا إلى أولي الأمر منهم؛ ليخبروا بذلك، والله أعلم.

ثم اختلف في ﴿ أُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْهُمْ ﴾ : قيل: هم أمراء السرايا.

وقيل: هم العلماء الفقهاء.

﴿ ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ﴾ .

الذين يطلبون علمه بقوله.

وقيل: ﴿ أُوْلِي ٱلأَمْرِ ﴾ - هاهنا - مثل أبي بكر، وعمر، وعثمان،  م.

﴿ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ﴾ أي: يستخرجونه من كتاب الله  .

وقيل: ﴿ أُوْلِي ٱلأَمْرِ ﴾ ولاة الأمر الذين يستنبطونه، والذين أذاعوا به: قوم إما منافقون وإما مؤمنون، على ما ذكرنا، إنما هو: أذاعوا به إلا قليلا منهم ﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ...

﴾ الآية على قول بعض.

وقوله: ﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ ٱلشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ .

اختلف فيه: قيل: فَضْلُ الله: [رسولنا] محمد  ، ورحمته: القرآن؛ تأويله: لولا محمد  والقرآن لاتبعوا الشيطان إلا قليلا منهم لم يتبعوه، ولكن آمنوا بالعقل.

وقيل: ﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ﴾ في الأمر والنهي عن الإذاعة والإفشاء، وإلا لأذاعوه واتبعوا الشيطان في إذاعتهم به ﴿ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ منهم فإنهم لا يذيعون به.

وعن الضحَّاك قال: هم أصحاب النبي  كانوا حدَّثوا أنفسهم بأمور من أمور الشيطان إلا طائفة منهم لم يحدثوا بها أنفسهم.

وقال آخرون: هم المنافقون، كانوا إذا بلغهم أن الله -  - أظهر المسلمين على المشركين وفتح عليهم - صغروه وحقروه، وإذا بلغهم أن المسلمين نُكِبُوا نكبة - شنعوه وعظموه.

وعن ابن عباس -  -: ﴿ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ يقول: لعلموا الأمر الذي يريدون، والخير كله، ﴿ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ يقول: لم يخف عليهم إلا قليلا من ذلك الأمر؛ ﴿ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ...

﴾ الآية.

وعن الحسن قال: هم الذين استثنى الله - عز وجل - حين قال إبليس - لعنه الله - ﴿ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً  ﴾ وحيث قال: ﴿ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ  إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ  ﴾ .

وقال غيرهم ما ذكرنا على التقديم والتأخير: وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به إلا قليلا منهم، والله أعلم بذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ ﴾ .

قوله: ﴿ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ ﴾ يحتمل: وجهين: أي: ليس عليك حسابهم ولا جزاء تخلفهم، إنما حساب ذلك عليهم؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ  ﴾ ، وكقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ  ﴾ .

والثاني: ﴿ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ ﴾ .

أي: تكلف أنت بالقتال والجهاد، وإن تخلف هؤلاء عن الخروج معك؛ يؤيد ذلك ما روي عن ابن عباس -  - قال: هذا حين استنفر النبي  أصحابه -  م - بوعد أبي سفيان بدرا الصغرى، فخذله الناس؛ فأنزل الله -  - هذه الآية؛ فقال رسول الله  : "لأَخْرُجَنَّ إِلَى بَدْرٍ وَإِنْ لَمْ يَتَّبِعْنِى أَحَدٌ مِنْكُمْ" ، فاتبعه أقل الصحابة -  م - وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل.

وفيه دليل وعد النصر له والفتح، والنكبة على الأعداء؛ لأنه تكلف الخروج وحده؛ فلو لم يكن وعد النصر له - لم يؤمر بالخروج؛ ألا ترى أنه قال الله - عز وجل -: ﴿ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ ، و"عسى" من الله -  - واجب.

وفي قوله -  -: ﴿ عَسَى ٱللَّهُ ﴾ وعد نصره وإن خرج وحده؛ إذ الـ "عسى" هو من الله واجب.

وقوله - عز وجل -: و ﴿ حَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ يحتمل وجوهاً: يحتمل: حرض المؤمنين بالثواب لهم وكريم المآب على ذلك.

ويحتمل قوله -  -: و ﴿ حَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ؛ لما في القتال معهم إظهار دين الله - الإسلام - وفي ترك المجاهدة والقتال معهم نصر العدو عليهم، وإظهار دينهم، أمر - عز وجل - رسوله  ليرغبهم في مجاهدة أعدائهم.

والثالث: وحرض المؤمنين على المجاهدة والقتال معهم؛ وعداً بالنصر لهم، والفتح، والغنيمة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ .

والـ"عسى" من والله واجب؛ وعد الله نبيه  أن يكلف عنهم بأس الذين كفروا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنكِيلاً ﴾ .

قيل: وقوله: ﴿ أَشَدُّ بَأْساً ﴾ ؛ لما يدفع بأس المشركين عنكم، ولا يقدرون هم دفع بأس الله عن أنفسهم؛ فبأس الله أشد.

وقوله -  -: ﴿ وَأَشَدُّ تَنكِيلاً ﴾ ، قيل: التنكيل: هو العذاب الذي يكون للآخر فيه زجر ومنع.

وقيل: حين قال له: ﴿ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ ﴾ ؛ ولو لم يتبعك أحد من الناس - لكف الله عنك بأس المشركين.

وقيل: البأس: هو عذاب الدنيا، والتنكيل والنكال: هو عذاب الآخرة؛ كأنه يخوفهم ببأسه؛ لتخلفهم عن العدو ومخافة بأسهم وعذابهم؛ فأخبر [الله - عز جل -] أن بأس الله وعذابه أشد من بأس الأعداء، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وإذا جاء هؤلاء المنافقين أمر مما فيه أمن المسلمين وسرورهم، أو خوفهم وحزنهم؛ أفشوه ونشروه، ولو تأنّوا وأرجعوا الأمر إلى رسول الله  وإلى أهل الرأي والعلم والنصح؛ لأدرك أهل الرأي والاستنباط ما ينبغي أن يُعمل بشأنه من نشر أو كتمان، ولولا فضل الله عليكم بالاسلام ورحمته بكم بالقرآن -أيها المؤمنون- فعافاكم مما ابتلى به هؤلاء المنافقين؛ لاتبعتم وساوس الشيطان إلا قليلًا منكم.

<div class="verse-tafsir" id="91.arYB1"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

﴿ وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ  ﴾ أي أنهم من الطيش والخفة بحيث يستفزهم كل خبر عن العدو يصل إليهم فيطلق ألسنتهم بالكلام فيه وإذاعته بين الناس.

وما كان ينبغي أن تشيع في العامة أخبار الحرب وأسرارها ولا أن تخوض العامة في السياسة فإن ذلك يشغلها بما يضر ولا ينفع - يضرهم أنفسهم بما يشغلهم عن شؤونهم الخاصة، ويضر الأمة والدولة بما يفسد عليها من أمر المصلحة العامة-.

﴿ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ  ﴾ : فالمعنى لو أن أولئك المذيعين ردوا ذلك الأمر، إلى الرسول وإلى أولي الأمر لكان علمه حاصلًا عنده وعند بعض أولي الأمر، وهم الذي يستنبطون مثله ويستخرجون خفاياه بدقة نظرهم، فهو إذن من الأمور التي لا يكتنه سرها كل فرد من أفراد أولي الأمر، وإنما يدرك غوره بعضهم لأن لكل طائفة منهم استعدادًا للإحاطة ببعض المسائل المتعلقة بسياسة الأمة وإدارتها دون بعض، فهذا يرجح رأيه في المسائل الحربية، وهذا يرجح رأيه في المسائل المالية، وهذا يرجح رأيه في المسائل القضائية، وكل المسائل تكون شورى بينهم، فإذا كان مثل هذا لا يستنبطه إلا بعض أولي الأمر دون بعض فكيف يصح أن يجعل شَرْعًا بين العامة يذيعون به؟

هذا وجه.

والوجه الثاني: أن المستنبطين هم بعض الذين يردون الأمر إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم، أي لو ردوا ذلك الأمر إليهم وطلبوا العلم به من ناحيتهم لعلمه من يقدر أن يستفيد العلم به من الرسول ومن أولي الأمر منهم، فإن الرسول وأولي الأمر هم العارفون به، وما كل من يرجع إليهم فيه يقدر أن يستنبط من معرفتهم ما يحب أن يعرف، بل ذلك مما يقدر عليه بعض الناس دون بعض.

والمختار الوجه الأول، فالواجب على الجميع تفويض ذلك إلى الرسول وإلى أولي الأمر في زمنه  وإليهم دون غيرهم من بعده لأن جميع المصالح العامة توكل إليهم ومن أمكنه أن يعلم بهذا التفويض شيئًا يستنبطه منهم فليقف عنده، ولا يتعده، فإن مثل هذا من حقهم، والناس فيه تبع لهم، ولذلك وجبت فيه طاعتهم.

لا غضاضة في هذا على فرد من أفراد المسلمين، ولا خدشًا لحريته واستقلاله، ولا نيلًا من عزة نفسه، فحسبه أنه حر مستقل في خويصة نفسه، لم يكلف أن يقلد أحدًا في عقيدته ولا في عبادته، ولا غير ذلك من شؤونه الخاصة به، وليس من الحكمة ولا من العدل ولا المصلحة أن يسمح له بالتصرف في شؤون الأمة ومصالحها، وأن يفتات عليها في أمورها العامة، وإنما الحكمة والعدل في أن تكون الأمة في مجموعها حرة مستقلة في شؤونها كالأفراد في خاصة أنفسهم، فلا يتصرف في هذه الشؤون العامة إلا من تثق بهم من أهل الحل والعقد، المعبر عنهم في كتاب الله بأولي الأمر، لأن تصرفهم وقد وثقت بهم الأمة هو عين تصرفها، وذلك منتهى ما يمكن أن تكون به سلطتها من نفسها.

وزعم الرازي وغيره أن في هذه الآية دليلًا على حجية القياس الأصولي، وإنما تعلق الأصوليون في هذا بكلمة "يستنبطونه" وهي من مصطلحاتهم الفنية ولم تستعمل في القرآن بهذا المعنى فقولهم مردود.

﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا  ﴾ وفسر بعض المفسرين الفضل والرحمة بالقرآن وبعثة النبي  والقليل المستثنى بمثل قس بن ساعدة، وورقة بن نوفل، وزيد بن عمرو بن نفيل الذين كانوا مؤمنين بالله قبل بعثة النبي  وهو تفسير نختاره ونوافقهم عليه.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله