الآية ٨٢ من سورة النساء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ٨٢ من سورة النساء

أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُوا۟ فِيهِ ٱخْتِلَـٰفًۭا كَثِيرًۭا ٨٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 95 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٨٢ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٨٢ من سورة النساء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى آمرا عباده بتدبر القرآن ، وناهيا لهم عن الإعراض عنه ، وعن تفهم معانيه المحكمة وألفاظه البليغة ، ومخبرا لهم أنه لا اختلاف فيه ولا اضطراب ، ولا تضاد ولا تعارض ; لأنه تنزيل من حكيم حميد ، فهو حق من حق ; ولهذا قال تعالى : ( أفلا يتدبرون القرآن [ أم على قلوب أقفالها ] ) [ محمد : 24 ] ثم قال : ( ولو كان من عند غير الله ) أي : لو كان مفتعلا مختلقا ، كما يقوله من يقوله من جهلة المشركين والمنافقين في بواطنهم ( لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ) أي : اضطرابا وتضادا كثيرا .

أي : وهذا سالم من الاختلاف ، فهو من عند الله .

كما قال تعالى مخبرا عن الراسخين في العلم حيث قالوا : ( آمنا به كل من عند ربنا ) [ آل عمران : 7 ] أي : محكمه ومتشابهه حق ; فلهذا ردوا المتشابه إلى المحكم فاهتدوا ، والذين في قلوبهم زيغ ردوا المحكم إلى المتشابه ; ولهذا مدح تعالى الراسخين وذم الزائغين .

قال الإمام أحمد : حدثنا أنس بن عياض ، حدثنا أبو حازم عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده قال : لقد جلست أنا وأخي مجلسا ما أحب أن لي به حمر النعم ، أقبلت أنا وأخي وإذا مشيخة من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم على باب من أبوابه ، فكرهنا أن نفرق بينهم ، فجلسنا حجرة ، إذ ذكروا آية من القرآن ، فتماروا فيها حتى ارتفعت أصواتهم ، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مغضبا حتى احمر وجهه ، يرميهم بالتراب ، ويقول : " مهلا يا قوم ، بهذا أهلكت الأمم من قبلكم باختلافهم على أنبيائهم ، وضربهم الكتب بعضها ببعض ، إن القرآن لم ينزل بعضه بعضا ، بل يصدق بعضه بعضا ، فما عرفتم منه فاعملوا به ، وما جهلتم منه إلى عالمه " .

وهكذا رواه أيضا عن أبي معاوية ، عن داود بن أبي هند ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم ، والناس يتكلمون في القدر ، فكأنما يفقأ في وجهه حب الرمان من الغضب ، فقال لهم : " ما لكم تضربون كتاب الله بعضه ببعض ؟

بهذا هلك من كان قبلكم " .

قال : فما غبطت نفسي بمجلس فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم أشهده ما غبطت نفسي بذلك المجلس ، أني لم أشهده .

ورواه ابن ماجه من حديث داود بن أبي هند ، به نحوه .

وقال أحمد : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، حدثنا حماد بن زيد ، عن أبي عمران الجوني قال : كتب إلي عبد الله بن رباح ، يحدث عن عبد الله بن عمرو قال : هجرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما ، فإنا لجلوس إذ اختلف اثنان في آية ، فارتفعت أصواتهما فقال : " إنما هلكت الأمم قبلكم باختلافهم في الكتاب " ورواه مسلم والنسائي ، من حديث حماد بن زيد ، به .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا (82) قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " أفلا يتدبرون القرآن "، أفلا يتدبر المبيتون غير الذي تقول لهم، يا محمد كتاب الله، فيعلموا حجّة الله عليهم في طاعتك واتباع أمرك، وأن الذي أتيتهم به من التنـزيل من عند ربهم، لاتِّساق معانيه، وائتلاف أحكامه، وتأييد بعضه بعضًا بالتصديق، وشهادة بعضه لبعض بالتحقيق، فإن ذلك لو كان من عند غير الله لاختلفت أحكامه، وتناقضت معانيه، وأبان بعضه عن فساد بعض، كما:- 9987 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا " أي: قول الله لا يختلف، وهو حق ليس فيه باطل، وإنّ قول الناس يختلف.

9988 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: إن القرآن لا يكذّب بعضه بعضًا، ولا ينقض بعضه بعضًا، ما جهل الناس من أمرٍ، (13) فإنما هو من تقصير عقولهم وجهالتهم!

وقرأ: " ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا ".

قال: فحقٌّ على المؤمن أن يقول: كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، ويؤمن بالمتشابه، ولا يضرب بعضه ببعض= وإذا جهل أمرًا ولم يعرف أن يقول: (14) " الذي قال الله حق "، ويعرف أن الله تعالى لم يقل قولا وينقضه، (15) ينبغي أن يؤمن بحقيقة ما جاء من الله.

(16) 9989 - حدثني يحيى بن أبي طالب قال، حدثنا يزيد قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك قوله: " أفلا يتدبرون القرآن "، قال: " يتدبرون "، النظر فيه.

----------------- الهوامش : (13) في المطبوعة: "من أمره" ، وهو خطأ محض ، والصواب ما أثبت من المخطوطة.

(14) في المطبوعة والمخطوطة: "إذا جهل أمرًا" بإسقاط الواو ، وهو لا يستقيم.

وهو معطوف على قوله: "فحق على المؤمن أن يقول...".

(15) في المطبوعة: "وينقض" والصواب من المخطوطة.

(16) في المطبوعة: "بحقية ما جاء من الله" ، وأثبت ما في المخطوطة.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

ثم عاب المنافقين بالإعراض عن التدبر في القرآن والتفكر فيه وفي معانيه .

تدبرت الشيء فكرت في عاقبته .

وفي الحديث لا تدابروا أي لا يولي بعضكم بعضا دبره .

وأدبر القوم مضى أمرهم إلى آخره .

والتدبير أن يدبر الإنسان أمره كأنه ينظر إلى ما تصير إليه عاقبته .

ودلت هذه الآية وقوله تعالى : أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها على وجوب التدبر في القرآن ليعرف معناه .

فكان في هذا رد على فساد قول من قال : لا يؤخذ من تفسيره إلا ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ومنع أن يتأول على ما يسوغه لسان العرب .

وفيه دليل على الأمر بالنظر والاستدلال وإبطال التقليد ، وفيه دليل على إثبات القياس .قوله تعالى : ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا أي تفاوتا وتناقضا ؛ عن ابن عباس وقتادة وابن زيد .

ولا يدخل في هذا اختلاف ألفاظ القراءات وألفاظ الأمثال والدلالات ومقادير السور والآيات .

وإنما أراد اختلاف التناقض والتفاوت .

وقيل : المعنى لو كان ما تخبرون به من عند غير الله لاختلف .

وقيل : إنه ليس من متكلم يتكلم كلاما كثيرا إلا وجد في كلامه اختلاف كثير ، إما في الوصف واللفظ ؛ وإما في جودة المعنى ، وإما في التناقض ، وإما في الكذب .

فأنزل الله عز وجل القرآن وأمرهم بتدبره ؛ لأنهم لا يجدون فيه اختلافا في وصف ولا ردا له في معنى ، ولا تناقضا ولا كذبا فيما يخبرون به من الغيوب وما يسرون .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يأمر تعالى بتدبر كتابه، وهو التأمل في معانيه، وتحديق الفكر فيه، وفي مبادئه وعواقبه، ولوازم، ذلك فإن تدبر كتاب الله مفتاح للعلوم والمعارف، وبه يستنتج كل خير وتستخرج منه جميع العلوم، وبه يزداد الإيمان في القلب وترسخ شجرته.

فإنه يعرِّف بالرب المعبود، وما له من صفات الكمال; وما ينزه عنه من سمات النقص، ويعرِّف الطريق الموصلة إليه وصفة أهلها، وما لهم عند القدوم عليه، ويعرِّف العدو الذي هو العدو على الحقيقة، والطريق الموصلة إلى العذاب، وصفة أهلها، وما لهم عند وجود أسباب العقاب.

وكلما ازداد العبد تأملا فيه ازداد علما وعملا وبصيرة، لذلك أمر الله بذلك وحث عليه وأخبر أنه [هو] المقصود بإنزال القرآن، كما قال تعالى: { كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ } وقال تعالى: { أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا } ومن فوائد التدبر لكتاب الله: أنه بذلك يصل العبد إلى درجة اليقين والعلم بأنه كلام الله، لأنه يراه يصدق بعضه بعضا، ويوافق بعضه بعضا.

فترى الحكم والقصة والإخبارات تعاد في القرآن في عدة مواضع، كلها متوافقة متصادقة، لا ينقض بعضها بعضا، فبذلك يعلم كمال القرآن وأنه من عند من أحاط علمه بجميع الأمور، فلذلك قال تعالى: { وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا } أي: فلما كان من عند الله لم يكن فيه اختلاف أصلاً.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( أفلا يتدبرون القرآن ) يعني : أفلا يتفكرون في القرآن ، والتدبر هو النظر في آخر الأمر ، ودبر كل شيء آخره .

( ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ) أي تفاوتا وتناقضا كثيرا ، قاله ابن عباس ، وقيل : لوجدوا فيه أي : في الإخبار عن الغيب بما كان وبما يكون اختلافا كثيرا ، أفلا يتفكرون فيه فيعرفوا - بعدم التناقض فيه وصدق ما يخبر - أنه كلام الله تعالى لأن ما لا يكون من عند الله لا يخلو عن تناقض واختلاف .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«أفلا يتدبرون» يتأملون «القرآن» وما فيه من المعاني البديعة «ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا» تناقضا في معانيه وتباينا في نظمه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

أفلا ينظر هؤلاء في القرآن، وما جاء به من الحق، نظر تأمل وتدبر، حيث جاء على نسق محكم يقطع بأنه من عند الله وحده؟

ولو كان مِن عند غيره لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أنكر - سبحانه - على هؤلاء المنافقين وأشباههم عدم تدبرهم للقرآن وحضهم على تأمل حكمه وأحكامه وهدايته فقال : ( أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القرآن وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ الله لَوَجَدُواْ فِيهِ اختلافا كَثِيراً ) .وقوله ( يَتَدَبَّرُونَ ) من التدبير ، وتدبر الأمر - كما يقول الزمخشرى - تأمله والنظر فى أدباره وما يئول اليه فى عاقبته ومنتهاه ، ثم استعمل فى كل تأمل فمعنى تدبر القرآن : تأمل معانيه وتبصر ما فيه .والاستفهام لإِنكار عدم تدبرهم ، والتعجيب من استمرارهم فى جهلهم ونفاقهم مع توفر الأسباب التى توصلهم إلى الهداية وعلى رأسها تدبر القرآن وتفهم معانيه .والفاء للعطف على مقدر .

أى : أيعرضون عن القرآن فلا يتأملون فيه .والمعنى : إن هؤلاء المنافقين والذين فى قلوبهم مرض قد خيب الله سعيهم ، وكشف خباياهم ، ورأوا بأعينهم سوء عاقبة الكافرين وحسن عاقبة المؤمنين ، فهلا دفعهم ذلك إلى الإِيمان وإلى تدبر القرآن وما اشتمل عليه من هدايات وإرشادات وأخبار صادقة ، وأحكام حكيمة .

.

تشهد بأنه من عند الله - تعالى - ، ولو كان هذا القرآن من عند غير الله أى من إنشاء البشر لوجدوا فى أخباره وفى نظمه وفى أسلوبه وفى معانيه اختلافا كثيرا فضلا عن الاختلاف القليل ، ولكن القرآن لأنه من عند الله وحده قد تنزه عن كل ذلك وخلا من كل اختلاف سواء أكان كثيراً أم قليلا .فالمراد بالاختلاف : تباين النظم ، وتناقض الحقائق ، وتعارض الأخبار وتضارب المعانى ، وغير ذلك مما خلا منه القرآن الكريم لأنه يتنافى مع بلاغته وصدقه .وفى ذلك يقول صاحب الكشاف : قوله ( لَوَجَدُواْ فِيهِ اختلافا كَثِيراً ) أى : لكان الكثير منه مختلفا متناقضا قد تفاوت نظمه وبلاغته ومعانيه فكان بعضه بالغا حد الإِعجاز .

وبعضه قاصرا عنه تمكن معارضته ، وبعضه إخبارا يغيب قد وافق المخبر عنه ، وبعضه إخبارا مخالفا للمخبر عنه ، وبعضه دالا على معنى صحيح عند علماء المعانى ، وبعضه دالا على معنى فاسد غير ملتئم .فلما تجاوب كله بلاغة معجزة فائقة لقوى البلغاء ، وتناصر معان ، وصدق أخبار دل على أنه ليس إلا من عند قادر على ما لم يقدر عليه غيره ، عالم بما لا يعلمه أحد سواه .فالآية الكريمة تدعو الناس فى كل زمان ومكان إلى تدبر القرآن الكريم وتأمل أحكامه ، والانقياد لما اشتمل عليه من توجيهات وإرشادات وأوامر ونواه ، ليسعدوا فى دنياهم وآخرتهم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما حكى عن المنافقين أنواع مكرهم وكيدهم، وكان كل ذلك لأجل أنهم ما كانوا يعتقدون كونه محقا في ادعاء الرسالة صادقا فيه، بل كانوا يعتقدون أنه مفتر متخرص، فلا جرم أمرهم الله تعالى بأن ينظروا ويتفكروا في الدلائل الدالة على صحة نبوته.

فقال: ﴿ أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القرءان وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ الله لَوَجَدُواْ فِيهِ اختلافا كَثِيراً ﴾ فاحتج تعالى بالقرآن على صحة نبوته وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: التدبير والتدبر عبارة عن النظر في عواقب الأمور وأدبارها، ومنه قوله: إلام تدبروا أعجاز أمور قد ولت صدورها، ويقال في فصيح الكلام: لو استقبلت من أمري ما استدبرت، أي لو عرفت في صدر أمري ما عرفت من عاقبته.

المسألة الثانية: اعلم أن ظاهر الآية يدل على أنه تعالى احتج بالقرآن على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، إذ لو تحمل الآية على ذلك لم يبق لها تعلق بما قبلها ألبتة، والعلماء قالوا: دلالة القرآن على صدق محمد صلى الله عليه وسلم من ثلاثة أوجه: أولها: فصاحته.

وثانيها: اشتماله على الاخبار عن الغيوب.

والثالث: سلامته عن الاختلاف، وهذا هو المذكور في هذه الآية، ثم القائلون بهذا القول ذكروا في تفسير سلامته عن الاختلاف ثلاثة أوجه: الأول: قال أبو بكر الأصم: معناه أن هؤلاء المنافقين كانوا يتواطئون في السر على أنواع كثيرة من المكر والكيد، والله تعالى كان يطلع الرسول عليه الصلاة والسلام على تلك الأحوال حالا فحالا، ويخبره عنها على سبيل التفصيل، وما كانوا يجدون في كل ذلك إلا الصدق، فقيل لهم: إن ذلك لو لم يحصل باخبار الله تعالى وإلا لما اطرد الصدق فيه، ولظهر في قول محمد أنواع الاختلاف والتفاوت، فلما لم يظهر ذلك علمنا أن ذلك ليس إلا بإعلام الله تعالى، والثاني: وهو الذي ذهب اليه أكثر المتكلمين أن المراد منه أن القرآن كتاب كبير، وهو مشتمل على أنواع كثيرة من العلوم، فلو كان ذلك من عند غير الله لوقع فيه أنواع من الكلمات المتناقضة، لأن الكتاب الكبير الطويل لا ينفك عن ذلك، ولما لم يوجد فيه ذلك علمنا أنه ليس من عند غير الله.

فإن قيل: أليس أن قوله: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إلى رَبّهَا نَاظِرَةٌ  ﴾ كالمناقض لقوله تعالى: ﴿ لاَ تُدْرِكُهُ الأبصار  ﴾ وآيات الجبر كالمناقضة لآيات القدر، وقوله: ﴿ فَوَرَبّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ  ﴾ كالمناقض لقوله: ﴿ فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْئَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَانٌّ  ﴾ .

قلنا: قد شرحنا في هذا التفسير أنه لا منافاة ولا مناقضة بين شيء منها ألبتة.

الوجه الثالث: في تفسير قولنا: القرآن سليم عن الاختلاف ما ذكره أبو مسلم الأصفهاني، وهو أن المراد منه الاختلاف في رتبة الفصاحة، حتى لا يكون في جملته ما يعد في الكلام الركيك، بل بقيت الفصاحة فيه من أوله إلى آخره على نهج واحد، ومن المعلوم أن الإنسان وإن كان في غاية البلاغة ونهاية الفصاحة، فاذا كتب كتابا طويلا مشتملا على المعاني الكبيرة، فلابد وأن يظهر التفاوت في كلامه بحيث يكون بعضه قويا متينا وبعضه سخيفا نازلا، ولما لم يكن القرآن كذلك علمنا أنه لمعجز من عند الله تعالى، وضرب القاضي لهذا مثلا فقال: إن الواحد منا لا يمكنه أن يكتب الطوامير الطويلة بحيث لا يقع في شيء من تلك الحروف خلل ونقصان، حتى لو رأينا الطوامير الطويلة مصونة عن مثل هذا الخلل والنقصان لكان ذلك معدودا في الإعجاز فكذا هاهنا.

المسألة الثالثة: دلت الآية على أن القرآن معلوم المعنى خلاف ما يقوله من يذهب إلى أنه لا يعلم معناه إلا النبي والامام المعصوم، لأنه لو كان كذلك لما تهيأ للمنافقين معرفة ذلك بالتدبر، ولما جاز أن يأمرهم الله تعالى به وأن يجعل القرآن حجة في صحة نبوته، ولا أن يجعل عجزهم عن مثله حجة عليهم، كما لا يجوز أن يحتج على كفار الزنج بمثل ذلك.

المسألة الرابعة: دلت الآية على وجوب النظر والاستدلال، وعلى القول بفساد التقليد، لأنه تعالى أمر المنافقين بالاستدلال بهذا الدليل على صحة نبوته، وإذا كان لابد في صحة نبوته من الاستدلال، فبأن يحتاج في معرفة ذات الله وصفاته إلى الاستدلال كان أولى.

المسألة الخامسة: قال أبو علي الجبائي: دلت الآية على أن أفعال العباد غير مخلوقة لله تعالى لأن قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ الله لَوَجَدُواْ فِيهِ اختلافا كَثِيراً ﴾ يقتضي أن فعل العبد لا ينفك عن الاختلاف، والاختلاف والتفاوت شيء واحد، فاذا كان فعل العبد لا ينفك عن الاختلاف والتفاوت، وفعل الله لا يوجد فيه التفاوت لقوله تعالى: ﴿ مَّا ترى فِي خَلْقِ الرحمن مِن تفاوت  ﴾ فهذا يقتضي أن فعل العبد لا يكون فعلا لله.

والجواب أن قوله: ﴿ مَّا ترى فِي خَلْقِ الرحمن مِن تفاوت ﴾ معناه نفي التفاوت في أنه يقع على وفق مشيئته بخلاف غيره، فإن فعل غيره لا يقع على وفق مشيئته على الإطلاق.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

تدبُّر الأمر: تأمُّله والنظر في إدباره وما يؤول إليه في عاقبته ومنتهاه، ثم استعمل في كل تأمل؛ فمعنى تدبر القرآن: تأمل معانيه وتبصر ما فيه ﴿ لَوَجَدُواْ فِيهِ اختلافا كَثِيراً ﴾ لكان الكثير منه مختلفاً متناقضاً قد تفاوت نظمه وبلاغته ومعانيه، فكان بعضه بالغاً حدّ الإعجاز، وبعضه قاصراً عنه يمكن معارضته، وبعضه إخباراً بغيب قد وافق المخبر عنه، وبعضه إخباراً مخالفاً للمخبر عنه، وبعضه دالاً على معنى صحيح عند علماء المعاني.

وبعضه دالاً على معنى فاسد غير ملتئم، فلما تجاوب كله بلاغة معجزة فائتة لقوى البلغاء وتناصر صحة معان وصدق إخبار، علم أنه ليس إلا من عند قادر على ما لا يقدر عليه غيره، عالم بما لا يعلمه أحد سواه.

فإن قلت: أليس نحو قوله: ﴿ فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ ﴾ [الأعراف: 107] ، ﴿ كَأَنَّهَا جَانٌّ ﴾ [النمل: 10] ، ﴿ فَوَرَبّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ [الحجر: 92] ، ﴿ فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْئَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَانٌّ ﴾ [الرحمن: 39] من الاختلاف؟

قلت: ليس باختلاف عند المتدبرين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ ﴾ يَتَأمَّلُونَ في مَعانِيهِ ويَتَبَصَّرُونَ ما فِيهِ، وأصْلُ التَّدَبُّرِ النَّظَرُ في أدْبارِ الشَّيْءِ.

﴿ وَلَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ ﴾ أيْ ولَوْ كانَ مِن كَلامِ البَشَرِ كَما تَزْعُمُ الكُفّارُ.

﴿ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا ﴾ مِن تَناقُضِ المَعْنى وتَفاوُتِ النُّظُمِ، وكانَ بَعْضُهُ فَصِيحًا وبَعْضُهُ رَكِيكًا، وبَعْضُهُ يَصْعُبُ مُعارَضَتُهُ وبَعْضُهُ يَسْهُلُ، ومُطابَقَةُ بَعْضِ أخْبارِهِ المُسْتَقْبَلَةِ لِلْواقِعِ دُونَ بَعْضٍ، ومُوافَقَةُ العَقْلِ لِبَعْضِ أحْكامِهِ دُونَ بَعْضٍ، عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ الِاسْتِقْراءُ لِنُقْصانِ القُوَّةِ البَشَرِيَّةِ.

ولَعَلَّ ذِكْرَهُ ها هُنا لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ اخْتِلافَ ما سَبَقَ مِنَ الأحْكامِ لَيْسَ لِتَناقُضٍ في الحُكْمِ بَلْ لِاخْتِلافِ الأحْوالِ في الحُكْمِ والمَصالِحِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{أفلا يتدبرون القرآن} أفلا يتأملون معانيه ومبانيه والتدبر التأمل والنظر فى أدبار الأمور وما يؤل إليه في عاقبته ثم استعمل في كل تأمل والتفكر تصرف القلب بالنظر في الدلائل وهذا يرد قول من زعم من الروافض أن القرآن لا يفهم معناه إلا بتفسير الرسول صلى الله عليه وسلم والإمام المعصوم ويدل على صحة القياس وعلى بطلان التقليد {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ الله} كما زعم الكفار {لَوَجَدُواْ فِيهِ اختلافا كَثِيراً} أي تناقضاً من حيث التوحيد والتشريك والتحليل والتحريم أو تفاوتاً من حيث البلاغة فكان بعضه بالغاً حد الإعجاز وبعضه قاصراً عنه يمكن معارضته أو من حيث المعاني فكان بعضه إخباراً بغيب قد وافق المخبر عنه وبعضه إخبار مخالفاً للمخبر عنه وبعضه دالاً على معنى صحيح عند علماء المعاني وبعضه دالاً على معنى فاسد غير ملتئم وأما تعلق الملحدة بآيات يدعون فيها اختلافاً كثيراً من نحو قوله فإذا هى ثعبان مبين كانها جان فوربك لنسألنهم أجمعين فيؤمئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان فقد تفضى عنها أهل الحق وستجدها مشروحة في كتابنا هذا في مظانها إن شاء الله تعالى

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ ﴾ لَعَلَّهُ جَوابُ سُؤالٍ نَشَأ مِن جَعْلِ اللَّهِ تَعالى شَهِيدًا، كَأنَّهُ قِيلَ: شَهادَةُ اللَّهِ تَعالى لا شُبْهَةَ فِيها، ولَكِنْ مِن أيْنَ يُعْلَمُ أنَّ ما ذَكَرْتَهُ شَهادَةُ اللَّهِ تَعالى مَحْكِيَّةُ عَنْهُ، فَأجابَ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: (أفَلا يَتَدَبَّرُونَ) وأصْلُ التَّدَبُّرِ التَّأمُّلُ في أدْبارِ الأُمُورِ وعَواقِبِها، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في كُلِّ تَأمُّلٍ سَواءٌ كانَ نَظَرًا في حَقِيقَةٍ الشَّيْءِ وأجْزائِهِ، أوْ سَوابِقِهِ وأسْبابِهِ، أوْ لَواحِقِهِ وأعْقابِهِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ، أيْ: أيَشُكُّونَ في أنَّ ما ذُكِرَ شَهادَةُ اللَّهِ تَعالى فَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ الَّذِي جاءَ بِهِ هَذا النَّبِيُّ  المَشْهُودُ لَهُ، لِيَعْلَمُوا كَوْنَهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَيَكُونَ حُجَّةً، وأيُّ حُجَّةٍ عَلى المَقْصُودِ!

وقِيلَ: المَعْنى أيُعْرِضُونَ عَنِ القُرْآنِ فَلا يَتَأمَّلُونَ فِيهِ لِيَعْلَمُوا كَوْنَهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى بِمُشاهَدَةِ ما فِيهِ مِنَ الشَّواهِدِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها هَذا الوَحْيُ الصّادِقُ، والنَّصُّ النّاطِقُ بِنِفاقِهِمُ، المَحْكِيُّ عَلى ما هو عَلَيْهِ.

﴿ ولَوْ كانَ ﴾ أيِ: القُرْآنُ ﴿ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ ﴾ كَما يَزْعُمُونَ ﴿ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا ﴾ بِأنْ يَكُونَ بَعْضُ إخْباراتِهِ الغَيْبِيَّةِ كالإخْبارِ عَمّا يُسِرُّهُ المُنافِقُونَ غَيْرُ مُطابِقٍ لِلْواقِعِ؛ لِأنَّ الغَيْبَ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى، فَحَيْثُ اطَّرَدَ الصِّدْقُ فِيهِ ولَمْ يَقَعْ ذَلِكَ قَطُّ عُلِمَ أنَّهُ بِإعْلامِهِ تَعالى ومِن عِنْدِهِ، وإلى هَذا يُشِيرُ كَلامُ الأصَمِّ والزَّجّاجِ، وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُرادَ: لَوَجَدُوا فِيهِ تَناقُضًا كَثِيرًا، وذَلِكَ لِأنَّ كَلامَ البَشَرِ إذا طالَ لَمْ يَخْلُ - بِحُكْمِ العادَةِ - مِنَ التَّناقُضِ، وما يُظَنُّ مِنَ الِاخْتِلافِ، كَما في كَثِيرٍ مِنَ الآياتِ، ومِنهُ ما سَبَقَ آنِفًا لَيْسَ مِنَ الِاخْتِلافِ عِنْدَ المُتَدَبِّرِينَ، وقِيلَ - وهو مِمّا لا بَأْسَ بِهِ خِلافًا لِزاعِمِهِ - المُرادُ: لَكانَ الكَثِيرُ مِنهُ مُخْتَلِفًا مُتَناقِضًا، قَدْ تَفاوَتَ نَظْمُهُ وبَلاغَتُهُ، فَكانَ بَعْضُهُ بالِغًا حَدَّ الإعْجازِ، وبَعْضُهُ قاصِرًا عَنْهُ يُمْكِنُ مُعارَضَتُهُ، وبَعْضُهُ إخْبارًا بِغَيْبٍ قَدْ وافَقَ المُخْبَرَ عَنْهُ، وبَعْضُهُ إخْبارًا مُخالِفًا لِلْمُخْبَرِ عَنْهُ، وبَعْضُهُ دالًّا عَلى مَعْنًى صَحِيحٍ عِنْدَ عُلَماءِ المُعانِي، وبَعْضُهُ دالًّا عَلى مَعْنًى فاسِدٍ غَيْرِ مُلْتَئِمٍ، فَلَمّا تَجاوَبَ كُلُّهُ بَلاغَةً مُعْجِزَةً فائِقَةً لِقُوى البُلَغاءِ، وتَناصَرَ صِحَّةَ مَعانٍ وصِدْقَ أخْبارٍ عُلِمَ أنَّهُ لَيْسَ إلّا مِن عِنْدِ قادِرٍ عَلى ما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، عالِمٍ بِما لا يَعْلَمُهُ سِواهُ، انْتَهى.

وهُوَ مَبْنِيٌّ عَلى كَوْنِ وجْهِ الإعْجازِ عِنْدَ عُلَماءِ العَرَبِيَّةِ كَوْنَ القُرْآنِ في مَرْتَبَةِ الأعْلى مِنَ البَلاغَةِ، وكَوْنَ المَقْصُودِ مِنَ الآيَةِ إثْباتَ القُرْآنِ كُلِّهِ وبَعْضِهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وحِينَئِذٍ لا يُمْكِنُ وصْفَ الِاخْتِلافِ بِالكَثْرَةِ؛ لِأنَّهُ لا يَكُونُ الِاخْتِلافُ حِينَئِذٍ إلّا بِأنْ يَكُونَ البَعْضُ مِنهُ مُعْجِزًا والبَعْضُ غَيْرَ مُعْجِزٍ، وهو اخْتِلافٌ واحِدٌ، فَلِذا جُعِلَ (وجَدُوا) مُتَعَدِّيًا إلى مَفْعُولَيْنِ أوَّلِهِما (كَثِيرًا) وثانِيهِما (اخْتِلافًا) بِمَعْنى مُخْتَلَفًا، وإلَيْهِ يُشِيرُ قَوْلُهُ: لَكانَ الكَثِيرُ مِنهُ مُخْتَلِفًا، وإنَّما جُعِلَ اللّازِمُ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى كَوْنَ الكَثِيرِ مُخْتَلَفًا، مَعَ أنَّهُ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ الكُلُّ مُخْتَلَفًا اقْتِصارًا عَلى الأقَلِّ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ ﴾ وهو مِنَ الكَلامِ المُنْصِفِ، وبِهَذا يَنْدَفِعُ ما أُورِدَ مِن أنَّ الكَثْرَةَ صِفَةُ الِاخْتِلافِ، والِاخْتِلافَ صِفَةٌ لِلْكُلِّ في النَّظْمِ، وقَدْ جُعِلَ صِفَةَ الكَثْرَةِ، والكَثْرَةُ صِفَةُ الكَثِيرِ؛ لِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ الكَثْرَةَ صِفَةُ الِاخْتِلافِ، بَلْ هُما مَفْعُولا (وجَدُوا) وكَذا ما أُورِدَ مِن أنَّهُ يُفْهَمُ مِن قَوْلِهِ: لَكانَ بَعْضُهُ بالِغًا حَدَّ الإعْجازِ ثُبُوتُ قُدْرَةِ غَيْرِهِ تَعالى عَلى الكَلامِ المُعْجِزِ، وهو باطِلٌ؛ لِأنّا لا نُسَلِّمُ ذَلِكَ، فَإنَّ المَقْصُودَ أنَّ القُرْآنَ كُلًّا وبَعْضًا مِنَ اللَّهِ تَعالى، أيِ: البَعْضُ الَّذِي وقَعَ بِهِ التَّحَدِّي - وهو مِقْدارُ أقْصَرِ سُورَةٍ مِنهُ - ولَوْ كانَ بَعْضٌ مِن أبْعاضِهِ مِن غَيْرِهِ تَعالى لَوَجَدُوا فِيهِ الِاخْتِلافَ المَذْكُورَ، وهو أنْ لا يَكُونَ بَعْضُهُ بالِغًا حَدَّ الإعْجازِ، قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ.

وقالَ بَعْضُهُمْ: لا مَحِيصَ عَنِ الإيرادِ الأخِيرِ سِوى أنْ يُحْمَلَ الكَلامُ عَلى الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ، أيْ: لَوْ كانَ فِيهِ مَرْتَبَةُ الإعْجازِ فَفي البَعْضِ خاصَّةً، عَلى أنْ يَكُونَ ذَلِكَ القَدْرُ مَأْخُوذًا مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى، كَما في الِاقْتِباسِ ونَحْوِهِ، إلّا أنَّهُ لا يَخْفى بُعْدُهُ، وإلى تَفْسِيرِ الِاخْتِلافِ بِالتَّفاوُتِ بَلاغَةً وعَدَمَ بَلاغَةٍ ذَهَبَ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ إلى هَذا.

ونُقِلَ عَنِ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّ في الآيَةِ فَوائِدَ: وُجُوبُ النَّظَرِ في الحُجَجِ والدَّلالاتِ، وبُطْلانُ التَّقْلِيدِ، وبُطْلانُ قَوْلِ مَن يَقُولُ: إنَّ المَعارِفَ الدِّينِيَّةَ ضَرُورِيَّةٌ، والدَّلالَةُ عَلى صِحَّةِ القِياسِ، والدَّلالَةُ عَلى أنَّ أفْعالَ العِبادِ لَيْسَتْ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى لِوُجُودِ التَّناقُضِ فِيها، انْتَهى.

ولا يَخْفى أنَّ دَلالَتَها عَلى وُجُوبِ النَّظَرِ في الجُمْلَةِ وبُطْلانِ التَّقْلِيدِ لِلْكُلِّ، وقَوْلُ مَن يَقُولُ: إنَّ المَعارِفَ الدِّينِيَّةَ كُلَّها ضَرُورِيَّةٌ إمّا عَلى صِحَّةِ القِياسِ عَلى المُصْطَلَحِ الأُصُولِيِّ فَلا، وإمّا تَقْرِيرُ الأخِيرِ - عَلى ما في الكَشْفِ - فَلِأنَّ اللّازِمَ كُلُّ مُخْتَلَفٍ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى عَلى قَوْلِهِمْ: أنْ لَوْ عُكِسَ لَوْلا، ولَوْ كانَ أفْعالُ العِبادِ مِن خَلْقِهِ لَكانَتْ مِن عِنْدِهِ بِالضَّرُورَةِ، وكَذَبَتِ القَضِيَّةُ أوْ بَعْضُ المُخْتَلَفِ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى عَلى ما حَقَّقَهُ الشَّيْخُ ابْنُ الحاجِبِ، والمَشْهُورِ عِنْدَ أهْلِ الِاسْتِدْلالِ، فَيَكُونُ بَعْضُ أفْعالِ العِبادِ غَيْرَ مَخْلُوقَةٍ لَهُ تَعالى، ويَكْفِي ذَلِكَ في الِاسْتِدْلالِ إذْ لا قائِلَ بِالفَرْقِ بَيْنَ بَعْضٍ وبَعْضٍ إذا كانَ اخْتِيارِيًّا، وأجابَ فِيهِ بِأنَّ اللّازِمَ كُلُّ مُخْتَلَفٍ هو قُرْآنٌ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى عَلى الأوَّلِ، وحِينَئِذٍ لا يَتِمُّ الِاسْتِدْلالُ.

وذُكِرَ أنَّ مَعْنى (ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ) تَعالى عِنْدَ الجَماعَةِ: ولَوْ كانَ قائِمًا بِغَيْرِهِ تَعالى، ولا مَدْخَلَ لِلْخَلْقِ في هَذِهِ المُلازَمَةِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ غَيْرُ ظاهِرِ الإرادَةِ هُنا، وكَذا اسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى فَسادِ قَوْلِ مَن زَعَمَ أنَّ القُرْآنَ لا يُفْهَمُ مَعْناهُ إلّا بِتَفْسِيرِ الرَّسُولِ -  - أوِ الإمامِ المَعْصُومِ كَما قالَ بَعْضُ الشِّيعَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ يعني أفلا يتفكرون في مواعظ القرآن ليعتبروا بها، ويقال: أفلا يتفكرون في معاني القرآن فيعلمون أنه من عند الله تعالى؟

لأنه وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً أي تناقضاً كثيراً، ويقال: أباطيل وكذباً كثيراً لأن الاختلاف في قول الناس، وقول الله تعالى لا اختلاف فيه، فلهذا قال أهل النظر: إن الإجماع حجة، لأن الإجماع من الله تعالى، ولو لم يكن من الله تعالى لوقع فيه الاختلاف.

ولهذا قالوا: إن القياس إذا انتقض سقط الاحتجاج به لأنه لو كان حكم الله تعالى لم يرد عليه النقض.

قوله تعالى: وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ يعني المنافقين إذا جاءهم خبر من أمر السرية بالفتح والغلبة على العدو، سكتوا وقصروا عما جاءهم من الخبر أو الخوف، أي وإن جاءهم خبر من السرية ببلاء وشدة نزلت بالمؤمنين أَذاعُوا بِهِ أي أفشوه وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ قال الكلبي: يقول لو سكتوا عن إفشائه حتى يكون رسول الله  هو الذي يفشيه وأولو الأمر منهم مثل أبي بكر الصديق وعمر وعثمان وعلي  م لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ يقول: يبتغونه مِنْهُمْ فيكون هؤلاء الذين يستمعونه ويفشونه ويعلمونه إلا قليلاً منهم.

يقول الله تعالى: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ أي لولا منُّ الله عليكم ورحمته ونعمته لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ فيه تقديم وتأخير.

وقال مقاتل: أذاعوا به أي أفشوه إِلَّا قَلِيلًا منهم لا يفشون الخبر.

وقال الزجاج: أَذاعُوا بِهِ أي أظهروه.

ومعنى يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ أي يستخرجونه، وأصله من النبط وهو أول الماء الذي يخرج من البئر إذا حفرت، ولو ردوا ذلك إلى أن يأخذوا من قبل الرسول ومن قبل أولي الأمر منهم، لعلمه هؤلاء الذين أذاعوا به من ضعف المسلمين وعلموا من النبي  وذوي العلم، وكانوا يعلمون مع ذلك.

وقال عكرمة لعلمه الذين يخوضون فيه ويسألون عنه.

وقال أبو العالية: يعني الذين يستحسنونه منهم.

وقال الضحاك: ولو ردوا أمرهم في الحلال والحرام إلى الرسول في التصديق به والقبول منه، وإلى أولى الامر منهم، يعني حملة الفقه والحكمة، لعلمه الذين يستنبطونه منهم، يعني يتفحصون عن العلم.

وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ بالقرآن لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلَّا قَلِيلًا وهم الذين امتحن الله قُلُوبَهُمْ للتقوى.

وفي هذه الآية دليل على جواز الاستنباط من الخبر والكتاب، لأن الله تعالى قد أجاز الاستنباط من قبل الرسول وأهل العلم.

ثم قال: فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي في طاعة الله لاَ تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ قال مقاتل: يعني ليس عليك ذنب غيرك.

وقال الزجاج: أمر الله تعالى رسوله  بالجهاد وإن قاتل وحده، لأنه قد ضمن له النصر.

وقال أبو بكر في أهل الردة: لو خالفتني يميني لجاهدت بشمالي.

ويقال: واعد رسول الله  أبا سفيان بأن يخرج إلى بدر الصغرى، فكره المسلمون الخروج فأمره الله تعالى بأن يخرج وإن كان وحده.

فقال: وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ أي على القتال، يعني على الجهاد بقتال أعداء الله عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا أي يمنع قتال الذين كفروا.

والبأس هو القتال، كما قال في آية أخرى وَحِينَ الْبَأْسِ [البقرة: 177] ثم قال تعالى: وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً أي عذاباً.

ويقال: وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا أي أشد عقوبة في الآخرة عن عقوبة الكفار في الدنيا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

والوَكِيلُ: القائمُ بالأمورِ المُصْلِحُ لما يُخَافُ مِنْ فسادها.

وقوله تعالى: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ...

الآية: المعنى: أَفلا يتدبَّر هؤلاءِ المنافقُونَ كَلاَمَ اللَّه تعالى، فتظهر لهم براهِينُهُ، وتلُوح لهم أدلَّته، قُلْتُ: اعلم (رحمك اللَّه تعالى) أنَّ تدبُّر القرآن كفيلٌ لصاحبه بكُلِّ خير، وأما الهَذْرَمَة «١» والعَجَلَةُ، فتأثيرُها في القَلْب ضعيفٌ قال النوويُّ (رحمه اللَّه) : وقد كَرِهَ جماعةٌ من المتقدِّمين الخَتْمَ فِي يومٍ وليلةٍ ويدلُّ عليه ما رُوِّينَاهُ بالأسانيدِ الصَّحيحة في سُنَن أبي دَاوُد، والتِّرمذيِّ، والنَّسَائِيِّ وغيرها، عن عبد اللَّه بْنِ عَمْرِو بْنَ العَاصِي، قال: قَالَ رَسُولُ الله صلّى الله عليه وسلّم: «لاَ يَفْقَهُ مَنْ قَرَأَ القُرْآنَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلاَثٍ» «٢» .

انتهى.

قال ع «٣» : والتدبُّر هو النظر في أعقابِ الأُمُور وتأويلاتِ الأشياءِ، هذا كلّه يقتضيه قوله سبحانه: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ، وهذا أمرٌ بالنَّظَرِ والاستدلال، ثم عَرَّف تعالى بِمَوْقِعِ الحُجَّة، أي: لو كان مِنْ كلامِ البَشَر، لَدَخَلَهُ مَا فِي البَشَرَ من القُصُور، وظهر فيه التناقُضُ والتنافِي الَّذي لا يُمْكِنُ جَمْعُه إذ ذلك موجودٌ في كلامِ البَشَرِ، والقرآنُ منزَّه عنه إذ هو كلامُ المحيطِ بِكُلِّ شيء سبحانه.

قال ع «٤» : فإن عرضَتْ لأحدٍ شبهةٌ، وظنَّ اختلافا في شَيْءٍ مِنْ كتابِ اللَّه، فالواجبُ أنْ يتَّهم نَظَرَهُ ويسأَلَ مَنْ هو أعلَمُ منه.

وقوله تعالى: وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ ...

الآية: قال جُمْهور المفسِّرين: إن الآيةَ من المنافِقِينَ حَسْبما تقدَّم، والمعنى: أنَّ المنافقين كانوا يتشوَّفون إلى

سماع ما يسيء النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فإذا طَرَأَتْ لهم شبهةُ أَمْنٍ للمسلمينَ، أو فَتْحٍ عليهم، حَقَّرُوهَا وصَغَّروا شأنَها، وأذاعوا ذلك التحْقيرَ والتَّصْغِيرَ، وإذا طرأت لهم شُبْهَةُ خوفٍ للمسلمين أو مصيبة، عظّموها، وأذاعوا ذلك، وأَذاعُوا بِهِ: معناه: أَفْشَوْهُ، وهو فِعْلٌ يتعدى بحرفِ الجَرِّ وبنفسه أحياناً.

وقالت فرقة: الآية نزلَتْ في المنافقين، وفِيمَنْ ضَعُفَ جَلَدُه، وقَلَّتْ تجْرِبَتُهُ مِنَ المؤمنين/ وفي الصحيحِ مِنْ حديثِ عُمَرَ بْنِ الخطَّاب (رضي اللَّه عنه) أنه جَاءَ، وَقَوْمٌ فِي المَسْجِدِ، يَقُولُونَ: طَلَّقَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم نِسَاءَهُ، ثُمَّ قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَطَلَّقْتَ نِسَاءَكَ؟

فَقَالَ: لاَ، قَالَ عُمَرُ: فَقُمْتُ على بَابِ المَسْجِدِ، فَقُلْتُ: أَلاَ إنَّ رَسُولَ الله صلّى الله عليه وسلّم لَمْ يُطَلِّقْ نِسَاءَهُ، فأنزَلَ اللَّه تعالى هذه الآيةَ «١» .

وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ ...

الآية قال: وَأَنَا الَّذِي استنبطته.

وقوله تعالى: وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ ...

الآية: المعنى: لو أمسكوا عن الخَوْض واستقصوا الأمرِ مِنْ قِبَلِ الرسولِ، وأولِي الأمْر، وهم الأَمَرَاءُ والعُلَمَاءُ، لَعَلِمَهُ طُلاَّبُهُ مِنْ أُولِي الأمْرِ، والبَحَثَةِ عنه، وهم مستنْبِطُوهُ كَمَا يُسْتَنْبَطُ الماءُ، وهو استخراجه مِنَ الأرْضِ.

وقوله سبحانه: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ...

الآية: خِطَابٌ لجميعِ المؤمنينَ باتفاقٍ من المتأوِّلين، وقوله: إِلَّا قَلِيلًا هو مستثنى في قول جماعةٍ من قوله:

لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلَّا قَلِيلًا، وقال ابن عَبَّاس، وابن زَيْدٍ: ذلك مستثنًى من قوله: «أَذَاعُوا بِهِ إلاَّ قليلاً» ، ورجَّحه «٢» الطبريُّ «٣» ، وقال قتادة: هو مستثنًى من قوله: «يستنبطُونَهُ إلا قليلاً» «٤» .

ت: قال الدَّاوُوديُّ: قال أبو عُبَيْدة: وإنما كَرِهَ العلماءُ أن يجعلوا الاستثناء من

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: "التَّدَبُّرُ": النَّظَرُ في عاقِبَةِ الشَّيْءِ.

و "الدَّبْرُ": النَّحْلُ، سُمِّيَ "دَبْرًا"، لِأنَّهُ يُعَقِّبُ ما يَنْتَفِعُ بِهِ، و"الدُّبْرُ": المالُ الكَثِيرُ، سُمِّيَ دُبْرًا لِكَثْرَتِهِ، لِأنَّهُ يَبْقى لِلْأعْقابِ، والأدْبارِ.

وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآَنَ، فَيَتَفَكَّرُونَ فِيهِ، فَيَرَوْنَ تَصْدِيقَ بَعْضِهِ لِبَعْضٍ، وأنَّ أحَدًا مِنَ الخَلائِقِ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والقُرْآَنُ مِن قَوْلِكَ: ما قَرَأتِ النّاقَةَ سَلًّا قَطُّ، أيْ: ما ضَمَّتْ في رَحِمِها ولَدًا، وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ: هِجانُ اللَّوْنِ لَمْ تَقْرَأْ جَنِينًا.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

وَإنَّما سُمِّيَ قُرْآَنًا، لِأنَّهُ جَمَعَ السُّوَرَ، وضَمَّها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ التَّناقُضُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ زَيْدٍ، والجُمْهُورُ.

والثّانِي: الكَذِبُ، قالَهُ مُقاتِلٌ، والزَّجّاجُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ اخْتِلافٌ تَفاوَتَ مِن جِهَةِ بَلِيغٍ مِنَ الكَلامِ، ومَرْذُولٍ، إذْ لا بُدَّ لِلْكَلامِ إذا طالَ مِن مَرْذُولٍ، ولَيْسَ في القُرْآَنِ إلّا بَلِيغٌ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

في جَماعَةٍ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا ﴾ ﴿ وَإذا جاءَهم أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ أذاعُوا بِهِ ولَوْ رَدُّوهُ إلى الرَسُولِ وإلى أُولِي الأمْرِ مِنهم لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهم ولَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَيْطانَ إلا قَلِيلا ﴾ المَعْنى: هَؤُلاءِ المُنافِقُونَ، الطاعِنُونَ عَلَيْكَ، الرافِعُونَ بِغَيْرِ بُرْهانٍ في صَدْرِ نُبُوَّتِكَ، ألا يَرْجِعُونَ إلى النَصَفَةِ، ويَنْظُرُونَ مَوْضِعَ الحُجَّةِ، ويَتَدَبَّرُونَ كَلامَ اللهِ تَعالى فَتَظْهَرُ لَهم بَراهِينُهُ، وتَلُوحُ أدِلَّتُهُ؟

والتَدَبُّرُ: النَظَرُ في أعْقابِ الأُمُورِ وتَأْوِيلاتِ الأشْياءِ، هَذا كُلُّهُ يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ: ﴿ أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ ﴾ وهَذا أمْرٌ بِالنَظَرِ والِاسْتِدْلالِ.

ثُمَّ عَرَّفَ تَعالى بِمَواقِعِ الحُجَّةِ، أيْ: لَوْ كانَ مِن كَلامِ البَشَرِ لَدَخَلَهُ ما في كَلامِ البَشَرِ مِنَ القُصُورِ، وظَهَرَ فِيهِ التَناقُضُ والتَنافِي الَّذِي لا يُمْكِنُ جَمْعُهُ، إذْ ذَلِكَ مَوْجُودٌ في كَلامِ البَشَرِ، والقُرْآنُ مُنَزَّهٌ عنهُ، إذْ هو كَلامُ المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَإنْ عَرَضَتْ لِأحَدٍ شُبْهَةٌ وظَنَّ اخْتِلافًا في شَيْءٍ مِن كِتابِ اللهِ، فالواجِبُ أنْ يَتَّهِمَ نَظَرَهُ، ويَسْألَ مَن هو أعْلَمُ مِنهُ.

وذَهَبَ الزَجّاجُ إلى أنَّ مَعْنى الآيَةِ: لَوَجَدُوا فِيما نُخْبِرُكَ بِهِ مِمّا يُبَيِّتُونَ اخْتِلافًا، أيْ: فَإذْ تُخْبِرُهم بِهِ عَلى حَدِّ ما يَقَعُ فَذَلِكَ دَلِيلُ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللهِ غَيْبٌ مِنَ الغُيُوبِ، هَذا مَعْنى قَوْلِهِ، وقَدْ بَيَّنَهُ ابْنُ فُورَكٍ، والمَهْدَوِيُّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا جاءَهم أمْرٌ مِنَ الأمْنِ ﴾ الآيَةُ، قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: الآيَةُ في المُنافِقِينَ حَسْبَما تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِهِمْ، والآيَةُ نازِلَةٌ في سَرايا رَسُولِ اللهِ  وبُعُوثِهِ، والمَعْنى: أنَّ المُنافِقِينَ كانُوا يَشْرَئِبُّونَ إلى سَماعِ ما يَسُوءُ النَبِيَّ  في سَراياهُ، فَإذا طَرَأتْ لَهم شُبْهَةُ أمْنٍ لِلْمُسْلِمِينَ أو فُتِحَ عَلَيْهِمْ حَقَّرُوها وصَغَّرُوا شَأْنَها، وأذاعُوا بِذَلِكَ التَصْغِيرِ والتَحْقِيرِ، وإذا طَرَأتْ لَهم شُبْهَةُ خَوْفِ المُسْلِمِينَ أو مُصِيبَةٌ عَظَّمُوها، وأذاعُوا ذَلِكَ التَعْظِيمَ، و"أذاعُوا بِهِ" مَعْناهُ: أفْشَوْهُ، وهو فِعْلٌ يَتَعَدّى بِحَرْفِ جَرٍّ، وبِنَفْسِهِ أحْيانًا، تَقُولُ: أذَعْتُ كَذا، وأذَعْتُ بِهِ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي الأسْوَدِ: أذاعُوا بِهِ في الناسِ حَتّى كَأنَّهُ بِعَلْياءَ نارٌ أُوقِدَتْ بِثُقُوبِ وقالَتْ فِرْقَةٌ: الآيَةُ نازِلَةٌ في المُنافِقِينَ، وفي مَن ضَعُفَ جَلَدُهُ عَنِ الإيمانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ وقَلَّتْ تَجْرِبَتُهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَإمّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ في أمْرِ السَرايا فَإنَّهم كانُوا يَسْمَعُونَ أقْوالَ المُنافِقِينَ فَيَقُولُونَها مَعَ مَن قالَها، ويُذِيعُونَها مَعَ مَن أذاعَها، وهم غَيْرُ مُتَثَبِّتِينَ في صِحَّتِها، وهَذا هو الدالُّ عَلى قِلَّةِ تَجْرِبَتِهِمْ، وإمّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ في سائِرِ الأُمُورِ الواقِعَةِ، كالَّذِي قالَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: «إنَّهُ جاءَ وقَوْمٌ في المَسْجِدِ يَقُولُونَ: طَلَّقَ رَسُولُ اللهِ  نِساءَهُ، قالَ: فَدَخَلْتُ عَلى عائِشَةَ، فَقُلْتُ: يا ابْنَةَ أبِي بَكْرٍ بَلَغَ مِن أمْرِكِ أنْ تُؤْذِي رَسُولَ اللهِ  ؟

فَقالَتْ: يا ابْنَ الخَطّابِ، عَلَيْكَ بِعَيْبَتِكَ، قالَ: فَدَخَلْتُ عَلى حَفْصَةَ، فَقُلْتُ: يا حَفْصَةُ قَدْ عَلِمْتِ أنَّ رَسُولَ اللهِ  لَمْ يَكُنْ يُحِبُّكِ، ولَوْلا أنا لَطَلَّقَكِ، فَجَعَلَتْ تَبْكِي، قالَ: فَخَرَجْتُ حَتّى جِئْتُ إلى رَسُولِ اللهِ  وهو في غُرْفَةٍ لَهُ، ورَباحٌ مَوْلاهُ جالِسٌ عَلى أُسْكُفَّةِ الغُرْفَةِ، فَقُلْتُ: يا رَباحُ، اسْتَأْذِنْ لِي عَلى رَسُولِ اللهِ، فَنَظَرَ إلى الغُرْفَةِ، ثُمَّ نَظَرَ إلَيَّ وسَكَتَ، فَقُلْتُ: يا رَباحُ، اسْتَأْذِنْ لِي عَلى رَسُولِ اللهِ، فَلَعَلَّهُ يَظُنُّ أنِّي جِئْتُ مِن أجْلِ حَفْصَةَ، واللهِ لَوْ أمَرَنِي أنْ أضْرِبَ عُنُقَها لَضَرَبْتُهُ، فَنَظَرَ ثُمَّ أشارَ إلَيَّ بِيَدِهِ أنِ ادْخُلْ، فَدَخَلْتُ وإذا رَسُولُ اللهِ  مُضْطَجِعٌ عَلى حَصِيرٍ، وقَدْ أثَّرَ في جَنْبِهِ، وإذا لَيْسَ في غُرْفَتِهِ.

إلّا قَبْضَةٌ مِن شَعِيرٍ، وقَبْضَةٌ مِن قَرَظٍ، وإذا أفِيقانِ مُعَلَّقانِ، فَبَكَيْتُ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ  : ما يُبْكِيكَ يا ابْنَ الخَطّابِ؟

فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ، أنْتَ صَفْوَةُ اللهِ مِن خَلْقِهِ ورَسُولُهُ، ولَيْسَ لَكَ مِنَ الدُنْيا إلّا هَذا، وكِسْرى وقَيْصَرُ في الأشْجارِ والأنْهارِ، فَقالَ: ها هُنا أنْتَ يا عُمَرُ؟

أما تَرْضى أنْ تَكُونَ لَهُمُ الدُنْيا ولَنا الآخِرَةُ؟

فَقُلْتُ: بَلى، ثُمَّ جَعَلْتُ أُحَدِّثُهُ حَتّى تَهَلَّلَ وابْتَسَمَ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ، إنَّهُمُ ادَّعَوْا أنَّكَ طَلَّقْتَ نِساءَكَ، فَقالَ: لا، فَقُلْتُ: أتَأْذَنُ لِي أنْ أُعَرِّفَ الناسَ؟

فَقالَ: افْعَلْ إنْ شِئْتَ.

قالَ: فَقُمْتُ عَلى بابِ المَسْجِدِ فَقُلْتُ: ألا إنَّ رَسُولَ اللهِ  لَمْ يُطَلِّقْ نِساءَهُ، فَأنْزَلَ اللهُ في هَذِهِ القِصَّةِ ﴿ وَإذا جاءَهم أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ أذاعُوا بِهِ ﴾ .

الآيَةَ،» وأنا الَّذِي اسْتَنْبَطَهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ رَدُّوهُ إلى الرَسُولِ ﴾ الآيَةُ.

المَعْنى: لَوْ أمْسَكُوا عَنِ الخَوْضِ، واسْتَقْصَوُا الأُمُورَ مِن قِبَلِ الرَسُولِ، أو أُولِي الأمْرِ -وَهُمُ الأُمَراءُ- قالَهُ السُدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ، وقِيلَ: أهْلُ العِلْمِ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وغَيْرُهُما، والمَعْنى يَقْتَضِيهِما مَعًا "لَعَلِمَهُ" طُلّابُهُ مِن أُولِي الأمْرِ، والبَحَثَةُ عنهُ وهم مُسْتَنْبِطُوهُ كَما يُسْتَنْبَطُ الماءُ وهُوَ: النَبَطُ، أيِ: الماءُ المُسْتَخْرَجُ مِنَ الأرْضِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: قَرِيبٌ ثَراهُ ما يَنالُ عَدُوُّهُ ∗∗∗ لَهُ نَبَطًا آبى الهَوانَ قَطُوبُ وهَذا التَأْوِيلُ جارٍ مَعَ قَوْلِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أنا اسْتَنْبَطْتُهُ بِبَحْثِي وسُؤالِي.

وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: لَعَلِمَهُ المَسْؤُولُونَ المُسْتَنْبِطُونَ فَأخْبَرُوا بِعِلْمِهِمْ، وقَرَأ أبُو السَمّالِ: " لَعَلْمَهُ" بِسُكُونِ اللامِ، وذَلِكَ مِثْلُ "شَجْرَ بَيْنَهُمْ"،والضَمِيرُ فِي: "رَدُّوهُ" عَلى الأمْرِ، وفِي: "مِنهُمْ" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الرَسُولِ وأُولِي الأمْرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الجَماعَةِ كُلِّها، أيْ: لَعَلِمَهُ البَحَثَةُ مِنَ الناسِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ ﴾ الآيَةُ، هَذا الخِطابُ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ بِاتِّفاقٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ، والمَعْنى: لَوْلا هِدايَةُ اللهِ وإرْشادُهُ لَكم بِالإيمانِ -وَذَلِكَ فَضْلٌ مِنهُ ورَحْمَةٌ- لَكُنْتُمْ عَلى كُفْرِكُمْ، وذَلِكَ اتِّباعُ الشَيْطانِ.

وحَكى الزَجّاجُ: لَوْلا فَضْلُ اللهِ في هَذا القُرْآنِ ورِسالَةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في الِاسْتِثْناءِ بِقَوْلِهِ: "إلّا قَلِيلًا"، مِمَّ هُوَ؟

فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ زَيْدٍ: ذَلِكَ مُسْتَثْنىً مِن قَوْلِهِ: "أذاعُوا بِهِ- إلّا قَلِيلًا"، ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ، وقالَ قَتادَةُ: مُسْتَثْنىً مِن قَوْلِهِ: "يَسْتَنْبِطُونَهُ-إلّا قَلِيلًا"، وقالَتْ فِرْقَةٌ: ذَلِكَ مُسْتَثْنىً مِن قَوْلِهِ: ﴿ لاتَّبَعْتُمُ الشَيْطانَ إلا قَلِيلا ﴾ ، عَلى سَرْدِ الكَلامِ دُونَ تَقْدِيرِ تَقْدِيمٍ، ثُمَّ اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ، فَقالَ الضَحّاكُ: إنَّ اللهَ هَدى الكُلَّ مِنهم لِلْإيمانِ، فَكانَ مِنهم مَن تَمَكَّنَ فِيهِ حَتّى لَمْ يَخْطُرْ لَهُ قَطُّ خاطِرُ شَكٍّ، ولا عَنَتْ لَهُ شُبْهَةُ ارْتِيابٍ، فَذَلِكَ هو القَلِيلُ، وسائِرُ مَن أسْلَمَ مِنَ العَرَبِ لَمْ يَخْلُ مِنَ الخَواطِرِ، فَلَوْلا فَضْلُ اللهِ بِتَجْرِيدِ الهِدايَةِ لَهم لَضَلُّوا واتَّبَعُوا الشَيْطانَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: هَذا مَعْنى قَوْلِ الضَحّاكِ، ويَجِيءُ الفَضْلُ مُعَيَّنًا، أيْ: رِسالَةُ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ والقُرْآنُ، لِأنَّ الكُلَّ إنَّما هُدِيَ بِفَضْلِ اللهِ عَلى الإطْلاقِ، وقالَ قَوْمٌ: المُخاطَبُ بِقَوْلِهِ "لاتَّبَعْتُمُ" جَمِيعُ المُؤْمِنِينَ، وقَوْلُهُ: "إلّا قَلِيلًا" إشارَةٌ إلى مَن كانَ قَبْلَ الإسْلامِ غَيْرَ مُتَّبِعٍ لِلشَّيْطانِ عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ، كَوَرَقَةِ بْنِ نَوْفَلٍ، وزَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وغَيْرِهِما.

وقالَ قَوْمٌ: الِاسْتِثْناءُ إنَّما هو مِنَ الاتِّباعِ، أيْ: لاتَّبَعْتُمُ الشَيْطانَ كُلُّكم إلّا قَلِيلًا مِنَ الأُمُورِ كُنْتُمْ لا تَتَّبِعُونَهُ فِيها.

وقالَ قَوْمٌ: قَوْلُهُ: "إلّا قَلِيلًا" عِبارَةٌ عَنِ العَدَمِ، يُرِيدُونَ: لاتَّبَعْتُمُ الشَيْطانَ كُلُّكُمْ، وهَذا الأخِيرُ قَوْلٌ قَلِقٌ، ولَيْسَ يُشْبِهُ ما حَكى سِيبَوَيْهِ مِن قَوْلِهِمْ: "أرْضٌ قَلَّما تُنْبِتُ كَذا" بِمَعْنى: لا تُنْبِتُهُ لِأنَّ اقْتِرانَ القِلَّةِ بِالِاسْتِثْناءِ يَقْتَضِي حُصُولَها، ولَكِنْ قَدْ ذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الفاء تفريع على الكلام السابق المتعلّق بهؤلاء المنافقين أو الكفرةِ الصرحاءِ وبتوليّهم المعرجض بهم في شأنه بقوله: ﴿ ومن تولّى فما أرسلناك عليهم حفيظاً ﴾ [النساء: 80]، وبقولهم ﴿ طاعة ﴾ [النساء: 81]، ثم تدبير العصيان فيما وعدوا بالطاعة في شأنه.

ولمّا كان ذلك كلّه أثراً من آثار استبطان الكفر، أو الشكّ، أو اختيار ما هو في نظرهم أولى ممّا أمروا به، وكان استمرارهم على ذلك، مع ظهور دلائل الدّين، منبئاً بقلّة تفهّمهم القرآن، وضعف استفادتهم، كان المقام لتفريع الاستفهام عن قلّة تفهمّهم.

فالاستفهام إنكاري للتوبيخ والتعجيب منهم في استمرار جهلهم مع توفّر أسباب التدبير لديهم.

تحدّى الله تعالى هؤلاء بمعاني القرآن، كما تحدّاهم بألفاظه، لبلاغته إذ كان المنافقون قد شكّوا في أنّ القرآن من عند الله، فلذلك يظهرون الطاعة بما يأمرهم به، فإذا خرجوا من مجلس النبي صلى الله عليه وسلم خالفوا ما أمرهم به لعدم ثقتهم، ويشكّكون ويشكّون إذا بدا لهم شيء من التعارض، فأمرهم الله تعالى بتدبير القرآن كما قال تعالى: ﴿ فأمّا الذين في قلوبهم زيغ فيتّبعون ما تشابه منه ﴾ [آل عمران: 7] الآية.

والتدبّر مشتقّ من الدُّبر، أي الظَّهر، اشتقّوا من الدُّبر فعلاً، فقالوا: تدبّر إذا نظر في دبر الأمر، أي في غائبه أو في عاقبته، فهو من الأفعال التي اشتقّت من الأسماء الجامدة.

والتدبّر يتعدّى إلى المتأمَّل فيه بنفسه، يقال: تدبّر الأمَر.

فمعنى ﴿ يتدبَّرون القرآن ﴾ يتأمّلون دلالته، وذلك يحتمل معنيين: أحدهما أن يتأمّلوا دلالة تفاصيل آياته على مقاصده التي أرشد إليها المسلمين، أي تدبّر تفاصيله؛ وثانيهما أن يتأمّلوا دلالة جملة القرآن ببلاغته على أنّه من عند الله، وأنّ الذي جاء به صادق.

وسياق هذه الآيات يرجّح حمل التدبُّر هنا على المعنى الأول، أي لو تأمّلوا وتدبّروا هدي القرآن لحصل لهم خير عظيم، ولمَا بَقُوا على فتنتهم التي هي سبب إضمارهم الكفر مع إظهارهم الإسلام.

وكلا المعنيين صالح بحالهم، إلاّ أنّ المعنى الأول أشدّ ارتباطاً بما حكي عنهم من أحوالهم.

وقوله: ﴿ ولو كان من عند غير الله ﴾ الخ يجوز أن يكون عطفاً على الجملة الاستفهامية فيكونوا أمروا بالتدبّر في تفاصيله، وأعلموا بما يدلّ على أنّه من عند الله، وذلك انتفاء الاختلاف منه، فيكون الأمر بالتدبّر عامّاً، وهذا جزئيّ من جزئيات التدبّر ذكر هنا انتهازاً لفرصة المناسبة لغَمْرهم بالاستدلال على صدق الرسول، فيكون زائداً على الإنكار المسوق له الكلام، تعرّض له لأنّه من المهمّ بالنسبة إليهم إذ كانوا في شكّ من أمرهم.

وهذا الإعراب أليق بالمعنى الأول من معنيي التدبّر هنا.

ويجوز أن تكون الجملة حالاً من «القرآن»، ويكون قيداً للتدبّر، أي ألاَ يتدبّرون انتفاء الاختلاففِ منه فيعلمون أنّه من عند الله، وهذا أليق بالمعنى الثاني من معنيي التدبّر.

وممّا يستأنس به للإعراب الأوّل عدم ذكر هذه الزيادة في الآية المماثلة لهذه من سورة القتال، وهي قوله: ﴿ فإذا أنزلت سورة محكمة وذُكر فيها القتال إلى قوله: أفلا يتدبّرون القرآنَ أم على قلوب أقفالُها ﴾ [محمد: 20 24] وهذه دقائق من تفسير الآية أهملها جميع المفسّرين.

والاختلاف يظهر أنّه أريد به اختلاف بعضه مع بعض، أي اضطرابه، ويحتمل أنّه اختلافه مع أحوالهم: أي لوجدوا فيه اختلافاً بين ما يذكره من أحوالهم وبين الواقع فليكتفوا بذلك في العلم بأنّه من عند الله، إذ كان يصف ما في قلوبهم وصفَ المطّلع على الغيوب، وهذا استدلال وجيز وعجيب قصد منه قطع معذرتهم في استمرار كفرهم.

ووُصِفَ الاختلاف بالكثير في الطَرف الممتنع وقُوعه بمدلول (لو).

ليعلم المتدبّر أنّ انتفاء الاختلاف من أصله أكبر دليل على أنّه من عند الله، وهذا القيد غير معتبر في الطرف المقابل لجواب (لو)، فلا يقدَّر ذلك الطرف مقيَّداً بقوله: ﴿ كثيراً ﴾ بل يقدر هكذا: لكنّه من عند الله فلا اختلاف فيه أصلاً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ ﴾ أصْلُ التَّدَبُّرِ الدَّبُّورُ، لِأنَّهُ النَّظَرُ في عَواقِبِ الأُمُورِ.

﴿ وَلَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا ﴾ في الِاخْتِلافِ هَهُنا ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: تَناقُضٌ مِن جِهَةِ حَقٍّ وباطِلٍ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، وابْنِ زَيْدٍ.

والثّانِي: مِن جِهَةِ بَلِيغٍ ومَرْذُولٍ، وهو قَوْلُ بَعْضِ البَصْرِيِّينَ.

والثّالِثُ: يَعْنِي اخْتِلافًا في الأخْبارِ عَمّا يُسِرُّونَ، وهَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا جاءَهم أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ أذاعُوا بِهِ ﴾ في المَعْنِيِّ بِهَذا قَوْلانِ: أحَدُهُما: المُنافِقُونَ، وهو قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ والضَّحّاكِ.

والثّانِي: أنَّهم ضَعَفَةُ المُسْلِمِينَ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، والزَّجّاجِ.

﴿ وَلَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ وإلى أُولِي الأمْرِ مِنهُمْ ﴾ وفِيهِمْ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُمُ الأُمَراءُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ، والسُّدِّيِّ.

والثّانِي: هم أُمَراءُ السَّرايا.

والثّالِثُ: هم أهْلُ العِلْمِ والفِقْهِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ، وابْنِ جُرَيْجٍ، وابْنِ نَجِيحٍ، والزَّجّاجِ.

﴿ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهُمْ ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم أُولُو الأمْرِ.

والثّانِي: أنَّهُمُ المُنافِقُونَ أوْ ضَعَفَةُ المُسْلِمِينَ المَقْصُودُونَ بِأوَّلِ الآيَةِ، ومَعْنى يَسْتَنْبِطُونَهُ: أيْ يَسْتَخْرِجُونَهُ، مَأْخُوذٌ مِنِ اسْتِنْباطِ الماءِ، ومِنهُ سُمِّيَ النَّبَطُ لِاسْتِنْباطِهِمُ العُيُونُ.

﴿ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إلا قَلِيلا ﴾ في فَضْلِ اللَّهِ هَهُنا ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَعْنِي النَّبِيَّ  .

والثّانِي: القُرْآنُ.

والثّالِثُ: اللُّطْفُ والتَّوْفِيقُ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إلا قَلِيلا ﴾ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَعْنِي لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إلّا قَلِيلًا مِنكم فَإنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَتْبَعُ الشَّيْطانَ.

والثّانِي: لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَ إلّا قَلِيلًا مِنكم وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ وقَتادَةَ.

والثّالِثُ: أذاعُوا بِهِ إلّا قَلِيلًا، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ زَيْدٍ.

والرّابِعُ: لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إلّا قَلِيلًا مَعَ الِاتِّباعِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الضحاك ﴿ أفلا يتدبرون القرآن ﴾ قال: يتدبرون النظر فيه.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً ﴾ يقول: إن قول الله لا يختلف، وهو حق ليس فيه باطل، وإن قول الناس يختلف.

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال: سمعت ابن المنكدر يقول وقرأ ﴿ ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً ﴾ فقال: إنما يأتي الاختلاف من قلوب العباد، فأما من جاء من عند الله فليس فيه اختلاف.

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال: إن القرآن لا يكذب بعضه بعضاً، ولا ينقض بعضه بعضاً، ما جهل الناس من أمره فإنما هو من تقصير عقولهم وجهالتهم، وقرأ ﴿ ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً ﴾ قال: فحق على المؤمن أن يقول: كل من عند الله، يؤمن بالمتشابه ولا يضرب بعضه ببعض إذا جهل أمراً ولم يعرفه، أن يقول: الذي قال الله حق، ويعرف أن الله لم يقل قولاً وينقص، ينبغي أن يؤمن بحقيقة ما جاء من عند الله.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ﴾ معنى التدبير والتدبر في اللغة النظر في العواقب (١) (٢) (٣) (٤) (٥) ويقال لمن نظر في أمر قد أدبر: استدبر فلان أمره، ويقال: لو استقبلت من أمري ما استدبرت، أي: لو عرفت في صدره ما عرفت في عاقبته (٦) وقال الزجاج: معنى تدبرت الشيء: نظرت في عاقبته، وسمي النحل دبرًا لأنه يعقب ما ينتفع به.

والمال الكثير دبر، لأنه يبقى للأعقاب والأدبار (٧) ومعنى الآية: أفلا يتأملون القرآن ويتفكرون فيه.

قال ابن عباس: وما فيه من المواعظ والذكر والأمر والنهي (٨) وقال الزجاج: يعني به المنافقون (٩) وقوله تعالى: ﴿ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ﴾ قال ابن عباس: يريد لو كان من عند مخلوق لكان فيه كذب واختلاف وباطل (١٠) وقد بين الزجاج وكشف عن هذا المعنى فقال: لو كان ما يُخبرون به مما بينوا وما يسرون فيوحى إلى النبي  لولا أنه من عند الله لكان الإخبار به مختلفًا؛ لأن الغيب لا يعلمه إلا الله عز وجل (١١) وقال قتادة وابن زيد في قوله: ﴿ اخْتِلَافًا ﴾ : أي تناقضًا من جهة حق وباطل (١٢) وقال بعض أهل المعانى: قوله: ﴿ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا ﴾ أي من جهة بليغ ومرذول (١٣) ومعنى الاختلاف في اللغة: أن يذهب أحد الشيئيين خلاف ما ذهب إليه الآخر، والأقوال المختلفة أن يذهب بعضها إلى الخطأ وبعضها إلى الصواب، أو بعضها إلى الحسن البليغ وبعضها إلى المرذول القبيح.

وليس بحمد الله في القرآن اختلاف تناقض، ولا اختلاف تفاوت، بأن يكون بعضها حسنًا وبعضه قبيحًا.

فأما اختلاف القراءات، واختلاف مقادير الآيات والسور، واختلاف الأحكام في الناسخ والمنسوخ فكلٌّ صواب وكله حق، وليس ذلك اختلافًا يؤدي إلى فساد وتناقض، بل هو اختلاف يوافق بعضه بعضًا في الحسن (١٤) وقال ابن عباس في رواية الكلبي عنه في هذه الآية: أفلا يتفكرون في القرآن فيرون بعضه يُشبه بعضًا، ويصدق بعضه بعضًا، وأن أحدًا من الخلائق لم يكن يقدر عليه، فيسلمون بذلك أنه من عند الله، إذ لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا أي تفاوتًا وتناقضًا كثيراً (١٥) فجعل الاختلاف في هذا القول اختلاف التناقض.

(١) انظر: "معاني الزجاج" 2/ 82، "تهذيب اللغة" 2/ 1143، "مقاييس اللغة" 2/ 324، "الصحاح" 2/ 655 (دبر).

(٢) في المخطوط: "الأكثر" والتصويب من "تهذيب اللغة" 2/ 1143 (دبر) وأكثم هو بن صيفي بن رباح بن الحارث التميمي الحكيم المشهور، أحد المعمرين، أدرك الإسلام وقصد المدينة ليسلم فمات في الطريق في نحو سنة 9 هـ.

انظر: "جمهرة أنساب العرب" ص (210)، "أسد الغابة" 1/ 134، "الإصابة" 1/ 110، "الأعلام" 2/ 6.

(٣) في "تهذيب اللغة" 2/ 1143، "اللسان" 3/ 1321 (دبر): "لا"، ولعله هو الصواب كما سيأتي من بيان لقول أكثم.

(٤) في "التهذيب": "أعجاز".

(٥) "تهذيب اللغة" 2/ 1143، "اللسان" 3/ 1321 (دبر)، "التفسير الكبير" 10/ 196، وقال الأزهري مبينًا قول أكثم: "يقول: إذا فاتكم الأمر لم ينفعكم الرأي، وإن كان محكمًا".

(٦) انظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1143 (دبر)، "التفسير الكبير" 10/ 196، "اللسان" 3/ 1321 (دبر).

(٧) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 82، وانظر: "زاد المسير" 2/ 144.

(٨) انظر: "زاد المسير" 2/ 144، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 91.

(٩) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 82.

(١٠) انظر: "الكشف والبيان" 4/ 91 ب، "زاد المسير" 2/ 144، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 91.

(١١) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 82.

(١٢) هذا معنى قولهما، وقد أخرجه ابن جرير 5/ 179 - 180، وانظر: "معاني القرآن" للنحاس 2/ 140، "النكت والعيون" 1/ 510، "الدر المنثور" 2/ 332.

(١٣) "النكت والعيون" 1/ 510، ونسبه الماوردي لبعض البصريين، وانظر: "زاد المسير" 2/ 145.

(١٤) ولشيخ الإسلام ابن تيمية كلام جيد يوضح هذا المعنى ويؤكده، فمما قال حول ذلك: "الخلاف بين السلف في التفسير قليل، وخلافهم في الأحكام أكثر من خلافهم في التفسير، وغالب ما يصح عنهم من الخلاف يرجع إلى اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد، وذلك صنفان: أحدهما: أن يُعبر كل واحد منهم عن المراد بعبارة غير عبارة صاحبة تدل على معنى في المسمى غير المعنى الآخر مع اتحاد المسمَّى ...

كما قيل في اسم السيف: الصارم والمهند، وذلك مثل أسماء الله الحسنى وأسماء رسوله  وأسماء القرآن.

الصنف الثاني: أن يذكر كل منهم من الاسم العام بعض أنواعه على سيل التمثيل وتنبيه المستمع على النوع، لا على سبيل الحد المطابق للمحدود في عمومه وخصوصه ....

ومن التنازع الموجود عنهم ما يكون اللفظ فيه محتملًا للأمرين، إما لكونه مشتركًا في اللفظ كلفظ (قسورة) الذي يراد به الرامي ويراد به الأسد.

ولفظ (عسعس) الذي يراد به إقبال الليل وإدباره ...

" "مجموع الفتاوى" 13/ 333 - 340، وانظر: "البحر المحيط" 3/ 305.

(١٥) "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 91.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القرآن ﴾ حض على التفكير في معانية لتظهر أدلته وبراهينه ﴿ اختلافا كَثِيراً ﴾ أي تناقضاً كما في كلام البشر أو تفاوتاً في الفصاحة لكن القرآن منزّه عن ذلك، فدل على أنه كلام الله، وإن عرضت لأحد شبهة وظن اختلافاً في شيء من الرآن فالواجب أن يتهم نظره ويسأل أهل العلم ويطالع تآليفهم، حتى يعلم أن ذلك ليس باختلاف.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ومن أصدق ﴾ وكل صاد ساكنة بعدها دال بإشمام الصاد الزاي: علي ورويس وحمزة غير العجلي.

﴿ حصرت صدورهم ﴾ وبابه مدغماً: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف وابن عامر.

وقرأ سهل ويعقوب والمفضل ﴿ حصرة صدورهم ﴾ بالنصب والتنوين.

الوقوف: ﴿ القرآن ﴾ ط لتناهي الاستفهام إلى الشرط.

﴿ كثيراً ﴾ ه ﴿ أذاعوا به ﴾ ط ﴿ منهم ﴾ ط ﴿ قليلاً ﴾ ه ﴿ في سبيل الله ﴾ ج ط لأن قوله: ﴿ لا تكلف ﴾ يحتمل الاستئناف والحال أي قاتل غير مكلف.

﴿ إلاّ نفسك ﴾ ط لعطف قوله: ﴿ وحرض ﴾ على قوله: ﴿ فقاتل ﴾ .

﴿ المؤمنين ﴾ ج لأنّ ﴿ عسى ﴾ مستأنف لفظاً ومتصل معنى لأنه لترجية نجح ما أمر به.

﴿ كفروا ﴾ ط ﴿ تنكيلاً ﴾ ه ﴿ نصيب منها ﴾ ط لابتداء شرط آخر مع واو العطف.

﴿ كفل منها ﴾ ط ﴿ مقيتاً ﴾ ه ﴿ ردوها ﴾ ط ﴿ حسيباً ﴾ ه ﴿ إلا هو ﴾ ط ﴿ لا ريب فيه ﴾ ط ﴿ حديثاً ﴾ ه ﴿ بما كسبوا ﴾ ط ﴿ من أضلّ الله ﴾ ط لتناهي الاستفهام إلى الشرط.

﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ في سبيل الله ﴾ ط ﴿ وجدتموهم ﴾ ص ﴿ نصيراً ﴾ ه ط ﴿ أو يقاتلوا قومهم ﴾ ط ﴿ فلقاتلوكم ﴾ ط ﴿ السلم ﴾ لا لأن ما بعده جواب "فإن".

﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ قومهم ﴾ ط ﴿ أركسوا فيها ﴾ ج ﴿ ثقفتموهم ﴾ ط ﴿ مبيناً ﴾ ه.

التفسير: لما حكي عن المنافقين ما حكى وكان السبب فيه اعتقادهم أنه  غير محق في ادعاء الرسالة، أمرهم بالتفكر والتدبر وهو النظر في عواقب الأمور وأدبارها، ومنه قول أكثم: لا تدبروا أعجاز أمور قد ولت صدورها.

ويقال في فصيح الكلام: لو استقبلت من أمري ما استبدرت.

أي لو عرفت في صدره ما عرفت من عاقبته.

وظاهر الآية يدل على أنه احتج بالقرآن على صحة نبوة محمد  وإلا انقطع النظم.

ودلالة القرآن على صدق النبي من ثلاثة أوجه: الفصاحة والاشتمال على الغيوب والسلامة من الاختلاف وهو المقصود من الآية.

واختلف المفسرون في المراد من سلامته من الاختلاف.

فقال أبو بكر الأصم: معناه / أن المنافقين كانوا يتواطئون في السر على أنواع كثيرة من المكايد، والرسول كان يخبرهم عنها حالاً فحالاً.

فقيل لهم: إن ذلك لو لم يحصل بإخبار الله  لم يطرد صدقه ولظهر أنواع الاختلاف والتفاوت.

وقال أكثر المتكلمين: المراد تجاوب معانيه وتلاؤم مقاصده مع أنه مشتمل على علوم كثيرة وفنون غزيرة، ولو كان من عند غير الله لم يخل من تناقض واضطراب.

والذي تظن به التناقض كقوله: ﴿ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان  ﴾ مع قوله: ﴿ لنسألنهم أجمعين  ﴾ أو كقوله: ﴿ فإذا هي ثعبان مبين  ﴾ مع قوله: ﴿ كأنها جان  ﴾ ليس بذاك عند التدبر وملاحظة شروط التناقض من اتحاد الزمان والمكان وغيرهما وقال أبو مسلم: المراد صحة نظمه وكون كله بل كل جزء من أجزائه وأبعاضه بالغاً حد الإعجاز.

ومن المعلوم أن الإنسان وإن كان في غاية البلاغة ونهاية الفصاحة إذا كتب كتاباً طويلاً مشتملاً على المعاني الكثيرة فلا بد أن يظهر التفاوت في كلامه بحيث يكون بعضه قوياً متيناً وبعضه سخيفاً نازلاً، ولما لم يكن القرآن كذلك علمنا أنه معجز من عند الله  .

وفي الآية دلالة على وجوب النظر والاستدلال أعني التدبر فيما إليه سبيل.

وقال الجبائي: فيها دلالة على أن أفعال العباد غير مخلوقة لله لأن فعل العبد لا ينفك عن التفاوت والاختلاف.

والجواب أنه لا يلزم من كون كلامه غير متفاوت ولا مختلف أن لا تكون أفعاله مختلفة بحسب اختلاف المظاهر والقوابل.

سلمنا لكن اختلافه وهو كونه غير مطابق للأغراض والمقاصد الإنسانية قد يكون بحسب نظرنا لا بحسب الأمر نفسه.

ثم حكى عن المنافقين - وقيل عن ضعفة المسلمين - أنه إذا جاءهم الخبر بأمر من الأمور سواء كان ذلك الأمر من باب الأمن أو من باب الخوف أذاعوا به وأفشوه.

يقال: أذاع السر وأذاع به لغتان.

ويجوز أن يكون معنى أذاع به فعل به الإذاعة وهو أبلغ.

ولا يخفى ما في ذلك الإفشاء من الضرر من جهة أن الإرجاف لا ينفكعن الكذب، ومن جهة أن تلك الزيادات إن كانت في جانب الأمن ولم تقع أورثت شبهة لضعفة المسلمين في صدق الرسول، لأن المنافقين كانوا يروونها عن الرسول، وإن كانت في جانب الخوف حصل اضطراب في الضعفة ووقعوا في الحيرة، وأيضاً البحث عن الإرجاف موجب ظهور الأسرار وذلك لا يوافق مصلحة المدينة فربما وصل الخبر إلى الكفار فاستعدوا للقتال أو تحصنوا.

وفي معنى الآية أقوال: الأول: ولو ردوا ذلك الخبر إلى رسول الله  وإلى أولي الأمر - وهم كبار الصحابة البصراء بالأمور أو الذين كانوا يؤمرون منهم - ﴿ لعلمه ﴾ لعلم تدبير ما أخبروا به ﴿ الذين يستنبطونه ﴾ الذين يستخرجون تدبيره بفطنهم وتجاربهم ومعرفتهم بأمور الحرب ومكايدها، وأصل الاستنباط إخراج النبط وهو الماء يخرج من / البئر أول ما تحفر فاستعير لاستخراج المعاني.

والتدبير الثاني: كانوا يقفون من رسول الله  وأولي الأمر على أمن ووثوق بالظهور على بعض الأعداء، أو على خوف واستشعار فيذيعونه فتعود إذاعتهم مفسدة.

فقيل لهم: لو فوضوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر وكانوا كأن لم يسمعوا العلم الذي يستنبطون تدبيره كيف يدبرونه وما يأتون ويذرون فيه.

الثالث: كانوا يسمعون من أفواه بعض المنافقين شيئاً من خبر السرايا غير معلوم الصحة فيذيعونه فقيل لهم: لو سكتوا حتى سمعوه من الرسول وأولي الأمر لعلمه صحته وهل هو مما يذاع أو لا يذاع فالمستنبطون هم المذيعون.

ومعنى يستنبطونه منهم يتلقونه من الرسول وأولي الأمر ويستخرجون علمه من جهنم.

قالت العلماء: في الآية دلالة على أن القياس حجة لأنهم أمروا أن يرجعوا في معرفة الوقائع إلى أولي الأمر من المستنبطين.

فرواية النص لا تكون استنباطاً فهو إذن رد واقعة إلى نظيرها وهو القياس.

واعترض بأنا لا نسلم أن المستنبطين هم العلماء وأولو الآراء بل هم المذيعون كما في القول الثالث.

سلمنا لكن الآية نزلت في الحروب، ولا يلزم من جواز الاستنباط في الوقائع المتعلقة بها جواز الاستنباط في الوقائع الشرعية.

فإن قيس أحد البابين على الآخر كان إثباتاً للقياس الشرعي بالقياس الشرعي.

سلمنا لكن لم لا يجوز أن يكون المراد استخراج الأحكام الشرعية من النصوص الخفية أو من تركيبات النصوص أو بالبراءة الأصلية أو بحكم العقل كما يقول الأكثرون إن الأصل في المنافع الإباحة وفي المضار الحرمة وكل هذه الأمور ليست من القياس الشرعي في شيء؟

سلنما أن القياس الشرعي داخل في الآية.

لكن بشرط كونه مفيداً "للعلم" بدليل قوله ﴿ لعلمه الذين يستنبطونه ﴾ ولا نزاع في مثله إنما النزاع في أن القياس المفيد للظن هل هو حجة أن لا.

وأجيب بأن صرف المستنبطين إلى المذيعين ليس بالقوي إذ لو كان المراد ذلك لكان الأليق بنظم الكلام أن يقال: ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر لعلموه من غير إقامة المظهر مقام المضمر.

وعن الثاني بأن الأمن او الخوف عام في كل ما يتعلق بباب التكليف.

ولئن سلم أنه مخصوص بأمور الحرب فإذا عرف أحكام الحروب بالقياس الشرعي لزم جواز التمسك به في سائر الوقائع إذ لا قائل بالفرق.

ألا ترى أن من قال القياس حجة في باب البيع لا في باب النكاح لم يلتفت إليه؟

وعن الثالث أن شيئاً من ذلك لا يسمى استنباطاً.

وعن الرابع أن العلم قد يراد به الظن الغالب.

سلمنا لكن القياس الشرعي عندنا يفيد العلم لأنه مهما غلب على الظن أن حكم الله في الأصل معلل بكذا ثم غلب على الظن أن ذلك المعنى قائم في الفرع، حصل ظن أن حكم الله في الفرع مساوٍ لحكمه في الصل، وعند هذا الظن نقطع بأنه مكلف بأن يعمل على وفق هذا الظن وهذا معنى قولهم: "الظن واقع في طريق الحكم" والحكم مقطوع به كأنه  قال: مهما / غلب على ظنك كذا في الواقعة الفلانية فاعلم قطعاً أن حكمي فيها كذا.

أما قوله ﴿ لاتبعتم الشيطان إلا قليلاً ﴾ فظاهره يقتضي إشكالاً وهو أن قليلاً من الناس لا يحتاج في عدم اتباع الشيطان إلى فضل الله ورحمته، لكن الاحتياج بالنسبة إلى كل واحد من الناس ثابت بالاتفاق فهذا تناقض.

فذكر المفسرون في إزالة التناقض وجوهاً الأول: أن الاستثناء راجع إلى قوله: ﴿ أذاعوا به ﴾ كأنه  أخرج بعض المنافقين من هذه الإذاعة كما أخرجهم في قوله: ﴿ بيت طائفة ﴾ الثاني: أنه عائد إلى قوله: ﴿ لعلمه ﴾ يعني لعلمه الذين يستنبطونه منهم إلاّ قليلاً.

قال الفراء والمبرد: القول الأول أولى لأن ما يعلم بالاستنباط فالأقل يعلمه والأكثر يجهله.

وصرف الاستثناء إلى ما ذكروه يقتضي ضد ذلك، قال الزجاج: هذا غلط لأنه لا يراد بهذا الاستنباط ما يستخرج بنظر دقيق وفكر غامض إنما هو استنباط خبر، وإذا كان كذلك فالأكثرون يعرفونه إلاّ البالغ في البلادة.

والإنصاف أن الاستنباط لو حمل على مجرد تفرق الأخبار والأراجيف فكلام الزجاج الصحيح وإن كان محمولاً على استخراج الأحكام الشرعية كما مر فالحق ما ذكره الفراء والمبرد.

الثالث: أن الاستثناء مصروف إلى ما يليه كما هو حق النسق لأن الفضل والرحمة مفسران بشيء خاص وفيه وجهان: أحدهما قول جماعة من المفسرين أن المراد إنزال القرآن وبعثة محمد والتقدير: لولا بعثة محمد وإنزال القرآن لاتبعتم الشيطان ولكفرتم بالله إلاّ القليل منكم فإن ذلك القليل بتقدير عدم بعثة محمد ما كان يكفر بالله وهم مثل قس بن ساعدة وورقة بن نوفل وزيد بن عمرو بن نفيل، كانوا مؤمنين بالله قبل بعثة محمد  .

وثانيهما قول أبي مسلم أن المراد بالفضل والرحمة ههنا نصرته  ومعونته اللذان تمناهما المنافقون بقولهم: ﴿ فأفوز فوزاً عظيماً  ﴾ والتقدير: لولا حصول النصر والظفر على سبيل التتابع لتركتم الدين إلاّ القليل منكم وهم أهل البصائر والعزائم، ومن أفاضل المؤمنين الذين يعلمون أنه ليس من شرط كونه حقاً حصول الدولة في الدنيا، فلا تواتر الفتح والظفر يدل على كونه حقاً، ولا انقطاع النصر والغلبة يدل على كونه باطلاً، بل الأمر في كونه حقاً وباطلاً مبني على الدليل وهذا أحسن الوجوه.

قوله: ﴿ فقاتل ﴾ قيل: إنه جواب لقوله: ﴿ ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل  ﴾ كأنه  قال: إن أردت الفوز فقاتل.

وقيل: إنه متصل بمعنى ما ذكر من قصص المنافقين كذا وكذا فلا تعتد بهم ولا تلتفت إليهم بل قاتل فإنك لا تؤاخذ إلاّ بفعلك، فإذا أديت فرضك لم تكلف فرض غيرك، ويعلم من قوله: ﴿ وحرض المؤمنين ﴾ أن الواجب على الرسول إنما هو الجهاد وتحريض الناس على الجهاد أي الحث والإحماء عليه، فإذا أتى بالأمرين فقد خرج عن عهدة التكليف وليس عليه من كون غيره تاركاً شيء.

واعلم أن الجهاد في حق غير الرسول من فروض الكفايات، فما لم يغلب على الظن أنه مفيد لم يجب / بخلاف رسول الله  فإنه على ثقة من النصر والظفر بدليل قوله: ﴿ والله يعصمك من الناس  ﴾ وبدليل قوله ههنا: ﴿ عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا ﴾ وعسى من الله جزم لأن الرجاء عليه محال فهو إطماع وإطماع الكريم إيجاب فلزمه الجهاد وإن كان وحده فلا جرم أنه  قال في بدر الصغرى: " لأخرجن وحدي" فخرج وتبعه سبعون راكباً، ولو لم يتبعه أحد لخرج وحده، ثم إنه  كف بأس المشركين وألقى الرعب في قلوب أبي سفيان وأصحابه حتى ندموا وترك الحرب في تلك السنة.

وفي الآية دليل على أنه  كان أشجع الخلق لأنه  لم يأمره بالقتال وحده إلاّ أنه كذلك.

وقيل: اقتدى به أبو بكر حيث حاول الخروج وحده إلى قتال مانعي الزكاة ومن عرف أن الأمر كله بيد الله وأنه لا يحدث شيء إلاّ بقضاء الله سهل عليه الفوت وكان بمعزل عن تقية الموت.

﴿ والله أشد بأساً ﴾ من قريش ﴿ وأشد تنكيلاً ﴾ تعذيباً لأن عذاب الله دائم وعذاب غيره غير دائم، وعذاب غير الله يخلصه الله عنه وعذاب الله لا يقدر أحد على تخليصه منه، وعذاب غير الله يكون من وجه واحد وعذاب الله يصل إلى جميع الأبعاض والأجزاء ويشمل الروح والجسم فهذا طرف من الفرق والله أعلم بكنه عذابه ونعوذ بالله من عقابه.

قوله  : ﴿ من يشفع شفاعة حسنة ﴾ وجه نظمه يعرف من تفسيره وذلك أنه قيل: المراد منه تحريض النبي  إياهم على الجهاد، لأنه إذا كان يأمرهم بالغزو فقد جعل نفسه شفيعاً لهم في تحصيل الأغراض المتعلقة بالجهاد.

وأيضاً التحريض وهو الحث على سبيل الرفق والتلطف والتهديد جار مجرى الشفاعة.

وقيل: كان بعض المنافقين يشفع لمنافق آخر في أن يأذن له الرسول في التخلف عن الجهاد، وكان بعض المؤمنين يشفع لمؤمن آخر عند مؤمن ثالث أن يحصل له عدّة الجهاد فنزلت.

ونقل الواحدي عن ابن عباس أن الشفاعة الحسنة ههنا هي ان يشفع إيمانه بالله بقتال الكفار، والشفاعة السيئة أن يشفع كفره بالله بمحبة الكفار وترك إيذائهم.

وقال مقاتل: الشفاعة إلى الله إنما هي دعوة الله المسلم لما روي عن النبي  : " "من دعا لأخيه المسلم بظهر الغيب استجيب له وقال له الملك ولك مثل ذلك" " فذلك النصيب والدعوة على المسلم بضد ذلك.

وقال الحسن ومجاهد والكلبي وابن زيد: هي مطلق الشفاعة والحسنة منها هي التي بها روعي حق مسلم ودفع بها عنه شر أو جلب إليه خير وابتغى بها وجه الله ولم يؤخذ عليها رشوة كانت في أمر حائز لا في حد من حدود الله ولا في إبطال حق من الحقوق، والسيئة ما كان بخلاف ذلك، وعلى هذا فوجه النظم أن التحريض على الجهاد بعث على الفعل الحسن وأنه نوع شفاعة كما مر في القول / الأول.

وعن مسروق أنه شفع شفاعة فأهدى إليه المشفوع له جارية فغضب وردها وقال: لو علمت ما في قلبك لما تكلمت في حاجتك ولا أتكلم فيما بقي منها.

قال أهل اللغة: الكفل أيضاً النصيب فهل لاختلاف اللفظين فائدة؟

فأجيب بأن الكفل اسم للنصيب الذي يكون عليه اعتماد الإنسان ومنه يقال "كفل البعير واكتفله" إذا أدار حول سنامه كساء وركب.

والكفيل الضامن لأن الغريم اعتمد عليه.

والتقدير من يشفع شفاعة سيئة يكن له منها نصيب يعتمد عليه ويكون له ذخيرة في معاشه ومعاده والغرض التهكم وحصول ضد ذلك مثل: ﴿ فبشرهم بعذاب أليم  ﴾ ﴿ وكان الله على كل شيء مقيتاً ﴾ أي مقتدراً وحفيظاً.

واشتقاقه من القوت لأنه يمسك النفس ويحفظها.

والغرض أنه قادر على كل المقدورات حفيظ لجميع المعلومات فيجازي كل شافع بما يليق بحاله، ثم لما أمر المؤمنين بالجهاد أمرهم أيضاً بأن الأعداء لو رضوا بالمسالمة أو ألقوا في المبارزة بالسلم فقابلوهم بالإكرام وأيضاً السلام دعاء بالسلامة والدعاء نوع من الشفاعة والتحية تفعلة من الحياة ويجيء الناقص من باب التفعيل على "تفعلة" مثل: تسلية وتعزية.

لكنه أدغم ههنا لاجتماع المثلين.

وكانت العرب تقول عند التلاقي حياك الله.

دعاء له بالحياة فأبدل الله ذلك بالسلام، ولعمري إن هذا أحسن لأن الحياة إن لم تكن مقرونة بالسلامة لم يعتد بها بل لعل الموت خير منها، ولأن السلام اسم من اسماء الله  فالابتداء به أولى، ولأن دفع الضرر أهم من جلب النفع وقد سلم الله عليك يا مؤمن في اثني عشر موضعاً في الأزل ولهذا سمى نفسه بالسلام، وعلى لسان نوح: ﴿ يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك  ﴾ والمراد أمة محمد  عليك على لسان جبريل: ﴿ تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر سلام  ﴾ قال المفسرون إنه خاف على أمته أن يصيروا مثل أمة موسى وعيسى فقال الله  : لا تهتم بذلك فإني وإن أخرجتك من الدنيا إلاّ إني جعلت جبرائيل خليفة لك ينزل إلى أمتك كل ليلة قدر ويبلغهم السلام مني.

وسلم عليك على لسان موسى: ﴿ والسلام على من اتبع الهدى  ﴾ وسلم عليك على لسان محمد  : ﴿ قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى  ﴾ وأمر محمداً  بالسلام عليك: ﴿ وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم  ﴾ وأمر المؤمنين بالسلام: ﴿ وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها ﴾ وسلم عليك على لسان ملك الموت: ﴿ الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم  ﴾ قيل: إن ملك الموت يسلم في أذن المسلم: السلام يقرئك السلام ويقول: أجبني فإني مشتاق إليك واشتاقت الجنات والحور العين إليك، فإذا سمع المؤمن البشارة يقول لملك الموت: لا هدية أعز من روحي فاقبض روحي هدية لك.

وسلم عليك من الأرواح الطاهرة: ﴿ وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين  ﴾ وسلم عليك على لسان خزنة الجنة: ﴿ وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين  ﴾ وسلم عليك على لسان الملائكة في الجنة: ﴿ والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم  ﴾ وسلم عليك على لسان أهل الجنة: ﴿ تحيتهم يوم يلقونه سلام  ﴾ وسلم عليك إلى الأبد: ﴿ سلام قولاً من رب رحيم  ﴾ ولما أراد إكرام يحيى  وعده بالسلام في مواطن ثلاثة هي أشد الأوقات حاجة إلى السلام فقال: ﴿ وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حياً  ﴾ ولما ذكر تعظيم محمد  قال: ﴿ إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً ﴾ {الأحزاب:56] وعن عبد الله بن سلام قال: لما سمعت بقدوم رسول الله  دخلت في غمار الناس فأول ما سمعت عنه: " يا أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا الأرحام وصلّوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام " وكانت تحية النصارى وضع اليد على الفم، وتحية اليهود الإشارة بالأصابع، وتحية المجوس الانحناء، وتحية الجاهلية "حياك الله"، وتحيتهم للملوك "أنعم صباحاً" فشتان ما بين تحياتهم وتحيتنا "السلام عليك ورحمة الله وبركاته" وفي هذا دليل على أن هذا الدين أشرف الأديان وأكملها.

ومما يدل على فضيلة السلام عقلاً أن الوعد بالنفع قد يقدر الإنسان على الوفاء به وقد لا يقدر، وأما الوعد بترك الضرر فإنه يقدر عليه لا محالة والسلام يدل عليه فهو أفضل أنواع التحية.

قال بعض العلماء: فمن دخل بيتاً وجب عليه أن يسلم على الحاضرين لقوله  : ﴿ فإذا دخلتم بيوتاً فسلموا على أنفسكم  ﴾ وقال  : "أفشوا السلام" والأمر للوجوب، ولأن السلام بشارة بالسلامة وإزالة الضرر وهو واجب لقوله: " "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" ولأنه من شعائر الإسلام وإظهار شعائر الإسلام واجب.

وعن ابن عباس والنخعي وأكثر العلماء أن السلام سنة.

وأما الجواب فواجب بالإجماع لأن ترك الجواب إهانة والإهانة ضرر والضرر حرام ولقوله  : ﴿ وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها ﴾ وظاهر الأمر الوجوب وعن ابن عباس: ما من / رجل يمر على قوم مسلمين فيسلم عليهم ولا يردون عليه إلاّ نزع عنهم روح القدس وردت عليه الملائكة.

قال العلماء: الأحسن أن يزيد في جواب السلام والرحمة، وإن ذكر في الابتداء السلام والرحمة زاد في جوابه البركة، وإن ذكر المجموع أعادها فقط فإن منتهى الأمر في السلام أن يقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

لأن هذا القدر هو الوارد في التشهد.

وروي "أن رجلاً قال لرسول الله  : السلام عليك يا رسول الله.

فقال: وعليك السلام ورحمة الله، وقال آخر: السلام عليك ورحمة الله.

فقال: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته.

وجاء ثالث وقال السلام عليك ورحمة الله وبركاته.

فقال: وعليك فقال: نقصتني فأين قول الله: ﴿ فحيوا بأحسن منها ﴾ فقال: إنك لم تترك لي فضلاً فرددت عليك مثله" .

فقوله  : ﴿ أو ردوها ﴾ أي أجيبوها بمثلها، ورد السلام كرّه ورجعة إما إشارة إلى هذه الصورة وإما إلى التخيير بين الزيادة وتركها، ورد الجواب فرض على الكفاية إذا قام به بعض سقط عن الباقين.

والأولى أن يقوم به الكل إكثاراً للإكرام، والأحسن أن يدخل حرف العطف فيقول: وعليكم السلام.

وهو واجب على الفور بقدر ما يعهد بين الإيجاب والقبول في العقود فإن أخر عن ذلك كان ابتداء سلام لا جواباً وإذا ورد عليه سلام في كتاب فجوابه بالكتابة أيضاً واجب لقوله: ﴿ وإذا حييتم بتحية فحيوا ﴾ ومن قال لآخر أقرىء فلاناً عني السلام وجب عليه أن يفعل.

قال العلماء: المبتدىء يقول السلام عليكم والمجيب يقول: وعليكم السلام ليقع الابتداء والاختتام بذكر الله.

فإن خالف المبتدىء فليكن الاختتام بحاله.

ويجوز "سلام عليكم" بل قالوا إنه أولى من المعرف لأن المنكر في القرآن أكثر، وإن المنكر ورد من الله والملائكة والمؤمنين، والمعرف ورد في تسليم الإنسان على نفسه، قال موسى: ﴿ والسلام على من اتبع الهدى  ﴾ وقال عيسى: ﴿ والسلام عليّ يوم ولدت  ﴾ وأيضاً المعرف يدل على أصل الماهية والمنكر على الماهية مع وصف الكمال.

ومن السنة أن يسلم الراكب لزيادة هيبته على الماشي، وراكب الفرس على راكب الحمار، والصغير على الكبير، والأقل على الأكثر احتراماً للجماعة، والقائم على القاعد لأنه الواصل إليه لأن القائم أهيب ومن السنة الجهر بالسلام لأنه أقوى في إدخال السرور في القلب.

ومنها الابتداء به إظهاراً للتواضع، ومنها الإفشاء والتعميم لأن التخصيص إيحاش، والمصافحة عند السلام عادة النبي  : " إذا تصافح المسلمان تحاتت ذنوبهما كما يتحات ورق الشجر " ومن استقبله رجل واحد فليقل: سلام عليكم وليقصد الرجل والملكين لأنه إذا سلم عليهما ردا السلام عليه، ومن سلم الملك عليه فقد سلم من عذاب / الله، ومن دخل بيتاً خالياً فليسلم ويكون كأنه سلام من الله على نفسه، أو سلام على من فيه من مؤمني الجن، أو طلب السلامة ببركة اسم السلام ممن في البيت من الشياطين والمؤذيات.

ولو قال: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين كان حسناً، ومن السنة أن يكون المبتدىء بالسلام على الطهارة وكذا المجيب.

روي أن واحداً سلم على رسول الله  وهو في قضاء الحاجة فقام وتيمم ثم رد الجواب.

وإذا دخل يوم الجمعة والإمام يخطب فلا ينبغي أن يسلم لاشتغال الناس بالاستماع، فإن سلم ورد بعضهم فلا بأس، ولو اقتصروا على الإشارة كان أحسن.

ومن دخل الحمام فرأى الناس متزرين سلم عليهم فإن لم يكونوا مترزين لم يسلم عليهم.

والأولى ترك السلام على القارىء كيلا يقطع عليه باشتغاله بالجواب، وكذا القول فيمن كان مشتغلاً برواية الحديث ومذاكرة العلم أو بالأذان أو الإقامة.

ولا يسلم على المشغول بالأكل هكذا أطلق وحمله بعضهم على ما إذا كانت اللقمة في فيه.

ولا يسلم على قاضي الحاجة قال أبو يوسف: ولا على لاعب النرد ولا على المغني ومطير الحمام وكل من كان مشتغلاً بنوع معصية، ولا مانع من السلام على من هو في مساومة أو معاملة.

وإذا دخل الرجل بيته سلم على امرأته فإن حضرت أجنبية هناك لم يسلم عليها، وإذا سلمت الأجنبية عليه وكان يخاف في رد الجواب عليها تهمة أو فتنة لم يجب الرد بل الأولى أن لا يفعل.

وحيث قلنا لا يسلم فلو سلم لم يجب عليها الرد لأنه أتى بفعل منهي عنه فكان وجوده كعدمه.

وروي عن النبي  أنه قال: " لا يبتدأ اليهودي بالسلام " وعن أبي حنيفة أنه قال: لا تبتدئه بسلام في كتاب ولا في غيره.

وعن أبي يوسف: لا تسلم عليهم ولا تصافحهم وإذا دخلت فقل: السام على من اتبع الهدى.

ولا بأس في الدعاء له بما يصلحه في دنياه، ورخص بعض العلماء في ابتداء السلام عليهم إذا دعت إلى ذلك حاجة، أما إذا سلموا علينا فقال أكثر العلماء ينبغي أن نقول: وعليك لما روي أن اليهود تقول للمسلمين: السلام عليكم، وعن الحسن: يجوز أن يقول للكافر وعليك السلام ولا يقل: ورحمة الله.

لأنها استغفار.

وعن الشعبي أنه قال لنصراني سلم عليه عليك السلام ورحمة الله فقيل له في ذلك؟

فقال: أليس في رحمة الله يعيش؟

واعلم أن مذهب أبي حنيفة أن من وهب لغير ذي رحم محرم فله الرجوع فيها ما لم يثب منها، فإذا أثيب منها فلا رجوع له فيها.

وقال الشافعي: له الرجوع في حق الولد وليس له الرجوع في حق الأجنبي.

واحتج لأبي حنيفة بالآية وذلك أن التحية تشمل جميع أنواع الإكرام فتشمل الهبة ومقتضاها وجوب / الرد إذا لم يصر مقابلاً بالأحسن، فإذا لم يثبت الوجوب فلا أقل من الجواز، وقال الشافعي: هذا الأمر محمول على الندب بدليل أنه لو أثيب بما هو أقل منه سقطت مكنة الرد بالإجماع مع أن ظاهر الآية يقتضي أن يثاب بالأحسن.

ثم احتج الشافعي على قوله بما روي عن ابن عباس وابن عمر أن النبي  قال: " لا يحل لرجل أن يعطي عطية أو يهب هبة فيرجع فيها إلاّ الوالد فيما يعطي ولده " ﴿ إن الله كان على كل شيء حسيباً ﴾ فيحاسبكم على محافظة حقوق التحية وغيرها، فكونوا على حذر من مخالفته.

ثم أكد الوعيد بقوله: ﴿ الله لا إله إلاّ هو ليجمعنكم ﴾ فالأول توحيد والثاني عدل كأنه  يقول: من سلم عليكم وحياكم فاقبلوا سلامة وأكرموه وعاملوه بناء على الظاهر فإن البواطن إنما يعرفها الله الذي لا اله إلاّ هو، وإنما تنكشف بواطن الخلق للخلق في يوم القيامة الذي يجمع فيه الأولون والآخرون للجزاء والحساب.

وقوله: ﴿ لا إله إلاّ هو ﴾ إما خبر المبتدأ وإما اعتراض والخبر: ﴿ ليجمعنكم ﴾ والتقدير الله والله ليجمعنكم إلى يوم القيامة أي ليضمنكم إليه ويجمعن بينكم وبينه بأن يبعثكم فيه، والقيامة والقيام كالطلابة والطلاب وهي قيامهم من القبور أو قيامهم للحساب.

قال  : ﴿ يوم يقوم الناس لرب العالمين  ﴾ ﴿ ومن أصدق من الله حديثاً ﴾ استفهام على سبيل الإنكار، وذلك أن الصدق من صفات الكمال والكمال للواجب أولى وأحق وأقدم وأتم من غيره، والمعتزلة نفوا عنه الكذب بناء على أنه قبيح، ومن كذب لم يكذب إلاّ لأنه محتاج إلى أن يكذب لجر منفعة أو دفع مضرة، أو هو غني عنه إلاّ أنه يجهل غناه أو هو جاهل بقبحه، أو هو سفيه لا يفرق بين الصدق والكذب في إخباره ولا يبالي بأيهما نطق، وربما كان الكذب أحلى على حنكه من الصدق، وكل هذه الأمور من الحكيم قبيح يجب تنزيهه عنها، واعلم أن المسائل الأصولية قسمان منها ما العلم بصحة النبوة يحتاج إلى العلم بصحته كعلمنا بافتقار العالم إلى صانع عالم بكل المعلومات قادر على كل الممكنات، فهذا القسم يمتنع إثباته بالقرآن والخبر وإلاّ وقع الدور.

ومنها غير ذلك كإثبات الحشر والنشر فإنه يمكن إثباته بالقرآن والحديث فاعلم.

ثم عاد إلى حكاية أحوال المنافقين فقال: ﴿ فما لكم في المنافقين فئتين ﴾ وهو منصوب على الحال والعامل معنوي مثل: ما لك قائماً أي ما تصنع؟

وقيل: نصب على أنه خبر "كان" أي ما لكم كنتم في شأن المنافقين فئتين؟

استفهام على سبيل الإنكار أي لا تختلفوا في كفرهم، ولكن اقطعوا بنفاقهم فقد ظهرت دلائل ذلك وانكشفت جلية الحال.

وذلك أنها نزلت "في قوم من العرب أتوا رسول الله  بالمدينة فأسلموا وأصابوا وباء المدينة وحماها فقالوا: يا رسول الله نريد أن نخرج إلى الصحراء فأذن لنا فيه فأذن لهم.

فلما خرجوا لم يزالوا يرحلون مرحلة مرحلة حتى لحقوا بالمشركين.

فتكلم المؤمنون فيهم فقال بعضهم: نافقوا.

وقال بعضهم: هم مسلمون.

فبين الله نفاقهم" .

وقال مجاهد وقتادة: هم قوم هاجروا من مكة ثم بدا لهم فرجعوا وكتبوا إنا على دينك وما أخرجنا إلا اجتواء المدينة والاشتياق إلى بلدنا.

وعن زيد بن ثابت: هم الذين تخلفوا يوم أحد وقالوا: لو نعلم قتالاً لاتبعناكم.

وطعن بعضهم في هذا القول بأن نسق الكلام وهو قوله: ﴿ حتى يهاجروا في سبيل الله ﴾ يأباه إذ الهجرة تكون من مكة إلى المدينة.

وعن عكرمة: هم قوم أخذوا أموال المشركين وانطلقوا بها إلى اليمامة.

وقيل: هم العرنيون الذين أغاروا على السرح وقتلوا يساراً مولى النبي  .

وقال ابن زيد: نزلت في أهل الإفك.

قال الحسن: سماهم المنافقين وإن أظهروا الكفر باعتبار حالهم التي كانوا عليها.

﴿ والله أركسهم ﴾ الركس والإركاس رد الشيء مقلوباً.

ويقال للرفث الركس لأنه رد إلى حالة خسيسة وهي حال النجاسة ويسمى رجيعاً أيضاً لذلك والمراد ردهم إلى أحكام الكفار من الذل والصغار والسبي والقتل ﴿ بما كسبوا ﴾ أي ما أظهروا من الارتداد بعدما كانوا على النفاق ﴿ ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلاً ﴾ لأن المخلوق لا يقدر على تبديل خلق الخالق وعلى خلاف مقتضى إرادته ومشيئته.

وهذا ظاهر في المقصود.

والمعتزلة يقولون: قوله: ﴿ أركسهم بما كسبوا ﴾ أي بسبب كسبهم وفعلهم ينفي القول بأن ضلالهم حصل بخلق الله فإذن المراد من إضلال الله حكمه بضلالهم كما يقال: فلان يكفر فلاناً أي ينسبه إلى الكفر ويحكم عليه بذلك.

أو المراد إضلالهم عن طريق الجنة وهو مفسر بمنع الألطاف.

ثم ذكر أنهم بالغوا في الكفر إلى أن تمنوا أن تصيروا كفاراً فكيف تطمعون في إيمانهم وهو قوله: ﴿ ودّوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء ﴾ أي في الكفر.

والمراد فتكونون أنتم وهم سواء إلاّ أنه اكتفى بذكر المخاطبين عن ذكر غيرهم لتقدم ذكرهم.

وقوله: ﴿ فتكونون ﴾ عطف على ﴿ تكفرون ﴾ .

﴿ فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا ﴾ أي حتى يضموا إلى إيمانهم المهاجرة الصحيحة المعتمدة وهي الهجرة في سبيل الله لا لغرض من الأغراض الفانية مثل قوله  : " "أنا بريء من كل مسلم قام بين أظهر المشركين وأنا بريء من كل مسلم مع مشرك " وكانت الهجرة واجبة إلى أن فتحت مكة.

عن ابن عباس قال: قال رسول الله  يوم فتح مكة "لا هجرة / بعد الفتح ولكن جهاد ونية" .

وعن الحسن: إن حكم الآية ثابت في كل من أقام في دار الحرب فرأى فرض الهجرة إلى دار الإسلام قائماً.

قال المحققون: الهجرة في سبيل الله تشمل الانتقال من دار الكفر إلى دار الإيمان، والانتقال من أعمال الكفار إلى أعمال المسلمين بل هذا أقدم وأهم لقوله  : " المهاجر من هجر ما نهى الله عنه " ﴿ فإن تولوا ﴾ عن الإيمان المظاهر بالهجرة الصحيحة فحكمهم حكم سائر المشركين ﴿ فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ﴾ في الحل أو في الحرم ﴿ ولا تتخذوا منهم ﴾ في هذه الحالة ﴿ ولياً ﴾ يتولى شيئاً من مهماتكم ﴿ ولا نصيراًً ﴾ ينصركم على أعدائكم بل جانبوهم مجانبة كلية.

ثم لما أمر بقتل هؤلاء الكفار استثنى عنه موضعين: الأول ﴿ إلا الذين يصلون ﴾ أي ينتهون ويتصلون ﴿ إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق ﴾ والمعنى أن من دخل في عهد من كان داخلاً في عهدكم فهم أيضاً داخلون في عهدكم.

قال القفال: وقد يدخل في الآية أن يقصد قوم حضرة الرسول  فيتعذر عليهم ذلك المطلوب فيلتجئوا إلى قوم بينهم وبين المسلمين عهد إلى أن يجدوا السبيل إليه.

والقوم هم الأسلميون وذلك أنه  وادع وقت خروجه إلى مكة هلال بن عويمر الأسلمي على أن لا يعينه ولا يعين عليه، وعلى أن من وصل إلى هلال ولجأ إليه فله من الجوار مثل الذي لهلال.

وقال ابن عباس: هم بنو بكر بن زيد مناة كانوا في الصلح.

وقال مقاتل: هم خزاعة وخزيمة.

وههنا نكتة وهي أنه  رفع السيف عمن التجأ إلى الكفار المصالحين فلان يدفع النار عمن التجأ إلى محبة الله ومحبة رسوله كان أولى.

وعن أبي عبيدة: المراد بالوصلة الانتساب.

يقال: وصلت إلى فلان واتصلت به إذا انتهيت إليه.

وأعترض عليه بأن أهل مكة أكثرهم كانوا متصلين بالرسول  من جهة النسب مع أنه كان قد أباح دم الكفار منهم.

الاستثناء الثاني قوله: ﴿ أو جاؤكم ﴾ وفي العطف وجهان: أحدهما أن يكون معطوفاً على صفة قوم والمعنى إلا الذين يصلون إلى قوم معاهدين أو إلى قوم جاؤوكم ممسكين عن القتال لا لكم ولا عليكم.

وثانيهما العطف على صلة الذين كأنه قيل: الذين يتصلون بالمعاهد أو إلى الذين لا يقاتلونكم وهذا أنسب بقوله في صفتهم ﴿ فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم ﴾ إلى آخر الآية.

إذ بين أن كفهم عن القتال سبب استحقاقهم لنفي التعرض لهم بالاستقلال لا بواسطة الاتصال.

ومعنى ﴿ حصرت صدورهم ﴾ ضاقت.

والحصر الضيق والانقباض وهو في موضع الحال بإضمار "قد" بدلالة قراءة من قرأ / ﴿ حصرة ﴾ .

وجعله المبرد صفة لموصوف محذوف منصوب على الحال أي جاؤوكم قوماً حصرت.

وقيل: هو بيان لجاؤوكم.

وقوله: ﴿ أن يقاتلوكم ﴾ أي عن أن يقاتلوكم.

ثم هؤلاء الجاؤون من الكفار أو من المؤمنين قال الجمهور: هم من الكفار بنو مدلج جاءوا رسول الله  غير مقاتلين.

وعلى هذا يلزم النسخ لأن الكافر وإن ترك القتال جاز قتله، وقال أبو مسلم: إنه  لما أوجب الهجرة على كل من أسلم استثنى من له عذر وهما طائفتان: إحداهما الذين قصدوا الرسول  للهجرة والنصرة إلاّ أنه كان في طريقهم كفار غالبون فصاروا إلى قوم بينهم وبين المسلمين عهد وأقاموا عندهم إلى أن يمكنهم الخلاص.

والثانية من صار إلى الرسول ولا يقاتل الرسول ولا أصحابه لأنه يخاف الله فيه، ولا يقاتل الكفار أيضاً لأنهم أقاربه أو لأنه بقي أولاده وأزواجه بينهم فيخاف لو قاتلهم أن يقتلوا أولاده وأصحابه.

فهذان الفريقان من المشركين لا يحل قتالهم وإن كان لم يوجد منهم الهجرة ومقاتلة الكفار، وعلى هذا فمعنى قوله: ﴿ ولو شاء الله لسلطهم عليكم ﴾ أي لو شاء لقوّى قلوبهم ليدفعوا عن أنفسهم إن أقدمتم على مقاتلتهم على سبيل الظلم.

وعلى الأول معناه أن ضيق صدورهم عن قتالكم لأن الله قذف الرعب في قلوبهم، ولو قوّى قلوبهم لتسلطوا عليكم ولقاتلوكم وهو جواب "لو" على التكرير أو البدل.

قال الكعبي: إنه  أخبر أنه لو شاء لفعل وهذا ينبىء عن القدرة على الظلم وهو صحيح عندنا ولا يدل على أنه فعل الظلم وأراده والنزاع فيه ﴿ فإن اعتزلوكم ﴾ أي فإن لم يتعرضوا لكم ﴿ وألقوا إليكم السلم ﴾ أي الانقياد والاستسلام ﴿ فما جعل الله لكم عليهم سبيلاً ﴾ فما أذن لكم في أخذهم وقتلهم ﴿ ستجدون آخرين ﴾ هم قوم من أسد وغطفان كانوا إذا أتوا المدينة أسلموا وعاهدوا ليأمنوا المسلمين فإذا رجعوا إلى قومهم كفروا ونكثوا عهودهم ﴿ كلما ردوا إل الفتنة ﴾ كلما دعاهم قومهم إلى قتال المسلمين ﴿ أركسوا فيها ﴾ أي ردوا مقلوبين منكوسين فيها.

وهذه استعارة لشدة إصرارهم على الكفر وعداوة المسلمين، لأن من وقع في حفر منكوساً تعذر خروجه ﴿ فإن لم يعتزلوكم ويلقوا ﴾ أي ولم يلقوا ولم يكفوا ﴿ فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم ﴾ حيث تمكنتم منهم.

قال الأكثرون: وفيه دليل على أنهم إذا اعتزلوا قتالنا وطلبوا الصلح منا وكفوا أيديهم عن إيذائنا لم يجز لنا قتالهم ولا قتلهم.

وهذا مبني على أن المعلق بكلمة "إن" على الشرط يعدم عند الشرط.

أما قوله: ﴿ سلطاناً ﴾ فمعناه حجة واضحة لانكشاف حالهم في الكفر والغدر، أو تسلط ظاهر حيث أذنا لكم في قتلهم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ ﴾ .

لأن الله -  - أمر بطاعة الرسول، فإذا أطاع رسوله  فقد أطاع الله -  - لأنه اتبع أمره؛ ألا ترى أنه قال - عز وجل -: ﴿ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ  ﴾ وحتى جعل طاعة الرسول من شرط الإيمان بقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ﴾ الآية [النساء: 65].

والثاني: أن الرسول  إنما يأمر بطاعة الله، فإن أطاع رسوله  وائتمر بأمره فقد أطاع الله - عز وجل - لأنه هو الآمر بطاعة الله، وبالله التوفيق.

وقيل: لأن الرسول  يأمر بأمر الله -  - لذلك كانت طاعته طاعة الله، وذكر في بعض الأخبار أن النبي  قال [في المدينة]: "مَنْ أَحَبَّنِي فَقَدْ أَحَبَّ اللهَ -  - وَمَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ" فعيره المنافقون في ذلك فأنزل الله -  - تصديقاً لقول النبي  : ﴿ مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً ﴾ .

وروي عن النبي  قال: "مَنْ أَطاعَ اللهَ فَقَدْ ذَكَرَ وَإِنْ قَلَّتْ صَلاَتُهُ وَصِيَامُهُ وَتِلاَوَتُهُ الْقُرْآنَ، وَمَنْ عَصَاهُ فَقَدْ نَسِيَ اللهَ - تَعَالَى - وَإِنْ كَثُرَ صِيَامُهُ وَصَلاَتُهُ وَتِلاَوَتُهُ القُرْآنَ" ، فطاعة الله -  - إنما تكون في اتباع أمره، وانتهاء مناهيه، وكذلك حبه إنما يكون في اتباع أمره ونواهيه؛ كقوله -  -: ﴿ قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ  ﴾ .

وقوله - أيضاً -: ﴿ مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ ﴾ ظاهر مكشوف، حقيقته أنه يطيعه لطاعة الله؛ إذ الأمر يطيعه على أن يدعوه إلى طاعته، وطاعته إجابته له بما يطيع الله به، وحكمته أنه لم يجعل مسلك الطاعة عبادة وإن كانت هي لله عبادة، ولا تجوز عبادة الرسول؛ فصير الله -  - طاعته عبادة لله -  - فاعلم: أن الطاعة قد تكون غير مستحقة لاسم العبادة؛ إذ قد يسمى لا من ذلك الوجه، ولذلك جاز القول بمطاع في الخلق، ولا يجوز بمعبود، والله أعلم.

وأيضاً: فيه شهادة له بالعصمة في كل ما دعا إليه وأمر به، وإلزام للخلق بالشهادة له بالصدق في ذلك والقيام به، أكد بقوله -  -: ﴿ فَلْيَحْذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ...

 ﴾ ، وبقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ...

﴾ الآيتين جميعاً [النساء: 65]، وذلك الإباء على لزوم طاعته أخوف مخالفة العذاب الأليم، وأزال عن الواجد في نفسه من قضائه الحرج الإيمان، ثم ليست طاعته في فعله خاصة، أو قول ما يقوله، ولكنّها بوجهين: أحدهما: اعتقاد كل فعل وقول على ما عليه عنده من خصوص، أو عموم، أو إلزام، أو آداب، أو إباحة، أو ترغيب.

والثاني: في الوفاء بالذي منه المراد فيه من أن يفعل كفعله أو يتقي ذلك، أو يستعمله في حق الإباحة، أو ما أراد من محله فيه، يعرف موقع كل من ذلك بالأدلة، ولا قوة إلا بالله.

وقول من يقول: لا يلزم طاعته في فعله أو يلزم، كلام بهذا الإطلاق لا معنى له.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً ﴾ .

في أعمالهم وأفعالهم، فإنما عليهم ما عملوا وعليكم ما عملتم، ما تسأل أنت عن أعمالهم، ولا يسألون عما فعلتم، والله أعلم.

ويحتمل قوله: ﴿ فَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً ﴾ يطلع على سرائرهم، إنما عليك أن تعاملهم على الظاهر، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ ﴾ .

قيل: إن المنافقين قد أظهروا التصديق لله -  - ولرسوله  ، فإذا دخلوا على رسول الله  قالوا: يا رسول الله، أمرك طاعة، فمُرْنا بما شئت نفعله، فإذا أمرهم بأمر ونهاهم عنه خالفوا أمره، وغيروا ما أمرهم [به] ونهاهم [عنه]؛ فأنزل الله -  - على رسول الله  : ﴿ مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ وَمَن تَوَلَّىٰ...

﴾ إلى قوله -  -: ﴿ بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ ٱلَّذِي تَقُولُ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ ٱلَّذِي تَقُولُ ﴾ .

قوله: ﴿ بَيَّتَ ﴾ .

قيل: غير ما أمرهم به.

وقيل: ﴿ بَيَّتَ ﴾ ألف.

وقيل: ﴿ بَيَّتَ ﴾ أي: قدروا بالليل القول وألفوا، وكل كلام وقول مقدر بالليل مؤلف فيه، يقال: بَيَّت، ومعناه - والله أعلم -: أن رسول الله  [...] فهذا - والله أعلم - معنى قوله: ﴿ بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ ٱلَّذِي تَقُولُ ﴾ وإلا ظاهر هذا ليس على ما قاله أهل التفسير، وبالله التوفيق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ ﴾ .

أي: الله -  - يأمر بإثبات ما يبيتون من القول الكذب والمغير من القول؛ ليلزمهم الحجة؛ لأنهم كانوا يسرون ذلك ويضمرونه لا يظهرون إظهاراً ليجزيهم جزاء ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ .

[يحتمل: أعرض عنهم] ولا تكافئهم [على هذا].

ويحتمل: أعرض عنهم، ولا تتكلف إظهار سرهم، ولا تطلع عليه، إنما ذلك إليَّ؛ لأطلعكم على ما يسرون؛ ليعلموا أنك إنما عرفت ذلك بالله ففيه دلالة إثبات الرسالة، فتوكل على الله، وثق به، ولا تخافهم، فإن الله -  - يدفع عنك شرهم وكيدهم.

ويحتمل: ﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ﴾ في جزائه؛ فإن الله هو يتولى جزاء تكذيبهم إياك، والله أعلم.

﴿ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً ﴾ فيما ذكرنا.

أي: كفى به مانعاً، فلا أحد أمنع منه.

وقيل: ﴿ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً  ﴾ مما يبيتون وحافظاً.

وقال بعضهم: لا يكون التبييت إلا بالليل، يؤلفون الشيء ويقدرونه بالليل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلاَفاً كَثِيراً ﴾ .

لو كان الحكم لظاهر المخرج على ما يقوله قوم - لكان القرآن خرج مختلفاً متناقضاً؛ لأنه قال - عز وجل - في الآية: ﴿ لاَ يَسْتَأْذِنُكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ...

﴾ الآية [التوبة: 44]، ويقول في آية آخرى: ﴿ إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ  ﴾ لو كان على ظاهر المخرج فهو مختلف، وكذلك قوله -  -: ﴿ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ  ﴾ ، وقال الله - عز وجل - في آية أخرى: ﴿ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَن يَتَرَاجَعَآ  ﴾ في إحداهما حظر وفي الأخرى إباحة، فلو كان على ظاهر المخرج والعموم - لكان مختلفاً متناقضاً، ويجد أهل الإلحاد أوضح طعن فيه وأيسر سبيل إلى القول بأنه غير منزل من عند الرحمن؛ إذ به وصفه أنه لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً.

وقال - عز وجل -: ﴿ لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ...

﴾ الآية [فصلت: 42]، وقال - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ  ﴾ ثم وجد أكثر ما فيه الحكم متفرقاً إلى غير المخرج، ومحصلا على غير مجرى اللفظ من العموم والخصوص؛ فدل به أن الحكم لا كذلك، ولكن المعنى المودع فيه والمدرج، لا يوصل إلى ذلك إلا بالتدبر والتفكر فيه، وإلى هذا ندب الله عباده؛ ليتدبروا فيه؛ ليفهموا مضمونه، وليعملوا به.

ثم يحتمل بعد هذا وجهان: أحدهما: قوله -  -: ﴿ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلاَفاً كَثِيراً ﴾ أي: لو كان هذا القرآن من عند غير الله، لكان لا يُوَافَقُ بما يخبرهم النبي  ولكن يخبرهم مخالفا لذلك؛ لأن الكهنة، الذين كانوا يدعون الخبر عن غيب، لا يخرج خبرهم موافقا، بل كان بعضه مخالف لبعض مناقض له، فلما خرج هذا ما يخبر النبي  من سرائرهم موافقاً له، دل أنه خبر عن الله  .

والثاني: أنهم كانوا يقولون: ﴿ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ ٱخْتِلاَقٌ  ﴾ ﴿ مَا هَـٰذَآ إِلاَّ إِفْكٌ مُّفْتَرًى  ﴾ ونحوه، فأخبر الله -  - أنه لو كان من عند غير الله لكان لا يوافق لما عندهم من الكتب، بل كان مختلفاً متناقضاً، فلما خرج هذا القرآن مستوياً، موافقاً لسائر الكتب؛ كقوله -  -: ﴿ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَهُمْ  ﴾ ﴿ وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ  ﴾ دل أنه من عند الله نزل.

ويحتمل وجهاً آخر: وهو أن هذا القرآن نزل على محمد  في أوقات متفرقة متباعدة على نوازل مختلفة، فلو كان من عند غير الله نزل - لخرج مختلفاً، مناقضاً بعضه بعضاً؛ لأن حكيماً من البشر لو تكلم بكلمات في أوقات متباعدة - لخرج كلامه متناقضاً مختلفاً، إلا أن يستعين بكلام ربّ العالمين، ويعرضه عليه؛ فعند ذلك لا تناقض، فلما خرج هذا - مع تباعد الأوقات - غير مختلف ولا متناقض، دل أنه من عند الله -  - نزل، وبالله التوفيق.

وفيه الاحتجاج على الْمُلْحِدَة؛ حيث قال - عز وجل -: ﴿ أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ...

﴾ إلى قوله: ﴿ ٱخْتِلاَفاً كَثِيراً ﴾ فلو وجدوا لأظهروا ذلك، وقوله -  -: ﴿ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ  ﴾ ولو قدروا على ذلك لأتوا به؛ دل ترك إتيانهم ذلك: أنهم لم يقدروا على إتيان مثله، ولو وجدوه مختلفاً لأظهروه، ولو كان من كلام البشر - على ما قالوا - لأتوا به؛ لأنهم من البشر؛ فظهر أنه منزل من عند الله، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -" ﴿ أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ ﴾ وقوله: ﴿ لِّيَدَّبَّرُوۤاْ آيَاتِهِ  ﴾ دلالة بينة على وجهين: أحدهما: أن المقصود منه يدرك بالتأمل والتدبر؛ إذ به جرى الأمر والترغيب قبل وقت العمل، بل ألزم القيام بما يعقل بالتدبر.

ثم فيه وجهان: أحدهما: أن الأمر ليس على مخرج الكلام عند أهل اللسان، ولا على حق الأيسر في اللغة؛ إذ حق مثله أن يرغب في معرفة الموقع عند أهل اللسان من المخرج، ويوجه إليه لا يدَّبَّر فيه، والله أعلم.

ومعلوم - أيضاً - أن التدبر فيه حظ الحكماء وأهل البصر، لا حظ العوام، وما يعرف من حيث اللسان فهو حظ الفريقين، ثبت أن على العوام اتباع الخواص فيما فهموا هم والاقتداء بهم، والله أعلم.

والثاني: أنه جعل وجه معرفة الاختلاف والاتفاق بالتدبر فيه لا يقرع الكلام السمع، وإذا ثبت ذلك لم يلزم العمل بشيء من الظاهر حتى يعرف الموقع أنه على ذلك بالتدبر؛ لئلا يلحق المتمسك به النقيض بالتدبر، والله أعلم.

والوجه الثاني: بما تضمنت الاختلاف أن ارتفاع الاختلاف جعله حجة على أنه عن الله؛ إذ علم الله - مما جبل عليه الخلق - أنه لا أحد يملك بحق الاختراع لا عن علم السماع ينتهي إليه عن الله بخبر الصادقين، يملك تأليف الكلام ونظم مثله غير متناقض، ولا مختلف ينفي بنفي الاختلاف ما قرن به من الكهنة؛ إذ كذلك كلام الكهنة يخرج مختلفاً، وما قرن من تعليم البشر وأساطير الأولين، والسحر، ونحو ذلك؛ إذ كل ذلك يخرج على الاختلاف، وفي ذلك بيان حظر جعل المخرج بحق اللسان من الاسم حجة ودليلا؛ لما يوجد من ذلك الوجه اختلافاً كثيراً، ولو كان من ذلك الوجه الاحتجاج - لوجد الاختلاف، ومن رام أن يجعل القرآن - لولا بيان الخبر - موقعه على جهة قد يقع فيه الاختلاف دونه - فهو وصف القرآن مع اجتماع الخبر بنفي الاختلاف، وأما ما هو في نفسه مختلف، فمثله لكل كاهن وبشر أريد تثبيت التناقض فيه أمكن لمن يذب عنه إن كان عنه مترجم [معبر] يجب ضم تأويله إليه، فيبطل أن يكون على أحد، ووجود اختلاف في مكان، ويكون احتجاج العدين عبثاً، جل عن ذلك.

ثم ما ذكر يحتمل الأحكام والحدود، والأوامر والنواهي، وذلك يوجب أن التناسخ والخصوص والعموم لا يكون مختلفاً.

ويحتمل: الإخبار، والوعد والوعيد، ونحو ذلك، وأعني بالإخبار: عن الغيب، وعما كان أخبر - عز وجل - عن شرك المنافقين، وعما إليه مرجع الأمور، وعما كان عنهم، ونحو ذلك مما خرج كذلك، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

لِمَ لا يتأمل هؤلاء القرآن ويدرسونه حتى يثبت لهم أنه لا يوجد فيه اختلاف ولا اضطراب؟!

وحتى يعلموا صدق ما جئت به، ولو كان من عند غير الله تعالى لوجدوا فيه اضطرابًا في أحكامه واختلافًا كثيرًا في معانيه.

<div class="verse-tafsir" id="91.A4NLl"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

ليس هذا خاصًا بالمنافقين، بل يكون من ضعفاء الإيمان ومرضى القلوب.

وقد زعم بعض المفسرين أن الأمر بالإعراض عن المنافقين هنا منسوخ بقوله تعالى: ﴿ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ  ﴾ ورده الفخر الرازي.

وقالوا مثله في الآية السابقة، وإنهم لا يكادون يتركون آية من آيات العفو والصفح والحلم ومكارم الأخلاق في معاملة المخالفين إلا ويزعمون نسخه، وهو موقف ننكره كل الإنكار.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله