الآية ٨١ من سورة النساء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ٨١ من سورة النساء

وَيَقُولُونَ طَاعَةٌۭ فَإِذَا بَرَزُوا۟ مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌۭ مِّنْهُمْ غَيْرَ ٱلَّذِى تَقُولُ ۖ وَٱللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ ۖ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًا ٨١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 92 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٨١ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٨١ من سورة النساء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( ويقولون طاعة ) يخبر تعالى عن المنافقين بأنهم يظهرون الموافقة والطاعة ( فإذا برزوا من عندك ) أي : خرجوا وتواروا عنك ( بيت طائفة منهم غير الذي تقول ) أي : استسروا ليلا فيما بينهم بغير ما أظهروه .

فقال تعالى : ( والله يكتب ما يبيتون ) أي : يعلمه ويكتبه عليهم بما يأمر به حفظته الكاتبين ، الذين هم موكلون بالعباد .

يعلمون ما يفعلون .

والمعنى في هذا التهديد ، أنه تعالى أخبر بأنه عالم بما يضمرونه ويسرونه فيما بينهم ، وما يتفقون عليه ليلا من مخالفة الرسول وعصيانه ، وإن كانوا قد أظهروا له الطاعة والموافقة ، وسيجزيهم على ذلك .

كما قال تعالى : ( ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا [ ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين ] ) [ النور : 47 ] .

وقوله : ( فأعرض عنهم ) أي : اصفح عنهم واحلم عليهم ولا تؤاخذهم ، ولا تكشف أمورهم للناس ، ولا تخف منهم أيضا ( وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا ) أي : كفى به وليا وناصرا ومعينا لمن توكل عليه وأناب إليه .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه بقوله: " ويقولون طاعة "، يعني: الفريق الذي أخبر الله عنهم أنهم لما كتب عليهم القتال خَشُوا الناس كخشية الله أو أشد خشية، يقولون لنبي الله صلى الله عليه وسلم إذا أمرهم بأمر: أمرك طاعة، ولك منا طاعة فيما تأمرنا به وتنهانا عنه =" وإذا برزوا من عندك "، يقول: فإذا خرجوا من عندك، (2) يا محمد =" بيّت طائفة منهم غير الذي تقول "، يعني بذلك جل ثناؤه: غيَّر جماعة منهم ليلا الذي تقول لهم.

وكل عمل عُمِل ليلا فقد " بُيِّت "، ومن ذلك " بيَّت " العدو، وهو الوقوع &; 8-563 &; بهم ليلا ومنه قول عبيدة بن همام: (3) أَتَــوْنِي فَلَــمْ أَرْضَ مَــا بَيَّتُـوا, وَكَــانُوا أَتَــوْنِي بِشَــيْءٍ نُكُــرْ (4) لأنْكِــــحَ أَيِّمَهُــــمْ مُنْـــذِرًا, وَهَــلْ يُنْكِـحَ الْعَبْـدَ حُـرٌّ لِحُـرْ?!

(5) يعني بقوله: " فلم أرض ما بيتوا "، ليلا أي: ما أبرموه ليلا وعزموا عليه، ومنه قول النمر بن تولب العُكْليّ: هَبَّـتْ لِتَعْـذُلَنِي مِـنَ اللَّيْـل اسْـمَعِ!

سَــفَهًا تُبَيِّتُــكِ المَلامَـةُ فَـاهْجَعِي (6) يقول الله جل ثناؤه: " والله يكتب ما يبيتون "، يعني بذلك جل ثناؤه: والله يكتب ما يغيِّرون من قولك ليلا في كُتب أعمالهم التي تكتبها حَفَظته.

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

*ذكر من قال ذلك: 9980 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " ويقولون طاعة فإذا برزوا من عندك بيَّت طائفة منهم غير الذي تقول "، قال: يغيِّرون ما عهد نبيّ الله صلى الله عليه وسلم: 9981 - حدثني محمد بن عبد الله بن بزيع قال، حدثنا يوسف بن خالد قال، حدثنا نافع بن مالك، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: " بيّت طائفة منهم غير الذي تقول "، قال: غيَّر أولئك ما قال النبي صلى الله عليه وسلم.

9982 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثني أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " ويقولون طاعة فإذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي تقول "، قال: غيّر أولئك ما قال النبي صلى الله عليه وسلم.

9983 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: (ويقولون طاعة فإذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي تقول والله يكتب ما يبيتون)، قال: هؤلاء المنافقون الذين يقولون إذا حضروا النبي صلى الله عليه وسلم فأمرهم بأمر قالوا: " طاعة "، فإذا &; 8-565 &; خرجوا من عنده، غيّرت طائفة منهم ما يقول النبي صلى الله عليه وسلم =" والله يكتب ما يبيتون "، يقول: ما يقولون.

9984 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس قوله: " ويقولون طاعة فإذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي تقول "، قال: يغيرون ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.

9985 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: " ويقولون طاعة فإذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي تقول "، وهم ناس كانوا يقولون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم: "آمنا بالله ورسوله "، ليأمنوا على دمائهم وأموالهم.

وإذا برزوا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، (7) خالفوا إلى غير ما قالوا عنده، فعابهم الله، فقال: " بيت طائفة منهم غير الذي تقول "، يقول: يغيرون ما قال النبي صلى الله عليه وسلم.

9986 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: " بيت طائفة منهم غير الذي تقول "، هم أهل النفاق.

* * * وأما رفع " طاعة "، فإنه بالمتروك الذي دلّ عليه الظاهر من القول وهو: أمرُك طاعة، أو: منا طاعة.

(8) وأما قوله: " بيت طائفة "، فإن " التاء " من " بيّت " تحرِّكها بالفتح عامة قرأة المدينة والعراق وسائر القرأة، لأنها لام " فَعَّل ".

* * * وكان بعض قرأة العراق يسكّنها، ثم يدغمها في" الطاء "، لمقاربتها في المخرج (9) .

قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك ترك الإدغام، لأنها = أعني" التاء " و " الطاء " = من حرفين مختلفين.

وإذا كان كذلك، كان ترك الإدغام أفصح اللغتين عند العرب، واللغة الأخرى جائزةٌ = أعني الإدغام في ذلك = محكيّةٌ.

* * * القول في تأويل قوله : فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلا (81) قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه لمحمد صلى الله عليه وسلم: " فأعرض "، يا محمد، عن هؤلاء المنافقين الذين يقولون لك فيما تأمرهم: " أمرك طاعة "، (10) فإذا برزوا من عندك خالفوا ما أمرتهم به، وغيَّروه إلى ما نهيتهم عنه، وخلّهم وما هم عليه من الضلالة، وارض لهم بي منتقمًا منهم =" وتوكل " أنت يا محمد =" على الله "، يقول: وفوِّض أنت أمرك إلى الله، وثق به في أمورك، وولِّها إياه (11) =" وكفى بالله وكيلا "، يقول: وكفاك بالله = أي: وحسبك بالله =" وكيلا "، أي: فيما يأمرك، ووليًّا لها، ودافعًا عنك وناصرًا.

(12) ---------------- الهوامش : (2) انظر تفسير"برز" فيما سلف 5: 354 / 7: 324.

(3) عبيدة بن همام ، أخو بني العدوية ، من بني مالك بن حنظلة ، من بني تميم ، وظنه ناشر مجاز القرآن لأبي عبيدة"عبيدة بن همام التغلبي" ، وكلا ، فهذا إسلامي ، وذلك جاهلي!

واستظهرت من نسب"يعلى بن أمية" في جمهرة الأنساب: 217 ، وغيرها أنه"عبيدة بن همام بن الحارث بن بكر بن زيد بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم.

وخبر هذا الشعر دال على أنه جاهلي ، فقد ذكر الجاحظ في الحيوان 4: 376 خبر هذه الأبيات ، في خبر للنعمان بن المنذر ومثالبه ، وذلك أن أخاه المنذر بن المنذر خطب إلى عبيدة بن همام ، فرده أقبح الرد ، وذكر الأبيات.

(4) مجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 133 ، الحيوان 4: 376 ، الكامل 2: 35 ، 106 ، الأزمنة والأمكنة للمرزوقي 1: 263 ، ديوان الأسود بن يعفر لنهشلي ، أعشى بني نهشل ، في ديوان الأعشين: 298 ، اللسان (نكر).

وروى: "فقد طرقوني بشيء".

"طرقوني": أتوني ليلا.

و"نكر" بضمتين ، مثل"نكر" بضم فسكون: الأمر المنكر الذي تنكره.

والبيت يتممه الذي بعده.

(5) "الأيم" من النساء ، التي لا زوج لها ، بكرًا كانت أو ثيبًا.

و"رجل أيم" ، لا زوجة له.

و"منذر" يعني: المنذر بن المنذر ، أخا النعمان بن المنذر.

وقوله: "هل ينكح العبد حر لحر" أي: هل ينكح الحر الذي ولدته الأحرار ، عبدًا من العبيد ، وذلك تعريض منه بالمنذر وأخيه النعمان ، الذي جعل امرأته ظئرًا لبعض ولد كسرى ، وسماه كسرى"عبدًا".

وقوله: "حر لحر" ، أي: حر قد ولدته الأحرار ، كما تقول: "هو كريم لكرام ، وحر لأحرار" ، اللام فيه للنسب ، كأنه قال: كريم ينسب إلى آباء كرام ، وحر ينسب إلى آباه أحرار.

وهذا الذي قلته لا تجده في كتاب ، فاحفظه.

وكان في المخطوطة: "لأنكح إليهم منذرًا" ، وهو فاسد جدًا كما ترى ، وفيها أيضًا: "حر بحر" ، والصواب ما أثبت.

(6) مجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 133 ، والخزانة 1: 153 ، والعيني (بهامش الخزانة) 2: 536 ، وشرح شواهد المغني: 161 ، وغيرها.

وكان في المطبوعة: "بليل اسمع" ، وهو خطأ ، ومثله في المخطوطة: "بليل اسمع" ، ولكني أثبت رواية أبي عبيدة فهي أجود الروايات.

وقوله: "اسمع" ، هذا قول امرأته أو أمه التي كانت تلومه على الكرم والسخاء.

ويعني بذلك أنها كانت تكثر من مقالة"اسمع ، واسمع مني".

وقوله: "سفها" ، أي باطلا وخفة عقل.

وقوله"تبيتك الملامة" ليس من معنى ما أراد الطبري ، وإن كان الشراح قد فسروه كذلك.

وهو عندي من قولهم: "بات الرجل" إذا سهر ، ومنه: "بت أراعي النجوم" ، أي سهرت أنظر إليها ، فقوله: "تبيتك الملامة" ، أي تسهرك ملامتي وعتابي ، يقول: سهرك المضني هذا من السفه ، فنامى واهجعي ، فهو أروح لك!

فاستشهاد أبي عبيدة ، والطبري على أثره ، بهذا البيت ، ليس في تمام موضعه ، وإن كان الأمر قريب بعضه من بعض.

(7) في المطبوعة: "فإذا برزوا" بالفاء ، وأثبت ما في المخطوطة.

(8) انظر معاني القرآن للفراء 1: 378.

(9) انظر معني القرآن للفراء 1: 379.

(10) انظر تفسير"الإعراض" فيما سلف 2: 298 ، 299 / 6: 291 / 8: 88.

(11) انظر تفسير"التوكل" فيما سلف: 7: 346.

(12) انظر تفسير"الوكيل" فيما سلف 7: 405.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ويقولون طاعة فإذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي تقول والله يكتب ما يبيتون فأعرض عنهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلاويقولون طاعة فإذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي تقول والله يكتب ما يبيتون أي أمرنا طاعة ، ويجوز " طاعة " بالنصب ، أي نطيع طاعة ، وهي قراءة [ ص: 249 ] نصر بن عاصم والحسن والجحدري .

وهذا في المنافقين في قول أكثر المفسرين ؛ أي يقولون إذا كانوا عندك : أمرنا طاعة ، أو نطيع طاعة ، وقولهم هذا ليس بنافع ؛ لأن من لم يعتقد الطاعة ليس بمطيع حقيقة ، لأن الله تعالى لم يحقق طاعتهم بما أظهروه ، فلو كانت الطاعة بلا اعتقاد حقيقة لحكم بها لهم ؛ فثبت أن الطاعة بالاعتقاد مع وجودها .

فإذا برزوا أي خرجوا من عندك بيت طائفة منهم فذكر الطائفة لأنها في معنى رجال .

وأدغم الكوفيون التاء في الطاء ؛ لأنهما من مخرج واحد ، واستقبح ذلك الكسائي في الفعل وهو عند البصريين غير قبيح .

ومعنى بيت زور وموه .

وقيل : غير وبدل وحرف ؛ أي بدلوا قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما عهده إليهم وأمرهم به .

والتبييت التبديل ؛ ومنه قول الشاعر الأسود بن يعفر :أتوني فلم أرض ما بيتوا وكانوا أتوني بأمر نكر لأنكح أيمهم منذراوهل ينكح العبد حر لحرآخر الأسود بن عامر الطائيبيت قولي عبد الملي ك قاتله الله عبدا كفوراوبيت الرجل الأمر إذا دبر ليلا ؛ قال الله تعالى : إذ يبيتون ما لا يرضى من القول .

والعرب تقول : أمر بيت بليل إذا أحكم .

وإنما خص الليل بذلك لأنه وقت يتفرغ فيه .

قال الشاعر :أجمعوا أمرهم بليل فلما أصبحوا أصبحت لهم ضوضاءومن هذا بيت الصيام .

والبيوت : الماء يبيت ليلا .

والبيوت : الأمر يبيت عليه صاحبه مهتما به ؛ قال الهذلي :وأجعل فقرتها عدة إذا خفت بيوت أمر عضالوالتبييت والبيات أن يأتي العدو ليلا .

وبات يفعل كذا إذا فعله ليلا ؛ كما يقال : ظل بالنهار .

وبيت الشيء قدر .

فإن قيل : فما وجه الحكمة في ابتدائه بذكر جملتهم ثم قال : بيت طائفة منهم ؟

قيل : إنما عبر عن حال من علم أنه بقي على كفره ونفاقه ، وصفح عمن علم أنه سيرجع عن ذلك .

وقيل : إنما عبر عن حال من شهد وحار في أمره ، وأما من سمع وسكت فلم يذكره .

والله أعلم .

والله يكتب ما يبيتون أي يثبته في صحائف أعمالهم ليجازيهم عليه .

وقال الزجاج : المعنى ينزله عليك في الكتاب .

وفي هذه الآية دليل على أن [ ص: 250 ] مجرد القول لا يفيد شيئا كما ذكرنا ؛ فإنهم قالوا : طاعة ، ولفظوا بها ولم يحقق الله طاعتهم ولا حكم لهم بصحتها ؛ لأنهم لم يعتقدوها .

فثبت أنه لا يكون المطيع مطيعا إلا باعتقادها مع وجودها .قوله تعالى : فأعرض عنهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلاقوله تعالى : فأعرض عنهم أي لا تخبر بأسمائهم ؛ عن الضحاك ، يعني المنافقين .

وقيل : لا تعاقبهم .

ثم أمره بالتوكل عليه والثقة به في النصر على عدوه .

ويقال : إن هذا منسوخ بقوله تعالى : يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ولا بد أن تكون طاعة الله ورسوله ظاهرًا وباطنًا في الحضرة والمغيب.

فأما مَنْ يظهر في الحضرة والطاعة والالتزام فإذا خلا بنفسه أو أبناء جنسه ترك الطاعة وأقبل على ضدها، فإن الطاعة التي أظهرها غير نافعة ولا مفيدة، وقد أشبه من قال الله فيهم: { وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ } أي: يظهرون الطاعة إذا كانوا عندك.

{ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ } أي: خرجوا وخلوا في حالة لا يطلع فيها عليهم.

{ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ } أي: بيتوا ودبروا غير طاعتك ولا ثَمَّ إلا المعصية.

وفي قوله: { بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ } دليل على أن الأمر الذي استقروا عليه غير الطاعة؛ لأن التبييت تدبير الأمر ليلا على وجه يستقر عليه الرأي، ثم توعدهم على ما فعلوا فقال: { وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ } أي: يحفظه عليهم وسيجازيهم عليه أتم الجزاء، ففيه وعيد لهم.

ثم أمر رسوله بمقابلتهم بالإعراض وعدم التعنيف، فإنهم لا يضرونه شيئا إذا توكل على الله واستعان به في نصر دينه، وإقامة شرعه.

ولهذا قال: { فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ويقولون طاعة ) يعني : المنافقين يقولون باللسان للرسول صلى الله عليه وسلم : إنا آمنا بك فمرنا فأمرك طاعة ، قال النحويون : أي أمرنا وشأننا أن نطيعك ، ( فإذا برزوا ) خرجوا ، ( من عندك بيت طائفة منهم غير الذي تقول ) قال قتادة والكلبي : بيت أي : غير وبدل الذي عهد إليهم النبي صلى الله عليه وسلم ، ويكون التبييت بمعنى التبديل ، وقال أبو عبيدة والقتيبي : معناه : قالوا وقدروا ليلا غير ما أعطوك نهارا ، وكل ما قدر بليل فهو تبييت ، وقال أبو الحسن الأخفش : تقول العرب للشيء إذا قدر ، قد بيت ، يشبهونه بتقدير بيوت الشعر ، ( والله يكتب ) أي : يثبت ويحفظ ، ( ما يبيتون ) ما يزورون ويغيرون ويقدرون ، وقال الضحاك عن ابن عباس : يعني ما يسرون من النفاق ، ( فأعرض عنهم ) يا محمد ولا تعاقبهم ، وقيل : لا تخبر بأسمائهم ، منع الرسول صلى الله عليه وسلم من الإخبار بأسماء المنافقين ، ( وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا ) أي : اتخذه وكيلا وكفى بالله وكيلا وناصرا .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ويقولون» أي المنافقون إذا جاءوك أمرنا «طاعةٌ» لك «فإذا برزوا» خرجوا «من عندك بيَّت طائفة منهم» بإدغام التاء في الطاء وتركه أي أضمرت «غير الذي تقول» لك في حضورك من الطاعة أي عصيانك «والله يكتب» يأمر بكتب «ما يبيِّتون» في صحائفهم ليجازوا عليه «فأعرض عنهم» بالصفح «وتوكل على الله» ثق به فانه كافيك «وكفى بالله وكيلا» مفوضا إليه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ويُظْهر هؤلاء المعرضون، وهم في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم، طاعتهم للرسول وما جاء به، فإذا ابتعدوا عنه وانصرفوا عن مجلسه، دبَّر جماعة منهم ليلا غير ما أعلنوه من الطاعة، وما علموا أن الله يحصي عليهم ما يدبرون، وسيجازيهم عليه أتم الجزاء، فتول عنهم -أيها الرسول- ولا تبال بهم، فإنهم لن يضروك، وتوكل على الله، وحسبك به وليّاً وناصرًا.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك جانبا آخر من صفات المنافقين ومن على شاكلتهم من ضعاف الإِيمان حتى يحذرهم المؤمنون الصادقون فقال - تعالى - : ( وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ .

.

.

.

إِلاَّ قَلِيلاً ) .والضمير فى قوله ( وَيَقُولُونَ ) للمنافقين ومن يلفون لفهم .أى : أن هؤلاء المنافقين إذا أمرتم يا محمد بأمروهم عندك يقولون طاعة أى أمرنا وشأننا طاعة .

يقولون ذلك بألسنتهم أما قلوبهم فهى تخالف ألسنتهم .وقوله ( طَاعَةٌ ) خبر لمبتدأ محذوف وجوبا أى : أمرنا طاعة .

ويجوز النصب على معنى : أطعناك طاعة .

كما يقول المأمور لمن أمره : سمعاً وطاعة ، وسمع وطاعة .قال صاحب الكشاف : ونحوه قول سيبويه : سمعنا بعض العرب الموثوق بهم يقال له : كيف أصبحت؟

فيقول : حمد الله وثناء عليه ، كأنه قال : أمرى وشأنى حمد الله .

ولو نصب " حمد الله " كان على الفعل .

والرفع يدل على ثبات الطاعة واستقرارها .ثم حكى - سبحانه - ما يكون عليه أمر هؤلاء المنافقين بعد خروجهم من عند الرسول صلى الله عليه وسلم فقال : ( فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ الذي تَقُولُ ) .وقوله ( بَيَّتَ ) من التبييت واشتقاقه - كما يقول الفخر الرازى - من البيتوتة ، لأن أصلح الأوقات للفكر أن يجلس الإِنسان فى بيته بالليل ، فهناك تكون الخواطر أخلى ، والشواغل أقل .

لا جرم سمى الفكر المستقصى مبيتا .

أو من بيت الشعر ، لأن العرب إذا أرادوا قرض الشعر بالغوا فى التفكر فيه .

.والمراد : زوَّر وموَّه ودَّبر .والمعنى : أن هؤلاء المنافقين إذا كانوا عندك - يا محمد - وأمرتهم بأمر قالوا : طاعة ، فإذا ما خرجوا من عندك وفارقوك دبر وأضمر طائفة منهم وهم رؤساؤهم ( غَيْرَ الذي تَقُولُ ) أى خلاف ما قلت للتلك الطائفة أو قالت لك من ضمان الطاعة .

فهم أمامك يظهرون الطاعة المطلقة ، ومن خلفك يدبرون ويضمرون ما يناقض هذه الطاعة ويخالفها .والتعبير عن الخروج بالبروز للإِشارة إلى تفاوت ما بين أحوالهم ، وتناقض مظهرهم مع خبيئتهم .وإسناد هذا التبييت إلى طائفة منهم ، لبيان أنهم هم المتصدون له بالذات ، أما الباقون فتابعون لهم فى ذلك ، لا أنهم ثابتون على الطاعة .وقوله ( والله يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ ) أى يثبته فى صحائف أعمالهم .

ويفضحهم بسبب سوء أعمالهم فى الدنيا ، ثم يجازيهم على هذا النفاق بما يستحقون فى الآخرة ، فالجملة الكريمة تهديد لهم على سوء صنيعهم ، لعلهم يكفون عن هذا النفاق ، وتطمين للنبى صلى الله عليه وسلم بأنه - سبحانه - سيطلعه على مكرهم السئ لكى يتقى شرهم ، ولذا فقد أمره - سبحانه - بعدم الالتفات إليهم ، وبالتوكل عليه - تعالى - وحده فقال :( فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى الله وكفى بالله وَكِيلاً ) .

أى : إذا كان هذا هو شأنهم يا محمد .

فلا تكثرت بهم ، ولا تلتفت إليهم ، وسر فى طريقك متوكلا على الله ، ومتعمدا على رعايته وحفظه ، وكفى بالله وكيى وكفيلا لمن توكل عليه ، واتبع أمره ونهيه .فانت ترى أن الاية الكريمة قد كشفت عن جانب من صفات المنافقين وأحوالهم ، ثم هددتهم على جرائمهم ، ورسمت للنبى صلى الله عليه وسلم الخطة الحكيمة لعلاجهم واتقاء شرهم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

أي ويقولون إذا أمرتهم بشيء ﴿ طَاعَةٌ ﴾ بالرفع، أي أمرنا وشأننا طاعة، ويجوز النصب بمعنى أطعناك طاعة، وهذا كما إذا قال الرجل المطيع المنقاد: سمعا وطاعة، وسمع وطاعة.

قال سيبويه: سمعنا بعض العرب الموثوق بهم يقال لهم كيف أصبحت؟

فيقول: حمداً لله وثناءً عليه، كأنه قال: أمرى وشأني حمدا لله.

واعلم أن النصب يدل على مجرد الفعل.

وأما الرفع فانه يدل على ثبات الطاعة واستقرارها ﴿ فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ ﴾ أي خرجوا من عندك ﴿ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مّنْهُمْ غَيْرَ الذي تَقُولُ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال الزجاج: كل أمر تفكروا فيه كثيراً وتأملوا في مصالحه ومفاسده كثيراً قيل هذا أمر مبيت، قال تعالى: ﴿ إِذْ يُبَيّتُونَ مَا لاَ يرضى مِنَ القول  ﴾ وفي اشتقاقه وجهان: الأول: اشتقاقه من البيتوتة، لأن أصلح الأوقات للفكر أن يجلس الإنسان في بيته بالليل، فهناك تكون الخواطر أخلى والشواغل أقل، فلما كان الغالب أن الإنسان وقت الليل يكون في البيت، والغالب له أنه إنما يستقصي في الأفكار في الليل، لا جرم سمي الفكر المستقصى مبيتا.

الثاني: اشتقاقه من بيت الشعر.

قال الأخفش: العرب إذا أرادوا قرض الشعر بالغوا في التفكر فيه فسموا المتفكر فيه المستقصى مبيتا، تشبيها له ببيت الشعر من حيث أنه يسوى ويدبر.

المسألة الثانية: أنه تعالى خص طائفة من جملة المنافقين بالتبييت، وفي هذا التخصيص وجهان: أحدهما: أنه تعالى ذكر من علم أنه يبقى على كفره ونفاقه، فأما من علم أنه يرجع عن ذلك فانه لم يذكرهم.

والثاني: أن هذه الطائفة كانوا قد أسهروا ليلهم في التبييت، وغيرهم سمعوا وسكتوا ولم يبيتوا، فلا جرم لم يذكروا.

المسألة الثالثة: قرأ أبو عمرو وحمزة ﴿ بَيَّتَ طَائِفَةٌ ﴾ بادغام التاء في الطاء، والباقون بالاظهار أما من أدغم فله فيه وجهان: الأول: قال الفراء: جزموا لكثرة الحركات، فلما سكنت التاء أدغمت في الطاء، والثاني: أن الطاء والدال والتاء من حيز واحد، فالتقارب الذي بينها يجريها مجرى الأمثال في الادغام، ومما يحسن هذا الادغام أن الطاء تزيد على التاء بالاطباق، فحسن إدغام الأنقص صوتاً في الأزيد صوتاً.

أما من لم يدغم فعلته أنهما حرفان من مخرجين في كلمتين متفاصلتين، فوجب إبقاء كل واحد منهما بحاله.

المسألة الرابعة: قال: ﴿ بَيَّتَ ﴾ بالتذكير ولم يقل: بيتت بالتأنيث، لأن تأنيث الطائفة غير حقيقي، ولأنها في معنى الفريق والفوج.

قال صاحب الكشاف: ﴿ بَيَّتَ طَائِفَةٌ ﴾ أي زورت وزينت خلاف ما قلت وما أمرت به، أو خلاف ما قالت وما ضمنت من الطاعة، لأنهم أبطنوا الرد لا القبول والعصيان لا الطاعة.

ثم قال تعالى: ﴿ والله يَكْتُبُ مَا يُبَيّتُونَ ﴾ ذكر الزجاج فيه وجهين: أحدهما: أن معناه ينزل اليك في كتابه.

والثاني: يكتب ذلك في صحائف أعمالهم ليجازوا به.

ثم قال تعالى: ﴿ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ والمعنى لا تهتك سترهم ولا تفضحهم ولا تذكرهم بأسمائهم، وإنما أمر الله بستر أمر المنافقين إلى أن يستقيم أمر الاسلام.

ثم قال: ﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى الله ﴾ في شأنهم، فان الله يكفيك شرهم وينتقم منهم ﴿ وكفى بالله وَكِيلاً ﴾ لمن توكل عليه.

قال المفسرون: كان الأمر بالإعراض عن المنافقين في ابتداء الاسلام، ثم نسخ ذلك بقوله: ﴿ جاهد الكفار والمنافقين  ﴾ وهذا الكلام فيه نظر، لأن الأمر بالصفح مطلق فلا يفيد إلا المرة الواحدة، فورود الأمر بعد ذلك بالجهاد لا يكون ناسخا له.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَيَقُولُونَ ﴾ إذا أمرتهم بشيء ﴿ طَاعَةٌ ﴾ بالرفع أي أمرنا وشأننا طاعة.

ويجوز النصب بمعنى أطعناك طاعة.

وهذا من قول المرتسم: سمعاً وطاعة.

وسمع وطاعة.

ونحوه قول سيبويه: وسمعنا بعض العرب الموثوق بهم يقال له: كيف أصبحت؟

فيقول: حمد الله وثناء عليه، كأنه قال أمري وشأني حمد الله.

ولو نصب حمد الله وثناء عليه.

كان على الفعل والرفع يدل على ثبات الطاعة واستقرارها ﴿ بَيَّتَ طَائِفَةٌ ﴾ زورت طائفة وسوت ﴿ غَيْرَ الذى تَقُولُ ﴾ خلاف ما قلت وما أمرت به.

أو خلاف ما قالت وما ضمنت من الطاعة، لأنهم أبطلوا الرد لا القبول، والعصيان لا الطاعة.

وإنما ينافقون بما يقولون ويظهرون.

والتبييت: إما من البيتوتة لأنه قضاء الأمر وتدبيره بالليل، يقال: هذا أمر بيت بليل.

وإما من أبيات الشعر، لأن الشاعر يدبرها ويسويها ﴿ والله يَكْتُبُ مَا يُبَيّتُونَ ﴾ يثبته في صحائف أعمالهم، ويجازيهم عليه على سبيل الوعيد.

أو يكتبه في جملة ما يوحى إليك فيطلعك على أسرارهم فلا يحسبوا أن إبطانهم يغني عنهم ﴿ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ ولا تحدّث نفسك بالانتقام منهم ﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى الله ﴾ في شأنهم، فإنّ الله يكفيك معرّتهم وينتقم لك منهم إذا قوي أمر الإسلام وعز أنصاره.

وقرئ ﴿ بيت طائفة ﴾ بالإدغام وتذكير الفعل، لأنّ تأنيث الطائفة غير حقيقي، ولأنها في معنى الفريق والفوج.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ ﴾ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في الحَقِيقَةِ مُبَلِّغٌ، والآمِرُ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى.

رُوِيَ (أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: «مَن أحَبَّنِي فَقَدْ أحَبَّ اللَّهَ ومَن أطاعَنِي فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ» .

فَقالَ المُنافِقُونَ لَقَدْ قارَفَ الشِّرْكَ وهو يَنْهى عَنْهُ، ما يُرِيدُ إلّا أنْ نَتَّخِذَهُ رَبًّا كَما اتَّخَذَتِ النَّصارى عِيسى رَبًّا فَنَزَلَتْ.

﴿ وَمَن تَوَلّى ﴾ عَنْ طاعَتِهِ.

﴿ فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ﴾ تَحْفَظُ عَلَيْهِمْ أعْمالَهم وتُحاسِبُهم عَلَيْها، إنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ وعَلَيْنا الحِسابُ وهو حالٌ مِنَ الكافِ.

﴿ وَيَقُولُونَ ﴾ إذا أمَرْتَهم بِأمْرٍ.

﴿ طاعَةٌ ﴾ أيْ أمْرُنا أوْ مِنّا طاعَةٌ، وأصْلُها النَّصْبُ عَلى المَصْدَرِ ورَفْعُها لِلدَّلالَةِ عَلى الثَّباتِ.

﴿ فَإذا بَرَزُوا مِن عِنْدِكَ ﴾ خَرَجُوا.

﴿ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنهم غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ ﴾ أيْ زَوَّرْتَ خِلافَ ما قُلْتَ لَها، أوْ ما قالَتْ لَكَ مِنَ القَبُولِ وضَمانِ الطّاعَةِ، والتَّبْيِيتُ إمّا مِنَ البَيْتُوتَةِ لِأنَّ الأُمُورَ تُدَبَّرُ بِاللَّيْلِ، أوْ مِن بَيْتِ الشَّعَرِ، أوِ البَيْتِ المَبْنِيِّ لِأنَّهُ يُسَوِّي ويُدَبَّرُ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ بَيَّتَ طائِفَةٌ بِالإدْغامِ لِقُرْبِهِما في المَخْرَجِ.

﴿ واللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ ﴾ يُثْبِتُهُ في صَحائِفِهِمْ لِلْمُجازاةِ، أوْ في جُمْلَةِ ما يُوحى إلَيْكَ لِتَطَّلِعَ عَلى أسْرارِهِمْ.

﴿ فَأعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ قَلِّلِ المُبالاةَ بِهِمْ أوْ تَجافَ عَنْهم.

﴿ وَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ ﴾ في الأُمُورِ كُلِّها سِيَّما في شَأْنِهِمْ.

﴿ وَكَفى بِاللَّهِ وكِيلا ﴾ يَكْفِيكَ مُضِرَّتَهم ويَنْتَقِمُ لَكَ مِنهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{ويقولون} ويقول المنافقون إذا أمرتهم بشئ {طاعة} خبر مبتدأ لمحذوف أي أمرنا وشأننا طاعة {فَإِذَا بَرَزُواْ} خرجوا {مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مّنْهُمْ} زور وسوّى فهو من البيتوتة لأنه قضاء الأمر وتدبيره بالليل أو من أبيات الشعر لأن الشاعر يديرها ويسويها وبالإدغام حمزة وأبو عمرو {غَيْرَ الذى تَقُولُ} خلاف ما قلت وما أمرت به أو خلاف ما قالت وما ضمنت من الطاعة لأنهم أبطنوا الرد لا القبول والعصيان لا الطاعة

النساء (٨١ _ ٨٣)

وإنما ينافقون بما يقولون ويظهرون {والله يَكْتُبُ مَا يُبَيّتُونَ} يثبته في صحائف أعمالهم ويجازيهم عليه {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} ولا تحدث نفسك بالانتقام منهم {وَتَوَكَّلْ عَلَى الله} في شأنهم فإن الله يكفيك مضرتهم وينتقم لك منهم

إذا قوي أمر الإسلام {وكفى بالله وَكِيلاً} كافياً لمن توكل عليه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ويَقُولُونَ ﴾ الضَّمِيرُ لِلْمُنافِقِينَ، كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - والحَسَنِ، والسُّدِّيِّ، وقِيلَ: لِلْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ حُكِيَ عَنْهم أنَّهم يَخْشَوْنَ النّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ، أيْ: ويَقُولُونَ إذا أمَرْتَهم بِشَيْءٍ ﴿ طاعَةٌ ﴾ أيْ: أمْرُنا وشَأْنُنا طاعَةٌ، عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وُجُوبًا، وتَقْدِيرُ (طاعَتُكَ طاعَةٌ) خِلافُ الظّاهِرِ، أوْ عِنْدَنا أوْ مِنّا طاعَةٌ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، وكانَ أصْلُهُ النَّصْبَ، كَما يَقُولُ المُحِبُّ: سَمْعًا وطاعَةً، لَكِنَّهُ يَجُوزُ في مِثْلِهِ الرَّفْعُ كَما صَرَّحَ بِهِ سِيبَوَيْهِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ ثابِتٌ لَهم قَبْلَ الجَوابِ.

﴿ فَإذا بَرَزُوا مِن عِنْدِكَ ﴾ أيْ: خَرَجُوا مِن مَجْلِسِكَ وفارَقُوكَ ﴿ بَيَّتَ طائِفَةٌ ﴾ أيْ: جَماعَةٌ ﴿ مِنهُمْ ﴾ وهم رُؤَساؤُهُمْ، والتَّبْيِيتُ إمّا مِنَ البَيْتُوتَةِ؛ لِأنَّهُ تَدْبِيرُ الفِعْلِ لَيْلًا والعَزْمُ عَلَيْهِ، ومِنهُ تَبْيِيتُ نِيَّةِ الصِّيامِ، ويُقالُ: هَذا أمْرٌ تَبَيَّتَ بِلَيْلٍ، وإمّا مِن بَيْتِ الشِّعْرِ؛ لِأنَّ الشّاعِرَ يُدَبِّرُهُ ويُسَوِّيهِ، وإمّا مِنَ البَيْتِ المَبْنِيِّ؛ لِأنَّهُ يُسَوّى ويُدَبَّرُ، وفي هَذا بَعْدٌ، وإنْ أثْبَتَهُ الرّاغِبُ لُغَةً.

والمُرادُ: زَوَّرَتْ وسَوَّتْ ﴿ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ ﴾ أيْ: خِلافَ ما قُلْتَ لَها، أوْ ما قالَتْ لَكَ مِنَ القَبُولِ وضَمانِ الطّاعَةِ، والعُدُولُ عَنِ الماضِي لِقَصْدِ الِاسْتِمْرارِ، وإسْنادُ الفِعْلِ إلى طائِفَةٍ مِنهم لِبَيانِ أنَّهُمُ المُتَصَدُّونَ لَهُ بِالذّاتِ، والباقُونَ أتْباعٌ لَهم في ذَلِكَ، لا لِأنَّهم ثابِتُونَ عَلى الطّاعَةِ، وتَذْكِيرُهُ أوَّلًا لِأنَّ تَأْنِيثَ الفاعِلِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ: (بَيَّتْ طائِفَةٌ) بِالِادِّغامِ لِقُرْبِهِما في المُخْرِجِ، وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ الِادِّغامَ هُنا عَلى خِلافِ الأصْلِ والقِياسِ، ولَمْ تُدْغَمْ تاءٌ مُتَحَرِّكَةٌ غَيْرُ هَذِهِ.

﴿ واللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ ﴾ أيْ: يُثْبِتُهُ في صَحائِفِهِمْ لِيُجازِيَهم عَلَيْهِ، أوْ فِيما يُوحِيهِ إلَيْكَ فَيُطْلِعُكَ عَلى أسْرارِهِمْ ويَفْضَحُهُمْ، كَما قالَ الزَّجّاجُ، والقَصْدُ عَلى الأوَّلِ لِتَهْدِيدِهِمْ، وعَلى الثّانِي لِتَحْذِيرِهِمْ.

﴿ فَأعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ أيْ: تَجافَ عَنْهُمْ، ولا تَتَصَدَّ لِلِانْتِقامِ مِنهُمْ، أوْ قَلِّلِ المُبالاةَ بِهِمْ، والفاءُ لِسَبَبِيَّةٍ ما قَبْلَها لِما بَعْدَها ﴿ وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ ﴾ أيْ: فَوِّضْ أمْرَكَ إلَيْهِ، وثِقْ بِهِ في جَمِيعِ أُمُورِكَ، لاسِيَّما في شَأْنِهِمْ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ.

﴿ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلا ﴾ قائِمًا بِما فُوِّضَ إلَيْهِ مِنَ التَّدْبِيرِ، فَيَكْفِيكَ مَضَرَّتَهُمْ، ويَنْتَقِمُ لَكَ مِنهُمْ، والإظْهارُ لِما سَبَقَ، ولِلْإيذانِ بِاسْتِقْلالِ الجُمْلَةِ واسْتِغْنائِها عَمّا عَداها مِن كُلِّ وجْهٍ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ يعني: النعمة وهو الفتح والغنيمة فَمِنَ اللَّهِ أي: وبفضله وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ يعني: البلاء والشدة من العدو أو الشدة في العيش فَمِنْ نَفْسِكَ أي فبذنبك، وأنا قضيته عليك.

ويقال: ما أصابك من حسنة يوم بدر فمن الله، وما أصابك من سيئة يوم أحد فمن نفسك، أي بذنب أصحابك، يعني بتركهم المركز.

ويقال: ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ يعني الدلائل والعلامات لنبوتك فمن الله، وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ يعني انقطاع الوحي فمن نفسك يعني بترك الاستثناء، حيث انقطع عنك جبريل أياماً بترك استثنائك به.

ويقال: ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ يعني تكثير الأمة فمن الله وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ من أذى الكفار فبتعجيلك كقوله تعالى: لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا ويقال: فيه تقديم وتأخير ومعناه فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لاَ يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً بقولهم مَّا أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ قل: كلٌّ من عند الله.

ثُمَّ قال تعالى: وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا أي ليس عليك سوى تبليغ الرسالة وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً على مقالتهم وفعلهم.

ثم قال تعالى: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ يعني من يطع الرسول فيما أمره فقد أطاع الله، لأن النبيّ  كان يدعوهم بأمر الله تعالى، وفي طاعة الله تعالى، ويقال: إن النبي  قال: «مَنْ أحَبّنِي فَقَدْ أحَبَّ الله وَمَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ الله» (١)  قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آل عمران: 31] وقال: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ ثم قال تعالى: وَمَنْ تَوَلَّى أي أعرض عن طاعة الله وطاعة رسوله فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً أي رقيباً، وكان ذلك قبل الأمر بالقتال.

ثم أخبر عن أمر المنافقين فقال: وَيَقُولُونَ طاعَةٌ أي يقولون بحضرتك: قولك طاعة.

وأمرك معروف، فمرنا بما شئت فنحن لأمرك نتبع فَإِذا بَرَزُوا أي خرجوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ أي ألغت ويقال غيرت طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وقال الزجاج: لكل أمر قضي بليل قد بيت، قرأ أبو عمرو وحمزة بَيَّتَ طائِفَةٌ بالإدغام لقرب مخرج التاء من الطاء، وقرأ الباقون بالإظهار لأنهما كلمتان.

ثم قال تعالى: وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ يعني: يحفظ عليهم ما يغيرون.

وقال الزجاج: وَاللَّهُ يَكْتُبُ له وجهان، يجوز أن يكون ينزله إليك في كتابه، وجائز أن يكون: يحفظ ما جاءوا به.

ثم قال تعالى: فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ أي اتركهم وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا أي شهيداً.

ويقال: وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ أي ثق بالله وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا أي شهيداً.

أو يقال: وتوكل على الله ثقة لك.

ثم نسخ بقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ [التوبة: 73، والتحريم: 9] .

قوله تعالى: (١) لم أجد الحديث في المعجم المفهرس لألفاظ الحديث، ولم أجده في صحيح البخاري ولا في مسند الإمام أحمد.

وإنما ورد في صحيح البخاري (56) كتاب الجهاد والسير (109) باب يقاتل من وراء الإمام ويتقى به رقم الحديث (2957) «من أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ الله، ومن عصاني فقد عصى الله ...

إلخ» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

ثُمَّ وبَّخهم سبحانه بالاستفهامِ عن عِلَّةِ جهلهم، وقلَّةِ فهمهم، وتحصِيلِهِمْ لما يُخْبَرُونَ به من الحقائِقِ، والْفِقْهُ في اللغةِ: الفَهْمُ، وفي الشَّرْعِ: الفهمُ في أمورِ الدِّين، ثم غَلَبَ علَيْهِ الاستعمال في علم المسائل الأحكاميّة «١» .

وقوله تعالى: مَّا أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ...

الآية: خطاب للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وغيرُهُ داخلٌ في المعنى، ومعنى الآية عند ابنِ عَبَّاس وغيره: على القَطْع، واستئناف الأخبارِ مِنَ اللَّه عزَّ وجلَّ بأنَّ الحسَنَةَ منْه، ومن فضله، وبأنّ السيئة من الإنسان بإذنابه، وهي من

اللَّه تعالى بخَلْقِهِ واختراعه، لا خالِقَ سواه سبحانه، لا شريكَ لَهُ، وفي مُصْحَفِ «١» ابنِ مَسْعودٍ: «فَمِنْ نَفْسِكَ، وَأَنَا قَضَيْتُهَا عَلَيْكَ» ، وقرأ بها ابنُ عَبَّاس «٢» ، وفي رواية: «وَأَنَا قَدَّرْتُهَا عَلَيْكَ» ويعْضُدُ هذا التأويلَ أحاديث عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم معناها: أنَّ ما يُصِيبُ ابْنَ آدَمَ من المصائِبِ، فإنما هو عقوبةُ ذنوبه «٣» ، قال أبو جعفر أحمَدُ بْنُ نَصْرٍ الدَّاوُودِيُّ: قوله تعالى:

وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ: خطابٌ للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، والمرادُ غيره.

انتهى.

وفي قوله سبحانه: / وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا، ثم تلاه بقوله: وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً: توعُّدٌ للكُفَّار، وتهديدٌ تقتضيه قُوَّة الكلامِ لأن المعنى: شهيداً على مَنْ كذَّبه.

وقوله تعالى: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ، فالمعنى: أنَّ الرسول- عليه السلام- إنما يأمر وينهى بيانا وتبليغا عن الله، وتَوَلَّى: معناه: أعرض، وحَفِيظاً: يحتملُ معنَيَيْنِ: أي: لِتَحْفَظَهُمْ حتى لا يقَعُوا في الكُفْر والمعاصِي ونحوه، أو لتَحْفَظَ مساوِيَهُمْ وتَحْسِبَها عليهم، وهذه الآيةُ تقتضِي الإعراضَ عَمَّنْ «٤» تولى، والتَّرْكَ له، وهي قَبْلَ نزولِ القِتَالِ، وإنما كانت توطئة ورفقا من الله عز وجل حتى يستحكم أمرُ الإسلام.

وقوله تعالى: وَيَقُولُونَ طاعَةٌ ...

الآية: نزلَتْ في المنافقينَ باتفاق المفسِّرين، المعنى: يقولُونَ لك، يا محمَّد: أَمْرُنَا طاعةٌ، فإذا خرجوا مِنْ عِنْدِكَ، اجتمعوا ليلاً، وقالوا غير ما أظهروا لك، وبَيَّتَ: معناه: فَعَلَ لَيْلاً، وهو مأخوذٌ مِنْ بَاتَ أوْ مِنَ البَيْتِ لأنه مُلْتَزَمٌ باللَّيْل.

وقوله: تَقُولُ: يحتملُ أنْ يكون معناه: تَقُولُ أنْتَ، ويحتملُ تَقُولُ هِيَ لَكَ، والأمْرُ بالإعراض إنَّما هو عِنْدَ معاقبتهم ومجازاتِهِمْ، وأما استمرار عِظَتِهِمْ ودَعْوتِهِم، فلازمٌ، ثم أمر سبحانه بالتوكُّل عليه، والتمسُّك بعُرْوته الوثقى ثقةً بإنجاز وعده في النّصر،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَقُولُونَ طاعَةٌ ﴾ نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ، كانُوا يُؤْمِنُونَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ  لِيَأْمَنُوا، فَإذا خَرَجُوا، خالَفُوا، هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

قالَ الفَرّاءُ: والرَّفْعُ في "طاعَةٌ" عَلى مَعْنى: أمْرُكَ طاعَةٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَيَّتَ طائِفَةٌ ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ: بَيَّتْ، بِسُكُونِ "التّاءِ"، وإدْغامِها في "الطّاءِ" ونَصَبَ الباقُونَ "التّاءَ" قالَ أبُو عَلِيٍّ: التّاءُ والطّاءُ والدّالُ مِن حَيِّزٍ واحِدٍ، فَحَسُنَ الإدْغامُ، ومِن بَيْنِ، فَلِانْفِصالِ الحَرْفَيْنِ، واخْتِلافِ المَخْرَجَيْنِ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والمَعْنى: ﴿ [فَإذا بَرَزُوا مِن عِنْدِكَ ﴾، أيْ: خَرَجُوا، ﴿ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنهم غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ ﴾ ، أيْ] قالُوا: وقَدَّرُوا لَيْلًا غَيْرَ ما أعْطَوْكَ نَهارًا.

قالَ الشّاعِرُ: أتَوْنِي فَلَمْ أرْضَ ما بَيَّنُوا وكانُوا أتَوْنِي بِشَيْءٍ نُكُرٍ والعَرَبُ تَقُولُ: هَذا أمْرٌ قَدْ قُدِّرَ بِلَيْلٍ [وَفُرِغَ مِنهُ بِلَيْلٍ، ومِنهُ قَوْلُ الحارِثِ بْنِ حِلِّزَةَ: أجْمِعُوا أمْرَهم عِشاءً فَلَمّا ∗∗∗ أصْبَحُوا أصْبَحَتْ لَهم ضَوْضاءُ] وَقالَ بَعْضُهُمْ: بَيَّتَ، بِمَعْنى: بَدَّلَ، وأنْشَدَ: وبَيَّتَ قَوْلِي عِنْدَ المَلِيكِ ∗∗∗ قاتَلَكَ اللَّهُ عَبْدًا كَفُورًا وَفِي قَوْلِهِ ﴿ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: غَيْرُ الَّذِي تَقُولُ الطّائِفَةُ عِنْدَكَ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ قُتَيْبَةَ.

والثّانِي: غَيْرُ الَّذِي تَقُولُ أنْتَ يا مُحَمَّدُ، وهو قَوْلُ قَتادَةُ، والسُّدِّيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: يَكْتُبُهُ في الأعْمالِ الَّتِي تُثْبِتُها المَلائِكَةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ في آَخَرِينَ.

والثّانِي: يُنْزِلُهُ إلَيْكَ في كِتابِهِ.

والثّالِثُ: يَحْفَظُهُ عَلَيْهِمْ لِيُجازَوْا بِهِ، ذَكَرَ القَوْلَيْنِ الزَّجّاجُ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَأعْرِضْ عَنْهُمْ: فَلا تُعاقِبْهم، وثِقْ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وكَفى بِاللَّهِ ثِقَةً لَكَ.

قالَ: ثُمَّ نُسِخَ هَذا الإعْراضُ، وأُمِرَ بِقِتالِهِمْ.

فَإنْ قِيلَ: ما الحِكْمَةُ في أنَّهُ ابْتَدَأ بِذِكْرِهِمْ جُمْلَةً، ثُمَّ قالَ: ﴿ بَيَّتَ طائِفَةٌ ﴾ والكُلُّ مُنافِقُونَ؟

فالجَوابُ: مِن وجْهَيْنِ، ذَكَرَهُما أهْلُ التَّفْسِيرِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ أخْبَرَ عَمَّنْ سَهِرَ لَيْلَهُ، ودَبَّرَ أمْرَهُ مِنهم دُونَ غَيْرِهِ مِنهم.

والثّانِي: أنَّهُ ذَكَرَ مَن عَلِمَ أنَّهُ يَبْقى عَلى نِفاقِهِ دُونَ مَن عَلِمَ أنَّهُ يَرْجِعُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِنَ نَفْسِكَ وأرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولا وكَفى بِاللهِ شَهِيدًا ﴾ ﴿ مَن يُطِعِ الرَسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللهَ ومَن تَوَلّى فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ﴾ ﴿ وَيَقُولُونَ طاعَةٌ فَإذا بَرَزُوا مِن عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنهم غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ واللهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ فَأعْرِضْ عنهم وتَوَكَّلْ عَلى اللهِ وكَفى بِاللهِ وكِيلا ﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: "ما" شَرْطِيَّةٌ، ودَخَلَتْ "مِن" بَعْدَها لِأنَّ الشَرْطَ لَيْسَ بِواجِبٍ فَأشْبَهَ النَفْيَ الَّذِي تَدْخُلُهُ "مِن".

وقالَتْ فِرْقَةٌ: "ما" بِمَعْنى "الَّذِي" و"مِن" لِبَيانِ الجِنْسِ، لِأنَّ المُصِيبَ لِلْإنْسانِ أشْياءُ كَثِيرَةٌ، حَسَنَةٌ وسَيِّئَةٌ، ورَخاءٌ وشِدَّةٌ، وغَيْرُ ذَلِكَ، والخِطابُ لِلنَّبِيِّ  .

وغَيْرُهُ داخِلٌ في المَعْنى، وقِيلَ: الخِطابُ لِلْمَرْءِ عَلى الجُمْلَةِ.

ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، والحَسَنِ، والرَبِيعِ، وابْنِ زَيْدٍ، وأبِي صالِحٍ، وغَيْرِهِمُ: القَطْعُ واسْتِئْنافُ الإخْبارِ مِنَ اللهِ تَعالى بِأنَّ الحَسَنَةَ مِنهُ وبِفَضْلِهِ، والسَيِّئَةَ مِنَ الإنْسانِ بِإذْنابِهِ، وهي مِنَ اللهِ بِالخَلْقِ والِاخْتِراعِ.

وفِي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "فَمِن نَفْسِكَ وأنا قَضَيْتُها عَلَيْكَ"، وقَرَأ بِها ابْنُ عَبّاسٍ، وحَكى أبُو عَمْرٍو أنَّها في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَأنا كَتَبْتُها"، ورُوِيَ أنَّ أُبَيًّا وابْنَ مَسْعُودٍ قَرَآ: "وَأنا قَدَّرْتُها عَلَيْكَ".

ويُعَضِّدُ هَذا التَأْوِيلَ أحادِيثُ عَنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ مَعْناها: أنَّ ما يُصِيبُ ابْنَ آدَمَ مِن مَصائِبَ فَإنَّما هي عُقُوبَةُ ذُنُوبِهِ، ومِن ذَلِكَ « "أنَّ أبا بَكْرٍ الصِدِّيقَ رَضِيَ اللهُ عنهُ لَمّا نَزَلَتْ ﴿ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ  ﴾ جَزِعَ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ  : ألَسْتَ تَمْرَضُ؟

ألَسْتَ تَسْقَمُ؟

ألَسْتَ تَغْتَمُّ؟، وقالَ أيْضًا عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: "ما يُصِيبُ الرَجُلَ خَدْشَةُ عُودٍ ولا عَثْرَةُ قَدَمٍ، ولا اخْتِلاجُ عِرْقٍ إلّا بِذَنْبٍ، وما يَعْفُو اللهُ عنهُ أكْثَرُ"».

فَفي هَذا بَيانُ أنَّ تِلْكَ كُلَّها مُجازاةٌ عَلى ما يَقَعُ مِنَ الإنْسانِ.

وقالَتْ طائِفَةٌ: مَعْنى الآيَةِ كَمَعْنى الَّتِي قَبْلَها في قَوْلِهِ: ﴿ وَإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِكَ  ﴾ عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ "يَقُولُونَ".

فَتَقْدِيرُهُ: "فَمالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا، يَقُولُونَ: ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ"، ويَجِيءُ القَطْعُ عَلى هَذا القَوْلِ مِن قَوْلِهِ: "وَأرْسَلْناكَ".

وقالَتْ طائِفَةٌ: بَلِ القَطْعُ في الآيَةِ مِن أوَّلِها، والآيَةُ مُضَمَّنَةٌ الإخْبارَ أنَّ الحَسَنَةَ مِنَ اللهِ وبِفَضْلِهِ، وتَقْدِيرُ ما بَعْدَهُ: وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ عَلى جِهَةِ الإنْكارِ والتَقْرِيرِ، فَعَلى هَذِهِ المَقالَةِ ألِفُ الِاسْتِفْهامِ مَحْذُوفَةٌ مِنَ الكَلامِ، وحَكى هَذا القَوْلَ المَهْدَوِيُّ.

و"رَسُولًا" نُصِبَ عَلى الحالِ، وهي حالٌ تَتَضَمَّنُ مَعْنى التَأْكِيدِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَأرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولا ﴾ ، ثُمَّ تَلاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَكَفى بِاللهِ شَهِيدًا ﴾ تَوَعُّدٌ لِلْكَفَرَةِ، وتَهْدِيدٌ تَقْتَضِيهِ قُوَّةُ الكَلامِ، لِأنَّ المَعْنى: شَهِيدًا عَلى مَن كَذَّبَهُ، والمَعْنى أنَّ الرَسُولَ إنَّما يَأْمُرُ ويَنْهى بَيانًا مِنَ اللهِ وتَبْلِيغًا، فَإنَّما هي أوامِرُ اللهِ ونَواهِيهِ.

قالَتْ فِرْقَةٌ: سَبَبُ هَذِهِ الآيَةِ «أنَّ رَسُولَ اللهِ  قالَ: "مَن أحَبَّنِي فَقَدْ أحَبَّ اللهَ" فاعْتَرَضَتِ اليَهُودُ عَلَيْهِ في هَذِهِ المَقالَةِ، وقالُوا: هَذا مُحَمَّدٌ يَأْمُرُ بِعِبادَةِ اللهِ وحْدَهُ، وهو في هَذا القَوْلِ مُدَّعٍ لِلرُّبُوبِيَّةِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» تَصْدِيقًا لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، وتَبْيِينًا لِصُورَةِ التَعَلُّقِ بَيْنَهُ وبَيْنَ فَضْلِ اللهِ تَعالى.

و"تَوَلّى" مَعْناهُ: أعْرَضَ، وأصْلُ تَوَلّى في المَعْنى أنْ يَتَعَدّى بِحَرْفٍ فَنَقُولَ: تَوَلّى فُلانٌ عَنِ الإيمانِ، وتَوَلّى إلى الإيمانِ، لِأنَّ اللَفْظَةَ تَتَضَمَّنُ إقْبالًا وإدْبارًا، لَكِنَّ الِاسْتِعْمالَ غَلَبَ عَلَيْها في كَلامِ العَرَبِ عَلى الإعْراضِ والإدْبارِ، حَتّى اسْتُغْنِيَ فِيها عن ذِكْرِ الحَرْفِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ.

"حَفِيظًا" يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ، أيْ: لِيَحْفَظَهم حَتّى لا يَقَعُوا في الكُفْرِ والمَعاصِي ونَحْوِهِ، أو: لِيَحْفَظَ مَساوِئَهم وذُنُوبَهم ويَحْسُبَها عَلَيْهِمْ.

وهَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي الإعْراضَ عَمَّنْ تَوَلّى والتَرْكَ لَهُ، وهي قَبْلَ نُزُولِ القِتالِ، وإنَّما كانَتْ تَوْطِئَةً ورِفْقًا مِنَ اللهِ تَعالى حَتّى يَسْتَحْكِمَ أمْرُ الإسْلامِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَقُولُونَ طاعَةٌ ﴾ الآيَةُ، نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ بِاتِّفاقٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، المَعْنى: يَقُولُونَ لَكَ يا مُحَمَّدُ: أمْرُنا طاعَةٌ، فَإذا خَرَجُوا مِن عِنْدِكَ اجْتَمَعُوا لَيْلًا وقالُوا غَيْرَ ما أظْهَرُوا لَكَ، و"بَيَّتَ" مَعْناهُ: فَعَلَ لَيْلًا، فَإمّا أُخِذَ مِن "باتَ"، وإمّا مِنَ "البَيْتِ" لِأنَّهُ مُلْتَزَمٌ بِاللَيْلِ، وفِيهِ الأسْرارُ الَّتِي يُخافُ شِياعُها، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: أتَوْنِي فَلَمْ أرْضَ ما بَيَّتُوا وكانُوا أتَوْنِي بِأمْرٍ نُكُرْ ومِنهُ قَوْلُ النَمِرِ بْنِ تَوْلَبٍ: هَبَّتْ لِتَعْذِلَنِي بِلَيْلٍ اسْمَعِي سَفَهًا ∗∗∗ تُبَيِّتُكِ المَلامَةُ فاهْجَعِي المَعْنى: وتَقُولُ لِيَ: اسْمَعْ، وزِيدَتِ الياءُ إشْباعًا لِتَصْرِيعِ القافِيَةِ، كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: ألا أيُّها اللَيْلُ الطَوِيلُ ألا انْجَلِي...

∗∗∗...............................

وقَوْلِهِ: بِأمْثَلِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "بَيَّتَ" بِتَحْرِيكِ التاءِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ بِإدْغامِها في الطاءِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "بَيَّتَ مُبَيِّتٌ مِنهم يا مُحَمَّدُ".

و"تَقُولُ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: تَقُولُ أنْتَ يا مُحَمَّدُ، ويُحْتَمَلُ، تَقُولُ هي لَكَ.

و"يَكْتُبُ" مَعْناهُ عَلى وجْهَيْنِ: إمّا يَكْتُبُهُ عِنْدَهُ حَسَبَ كَتْبِ الحَفَظَةِ حَتّى يَقَعَ الجَزاءُ، وإمّا يَكْتُبُهُ في كِتابِهِ إلَيْكَ، أيْ: يُنْزِلُهُ في القُرْآنِ ويُعْلِمُ بِها، قالَ هَذا القَوْلَ الزَجّاجُ.

والأمْرُ بِالإعْراضِ إنَّما هو عن مُعاقَبَتِهِمْ ومُجازاتِهِمْ، وأمّا اسْتِمْرارُ دَعْوَتِهِمْ وعِظَتِهِمْ فَلازِمٌ، قالَ الضَحّاكُ: مَعْنى "أعْرِضْ عنهُمْ" لا تُخْبِرْ بِأسْمائِهِمْ، وهَذا أيْضًا قَبْلَ نُزُولِ القِتالِ عَلى ما تَقَدَّمَ، ثُمَّ أمَرَ اللهُ تَعالى بِالتَوَكُّلِ عَلَيْهِ والتَمَسُّكِ بِعُرْوَتِهِ الوُثْقى ثِقَةً بِإنْجازِ وعْدِهِ في النَصْرِ، والوَكِيلُ: القائِمُ بِالأُمُورِ المُصْلِحُ لِما يُخافُ مِن فَسادِها، ولَيْسَ ما غَلَبَ عَلَيْهِ الِاسْتِعْمالُ في "الوَكِيلِ" في عَصْرِنا بِأصْلٍ في كَلامِ العَرَبِ، وهي لَفْظَةٌ رَفِيعَةٌ وضَعَها الِاسْتِعْمالُ العامِّيُّ كالعَرِيفِ والنَقِيبِ وغَيْرِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذا كالتكملة لقوله: ﴿ وأرسلناك للناس رسولاً ﴾ [النساء: 79] باعتبار ما تضمّنه من ردّ اعتقادهم أنّ الرسول مصدرُ السيّئات التي تصيبهم، ثم من قوله: ﴿ ما أصابك من حَسَنَةٍ فمِنَ الله ﴾ [النساء: 79] الخ، المؤذن بأنّ بين الخالق وبين المخلوق فَرْقا في التأثير وأنّ الرسالة معنَّى آخر فاحترَس بقوله: ﴿ من يطع الرسول فقد أطاع الله ﴾ عن توهّم السامعين التفرقة بين الله ورسوله في أمور التشريع، فأثبت أنّ الرسول في تبليغه إنّما يبلّغ عن الله، فأمره أمرُ الله، ونهيُه نهيُ الله، وطاعتُه طاعةُ الله، وقد دلّ على ذلك كلّه قولُه: ﴿ من يطع الرسول فقد أطاع الله ﴾ لاشتمالها على إثبات كونه رسولاً واستلزامها أنّه يأمر وينهى، وأنّ ذلك تبليغ لمراد الله تعالى، فمن كان على بيّنة من ذلك أو كان في غفلة فقد بيّن الله له اختلاف مقامات الرسول، ومن تولّى أو أعرض واستمرّ على المكابرة ﴿ فما أرسلناك عليهم حفيظاً ﴾ ، أي حارساً لهم ومسؤولاً عن إعراضهم، وهذا تعريض بهم وتهديد لهم بأنْ صَرَفه عن الاشتغال بهم، فيعلم أنّ الله سيتولّى عقابهم.

والتولّي حقيقته الانصراف والإدبار، وقد تقدّم في قوله تعالى: ﴿ وإذا تَولَّى سعى في الأرض ليفسد فيها ﴾ [البقرة: 205] وفي قوله: ﴿ مَا ولاَهُم عن قبلتهم ﴾ في سورة البقرة (142).

واستعمل هنا مجازاً في العصيان وعدم الإصغاء إلى الدعوة.

ثم بَيَّن أنّهم لضعف نفوسهم لا يُعرضون جهراً بل يظهرون الطاعة، فإذا أمرهم الرسول أو نهاهم يقولون له ﴿ طاعة ﴾ أي: أمْرُنا طاعةٌ، وهي كلمة يدُلّون بها على الامتثال، وربما يقال: سَمْعٌ وطاعة، وهو مصدر مرفوع على أنّه خبر لمبتدإ محذوف، أي أمرنا أو شأننا طاعة، كما في قوله: ﴿ فصبرٌ جميل ﴾ [يوسف: 18].

وليس هو نائباً عن المفعول المطلق ألآتي بدَلاً من الفعل الذي يُعَدل عن نصبه إلى الرفع للدلالة على الثبات مثل «قال سلام»، إذ ليس المقصود هنا إحداثَ الطاعة وإنّما المقصود أنّنا سنُطيع ولا يكون منّا عصيان.

ومعنى ﴿ برزوا ﴾ خرجوا، وأصل معنى البروز الظهور، وشاع إطلاقه على الخروج مجازاً مرسلاً.

و ﴿ بيَّتَ ﴾ هنا بمعنى قدّر أمراً في السرّ وأضمره، لأنّ أصل البيات هو فعل شيء في الليل، والعرب تستعير ذلك إلى معنى الإسرار، لأنّ الليل أكتم للسرّ، ولذلك يقولون: هذا أمر قْضي بليل، أي لم يطّلع عليه أحد، وقال الحارث بن حلّزة: أجمعوا أمرهم بليل فلمّا *** أصبحوا أصبحت لهم ضوضاء وقال أبو سفيان: هذا أمر قضى بليل.

وقال تعالى: ﴿ لنُبيِّتَنَّه وأهله ﴾ [النمل: 49] أي: لنقتلنّهم ليلاً.

وقال: ﴿ وهو معهم إذ يّبينون ما لا يَرضى من القول ﴾ [النساء: 108].

وتاء المضارعة في ﴿ غير الذي تقول ﴾ للمؤنث الغائب، وهو الطائفة ويجوز أن يراد خطاب النبي صلى الله عليه وسلم أي غير الذي تقول لهم أنت، فيجيبون عنه بقولهم: طاعة.

ومعنى ﴿ والله يكتب ما يبيّتون ﴾ التهديد بإعلامهم أنّه لن يفلتهم من عقابه، فلا يغرنّهم تأخّر العذاب مدّة.

وقد دلّ بصيغة المضارع في قوله: ﴿ يكتب ﴾ على تجدّد ذلك، وأنّه لا يضاع منه شيء.

وقوله: ﴿ فأعرض عنهم ﴾ أمر بعدم الاكتراث بهم، وأنّهم لا يُخشى خلافهم، وأنّه يتوكلّ على الله ﴿ وكفى بالله وكيلاً ﴾ أي مُتوكَّلاً عليه، ولا يَتوكّل على طاعة هؤلاء ولا يحزنه خلافهم.

وقرأ الجمهور ﴿ بيَّتَ طَائفة ﴾ بإظهار تاء (بيَّتَ) من طاء (طائفة).

وقرأه أبو عمرو، وحمزة، ويعقوب، وخلف بإدغام التاء في الطاء تخفيفاً لقرب مخرجيهما.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ ﴾ وإنَّما كانَتْ طاعَةً لِلَّهِ لِأنَّها مُوافِقَةٌ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى.

﴿ وَمَن تَوَلّى فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي حافِظًا لَهم مِنَ المَعاصِي حَتّى لا تَقَعَ مِنهم.

والثّانِي: حافِظًا لِأعْمالِهِمُ الَّتِي يَقَعُ الجَزاءُ عَلَيْها فَتَخافُ ألّا تَقُومَ بِها، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى هو المُجازِي عَلَيْها.

﴿ وَيَقُولُونَ طاعَةٌ ﴾ يَعْنِي المُنافِقِينَ، أيْ أمْرُنا طاعَةٌ.

﴿ فَإذا بَرَزُوا مِن عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنهم غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ ﴾ والتَّبْيِيتُ كُلُّ عَمَلٍ دُبِّرَ لَيْلًا، قالَ عُبَيْدُ بْنُ هَمّامٍ: أتَوْنِي فَلَمْ أرْضَ ما بَيَّتُوا وكانُوا أتَوْنِي بِأمْرٍ نُكُرْ ∗∗∗ لِأنْكِحَ أيِّمَهم مُنْذِرًا ∗∗∗ وهَلْ يُنْكِحُ العَبْدُ حُرٌّ لِحُرْ؟

وَفِي تَسْمِيَةِ العَمَلِ بِاللَّيْلِ بَياتًا قَوْلانِ: أحَدُهُما: لِأنَّ اللَّيْلَ وقْتُ المَبِيتِ.

والثّانِي: لِأنَّهُ وقْتُ البُيُوتِ.

وَفي المُرادِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنهم غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها غَيَّرَتْ ما أضْمَرَتْ مِنَ الخِلافِ فِيما أمَرْتَهم بِهِ أوْ نَهَيْتَهم عَنْهُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، والسُّدِّيِّ.

والثّانِي: مَعْناهُ فَدَبَّرَتْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ عَلى جِهَةِ التَّكْذِيبِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.

﴿ واللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَكْتُبُهُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ لِيُجازِيَهم عَلَيْهِ.

والثّانِي: يَكْتُبُهُ بِأنْ يُنْزِلَهُ إلَيْكَ في الكِتابِ، وهَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿ ويقولون طاعة...

﴾ الآية.

قال: هم أناس كانوا يقولون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم: آمنا بالله ورسوله ليأمنوا على دمائهم وأموالهم ﴿ فإذا برزوا ﴾ من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ بيت طائفة منهم ﴾ يقول: خالفوهم إلى غير ما قالوا عنك، فعابهم الله فقال: ﴿ بيت طائفة منهم غير الذي تقول ﴾ قال: يغيرون ما قال النبي صلى الله عليه وسلم.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ ويقولون طاعة ﴾ قال: هؤلاء المنافقون الذين يقولون، إذا حضروا النبي صلى الله عليه وسلم فأمرهم بأمر قالوا: طاعة فإذا خرجوا غيرت طائفة منهم ما يقول النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ والله يكتب ما يبيتون ﴾ يقول: ما يقولون.

وأخرج ابن جرير من طريق عكرمة عن ابن عباس في قوله: ﴿ بيت طائفة منهم غير الذي تقول ﴾ قال: غير أولئك ما قال النبي صلى الله عليه وسلم.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق ابن جريج عن ابن عباس ﴿ بيت طائفة منهم غير الذي تقول ﴾ يغيرون ما قال النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ والله يكتب ما يبيتون ﴾ يغيرون.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الضحاك ﴿ بيت طائفة منهم ﴾ قال: هم أهل النفاق.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة ﴿ بيت طائفة منهم غير الذي تقول ﴾ قال: يغيرون ما عهدوا إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم.

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عثمان بن عطاء عن أبيه ﴿ والله يكتب ما يبيتون ﴾ قال: يغيرون ما يقول النبي صلى الله عليه وسلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ ﴾ يعني المنافقين، في قول الحسن (١) (٢) (٣) (٤) قال ابن عباس: كانوا يقولون للنبي  : طاعة، يريدون أطعناك (٥) وقال الكلبي: كانوا يقولون للنبي  : طاعة، يريدون: أطعناك.

وقال الكلبي: كانوا يقولون طاعة لأمرك (٦) وقال مقاتل: كانوا يقولون طاعةً لأمرك (٧) وقال مقاتل: كانوا إذا دخلوا على النبي  قالوا: مرنا بما شئت، فأمرك طاعة (٨) وقال النحويون: معناه: أمرُنا طاعة (٩) وقال بعضهم: منا طاعة (١٠) (١١) وقال الفراء: الرفع على قولك: منا طاعة، وأمرك طاعة (١٢) (١٣) وقوله تعالى: ﴿ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ ﴾ .

قال الكلبي: خرجوا من عندك (١٤) وقوله تعالى: ﴿ بَيَّتَ طَائِفَةٌ ﴾ .

قال الزجاج: كل أمر فكر فيه (أو خيض) (١٥) ﴿ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ  ﴾ ، (١٦) وقال في هذه الآية: كل أمر قضي بليل قيل: بيت (١٧) (١٨) (١٩) (٢٠) وحُكي عن الأخفش أنه قال: العرب تقول للشيء إذا قدّر: قد بيت، يشبهونه بتقدير بيوت الشعر (٢١) وقال أهل اللغة: إنما قيل للتدبير بالليل تبييت لأنه تدبير في البيوت وقت البيتوتة (٢٢) فأما كلام المفسرين، فقال عطاء عن ابن عباس في قوله: بيت طائفة منهم غير الذي تقول: "يريد أضمروا في قلوبهم غير الذي تقول" (٢٣) وقوله راجع إلى معنى التقدير؛ لأن إضمارهم الشيء تقدير منهم مع أنفسهم.

قال عبد الله بن مسلم (٢٤) (٢٥) وقال الكلبي: (بيت) غير طائفة منهم (٢٦) وقال قتادة: ﴿ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ ﴾ يغيرون ما عاهدوا عليه النبي  (٢٧) (٢٨) وهذا التفسير راجع أيضًا إلى معنى التقدير؛ لأن: من قدّر شيئًا غير الأول فقد غير وبدل، وإنما يكون التبييت بمعنى التغيير إذا استعمل مع غير، يقال: بيت فلان غير ما قال إذا غيره ورجع عنه بتدبير وتقدير في نفسه.

وبعضهم يقول: إن التبييت في لغة طيّ يكون بمعنى التغيير (٢٩) وبيت قولي عبد المليك ...

قاتلك الله عبدًا كفورًا (٣٠) معنى بدلت وغيرت.

وهذا لا يستقيم في معنى الآية؛ لأنك لو حملت الآية عليه كان المعنى غير طائفة أو النبي، على ما تذكر في تفسير: ﴿ تَقُولُ ﴾ ، وليس كذلك معنى الآية، لأنهم غيروا ما قالوه أو قاله النبي  لا غير ذلك، فقد بان لك أن التبييت إنما يستعمل بمعنى التغيير إذا كان مع غير.

وهذا ظاهر بحمد الله.

والمفسرون فسروا ﴿ بَيَّتَ ﴾ بمعنى: غير، ذهابًا إلى المعنى، كما بينا.

وأما قوله: ﴿ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ ﴾ فيدل كلام بعض المفسرين على أن ﴿ تَقُولُ ﴾ من فعل الطائفة، ويدل كلام بعضهم على أنه مخاطبة للنبي  وأنه القول له.

قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد أضمروا في قلوبهم غير الذي تقول (٣١) وهذا التفسير محتمل لوجهين: أضمروا غير ما قلت لهم يا محمد.

وأضمروا غير ما قالوا هم، على معنى أنهم أسروا غير ما أظهروا وأضمروا الخلاف عليك.

وقال الكلبي في قوله: ﴿ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ ﴾ : غير ما أتيتهم به (٣٢) وهذا يدل على أن القول للنبي  .

وقال الحسن في معنى قوله: ﴿ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُول ﴾ : على وجه التكذيب (٣٣)  ؛ لأن المعنى أنهم كذبوا ما يقول لهم.

وقال قتادة في هذه الآية: يغيرون ما عاهدوا عليه النبي  (٣٤) وقال الفراء: غير ما قالوا وخالفوا (٣٥) وقال عبد الله بن مسلم (٣٦) (٣٧) وهذه الآية تقوي الطريقة الثانية في الآية الأولى، وهي أن معنى التولي في قوله: ﴿ وَمَن تَوَلَّى ﴾ إضمار العداوة والخلاف للنبي  .

وقال أبو إسحاق: هذا ونظائره في كتاب الله جل وعز من أبين آيات النبي  ؛ لأنهم ما كانوا يخفون عنه أمرًا إلا أظهره الله عز وجل (٣٨) وأكثر القراء قرأوا ﴿ بَيَّتَ طَائِفَةٌ ﴾ بفتح التاء والإظهار (٣٩) (٤٠) وقرأ حمزة (بيت طائفة) جزمًا مُدغمًا (٤١) (٤٢) وقال غيره (٤٣) (٤٤) (٤٥) (٤٦) (٤٧) وذُكر في تخصيص طائفة من جملة المنافقين بالتبييت وجهان: أحدهما: أنه ذكر من علم أنه يبقى على كفره ونفاقه، فأما من علم أنه يرجع عن ذلك فإنه لم يذكرهم.

والثاني: أن هذه الطائفة كانوا قد أسهروا ليلهم في التبييت وغيرهم سمعوا وسكتوا ولم يبيتوا، فلم يذكروا (٤٨) وقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ ﴾ .

ذكر أبو إسحاق فيه وجهين: أحدهما أن معناه ويُنزله إليك في كتابه.

والثاني يحفظ عليهم ليُجازوا به (٤٩) وقوله تعالى: ﴿ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ .

قال ابن عباس: يريد فاصفح عنهم (٥٠) (٥١) وقال أبو إسحاق: أي لا تسم هؤلاء بأعيانهم، لما أحب الله من ستر أمر المنافقين إلى أن يستقيم أمر الإسلام (٥٢) وقوله تعالى: ﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ﴾ قال عطاء: يريد: واصبر على خلافهم (٥٣) وقال ابن كيسان: اعتمد بأمرك عليه (٥٤) وقال أهل اللغة: معنى (توكل على الله) أي علم أن الله كافل أمره فركن إليه وحده (٥٥) وقوله تعالى: ﴿ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا ﴾ الوكيل في اللغة معناه الموكول إليه، وهو فعيل بمعنى مفعول (٥٦) وقال ابن كيسان: وكفى باللهِ معتمدًا وملجأ.

وقال عطاء: ﴿ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا ﴾ يريد لمن توكل عليه (٥٧) وقال بعضهم: الوكيل القائم بما يُفوض إليه من التدبير.

قال المفسرون: كان الأمر والمعاني [...] (٥٨) (١) انظر: "تفسير الهواري" 1/ 402.

(٢) أخرجه الطبري 5/ 178، وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" 2/ 332 أيضًا إلى ابن أبي حاتم.

(٣) أخرجه الطبري 5/ 179، وانظر: "معاني القرآن" للنحاس 2/ 139.

(٤) انظر: "تفسير الهواري" 1/ 402، "النكت والعيون" 1/ 509، "الكشف والبيان" (4/ 90 ب، "معالم التنزيل" 2/ 254، "زاد المسير" 2/ 142.

(٥) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 91.

(٦) هذان القولان للكلبي متقاربان، ويحتمل أنه تكرار في النسخ، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 370، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 91.

(٧) ليس في "تفسير مقاتل"، وإنما فيه قوله التالي، ويحتمل أن هذا تكرار لقول الكلبي السابق.

(٨) "تفسيره" 1/ 392، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 370، "زاد المسير" 2/ 142.

(٩) "معاني القرآن" للأخفش 1/ 451، "معاني الزجاج" 2/ 81، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 437.

(١٠) "معاني القرآن" للفراء 1/ 278، الطبري 5/ 177، "معاني الزجاج" 2/ 81، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 437.

(١١) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 81.

(١٢) "معاني القرآن" للفراء 1/ 278.

(١٣) أي الكلام على اشتقاق "طاعة" ووزنه، وقد أشار إلى أنه من ذوات الواو في "معاني القرآن" 1/ 279.

(١٤) "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 91.

(١٥) في المخطوط: "وأخيض" والتصويب من "معاني الزجاج" 2/ 101.

(١٦) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 101، "تهذيب اللغة" 1/ 250 (بيت)، وانظر: "التفسير الكبير" 10/ 195.

(١٧) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 81.

(١٨) في "مجاز القرآن" 1/ 133.

(١٩) أي المبرد في "الكامل" 3/ 30.

(٢٠) البيت لعبيدة بن همام العدوي في "مجاز القرآن" 1/ 133، "الكشف والبيان" 4/ 90 ب، وغير منسوب في "غريب القرآن" لابن قتيبة 1/ 127، "الكامل" 3/ 30، "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 81.

(٢١) "الكشف والبيان" 4/ 91 أ، "معالم التنزيل" 2/ 254، "التفسير الكبير" 10/ 195.

وينسب نحو هذا الكلام لأبي عبيدة، انظر: "مقاييس اللغة" 1/ 325 (بيت) وقد تكون آخر كلمة: "الشعر" بكسر الشين وسكون العين.

(٢٢) انظر: "معجم مقاييس اللغة" 1/ 325 (بيت).

(٢٣) انظر: "الكشف والبيان" 4/ 91 أ، "الوسيط" 2/ 633، "معالم التنزيل" 2/ 254، "زاد المسير" 2/ 143، "البحر المحيط" 3/ 304.

(٢٤) أي: ابن قتيبة.

(٢٥) "غريب القرآن" لابن قتيبة 1/ 127، وانظر: "معالم التنزيل" 2/ 254، "زاد المسير" 2/ 142.

(٢٦) "الكشف والبيان" 4/ 91 ب، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 91، وانظر: "تفسير الهواري" 1/ 402.

(٢٧) أخرجه الطبري 5/ 178، وانظر: "الكشف والبيان" 4/ 80 ب، وقد عزاه السيوطي في "الدر المنثور" 2/ 332 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(٢٨) انظر: "معاني القرآن" 1/ 279.

(٢٩) انظر: "الكشف والبيان" 4/ 90 ب.

(٣٠) البيت للأسود بن عامر الطائي كما في "تفسير الطبري" 5/ 271 وهو غير منسوب في "غريب القرآن" لابن قتيبة 1/ 128، "الكشف والبيان" 4/ 90 ب، "زاد المسير" 2/ 143، القرطبي 5/ 289.

(٣١) تقدم الأثر وعزوه، وانظر: "زاد المسير" 2/ 143.

(٣٢) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 91.

(٣٣) "النكت والعيون" 1/ 510.

(٣٤) تقدم تخريجه.

(٣٥) "معانى القرآن" 1/ 279.

(٣٦) ابن قتيبة.

(٣٧) "غريب القرآن" ص 127، وانظر: "زاد المسير" 2/ 142.

(٣٨) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 81.

(٣٩) هذه قراءة السبعة غير أبي عمرو وحمزة.

انظر: "السبعة" ص 235، "الحجة" 3/ 173.

(٤٠) "الحجة" 3/ 173، وانظر: "الكشف" 1/ 393، "زاد المسير" 2/ 142.

(٤١) وقراءة أبي عمرو أيضاً.

انظر: "السبعة" ص 235، "الحجة" 3/ 173.

(٤٢) "معاني القرآن" 1/ 279.

(٤٣) أبو علي في "الحجة" 3/ 173.

(٤٤) في الحجة: "المثلين".

(٤٥) ذهب هنا كلام من الحجة حذفًا أو سقطًا، وهو: "ومما يحسن الإدغام أن الطاء تزيد على التاء بالإطباق، فحسن إدغام الأنقص ..

" إلخ.

(٤٦) في المخطوط: "فتح" وما أثبته من الحجة، وهو أولى لمقابلته الحسن في إدغام الأنقص في الأزيد.

(٤٧) "الحجة" 3/ 173، وانظر: "الكشف" 1/ 393، "زاد المسير" 2/ 142.

(٤٨) انظر: "الكشف والبيان" 4/ 91 أ، "زاد المسير" 2/ 143، "التفسير الكبير" 10/ 195.

(٤٩) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 81، وانظر: "زاد المسير" 2/ 143.

(٥٠) انظر: "زاد المسير" 2/ 143، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 91.

(٥١) وذلك في أول الإسلام ثم نسخ بالأمر بقتالهم وذكر ذلك عن ابن عباس.

انظر "زاد المسير" 2/ 143.

(٥٢) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 81.

(٥٣) لم أقف عليه.

(٥٤) لم أقف عليه.

(٥٥) انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3947 (وكل).

(٥٦) انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3947، "اللسان" 8/ 4910 (وكل).

(٥٧) لم أقف عليه.

(٥٨) حصل سقط وخلط في المخطوط فقد بتر الكلام وأتي مباشرة بتفسير وسط الآية 83 - 86 من هذه السورة، وقد وجدت بعد ذلك بلوحة كثيراً من تفسير الآية 82 أو أكثره أو كله، فقدمت تفسير الآية 82 في الصفحة هنا وأخرت ما قدم في المخطوط من تفسير الآية 83 وما بعده.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ ﴾ أي أمرنا وشأننا طاعة لك، وهي في المنافقين بإجماع ﴿ بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ الذي تَقُولُ ﴾ بيت أي: تدبر الأمر بالليل، والضمير في ﴿ تَقُولُ ﴾ للمخاطب، وهو النبي صلى الله عليه وسلم أو للطائفة ﴿ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ أي لا تعاقبهم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ليبطئن ﴾ ونحوه مثل ﴿ فلننبئن ﴾ و ﴿ لنبوّئنهم ﴾ بالياء الخالصة: يزيد والشموني وحمزة في الوقف.

﴿ كأن لم تكن ﴾ بالتاء الفوقانية: ابن كثير وحفص والمفضل وسهل ويعقوب.

الباقون بياء الغيبة ﴿ يغلب فسوف ﴾ وبابه نحو ﴿ إن تعجب فعجب  ﴾ ﴿ اذهب فمن تبعك  ﴾ مدغماً: أبو بكر وحمزة غير خلف وعلي وهشام.

﴿ ولا يظلمون ﴾ بالياء التحتانية: ابن كثير، وعلي وحمزة وخلف وهشام ويزيد وابن مجاهد عن ابن ذكوان.

الباقون بتاء الخطاب ﴿ بيت طائفة ﴾ مدغماً: أبو بكر وحمزة.

الوقوف: ﴿ جميعاً ﴾ ه ﴿ ليبطئن ﴾ ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب ﴿ شهيداً ﴾ 5 ﴿ عظيماً ﴾ 5 ﴿ بالآخرة ﴾ ط ﴿ عظيماً ﴾ 5 ﴿ أهلها ﴾ ج ﴿ ولياً ﴾ كذلك للتفصيل بين الدعوات ﴿ نصيراً ﴾ ه ﴿ في سبيل الله ﴾ ج للفصل بين القصتين المتضادتين ﴿ أولياء الشيطان ﴾ ج لاحتمال الابتداء وتقدير الفاء واللام.

﴿ ضعيفاً ﴾ ه ﴿ الزكاة ﴾ ط لأنّ جواب "فلما" منتظر ولكن التعجب في قوله: ﴿ ألم تر ﴾ واقع على قوله: ﴿ إذا فريق منهم يخشون ﴾ .

﴿ خشية ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتفاق المعنى ﴿ القتال ﴾ ج لأنّ "لولا" أي "هلاّ" استفهام / آخر مع اتحاد المعمول.

﴿ قريب ﴾ ط ﴿ قليل ﴾ ج للفصل بين وصف الدارين.

﴿ فتيلا ﴾ ه ﴿ مشيدة ﴾ ط للعدول لفظاً ومعنى.

﴿ من عند الله ﴾ ط للفصل بين النقيضين ﴿ من عندك ﴾ ج.

﴿ من عند الله ﴾ ط.

﴿ حديثاً ﴾ ه.

﴿ فمن الله ﴾ ز فصلاً بين النقيضين ﴿ فمن نفسك ﴾ ط.

﴿ رسولاً ﴾ ه.

﴿ شهيداً ﴾ ه ﴿ أطاع الله ﴾ ج لحق العطف مع ابتداء بشرط آخر ﴿ حفيظاً ﴾ ط لاستئناف الفعل بعدها ﴿ طاعة ﴾ ز لابتداء بشرط مع أن المقصود من بيان نفاقهم لا يتم بعد.

﴿ يقول ﴾ ط ﴿ يبيتون ﴾ ج لاختلاف الجملتين مع الاتصال أي إذا كتب الله ما يبيتون فأعرض ولا تهتم.

﴿ على الله ﴾ ط ﴿ وكيلاً ﴾ ه.

التفسير: إنه  عاد بعد الترغيب في طاعة الله وطاعة رسوله إلى ذكر الجهاد لأنه أشق الطاعات ولأنه أعظم الأمور التي بها تناط تقوية الدين فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم ﴾ والحذر والحذر بمعنى كالأثر والإثر والمثل والمثل.

يقال: أخذ حذره إذا تيقظ واحترز عن المخوف كأنه جعل الحذر آلته التي يقي بها نفسه ويعصم بها روحه.

والمعنى احذروا واحترزوا من العدو و لاتمكنوه من أنفسكم.

وقيل: المراد بالحذر السلاح لأنه ممايتقي به ويحذر.

فإن قيل: أي فائدة في هذا الأمر والحذر لا يغني عن القدر والمقدور كائن والهم فضل؟

قلت: هذا من عالم الأسباب والوسائط المرتبطة ولا ريب أن الكل يقع على نحو ما قدّر، فمن امتثل وترتب عليه الأثر بقدر، ومن أهمل حتى فاتته السلامة كان أيضاً بقدر، وهكذا شأن جميع التكاليف إذا اعتبر.

﴿ فانفروا ﴾ إلى قتال عدوّكم انهضوا لذلك قال  : "وإذا استنفرتم فانفروا" .

﴿ ثبات ﴾ جماعات متفرقة سرية بعد سرية واحدها ثبة محذوفة اللام وأصلها ثبى فعوضت الهاء عن الياء المحذوفة.

والتركيب يدل على الاجتماع ومنه الثبة لوسط الحوض الذي يجتمع عنده الماء وصبيت الشيء جمعته.

﴿ أو انفروا جميعاً ﴾ مجتمعين كركبة واحدة وهذا قريب مما قاله الشاعر: طاروا إليه زرافات ووحداناً *** والغرض النهي عن التخاذل وإلقاء النفس إلى التهلكة.

﴿ وإن منكم لمن ليبطئن ﴾ اللام الأولى هي الداخلة في خبر "إنّ" والثانية هي الداخلة في جواب القسم، وتقدير الكلام: لمن حلف بالله ليبطئن وهو إما متعد بسبب التشديد فيكون المفعول محذوفاً أي ليبطئن غيره وليثبطنه عن الغزو كما هو ديدن المنافق عبد الله بن أبي ثبَّط الناس يوم أحد، وإما لازم فقد جاء بطأ بالتشديد بمعنى أبطأ كعتم بمعنى أعتم أي ليتثاقلن وليختلفن عن الجهاد، وهذا / المعنى أوفق بقوله: ﴿ فإن أصابتكم مصيبة ﴾ من قتل أو هزيمة ﴿ قال قد أنعم الله عليّ إذ لم أكن معهم شهيداً ولئن أصابكم فضل من الله ﴾ فتح أو غنيمة ليقولن (قوله) ﴿ كأن لم تكن بينكم وبينه مودة ﴾ اعتراض بين الفعل الذي هو ﴿ ليقولن ﴾ وبين مفعوله وهو ﴿ يا ليتني ﴾ والمنادى محذوف أي يا قوم ليتني.

وجوّز أبو علي إدخال حرف النداء في الفعل والحرف من غير إضمار المنادي.

﴿ كنت معهم فأفوز ﴾ منصوب بإضمار أن أي ليت لي كوناً معهم فافوز.

والخطاب في قوله: ﴿ وإن منكم ﴾ للمذكورين في قوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ والأظهر أن هذا المبطىء سواء جعل لازماً أو متعدياً كان منافقاً فلعله جعله من المؤمنين من حيث الجنس أو النسب أو الاختلاط أو لأنه كان حكمه حكم المؤمنين لظاهر الإيمان.

والمراد يا أيها المؤمنون في زعمكم ودعواكم كقوله: ﴿ يا أيها الذي نزل عليه الذكر  ﴾ ومعنى الاعتراض في البين أن المنافقين كانوا يوادون المؤمنين ويصادقونهم في الظاهر وإن كانوا يبغون لهم الغوائل في الباطن.

وقال جمع من المفسرين: إنّ هؤلاء المبطئين كانوا ضعفة المسلمين.

وعلى هذا فالتبطئة بمعنى الإبطاء ألبتة لأنّ المؤمن لا يثبط غيره ولكنه قد يتثاقل وهم المراد بقوله: { ﴿ يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم  ﴾ ثم لما ذم المبطئين رغب في الجهاد بقوله: ﴿ فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون ﴾ ومعناه يشترون أو يبيعون.

وعلى الأول فهم المنافقون المبطئون وعظوا بأن يغيروا ما بهم من النفاق ويجاهدوا حق الجهاد ولا يختاروا الدنيا على المعاد.

وعلى الثاني فهم المؤمنون الذين تركوا الدنيا لأجل الآخرة.

والمراد إن أبطأ أهل النفاق وضعفة الإيمان عن القتال فليقاتل التائبون المخلصون.

وقيل: يحتمل أن يراد المؤمنون على التقدير الأول أيضاً لأن الإنسان إذا أراد أن يبذل هذه الحياة الدنيا في سبيل الله بخلت نفسه فاشتراها من نفسه بسعادة الآخرة ليقدر على بذلها في سبيل الله، أو لعله أريد اشتغل بالقتال وترك ترجيح الفاني على الباقي، أو المراد أنهم كانوا يرجحون الحياة على الموت لاستيفاء السعادات البدنية فقيل لهم: قاتلوا فإنكم تستولون على الأعداء وتفوزون بالأموال.

﴿ ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب ﴾ وعد الأجر العظيم على تقديري المغلوبية والغالبية ليعلم أنه لا عمل أشرف من الجهاد، وليكون المجاهد على بصيرة من حاله على أي تقدير كان فيقدم ولا يحجم، ثم زاد في تحريضهم فقال: ﴿ وما لكم لا تقاتلون ﴾ ومعناه أنه لا عذر لكم في ترك المقاتلة وقد بلغ الحال إلى ما بلغ.

وقوله: ﴿ والمستضعفين ﴾ إما مجرور أي في سبيل الله وفي خلاص المستضعفين، وإما منصوب على الاختصاص أي وأخص من سبيل الله الذي هو عام في كل خير خلاص المستضعفين وهم الذين أسلموا بمكة وصدهم المشركون والإعسار والضعف / عن الهجرة فبقوا بين أظهرهم أذلاء يلقون منهم أذى شديداً، فكانوا يدعون الله بالخلاص ويستنصرونه فيسر الله لبعضهم الخروج إلى المدينة وبقي بعضهم إلى الفتح.

والولدان جمع ولد كخربان في خرب.

وقيل: الرجال والنساء الأحرار والحرائر، والولدان العبيد والإماء لأنّ العبد والأمة يقال لهما الوليد والوليدة وجمعهما الولدان والولائد إلاّ أنه خص الولدان بالذكر تغليباً كالآباء والإخوة مع إرادة الأمهات والأخوات أيضاً.

وعن ابن عباس: كنت أنا وأمي من المستضعفين من الولدان والنساء.

والظالم صفة للقرية إلاّ أنه مسند إلى أهلها فتبع القرية في الإعراب، وهو مذكر لإسناده إلى الأهل.

والأهل يذكر ويؤنث، ولو أنّث لا لتأنيث الموصوف بل لجواز تأنيث الأهل جاز.

وإنما اشترك الولدان في الدعاء وإن كانوا غير مكلفين لأن المشركين كانوا يؤذونهم إرغاماً لآبائهم، أو لأن المستضعفين كانوا يشركون صبيانهم في دعائهم استنزالاً لرحمة الله بدعاء صغائرهم الذين لم يذنبوا كما فعل قوم يونس، ووردت السنة بإخراجهم في الاستسقاء.

﴿ واجعل لنا من لدنك وليّاً ﴾ أي كن أنت لنا ولياً وناصراً وولّ علينا رجلاً يوالينا ويقوم بمصالحنا.

فاستجاب الله دعاءهم لأنّ النبي  لما فتح مكة جعل عتاب بن أسيد أميراً لهم فكان الولي هو الرسول، وكان النصير عتاب بن أسيد كما أرادوا.

قال ابن عباس: كان ينصر الضعيف من القوي حتى كانوا أعزّ بها من الظلمة.

ثم شجع المؤمنين تشجيعاً بأن أخبرهم أنهم يقاتلون في سبيل الله فهو وليّهم وناصرهم وأعداؤهم يقاتلون في سبيل غير الله وهو الطاغوت والشيطان فلا ولي لهم إلاّ الشيطان وإن كيده أوهن شيء وأضعفه.

والكيد السعي في فساد الحال على جهة الاحتيال.

وفائدة إدخال "كان" أن يعلم أنه منذ كان كان موصوفاً بالضعف والذلة.

ألا ترى أن أهل الخير والدين يبقى ذكرهم الجميل على وجه الدهر وإن كانوا مدة حياتهم في غاية الخمول والفقر، وأما الملوك والجبابرة فإذا ماتوا انقرض أثرهم ولا يبقى في الدنيا رسمهم ولا ظلمهم؟

قول  : ﴿ ألم تر إلى الذين قيل لهم ﴾ فيه قولان: الأول أنها نزلت / في المؤمنين نفر من أصحاب رسول الله  منهم عبد الرحمن بن عوف والمقداد بن الأسود وقدامة بن مظعون وسعد بن أبي وقاص؛ كانوا يلقون من المشركين أذى كثيراً ويقولون لرسول الله  : ائذن لنا في قتال هؤلاء.

فيقول لهم : "كفوا أيديكم عنهم فإني لم أؤمر بقتالهم.

فلما هاجر إلى المدينة وأمرهم الله بقتال المشركين كرهه بعضهم وشق عليهم" .

الثاني قال ابن عباس في رواية أبي صالح: "لما استشهد الله من المسلمين من استشهد يوم أُحد قال المنافقون الذين تخلّفوا عن الجهاد: لو كان إخواننا الذين قتلوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا" فنزلت.

وقد يحتج للقول الأول بأن رغبتهم في القتال أوّلاً دليل الإيمان، ويمكن أن يجاب بأن المنافقين ايضاً كانوا يظهرون الرغبة في الجهاد إلى أن أمروا بالقتال فأحجموا.

واحتج أصحاب القول الثاني بأنهم كانوا يخشون الناس كخشية الله أو أشد، وكانوا يعترضون على الله  بقولهم: ﴿ لم كتبت علينا القتال ﴾ وكانوا يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة فلهذا قيل لهم ﴿ قل متاع الدنيا قليل ﴾ وكل هذه الأمور من نعوت المنافقين وأجيب بأن حب الحياة والنفرة عن القتل من لوازم الطباع وهو المعنى بالخشية والاعتراض محمول على تمني تخفيف التكليف لا على الإنكار وقوله: ﴿ قل متاع الدنيا قليل ﴾ إنما ذكر ليهون على قلبهم أمر هذه الحياة.

والأقوى حمل الآية على المنافقين لأن ما بعدها وهو قوله: ﴿ وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله ﴾ في شأنهم بلا اختلاف.

وفي الآية دلالة على أن إيجاب الصلاة والزكاة كان مقدماً على الجهاد وهو أيضاً ترتيب مطابق لما في المعقول، لانّ التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله مقدمان على الترهيب والقتل في سبيل الله.

وإذا في ﴿ إذا فريق ﴾ للمفاجأة وهو مجرد عن الظرفية والعامل في لما معنى المفاجأة أي فاجأ وقت خشية فريق زمان كتبة القتال عليهم.

وقوله: ﴿ كخشية الله ﴾ من إضافة المصدر إلى المفعول.

ومحل الكاف النصب على الحال لما عطف عليه من قوله: ﴿ أو أشد ﴾ ثم نصب ﴿ خشية ﴾ على التمييز فالتقدير: يخشون الناس مشبهين لأهل خشية الله أو أشد خشية من خشية أهل الله.

نعم لو قيل: أشد خشية بالإضافة انتصب خشية الله على المصدر ولا يمكن أن يقال أشد خشية بالنصب على إرادة المصدر، اللهم إلاّ أن تجعل الخشية خاشية أو ذات خشية مثل جد جده فيكون المعنى: خشية مثل خشية الله أو خشية أشد خشية من خشية الله وعلى هذا يجوز أن يكون محل ﴿ أشد ﴾ مجروراً عطفاً على خشية الله أي كخشية الله أو كخشية أشد خشية منها.

وكلمة "أو" ليست للشك ههنا فإن ذلك على علام الغيوب محال ولكنها بمعنى الواو، أو المراد أن كل خوفين فإن أحدهما بالنسبة إلى الآخر إما أن يكون أنقص أو مساوياً أو أزيد، فبيَّن في الآية أن خوفهم من الناس ليس بأنقص من خوفهم من الله فيبقى إما أن يكون مساوياً أو أزيد فهذا لا يوجب كونه  شاكاً فيه ولكنه يوجب إبقاء الإبهام في هذين القسمين على المخاطبين.

أو هذا نظر قوله ﴿ وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون  ﴾ يعني أن من يراهم يقول هذا الكلام.

﴿ وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب  ﴾ إن كانت الآية في المؤمنين فهم إنما قالوا ذلك لا اعتراضاً على الله ولكن جزعاً من الموت وحباً للحياة واستزادة في مدة الكف واستمهالاً إلى وقت آخر كقوله: ﴿ لولا أخرتني إلى / أجل قريب فأصدق  ﴾ وإن كان من كلام المنافقين فلا شك أنهم كانوا منكرين لكتبة القتال عليهم، فهم قالوا ذلك بناء على زعم الرسول ودعواه.

ومعنى ﴿ لولا أخرتنا ﴾ هلا تركتنا حتى نموت بآجالنا، ثم أزال الشبهة وأزاح العلة بقوله: ﴿ قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير ﴾ لا لكل الناس بل ﴿ لن اتقى ﴾ فإن للكافر والفاسق هنالك نيراناً وأهوالاً ومن هنا قال  : " "الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر" وأما ترجيح الآخرة فلأن نعم الدنيا قليلة ونعم الآخرة كثيرة، ونعم الدنيا منقطعة ونعم الآخرة مؤبّدة، ونعم الدنيا مشوبة بالأقذار ونعم الآخرة صافية عن الأكدار، ونعم الدنيا مشكوكة التمتع بها ونعم الآخرة يقينية الانتفاع منها.

ثم بكت الفريق الخائنين بأنهم يدركهم الموت أينما كانوا ولو كانوا في حصون مرتفعة.

والبروج في كلام العرب القصور والحصون وأصلها من الظهور ومنه تبرجت المراة إذا أظهرت محاسنها.

والغرض أنه لا خلاص لهم من الموت والجهاد موت مستعقب للسعادة الأبدية، وإذا كان لا بد من الموت فوقوعه على هذا الوجه أولى.

قال المفسرون: كانت المدينة مملوءة من النعم وقت مقدم الرسول  ، فلما ظهر عناد اليهود ونفاق المنافقين أمسك الله  عنهم بعض الإمساك كما جرت عادته في جميع الأمم قال: ﴿ وما أرسلنا في قرية من نبي إلاّ أخذنا أهلها بالبأساء والضراء  ﴾ فعند هذا قالت اليهود والمنافقون: ما رأينا أعظم شؤماً من هذا الرجل؛ نقصت ثمارنا وغلت أسعارنا منذ قدم.

فقوله  : ﴿ وإن تصبهم حسنة ﴾ يعني الخصب والرخص وتتابع الأمطار قالوا هذا من عند الله، وإن تصبهم سيئة يعني الجدب وانقطاع الأمطار قالوا هذا من شؤم محمد وهذا كقوله: ﴿ فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيّئة يطيروا بموسى ومن معه  ﴾ .

وقال قوم: الحسنة النصر على الأعداء والغنيمة، والسيئة القتل والهزيمة.

وقال أهل التحقيق: خصوص السبب لا يقدح في عموم اللفظ وكل ما ينتفع به فهو حسنة.

فإن كان منتفعاً به في الدنيا فهو الخصب والغنيمة وأمثالهما، وإن كان منتفعاً به في الآخرة فهو الطاعة.

فالحسنة تعم الحسنات، والسيئة تعم السيئات فلا جرم أجابهم الله تعالى بقوله: ﴿ قل كل من عند الله ﴾ وكيف لا وجميع الممكنات من الأفعال والذوات والصفات لا بد من استنادها إلى الواجب بالذات؟

ولهذا تعجب من حالهم وقال: ﴿ فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً ﴾ فنفى عنهم مقاربة الفقه والفهم فضلاً عن الفقه والفهم.

قالت المعتزلة: بل هذه الآية حجة لنا لأنه لو كان حصول الفهم والمعرفة بتخليق الله  لم يبق لهذا التعجب معنى ألبة أنه  ما خلقها.

والجواب: أنه  لا يسأل عما يفعل.

وأيضاً المعارضة بالعلم والداعي.

وقالت المعتزلة أيضاً: الحديث "فعيل" بمعنى "مفعول" والمراد به الآيات المذكورة في هذه المواضع فيلزم منه كون القرآن محدثاً.

والجواب بعد تسليم ما ذكروا أنه لا نزاع في حدوث العبارات إنما النزاع في الكلام النفسي.

قوله عز من قائل: ﴿ ما أصابك من حسنة فمن الله ﴾ قال أبو علي الجبائي: السيئة تارة تقع على البلية والمحنة وتارة تقع على الذنب والمعصية.

ثم إنه  أضاف السيئة إلى نفسه على الآية الأولى بقوله: ﴿ قل كل من عند الله ﴾ وأضافها في هذه الآية إلى العبد بقوله: ﴿ وما أصابك ﴾ أي يا إنسان خطاباً عاماً ﴿ من سيئة فمن نفسك ﴾ فلا بد من التوفيق وإزالة التناقض، وما ذاك إلاّ بأن يجعل هناك بمعنى البلية وههنا بمعنى المعصية.

قال: وإنما فصل بين الحسنة والسيئة في هذه الآية فأضاف الحسنة التي هي الطاعة إلى نفسه دون السيئة مع أن كليهما من فعل العبد عندنا، لأنّ الحسنة إنما تصل إلى العبد بتسهيل الله وألطافه فصحت إضافتها إليه، وأما السيئة فلا يصح إضافتها إلى الله  لا بأنه فعلها ولا بأنه أرادها ولا بأنه أمر بها ولا بأنه رغب فيها.

وقال في الكشاف: ﴿ وما أصابك من حسنة ﴾ أي من نعمة وإحسان ﴿ فمن الله ﴾ تفضلاً منه وأحساناً وامتناناً وامتحاناً ﴿ وما أصابك من سيئة ﴾ أي من بلية ومصيبة ﴿ فمن عندك ﴾ لأنك السبب فيها بما اكتسبت يداك كما روي عن عائشة: " "ما من مسلم يصيبه وصب ولا نصب حتى الشوكة يشاكها وحتى انقطاع شسع نعله إلاّ بذنب وما يعفو الله أكثر منه " .

وقالت الأشاعرة: كل من الحسنة والسيئة بأي معنى فرض فإنها من الله  لوجوب انتهاء جميع الحوادث إليه.

لكنه قد يظن بعض الظاهريين أن إضافة السيّئة إلى الله  خروج عن قانون الأدب فبين في الآية أن كل ما يصيب الإنسان من سيّئة حتى الكفر الذي هو أقبح القبائح فإن ذلك بتخليق الله  .

والوجه فيه أن يقدر الكلام استفهاماً على سبيل الإنكار ليفيد أن شيئاً من السيّئات ليست مضافة إلى الإنسان بل كلها بقضائه ومشيئته، ويؤيده ما يروى أنه قرىء ﴿ فمن نفسك ﴾ بصريح الاستفهام.

ومما يدل دلالة ظاهرة على أن المراد من هذه الآيات إسناد جميع الأمور إلى الله  قوله بعد ذلك: ﴿ وأرسلناك للناس رسولاً ﴾ أي ليس لك إلاّ الرسالة والتبليغ وقد فعلت ذلك وما قصرت ﴿ وكفى بالله شهيداً ﴾ على جدّك وعدم تقصيرك في أداء الرسالة وتبليغ الوحي، فأما / تحصيل الهداية فليس إليك بل إلى الله.

قال علماء المعاني: قوله ﴿ رسولاً ﴾ حال من الكاف أي حال كونك ذا رسالة و ﴿ للناس ﴾ صفة ﴿ رسولاً ﴾ متعلق بـ ﴿ أرسلناك ﴾ وإلاّ لقيل إلى الناس.

فأصل النظم وأرسلناك رسولاً للناس فلا بد للتقديم من خاصية هو التخصيص أعنى ثبوت الحكم للمقدم ونفيه عما يقابله حقيقة أو عرفاً لا عما عداه مطلقاً.

وبعد تقديم هذه المقدمة فاللام في قوله: ﴿ للناس ﴾ إما أن يكون للعهد الخارجي أو للجنس أو للاستغراق.

والأول باطل لأن المعهود الخارجي حصة معينة من الأفراد فيلزم اختصاص إرساله ببعض الإنس لوقوع بعض الناس في مقابلة كلهم عرفاً فيكون مناقضاً لما في الآيات الأخر كقوله: ﴿ يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً  ﴾ ولقوله: "بعثت إلى الخلق كافة" والثاني وهو حمل اللام على تعريف الجنس أيضاً باطل لأنه يلزم اختصاص إرساله بالإنس دون الجن، لأنّ ثبوت الحكم لحقيقة الإنس بوساطة التقديم ينفي الحكم عما يقابلها عرفاً وهو حقيقة الجن، أو ينفي الحكم عما عداها من الحقائق فيشمل حقيقة الجن ضرورة.

وعلى التقديرين يلزم الخلف لأنه  مبعوث إلى الثقلين لقوله  : ﴿ وإذا صرفنا إليك نفراً من الجن  ﴾ الآية.

فتعين حمل اللام على الاستغراق ليثبت الحكم لكل فرد من أفراد الإنسان وتحصيل موجبة كلية وينفى نقيض هذا الحكم وهو ما كان يزعمه الضالة من سالبة جزئية هي أنه ليس مبعوثاً إلى بعض الناس كالعجم وأنه رسول العرب خاصة، وعلى هذا يكون الجن مسكوتاً عنهم بالنسبة إلى هذه الآية.

فلدلالة دليل آخر على كونه مبعوثاً إلى الثقلين لا تكون منافية لدلالة هذه الآية، لأن التقديم قد استوفى حظه من الخاصية من غير تعرض للجن.

ثم لما بين أنه لكل فرد من أفراد الناس رسول أوجب طاعته بقوله: ﴿ من يطع الرسول فقد أطاع الله ﴾ لأنّ طاعة الرسول لكونه رسولاً فيما هو رسول لا تكون إلاّ طاعة لله.

قال مقاتل في هذه الآية: إنّ النبي  كان يقول: " من أحبني فقد أحب الله ومن أطاعني فقد أطاع الله فقال المنافقون: لقد قارف الرجل الشرك، هو ينهي أن يعبد غير الله ويريد أن نتخذه رباً كما اتخذت النصارى عيسى" فأنزل الله هذه الآية.

وهي من أقوى الدلائل على أنه معصوم في جميع الأوامر والنواهي وفي تبليغه وفي أفعاله وإلاّ لم تكن طاعته فيما أخطأ طاعة لله.

﴿ ومن تولى ﴾ قيل: هو التولي بالقلب أي حكمك يا محمد على الظواهر، وأما البواطن فلا تتعرّض لها.

وقيل هو التولي بالظاهر ومعناه فلا ينبغي أن تغتم بسبب ذلك التولّي.

﴿ فما أرسلناك ﴾ لتحفظ الناس عن المعاصي فإن من أضلّه الله لم يقدر أحد على إرشاده.

والمعنى فما أرسلناك لتشتغل بزجرهم عند ذلك التولي كقوله: ﴿ لا إكراه في الدين  ﴾ ثم نسخ بآية الجهاد.

ثم حكى سيرة المنافقين بقوله: / ﴿ ويقولون ﴾ أي حين ما أمرتهم بشيء ﴿ طاعة ﴾ أي أمرنا وشأننا طاعة، والنصب في مثل هذا جائز بمعنى أطعناك طاعة، ولكن الرفع يدل على ثبات الطاعة واستقرارها فلهذا لم يقرأ بغيره ﴿ فإذا بروزا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي تقول ﴾ أي دبرت خلاف ما أمرت به وما ضمنت من الطاعة.

قال الزجاج: كل أمر تفكروا فيه كثيراً وتأملوا في مصالحه ومفاسده كثيراً قيل هذا أمر مبيت.

وفي اشتقاقه وجهان: الأول أن أصلح الأوقات للفكر أن يجلس في بيته في الليل فهناك يكون الخاطر أصفى والشواغل أقل فلا جرم سمي الفكر المستقصي تبييتاً..

الثاني قال الاخفش: إذا أراد العرب قرض الشعر بالقوافي بالغوا في التفكر فيه فسمي الفكر البليغ تبييتاً، فاشتقاقه من أبيات الشعر.

ثم إنه  خص طائفة من المنافقين بالتبييت، وذكروا في التخصيص وجهين: أحدهما أنه ذكر من علم أنه يبقى على كفرهونفاقه، فأما من علم أنه يرجع عن ذلك فلم يذكرهم.

وثانيهما أن هذه الطائفة كانوا قد سهروا ليلهم في التبييت وغيرهم سمعوا وسكتوا ولم يبيتوا فلا جرم لم يذكروا.

قلت: ووجه ثالث وهو أن هذا النوع من الكلام أجلب للقلوب وأدخل في عدم الإنكار.

﴿ والله يكتب ما يبيتون ﴾ يثبته في صحائف أعمالهم ويجازيهم عليه أو يكتبه في جملة ما يوحى إليك فيطلعك على أسرارهم ﴿ فأعرض عنهم وتوكل على الله ﴾ في شأنهم فإنّ الله ينتقم لك منهم إذا قوي أمر الإسلام وعزت أنصاره.

قال بعضهم: الأمر بالإعراض منسوخ بآية الجهاد.

والأكثرون على أن الصفح مطلق فلا حاجة إلى التزام النسخ والله  أعلم.

التأويل: ﴿ خذوا حذركم ﴾ وهو ذكر الله ﴿ فانفروا ثبات ﴾ جاهدوا بالرياضات من عالم التفرقة وهو عالم الحيوانية ﴿ أو انفروا جميعاً ﴾ من عالم الجمعية وهو عالم الروحانية إلى عالم الوحدة ﴿ وإن منكم ﴾ أيها الصدّيقون ﴿ لمن ليبطئن ﴾ من المدعين المتكاسلين في السير، القانعين بالاسم، النازلين على الرسم مصيبة شدة ومجاهدة فضل من الله مواهب غيبية وعلوم لدنية ومرتبة عند الخواص وقبول عند العوام يشترون الحياة الدنيا يشترون حظوظ النفس بحقوق الرب فيقتل نفسه بسيف الصدق أو يغلب عليها بالظفر فتسلم على مدة.

﴿ والمستضعفين من الرجال ﴾ أي الأرواح الضعيفة استضعفتها النفوس باستيلائها عليها ﴿ والنساء ﴾ أي القلوب فإنّ القلب للروح كالزوجة للزوج لتصرف الروح والقلب كتصرف الزوج في الزوجة.

﴿ والولدان ﴾ الصفات الحميدة المتولّدة بين الروح والقلب ﴿ من هذه القرية ﴾ قرية البدن ﴿ الظالم أهلها ﴾ وهي النفس الأمارة بالسوء ﴿ نصيراً ﴾ شيخاً مربياً ﴿ ألم تر إلى الذين قيل لهم ﴾ من أهل السلامة ﴿ كفوا أيديكم ﴾ من الاعتصام بحبل أهل الملامة ﴿ وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ﴾ فإنكم لستم أهل الغرام فاقنعوا بدار السلام والسلام لأرباب / الغرام من أهل الملام ﴿ إذا فريق منهم يخشون الناس ﴾ ويخافون لومة الناس ولو كان من شرطهم أن لا يخافوا لومة لائم ولا يناموا نومة نائم فنفروا عن فريقهم كالبهائم، وضلوا عن طريقهم كالهائم.

﴿ لولا أخرتنا إلى أجل قريب ﴾ فنموت بالآجال فإن لنا كل لحظة موتة في ترك حظوة.

فيا أيها البطلة في زي الطلبة الذين غلب عليكم حب الدنيا فأقعدكم عن طلب المولى ﴿ أينما تكونوا يدرككم الموت ﴾ اضطراراً إن لم تموتوا قبل أن تموتوا اختياراً ﴿ ولو كنتم في بروج مشيدة ﴾ أجسام قوية مجسمة ﴿ وإن تصبهم ﴾ يعني أهل البطالة ﴿ حسنة ﴾ من فتوحات غيبية ﴿ يقولوا هذه من عند الله ﴾ لا يرون للشيخ فيما عليهم حقاً ﴿ وإن تصبهم سيّئة ﴾ من الرياضات والمجاهدات ﴿ يقولوا ﴾ للشيخ ﴿ هذه من عندك ﴾ أي بسببك وسعيك ﴿ قل كل من عند الله ﴾ القبض والبسط والفرح والترح ﴿ ما أصابك ﴾ من فتح وموهبة ﴿ فمن الله ﴾ فضلاً وكرماً ﴿ وما أصابك من سيّئة ﴾ بلاء وعناء ﴿ فمن ﴾ شؤم صفات ﴿ نفسك ﴾ الأمارة.

والتحقيق فيه أن للأعمال أربع مراتب: التقدير والخلق وهاتان من الله  ، والكسب والفعل وهاتان من العبد، وإن كان العبد وكسبه وفعله كلها مخلوقة خلقها الله تعالى فافهم.

﴿ وأرسلناك للناس رسولاً ﴾ يهتدون بهداك ويتبعون خطاك، ويقولون إذا كانوا حاضرين في صحبتك، وتنعكس أشعة أنوار النبوة عليهم، ويصغون بآذانهم الواعية إلى الحكم والمواعظ الوافية السمع والطاعة.

﴿ فإذا برزوا من عندك ﴾ وهبت عليهم رياح الهوى عاد الطبع المشؤوم إلى أصله وهكذا حال أكثر مريدي هذا الزمان من مشايخهم والله يكتب بغير عليهم ﴿ ما يبيتون ﴾ لأنّ الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم ﴿ فأعرض عنهم ﴾ واصبر معهم ﴿ وتوكّل على الله ﴾ فلعل الله يصلح بالهم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ ﴾ .

لأن الله -  - أمر بطاعة الرسول، فإذا أطاع رسوله  فقد أطاع الله -  - لأنه اتبع أمره؛ ألا ترى أنه قال - عز وجل -: ﴿ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ  ﴾ وحتى جعل طاعة الرسول من شرط الإيمان بقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ﴾ الآية [النساء: 65].

والثاني: أن الرسول  إنما يأمر بطاعة الله، فإن أطاع رسوله  وائتمر بأمره فقد أطاع الله - عز وجل - لأنه هو الآمر بطاعة الله، وبالله التوفيق.

وقيل: لأن الرسول  يأمر بأمر الله -  - لذلك كانت طاعته طاعة الله، وذكر في بعض الأخبار أن النبي  قال [في المدينة]: "مَنْ أَحَبَّنِي فَقَدْ أَحَبَّ اللهَ -  - وَمَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ" فعيره المنافقون في ذلك فأنزل الله -  - تصديقاً لقول النبي  : ﴿ مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً ﴾ .

وروي عن النبي  قال: "مَنْ أَطاعَ اللهَ فَقَدْ ذَكَرَ وَإِنْ قَلَّتْ صَلاَتُهُ وَصِيَامُهُ وَتِلاَوَتُهُ الْقُرْآنَ، وَمَنْ عَصَاهُ فَقَدْ نَسِيَ اللهَ - تَعَالَى - وَإِنْ كَثُرَ صِيَامُهُ وَصَلاَتُهُ وَتِلاَوَتُهُ القُرْآنَ" ، فطاعة الله -  - إنما تكون في اتباع أمره، وانتهاء مناهيه، وكذلك حبه إنما يكون في اتباع أمره ونواهيه؛ كقوله -  -: ﴿ قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ  ﴾ .

وقوله - أيضاً -: ﴿ مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ ﴾ ظاهر مكشوف، حقيقته أنه يطيعه لطاعة الله؛ إذ الأمر يطيعه على أن يدعوه إلى طاعته، وطاعته إجابته له بما يطيع الله به، وحكمته أنه لم يجعل مسلك الطاعة عبادة وإن كانت هي لله عبادة، ولا تجوز عبادة الرسول؛ فصير الله -  - طاعته عبادة لله -  - فاعلم: أن الطاعة قد تكون غير مستحقة لاسم العبادة؛ إذ قد يسمى لا من ذلك الوجه، ولذلك جاز القول بمطاع في الخلق، ولا يجوز بمعبود، والله أعلم.

وأيضاً: فيه شهادة له بالعصمة في كل ما دعا إليه وأمر به، وإلزام للخلق بالشهادة له بالصدق في ذلك والقيام به، أكد بقوله -  -: ﴿ فَلْيَحْذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ...

 ﴾ ، وبقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ...

﴾ الآيتين جميعاً [النساء: 65]، وذلك الإباء على لزوم طاعته أخوف مخالفة العذاب الأليم، وأزال عن الواجد في نفسه من قضائه الحرج الإيمان، ثم ليست طاعته في فعله خاصة، أو قول ما يقوله، ولكنّها بوجهين: أحدهما: اعتقاد كل فعل وقول على ما عليه عنده من خصوص، أو عموم، أو إلزام، أو آداب، أو إباحة، أو ترغيب.

والثاني: في الوفاء بالذي منه المراد فيه من أن يفعل كفعله أو يتقي ذلك، أو يستعمله في حق الإباحة، أو ما أراد من محله فيه، يعرف موقع كل من ذلك بالأدلة، ولا قوة إلا بالله.

وقول من يقول: لا يلزم طاعته في فعله أو يلزم، كلام بهذا الإطلاق لا معنى له.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً ﴾ .

في أعمالهم وأفعالهم، فإنما عليهم ما عملوا وعليكم ما عملتم، ما تسأل أنت عن أعمالهم، ولا يسألون عما فعلتم، والله أعلم.

ويحتمل قوله: ﴿ فَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً ﴾ يطلع على سرائرهم، إنما عليك أن تعاملهم على الظاهر، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ ﴾ .

قيل: إن المنافقين قد أظهروا التصديق لله -  - ولرسوله  ، فإذا دخلوا على رسول الله  قالوا: يا رسول الله، أمرك طاعة، فمُرْنا بما شئت نفعله، فإذا أمرهم بأمر ونهاهم عنه خالفوا أمره، وغيروا ما أمرهم [به] ونهاهم [عنه]؛ فأنزل الله -  - على رسول الله  : ﴿ مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ وَمَن تَوَلَّىٰ...

﴾ إلى قوله -  -: ﴿ بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ ٱلَّذِي تَقُولُ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ ٱلَّذِي تَقُولُ ﴾ .

قوله: ﴿ بَيَّتَ ﴾ .

قيل: غير ما أمرهم به.

وقيل: ﴿ بَيَّتَ ﴾ ألف.

وقيل: ﴿ بَيَّتَ ﴾ أي: قدروا بالليل القول وألفوا، وكل كلام وقول مقدر بالليل مؤلف فيه، يقال: بَيَّت، ومعناه - والله أعلم -: أن رسول الله  [...] فهذا - والله أعلم - معنى قوله: ﴿ بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ ٱلَّذِي تَقُولُ ﴾ وإلا ظاهر هذا ليس على ما قاله أهل التفسير، وبالله التوفيق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ ﴾ .

أي: الله -  - يأمر بإثبات ما يبيتون من القول الكذب والمغير من القول؛ ليلزمهم الحجة؛ لأنهم كانوا يسرون ذلك ويضمرونه لا يظهرون إظهاراً ليجزيهم جزاء ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ .

[يحتمل: أعرض عنهم] ولا تكافئهم [على هذا].

ويحتمل: أعرض عنهم، ولا تتكلف إظهار سرهم، ولا تطلع عليه، إنما ذلك إليَّ؛ لأطلعكم على ما يسرون؛ ليعلموا أنك إنما عرفت ذلك بالله ففيه دلالة إثبات الرسالة، فتوكل على الله، وثق به، ولا تخافهم، فإن الله -  - يدفع عنك شرهم وكيدهم.

ويحتمل: ﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ﴾ في جزائه؛ فإن الله هو يتولى جزاء تكذيبهم إياك، والله أعلم.

﴿ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً ﴾ فيما ذكرنا.

أي: كفى به مانعاً، فلا أحد أمنع منه.

وقيل: ﴿ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً  ﴾ مما يبيتون وحافظاً.

وقال بعضهم: لا يكون التبييت إلا بالليل، يؤلفون الشيء ويقدرونه بالليل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلاَفاً كَثِيراً ﴾ .

لو كان الحكم لظاهر المخرج على ما يقوله قوم - لكان القرآن خرج مختلفاً متناقضاً؛ لأنه قال - عز وجل - في الآية: ﴿ لاَ يَسْتَأْذِنُكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ...

﴾ الآية [التوبة: 44]، ويقول في آية آخرى: ﴿ إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ  ﴾ لو كان على ظاهر المخرج فهو مختلف، وكذلك قوله -  -: ﴿ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ  ﴾ ، وقال الله - عز وجل - في آية أخرى: ﴿ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَن يَتَرَاجَعَآ  ﴾ في إحداهما حظر وفي الأخرى إباحة، فلو كان على ظاهر المخرج والعموم - لكان مختلفاً متناقضاً، ويجد أهل الإلحاد أوضح طعن فيه وأيسر سبيل إلى القول بأنه غير منزل من عند الرحمن؛ إذ به وصفه أنه لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً.

وقال - عز وجل -: ﴿ لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ...

﴾ الآية [فصلت: 42]، وقال - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ  ﴾ ثم وجد أكثر ما فيه الحكم متفرقاً إلى غير المخرج، ومحصلا على غير مجرى اللفظ من العموم والخصوص؛ فدل به أن الحكم لا كذلك، ولكن المعنى المودع فيه والمدرج، لا يوصل إلى ذلك إلا بالتدبر والتفكر فيه، وإلى هذا ندب الله عباده؛ ليتدبروا فيه؛ ليفهموا مضمونه، وليعملوا به.

ثم يحتمل بعد هذا وجهان: أحدهما: قوله -  -: ﴿ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلاَفاً كَثِيراً ﴾ أي: لو كان هذا القرآن من عند غير الله، لكان لا يُوَافَقُ بما يخبرهم النبي  ولكن يخبرهم مخالفا لذلك؛ لأن الكهنة، الذين كانوا يدعون الخبر عن غيب، لا يخرج خبرهم موافقا، بل كان بعضه مخالف لبعض مناقض له، فلما خرج هذا ما يخبر النبي  من سرائرهم موافقاً له، دل أنه خبر عن الله  .

والثاني: أنهم كانوا يقولون: ﴿ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ ٱخْتِلاَقٌ  ﴾ ﴿ مَا هَـٰذَآ إِلاَّ إِفْكٌ مُّفْتَرًى  ﴾ ونحوه، فأخبر الله -  - أنه لو كان من عند غير الله لكان لا يوافق لما عندهم من الكتب، بل كان مختلفاً متناقضاً، فلما خرج هذا القرآن مستوياً، موافقاً لسائر الكتب؛ كقوله -  -: ﴿ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَهُمْ  ﴾ ﴿ وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ  ﴾ دل أنه من عند الله نزل.

ويحتمل وجهاً آخر: وهو أن هذا القرآن نزل على محمد  في أوقات متفرقة متباعدة على نوازل مختلفة، فلو كان من عند غير الله نزل - لخرج مختلفاً، مناقضاً بعضه بعضاً؛ لأن حكيماً من البشر لو تكلم بكلمات في أوقات متباعدة - لخرج كلامه متناقضاً مختلفاً، إلا أن يستعين بكلام ربّ العالمين، ويعرضه عليه؛ فعند ذلك لا تناقض، فلما خرج هذا - مع تباعد الأوقات - غير مختلف ولا متناقض، دل أنه من عند الله -  - نزل، وبالله التوفيق.

وفيه الاحتجاج على الْمُلْحِدَة؛ حيث قال - عز وجل -: ﴿ أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ...

﴾ إلى قوله: ﴿ ٱخْتِلاَفاً كَثِيراً ﴾ فلو وجدوا لأظهروا ذلك، وقوله -  -: ﴿ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ  ﴾ ولو قدروا على ذلك لأتوا به؛ دل ترك إتيانهم ذلك: أنهم لم يقدروا على إتيان مثله، ولو وجدوه مختلفاً لأظهروه، ولو كان من كلام البشر - على ما قالوا - لأتوا به؛ لأنهم من البشر؛ فظهر أنه منزل من عند الله، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -" ﴿ أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ ﴾ وقوله: ﴿ لِّيَدَّبَّرُوۤاْ آيَاتِهِ  ﴾ دلالة بينة على وجهين: أحدهما: أن المقصود منه يدرك بالتأمل والتدبر؛ إذ به جرى الأمر والترغيب قبل وقت العمل، بل ألزم القيام بما يعقل بالتدبر.

ثم فيه وجهان: أحدهما: أن الأمر ليس على مخرج الكلام عند أهل اللسان، ولا على حق الأيسر في اللغة؛ إذ حق مثله أن يرغب في معرفة الموقع عند أهل اللسان من المخرج، ويوجه إليه لا يدَّبَّر فيه، والله أعلم.

ومعلوم - أيضاً - أن التدبر فيه حظ الحكماء وأهل البصر، لا حظ العوام، وما يعرف من حيث اللسان فهو حظ الفريقين، ثبت أن على العوام اتباع الخواص فيما فهموا هم والاقتداء بهم، والله أعلم.

والثاني: أنه جعل وجه معرفة الاختلاف والاتفاق بالتدبر فيه لا يقرع الكلام السمع، وإذا ثبت ذلك لم يلزم العمل بشيء من الظاهر حتى يعرف الموقع أنه على ذلك بالتدبر؛ لئلا يلحق المتمسك به النقيض بالتدبر، والله أعلم.

والوجه الثاني: بما تضمنت الاختلاف أن ارتفاع الاختلاف جعله حجة على أنه عن الله؛ إذ علم الله - مما جبل عليه الخلق - أنه لا أحد يملك بحق الاختراع لا عن علم السماع ينتهي إليه عن الله بخبر الصادقين، يملك تأليف الكلام ونظم مثله غير متناقض، ولا مختلف ينفي بنفي الاختلاف ما قرن به من الكهنة؛ إذ كذلك كلام الكهنة يخرج مختلفاً، وما قرن من تعليم البشر وأساطير الأولين، والسحر، ونحو ذلك؛ إذ كل ذلك يخرج على الاختلاف، وفي ذلك بيان حظر جعل المخرج بحق اللسان من الاسم حجة ودليلا؛ لما يوجد من ذلك الوجه اختلافاً كثيراً، ولو كان من ذلك الوجه الاحتجاج - لوجد الاختلاف، ومن رام أن يجعل القرآن - لولا بيان الخبر - موقعه على جهة قد يقع فيه الاختلاف دونه - فهو وصف القرآن مع اجتماع الخبر بنفي الاختلاف، وأما ما هو في نفسه مختلف، فمثله لكل كاهن وبشر أريد تثبيت التناقض فيه أمكن لمن يذب عنه إن كان عنه مترجم [معبر] يجب ضم تأويله إليه، فيبطل أن يكون على أحد، ووجود اختلاف في مكان، ويكون احتجاج العدين عبثاً، جل عن ذلك.

ثم ما ذكر يحتمل الأحكام والحدود، والأوامر والنواهي، وذلك يوجب أن التناسخ والخصوص والعموم لا يكون مختلفاً.

ويحتمل: الإخبار، والوعد والوعيد، ونحو ذلك، وأعني بالإخبار: عن الغيب، وعما كان أخبر - عز وجل - عن شرك المنافقين، وعما إليه مرجع الأمور، وعما كان عنهم، ونحو ذلك مما خرج كذلك، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ويقول المنافقون لك بألسنتهم: نطيع أمرك ونمتثله، فإذا خرجوا من عندك دَبَّر جماعة منهم على وجه الخفاء خلاف ما أظهروا لك، والله يعلم ما يدبِّرون، وسيجازيهم على كيدهم هذا، فلا تلتفت لهم؛ فلن يضروك شيئًا، وفوِّض أمرك إلى الله، واعتمد عليه، وكفى بالله وكيلًا تعتمد عليه.

<div class="verse-tafsir" id="91.NOQ0o"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

ليس هذا خاصًا بالمنافقين، بل يكون من ضعفاء الإيمان ومرضى القلوب.

وقد زعم بعض المفسرين أن الأمر بالإعراض عن المنافقين هنا منسوخ بقوله تعالى: ﴿ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ  ﴾ ورده الفخر الرازي.

وقالوا مثله في الآية السابقة، وإنهم لا يكادون يتركون آية من آيات العفو والصفح والحلم ومكارم الأخلاق في معاملة المخالفين إلا ويزعمون نسخه، وهو موقف ننكره كل الإنكار.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله