الإسلام > القرآن > تفسير > الماتريدي > سورة 43 الزخرف > الآيات ١٥-٢٥
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 14 دقيقة قراءةقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا ﴾ .
قال عامة أهل التأويل: أي: الكفرة جعلوا لله - - من عباده أنثى، أي: بنتاً.
وقال الزجاج: ﴿ جُزْءًا ﴾ أي: بنتاً، وقال: إن الجزء عند بعض العرب البنت؛ لأن الكفرة قد اختلف أنواع كفرهم، وهم مختلفون في كفرهم؛ يقول الثنوية بالاثنين، يقولون: إن الله - - هو خالق الخيرات، وخالق الشرور غيره؛ على حسب ما اختلفوا في ذلك الغير ما هو؟
فهؤلاء الثنوية جعلوا لله - - من عباده جزءاً وهو الخيرات، ولم يجعلوا له الجزء الآخر، ومشركو العرب جعلوا له فيما رزقهم جزءاً لله - - وجزءاً لشركائهم؛ حيث قال: ﴿ وَجَعَلُواْ للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلأَنْعَٰمِ نَصِيباً فَقَالُواْ هَـٰذَا للَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَـٰذَا لِشُرَكَآئِنَا ﴾ ، فهؤلاء جعلوا له جزءاً مما رزقهم، وهو الظاهر، وفريق آخر جعلوا له جزءاً من عباده وهو الإناث، ولم يجعلوا لله البنين، كقوله - -: ﴿ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَاتِ ﴾ فجعل الجزء له على ما ذكر أظهر مما ذكره أهل التأويل وصرفوه إليه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلإنسَانَ لَكَفُورٌ مُّبِينٌ ﴾ أي: كفور لنعمه ﴿ مُّبِينٌ ﴾ أي: يبين كفرانه.
وقوله - عز وجل - ﴿ أَمِ ٱتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُم بِٱلْبَنِينَ ﴾ هو على الإضمار؛ كأنه يقول: أم يقولون: اتخذ مما يخلق بنات لنفسه وأصفاكم بالبنين، وهو ما ذكر في آية أخرى: ﴿ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ ٱلْكَذِبَ ﴾ .
ثم قوله - -: ﴿ أَمِ ٱتَّخَذَ ﴾ أي: قالوا: بل اتخذ مما يخلق بنات.
يذكر في هذه الآيات سفه أهل مكة وشدة تعنتهم؛ لأنهم قوم لا يؤمنون بالرسل، وما ذكروا من اتخاذ الولد، وما ادعوا بأن الملائكة بنات الله، وما أقروا حين سئلوا: من خلق السماوات والأرض؟
أن الله هو خالق ذلك كله مما لا سبيل إلى معرفة ما قالوا وادعوا إلا بالرسل، وهم ينكرون الرسل، فكيف ادعوا ما ادعوا وهم ينكرون خبرهم؛ لأن من ادعى ولداً لغائب لا يعلمه إلا بخبر صادق، وكذلك معرفة الملائكة إنما هو بخبر يأتيهم، ثم هم ينكرون الأخبار والرسل؛ فتتناقض دعواهم وتضمحل، على ما ذكرنا.
ثم أخبر عنهم ما يظهرون من الحزن عندما يولد لهم من الإناث، وما يلحقهم من الكراهة في ذلك بقوله - -: ﴿ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَـٰنِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ ﴾ .
ثم قوله: ﴿ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَـٰنِ مَثَلاً ﴾ أي: شبهاً بالخلق، وأنه يخرج على وجهين: أحدهما: بما جعلوا له ولداً، والولد هو شبيه الوالد؛ فكان في إثبات الولد إثبات المثل والشبيه.
والثاني: في إثبات الولد له إثبات المشابهة بينه وبين جميع الخلق؛ لأن الخلق لا يخلو إما أن يكون مولوداً من آخر أو يولد آخر منه، وإما أن يكون له شريك فيما يملكه، أو يكون هو شريك غيره، فيكون البعض شبيهاً بالبعض، فمن أثبت لله شريكاً وولداً فقد جعله شبيهاً بالخلق؛ ولهذا تبرأ الله - - من الولد والشريك تبرؤاً واحداً بقوله - -: ﴿ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي المُلْكِ ﴾ نفى الولد والشريك عن نفسه نفياً واحداً وبراءة واحدة، والله الموفق.
وقوله: ﴿ أَمِ ٱتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُم بِٱلْبَنِينَ ﴾ يحتمل أن يكون تفسيراً لقوله: ﴿ وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ ﴾ ، وعلى ذلك قول أهل التأويل: إنهم جعلوا هذه تفسيراً للأولى.
وجائز أن يكون لا على التفسير للأولى، ولكن على الابتداء في قوم آخرين سواهم، على ما ذكرنا نحن من التأويل، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي ٱلْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي ٱلْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: هي الأصنام التي عبدوها، حلّوها وزينوها بأنواع الزينة والحليّ، يقول - والله أعلم -: ولو حلي بالحليّ وزين بالزينة وهو لا يملك نفعاً، ولا ضرّاً، ولا تكلما، ولا خصومة، ولا شيئاً من ذلك، ولا يلتفت إليه، ولا يكترث له، لولا تلك الحلي والزينة التي بها في جعل العبادة له كمن منه خلق ما ذكر من السماوات والأرض وما فيها من المنافع، أي: ليس هذا بسواء لذلك، يذكر سفههم في اختيارهم الأصنام التي هذا وصفها في العبادة على عبادة الله الذي منه كل شيء؛ يصبر رسوله على أذاهم وتكذيبهم إياه وسوء معاملتهم معه، والله أعلم.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي ٱلْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي ٱلْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ ﴾ هي الإناث؛ يقول - والله أعلم -: إن الأنثى ضعيفة، قليلة الحيلة، وهي عند الخصومة والمحاورة غير مبينة؛ يصف عجزهن وضعفهن ونقصانهنّ، يقول - والله أعلم -: كيف نسبوا إلى الله - عز وجل - ما هو أضعف وأعجز وأنقص فيما ذكر، وقد اتقوا هم منها، واختاروا لأنفسهم ما هو أكمل وأقوى وهم الذكور، وهو صلة قوله - عز وجل -: ﴿ أَمِ ٱتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُم بِٱلْبَنِينَ...
﴾ إلى آخر ما ذكر، وكل حرف مما تقدم ذكره من قوله: ﴿ وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا ﴾ ونحو ذلك.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي ٱلْحِلْيَةِ ﴾ يحتمل أن يرجع إلى معنى آخر غير المعنى فيما ذكر من الآيات، وكل حرف من هذه الحروف يرجع إلى فريق غير الفريق الآخر؛ لأنهم كانوا في المذاهب مختلفين متفرقين.
وجائز أن يرجع الكل إلى معنى واحد، والله أعلم.
وفي هذه الآيات ما ذكرنا من الوجوه من تصبير رسول الله على أذى القوم، ومن بيان سفه أولئك، ومن التحذير لما تأخر منهم، والله أعلم.
وقال القتبي: ﴿ أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي ٱلْحِلْيَةِ ﴾ أي: يرى في الحلي، وهي البنات، يريد جعلهم بنات لله - - وهم إذا كان لأحدهم بنت ﴿ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ ﴾ ؛ أي: حزين، والخصام جمع: خصيم ﴿ غَيْرُ مُبِينٍ ﴾ أي: غير مبين الحجة.
وقال أبو عوسجة: ﴿ أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي ٱلْحِلْيَةِ ﴾ أي: ينشأ؛ كما يقال: ينشأ الصبي ينشأ، أي: يشب ويرتفع، والخصام: المخاصمة.
وقال أبو معاذ: ﴿ يُنَشَّأُ فِي ٱلْحِلْيَةِ ﴾ - والله أعلم -: البنت، ويقرأ ﴿ يُنَشَّأُ ﴾ بالتشديد، و ﴿ يُنْشَأُ ﴾ بالتخفيف، وهما لغتان، وقرأ بعضهم: ﴿ يَنْشَأُ في الحلية ﴾ ، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَعَلُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَاثاً أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ ﴾ .
فإن قيل: كيف سفههم في جعلهم عباد الرحمن إناثاً، وقد جعل الله من عباده إناثاً، لماذا عاتبهم على ذلك؟
قيل: عن هذا وجهان: أحدهما: إنما سفههم وعاتبهم؛ لشهادتهم على الله - وتعالى - أنه جعل الملائكة إناثاً، وهم لم يشاهدوها، ولا يؤمنون بالرسل - عليهم السلام - حتى يقع لهم العلم والخبر بذلك بقول الرسل، والله أعلم.
والثاني: أن الله - - وصف ملائكته بأنهم لا يفترون عن عبادته، وأنهم لا يستحسرون، وأنهم مطيعون لله - - على الدوام بحيث لا يرد منهم عصيان طرفة عين؛ على ما نطق بذلك الكتاب، فهم إذا قالوا: إنهم إناث، وصفوهم بالضعف والعجز، فلا يتهيأ لهنّ القيام بما ذكر، والله أعلم.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ وَجَعَلُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَاثاً ﴾ ، وقوله: ﴿ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَاتِ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ ﴾ - ليس على حقيقة الجعل، ولكن على الوصف له والقول؛ أي: قالوا: إن الملائكة بنات الله، ووصفوا لهم بما ذكر، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَوْ شَآءَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ ﴾ تعلق المعتزلة بظاهر هذه الآية في أن الله - - لم يشأ الكفر من الكافر، وإنما شاء الإيمان، فإن الكفار ادعوا أن الله - - شاء منهم الكفر، وما شاء منهم ترك عبادة الأصنام؛ حيث قالوا: ﴿ لَوْ شَآءَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ ﴾ أي: لو شاء منا ترك عبادة الأصنام لتركناها، ولكن شاء منا عبادة الأصنام، والله - - رد عليهم قولهم واعتقادهم فقال: ﴿ مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ ﴾ ، أي: ما هم إلا يكذبون.
وعندنا الآية تخرج على وجوه: أحدها: أنهم في قولهم: ﴿ لَوْ شَآءَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ ﴾ صدقة؛ فإن معناه: لو شاء منهم تركهم عبادة الأصنام ما عبدوها، ولكن شاء أن يعبدوها فعبدوها؛ فيكون هذا منهم إخباراً عن المخبر به على ما هو؛ فيكون صدقاً.
ثم قوله - : ﴿ مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ ﴾ يحتمل: إنما سماهم كذلك لما قالت المعتزلة: إنهم ادعوا وأخبروا أن الكفر بمشيئة الله - - وأنه شاء منهم الكفر دون الإيمان، فالله - - شاء منهم الإيمان دون الكفر، فقد أخبروا على خلاف المخبر به؛ فيكونون كاذبين.
ويحتمل أنهم قالوا ذلك وفي قلوبهم بخلاف ما أخبروا، وهو أن الكفر ليس مما شاء الله - - وإنما شاء الإيمان كما تقوله المعتزلة، ولكن يقولون ذلك ردّاً على المسلمين الذين يدعونهم إلى الإيمان والرجوع عن الكفر: إنه إذا كان شاء منا الكفر دون الإيمان كيف نؤمن ونترك الكفر؟
والإخبار عما هو به وإن كان صدقاً، ولكن إذا كان في قلب المخبر واعتقاده خلاف ذلك فيكون ذلك الإخبار في نفسه صدقاً، لكن من حيث إنه إخبار عما في الضمير يكون كذباً، وهذا كقول الله - -: ﴿ إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ ﴾ وهم في قولهم: ﴿ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ ﴾ صدقه، لكن في إخبارهم عما في ضميرهم كذبة؛ لما لا يوافق ظاهر كلامهم حقيقة ما في قلوبهم، فيرجع تكذيب الله - - إياهم لكذب قلوبهم، وإن كانوا في نفس قولهم: ﴿ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ ﴾ صدقة، وإذا احتمل الوجهين فلا تكون الآية حجة لهم مع الاحتمال، وعلى الوجهين جميعاً يكونون كاذبين؛ لذلك قال: ﴿ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ ﴾ ، والله أعلم.
والثاني: أنهم وإن كانوا صادقين في ذلك فهم ربما قالوا ذلك على الاستهزاء والسخرية، لا على الجد؛ فيكون قصدهم تلبيس الصدق على الناس ورده، كقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَقُولُ ٱلإِنسَانُ أَءِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً ﴾ ، وهذا القول من هذا الإنسان حق وصدق، لكن إنما قال ذلك استهزاء منه وإنكاراً للبعث؛ ألا ترى أن الله - - وعظه على ذلك وذكره، حيث قال: ﴿ أَوَلاَ يَذْكُرُ ٱلإِنسَٰنُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً ﴾ فعلى ذلك قول أولئك وإن كان في الظاهر صدقاً فهم إنما قالوا ذلك استهزاء وسخرية على سبيل الإنكار وتلبيس الحق؛ فيكون إخبارهم من هذا الوجه ولهذا الغرض خرصاً وكذباً، والله أعلم.
والثالث: غرضهم بذلك الاحتجاج على المسلمين في توعيدهم بالعذاب بسبب العناد والكفران كيف نعذب وإنما باشرنا الكفر بمشيئته، ولو شاء أن نترك العبادة للأصنام تركنا فإذا كان شاء منا الكفر حتى كفرنا لماذا عاقبنا؟
فأبطل احتجاجهم بقوله - -: ﴿ مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ ﴾ أي: هم جاهلون في الاحتجاج بهذا، كاذبون في أنهم باشروا الكفر بسبب مشيئة الله - - إياهم الكفر، ولكن لسوء اختيارهم، وأسباب حاملة لهم على ذلك، وأصله: أن لا أحد من العصاة والفسقة والكفرة يفعل وعنده أن الله - - شاء ذلك منهم، فإذا كان وقت فعله لا يفعل ما يفعل؛ لأن الله شاء ذلك منه لم يكن له هذا الاحتجاج والقول الذي قالوا: والله الموفق.
والرابع: يحتمل أنهم يقولون: ﴿ لَوْ شَآءَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ ﴾ ، وقولهم: ﴿ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا ﴾ أي: لو أمرنا الله - - بترك عبادتنا أولئك الأصنام ما عبدناهم، لكن أمرنا أن نعبدهم، كانوا يدعون أنما يعبدون لأمر من الله - - كقوله: ﴿ وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ آبَاءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا ﴾ .
أو أرادوا بالمشيئة: الرضا؛ يقولون: لولا أن الله - - قد رضي بذلك عنّا وعن آبائنا، وإلا ما تركنا وهم على ذلك؛ فاستدلوا بتركهم على ما اختاروا على أن الله - - قد رضي بذلك عنهم، فردّ الله - وتعالى - بقوله: ﴿ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ ﴾ وبقوله: ﴿ قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ...
﴾ الآية [الأعراف: 28]، وقد ذكرناه على الاستقصاء في قوله - -: ﴿ سَيَقُولُ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا...
﴾ الآية [الأنعام: 148]، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً مِّن قَبْلِهِ فَهُم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ ﴾ أي: لم نؤتهم كتاباً ليكون لهم العلم بذلك؛ يسفههم في قولهم؛ لأنهم قوم لا يؤمنون ولا يصدقون.
وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلْ قَالُوۤاْ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَارِهِم مُّهْتَدُونَ ﴾ إنهم قوم ينكرون [الرسل] ويكذبونهم بعلة أنهم بشر، ثم اقتدوا بآبائهم واتبعوهم وهم بشر أيضاً، فهذا تناقض في القول؛ يذكر سفههم وتناقضهم في القول.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَذَلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَارِهِم مُّقْتَدُونَ ﴾ يصبّر رسوله على ما قال هؤلاء: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَارِهِم مُّقْتَدُونَ ﴾ : أنّه ليس ببديع من هؤلاء؛ بل قال أوائلهم لرسلهم على ما قال قومك؛ يصبره ويعزيه، ويذكر سفههم في اتباعهم إياهم واقتدائهم بهم وهم بشر، فيقول: فإذا كنتم لا محالة تتبعون البشر فاتبعوا أمر [من] هم أهدى من آبائكم، وهم الرسل، وهو ما قال - عز وجل -: ﴿ قَٰلَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَىٰ مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَآءَكُمْ ﴾ فقالوا عند ذلك: ﴿ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ﴾ عناداً وتعنتاً منهم.
وقال بعضهم: أي: قل يا محمد: ﴿ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ ﴾ أي: إن جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم من الدين، أفتتبعونني فيما جئتكم؟
فردوا عليه وقالوا: ﴿ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ ﴾ هذا وعيد.
ثم قال بعضهم: ﴿ فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ ﴾ يقول: هو رجوع إلى ذكر الأمم الخالية، فقال: فانتقمنا منهم بالعذاب الذي نزل.
ويحتمل أن يكون قوله - -: ﴿ فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ ﴾ وذلك جائز.
وقوله: ﴿ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ ﴾ يحتمل: مكذبي الرسل.
ويحتمل: مكذبي العذاب.
<div class="verse-tafsir"