الإسلام > القرآن > سور > سورة 43 الزخرف > الآية ١٥ من سورة الزخرف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 74 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٥ من سورة الزخرف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى مخبرا عن المشركين فيما افتروه وكذبوه في جعلهم بعض الأنعام لطواغيتهم وبعضها لله ، كما ذكر الله عنهم في سورة " الأنعام " ، في قوله : ( وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون ) [ الأنعام : 136 ] .
وكذلك جعلوا له من قسمي البنات والبنين أخسهما وأردأهما وهو البنات ، كما قال تعالى : ( ألكم الذكر وله الأنثى .
تلك إذا قسمة ضيزى ) [ النجم : 21 ، 22 ] .
وقال هاهنا : ( وجعلوا له من عباده جزءا إن الإنسان لكفور مبين )
القول في تأويل قوله تعالى : وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (15) يقول تعالى ذكره: وجعل هؤلاء المشركون لله من خلقه نصيبا, وذلك قولهم للملائكة: هم بنات الله.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني في محمد بن عمرو, قال: ثنا عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله عزّ وجلّ: ( وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا ) قال: ولدا وبنات من الملائكة.
حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ( وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا ) قال: البنات.
وقال آخرون: عنى بالجزء ها هنا: العدل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا ) : أي عدلا.
حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة, في قوله: ( وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا ) : أي عدلا.
قوله تعالى : وجعلوا له من عباده جزءا إن الإنسان لكفور مبين .قوله تعالى : وجعلوا له من عباده جزءا أي عدلا ، عن قتادة يعني ما عبد من دون الله عز وجل .
الزجاج والمبرد : الجزء هاهنا البنات ، عجب المؤمنين من جهلهم إذا أقروا بأن خالق السماوات والأرض هو الله ثم جعلوا له شريكا أو ولدا ، ولم يعلموا أن من قدر على خلق السماوات والأرض لا يحتاج إلى شيء يعتضد به أو : يستأنس به ; لأن هذا من صفات النقص .
قال الماوردي : والجزء عند أهل العربية البنات ، يقال : قد أجزأت المرأة إذا ولدت البنات ، قال الشاعر :إن أجزأت المرأة يوما فلا عجب قد تجزئ الحرة المذكار أحيانا[ ص: 65 ] الزمخشري : ومن بدع التفاسير تفسير الجزء بالإناث ، وادعاء أن الجزء في لغة العرب اسم للإناث ، وما هو إلا كذب على العرب ووضع مستحدث متحول ، ولم يقنعهم ذلك حتى اشتقوا منه : أجزأت المرأة ، ثم صنعوا بيتا ، وبيتا :إن أجزأت حرة يوما فلا عجب زوجتها من بنات الأوس مجزئةوإنما قوله : وجعلوا له من عباده جزءا متصل بقوله : ولئن سألتهم أي : ولئن سألتهم عن خالق السماوات والأرض ليعترفن به ، وقد جعلوا له مع ذلك الاعتراف من عباده جزءا فوصفوه بصفات المخلوقين .
ومعنى من عباده جزءا أن قالوا الملائكة بنات الله ، فجعلوهم جزءا له وبعضا ، كما يكون الولد بضعة من والده وجزءا له .
وقرئ ( جزءا ) بضمتين .إن الإنسان يعني الكافر .
لكفور مبين قال الحسن : يعد المصائب وينسى النعم .
مبين مظهر الكفر .
يخبر تعالى عن شناعة قول المشركين، الذين جعلوا للّه تعالى ولدا، وهو الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، ولم يكن له كفوا أحد، وإن ذلك باطل من عدة أوجه:منها: أن الخلق كلهم عباده، والعبودية تنافي الولادة.ومنها: أن الولد جزء من والده، واللّه تعالى بائن من خلقه، مباين لهم في صفاته ونعوت جلاله، والولد جزء من الوالد، فمحال أن يكون للّه تعالى ولد.
قوله - عز وجل - : ( وجعلوا له من عباده جزءا ) أي نصيبا وبعضا وهو قولهم : الملائكة بنات الله .
ومعنى الجعل هاهنا الحكم بالشيء والقول ، كما تقول : جعلت زيدا أفضل الناس ، أي وصفته وحكمت به ، ( إن الإنسان ) يعني الكافر ، ( لكفور ) جحود لنعم الله ، ( مبين ) ظاهر الكفران .
«وجعلوا له من عباده جزءاً» حيث قالوا والملائكة بنات الله لأن الولد جزء من الوالد والملائكة من عباده تعالى «إن الإنسان» القائل ما تقدم «لكفور مبين» بين ظاهر الكفر.
وجعل هؤلاء المشركون لله مِن خلقه نصيًبا، وذلك قولهم للملائكة: بنات الله.
إن الإنسان لجحود لنعم ربه التي أنعم بها عليه، مظهر لجحوده وكفره يعدِّد المصائب، وينسى النعم.
ثم حكى - سبحانه - ما افتراه المشركون على خالقهم ورازقهم من أكاذيب ورد عليها بما يزهق باطلهم ، فقال - تعالى - : ( وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا .
.
.
كَانَ عَاقِبَةُ المكذبين ) .والمراد بالجعل فى قوله - تعالى - : ( وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا .
.
.
) الاعتقاد الباطل ، والحكم الفاسد .
والمراد بالجزء الولد .
والمقصود به خصوص البنات ، كما يدل عليه سياق الآيات .قال الآلوسى ما ملخصه : قوله : ( وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا .
.
.
) متصل بقوله - تعالى - قبل ذلك : ( وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السماوات والأرض .
.
.
) والمراد بيان تناقضهم فى أنفسهم .
.
حيث اعترفوا بأنه - تعالى - خالق السماوات والأرض ، ثم وصفوه بصفات المخلوقين .وعبر عن الولد بالجزء ، لأنه بضعة - وفرع - من والده ، كما قيل : أولادنا أكبادنا .
.
وقيل الجزء : اسم للإِناث ، يقال : أجرأت المرأة إذا ولدة أنثى .
.أى : أن هؤلاء المشركين بلغ من تناقضهم فى أقوالهم وأفعالهم ، أنهم إذا سألهم سائل عن خالق هذا الكون قالوا : الله .
ومع ذلك فهم لجهالتهم اعتقدوا اعتقادا باطلا بأن الملائكة بناته ، مع أن الملائكة من مخلوقاته التى يشملها هذا الكون .فالمقصود من الآية الكريمة تجهيل هؤلاء المشركين ، وتعجيب كل عاقل من شفاهتهم .والظاهر أن المراد بالإِنسان فى قوله - تعالى - : ( إِنَّ الإنسان لَكَفُورٌ مُّبِينٌ ) الكافر والفاسق من بنى آدم ، لأن الإِنسان المؤمن لا يجحد نعم الله ، وإنما يشكره - تعالى - عليها .أى : إن الإِنسان الكافر والفساق عن أمر ربه ، لشديد الجحود لنعم ربه ، مظهرا ذلك فى أقواله وفى أفعاله .
اعلم أنه تعالى لما قال: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السموات والأرض لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العزيز العليم ﴾ بين أنهم مع إقرارهم بذلك، جعلوا له من عباده جزءاً والمقصود منه التنبيه على قلة عقولهم وسخافة عقولهم.
وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ عاصم في رواية أبي بكر: ﴿ جُزْء ﴾ بضم الزاي والهمزة في كل القرآن وهما لغتان، وأما حمزة فإذا وقف عليه قال جزا بفتح الزاي بلا همزة.
المسألة الثانية: في المراد من قوله: ﴿ وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءاً ﴾ قولان: الأول: وهو المشهور أن المراد أنهم أثبتوا له ولداً، وتقرير الكلام أن ولد الرجل جزء منه، قال عليه السلام: «فاطمة بضعة مني» ولأن المعقول من الوالد أن ينفصل عنه جزء من أجزائه، ثم يتربى ذلك الجزء ويتولد منه شخص مثل ذلك الأصل، وإذا كان كذلك فولد الرجل جزء منه وبعض منه، فقوله: ﴿ وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءا ﴾ معنى جعلوا حكموا وأثبتوا وقالوا به، والمعنى أنهم أثبتوا له جزءاً، وذلك الجزء هو عبد من عباده.
واعلم أنه لو قال وجعلوا لعباده منه جزءاً، أفاد ذلك أنهم أثبتوا أنه حصل جزء من أجزائه في بعض عباده وذلك هو الولد، فكذا قوله: ﴿ وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءاً ﴾ معناه وأثبتوا له جزءاً، وذلك الجزء هو عبد من عباده، والحاصل أنهم أثبتوا لله ولداً، وذكروا في تقرير هذا القول وجوهاً أُخر، فقالوا الجزء هو الأنثى في لغة العرب، واحتجوا في إثبات هذه اللغة ببيتين فالأول قوله: إن أجزأت حرة يوماً فلا عجب *** قد تجزئ الحرة المذكاة أحياناً وقوله: زوجتها من بنات الأوس مجزئة *** للعوسج اللدن في أبياتها غزل وزعم الزجاج والأزهري وصاحب الكشاف: أن هذه اللغة فاسدة، وأن هذه الأبيات مصنوعة والقول الثاني: في تفسير الآية أن المراد من قوله: ﴿ وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءاً ﴾ إثبات الشركاء لله، وذلك لأنهم لما أثبتوا الشركاء لله تعالى فقد زعموا أن كل العباد ليس لله، بل بعضها لله، وبعضها لغير الله، فهم ما جعلوا لله من عباده كلهم، بل جعلوا له منهم بعضاً وجزءاً منهم، قالوا والذي يدل على أن هذا القول أولى من الأول، أنا إذا حملنا هذه الآية على إنكار الشريك لله، وحملنا الآية التي بعدها إلى إنكار الولد لله، كانت الآية جامعة للرد على جميع المبطلين.
ثم قال تعالى: ﴿ أَمِ اتخذ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وأصفاكم بالبنين ﴾ .
واعلم أنه تعالى رتب هذه المناظرة على أحسن الوجوه، وذلك لأنه تعالى بيّن أن إثبات الولد لله محال، وبتقدير أن يثبت الولد فجعله بنتاً أيضاً محال، أما بيان أن إثبات الولد لله محال، فلأن الولد لابد وأن يكون جزءاً من الوالد، وما كان له جزء كان مركباً، وكل مركب ممكن، وأيضاً ما كان كذلك فإنه يقبل الاتصال والانفصال والاجتماع والافتراق، وما كان كذلك فهو عبد محدث، فلا يكون إلهاً قديماً أزلياً.
وأما المقام الثاني: وهو أن بتقدير ثبوت الولد فإنه يمتنع كونه بنتاً، وذلك لأن الابن أفضل من البنت، فلو قلنا إنه اتخذ لنفسه البنات وأعطى البنين لعباده، لزم أن يكون حال العبد أكمل وأفضل من حال الله، وذلك مدفوع في بديهة العقل، يقال أصفيت فلاناً بكذا، أي آثرته به إيثاراً حصل له على سبيل الصفاء من غير أن يكون له فيه مشارك، وهو كقوله: ﴿ أفأصفاكم رَبُّكُم بالبنين ﴾ ثم بيّن نقصان البنات من وجوه: الأول: قوله: ﴿ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ للرحمن مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ ﴾ والمعنى أن الذي بلغ حاله في النقص إلى هذا الحد كيف يجوز للعاقل إثباته لله تعالى!
وعن بعض العرب أن امرأته وضعت أنثى، فهجر البيت الذي فيه المرأة، فقالت: ما لأبي حمزة لا يأتينا *** يظل في البيت الذي يلينا غضبان أن لا نلد البنينا *** ليس لنا من أمرنا ماشينا وإنما نأخذ ما أعطينا *** وقوله: ﴿ ظِلّ ﴾ أي صار، كما يستعمل أكثر الأفعال الناقصة، قال صاحب الكشاف: قرئ مسود مسواد، والتقدير وهو مسود، فتقع هذه الجملة موقع الخبر والثاني: قوله: ﴿ أَو مَن يُنَشَّأُ فِي الحلية وَهُوَ فِي الخصام غَيْرُ مُبِينٍ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم ينشؤ بضم الياء وفتح النون وتشديد الشين على ما لم يسم فاعله، أي يربى، والباقون ينشأ، بضم الياء وسكون النون وفتح الشين، قال صاحب الكشاف: وقرئ يناشأ، قال ونظير المناشأة بمعنى الإنشاء، المغالاة بمعنى الإغلاء.
المسألة الثانية: المراد من قوله: ﴿ أَو مَن يُنَشَّأُ فِي الحلية ﴾ التنبيه على نقصانها، وهو أن الذي يربى في الحلية يكون ناقص الذات، لأنه لولا نقصان في ذاتها لما احتاجت إلى تزيين نفسها بالحلية، ثم بيّن نقصان حالها بطريق آخر، وهو قوله: ﴿ وَهُوَ فِي الخصام غَيْرُ مُبِينٍ ﴾ يعني أنها إذا احتاجت المخاصمة والمنازعة عجزت وكانت غير مبين، وذلك لضعف لسانها وقلة عقلها وبلادة طبعها، ويقال قلما تكلمت امرأة فأرادت أن تتكلم بحجتها إلا تكلمت بما كان حجة عليها، فهذه الوجوه دالة على كمال نقصها، فكيف يجوز إضافتهن بالولدية إليه!.
المسألة الثالثة: دلت الآية على أن التحلي مباح للنساء، وأنه حرام للرجال، لأنه تعالى جعل ذلك من المعايب وموجبات النقصان، وإقدام الرجل عليه يكون إلقاء لنفسه في الذل وذلك حرام، لقوله عليه السلام: «ليس للمؤمن أن يذل نفسه» وإنما زينة الرجل الصبر على طاعة الله، والتزين بزينة التقوى، قال الشافعي: تدرعت يوماً للقنوع حصينة *** أصون بها عرضي وأجعلها ذخرا ولم أحذر الدهر الخئون وإنما *** قصاراه أن يرمي بي الموت والفقرا فأعددت للموت الإله وعفوه *** وأعددت للفقر التجلد والصبرا ثم قال تعالى: ﴿ وَجَعَلُواْ الملائكة الذين هُمْ عِبَادُ الرحمن إناثا ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: المراد بقوله: ﴿ جَعَلُواْ ﴾ ، أي حكموا به، ثم قال: ﴿ أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ ﴾ وهذا استفهام على سبيل الإنكار، يعني أنهم لم يشهدوا خلقهم، وهذا مما لا سبيل إلى معرفته بالدلائل العقلية، وأما الدلائل النقلية فكلها مفرعة على إثبات النبوّة، وهؤلاء الكفار منكرون للنبوة، فلا سبيل لهم إلى إثبات هذا المطلوب بالدلائل النقلية، فثبت أنهم ذكروا هذه الدعوى من غير أن عرفوه لا بضرورة ولا بدليل، ثم إنه تعالى هددهم فقال: ﴿ سَتُكْتَبُ شهادتهم وَيُسْئَلُونَ ﴾ وهذا يدل على أن القول بغير دليل منكر، وأن التقليد يوجب الذم العظيم والعقاب الشديد.
قال أهل التحقيق: هؤلاء الكفار كفروا في هذا القول من ثلاثة أوجه أولها: إثبات الولد لله تعالى.
وثانيها: أن ذلك الولد بنت.
وثالثها: الحكم على الملائكة بالأنوثة.
المسألة الثانية: قرأ نافع وابن كثير وابن عامر: (عند الرحمن) بالنون، وهو اختيار أبي حاتم واحتج عليه بوجوه: الأول: أنه يوافق قوله: ﴿ إِنَّ الذين عِندَ رَبّكَ ﴾ وقوله: ﴿ وَمَنْ عِندَهُ ﴾ والثاني: أن كل الخلق عباده فلا مدح لهم فيه والثالث: أن التقدير أن الملائكة يكونون عند الرحمن، لا عند هؤلاء الكفار، فكيف عرفوا كونهم إناثاً؟
وأما الباقون فقرأوا عباد جمع عبد وقيل جمع عابد، كقائم وقيام، وصائم وصيام، ونائم ونيام، وهي قراءة ابن عباس، واختيار أبي عبيد، قال لأنه تعالى رد عليهم قولهم: إنهم بنات الله، وأخبر أنهم عبيد، ويؤيد هذه القراءة قوله: ﴿ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ ﴾ .
المسألة الثالثة: قرأ نافع وحده: ﴿ آأشهدوا ﴾ بهمزة ومدة بعدها خفيفة لينة وضمة، أي (أ) أحضروا خلقهم، وعن نافع غير ممدود على ما لم يسم فاعله، والباقون: أشهدوا، بفتح الألف، من (أ) شهدوا، أي أحضروا.
المسألة الرابعة: احتج من قال بتفضيل الملائكة على البشر بهذه الآية، فقال أما قراءة (عند) بالنون، فهذه العندية لا شك أنها عندية الفضل والقرب من الله تعالى بسبب الطاعة، ولفظة ﴿ هُمْ ﴾ توجب الحصر، والمعنى أنهم هم الموصوفون بهذه العندية لا غيرهم، فوجب كونهم أفضل من غيرهم رعاية للفظ الدال على الحصر، وأما من قرأ (عباد) جمع العبد، فقد ذكرنا أن لفظ العباد مخصوص في القرآن بالمؤمنين فقوله: ﴿ هُمْ عِبَادُ الرحمن ﴾ يفيد حصر العبودية فيهم، فإذا كان اللفظ الدال على العبودية دالاً على الفضل والشرف، كان اللفظ الدال على حصر العبودية دالاً على حصر الفضل والمنقبة والشرف فيهم وذلك يوجب كونهم أفضل من غيرهم، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا ﴾ متصل بقوله: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُم ﴾ [الزخرف: 9] أي: ولئن سألتهم عن خالق السموات والأرض ليعترفن به، وقد جعلوا له مع ذلك الاعتراف من عباده جزءاً فوصفوه بصفات المخلوقين.
ومعنى ﴿ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا ﴾ أن قالوا الملائكة بنات الله، فجعلوهم جزءاً له وبعضاً منه، كما يكون الولد بضعة من والده وجزءاً له.
ومن بدع التفاسير: تفسير الجزء بالإناث، وادعاء أنّ الجزء في لغة العرب: اسم للإناث، وما هو إلا كذب على العرب، ووضع مستحدث منحول، ولم يقنعهم ذلك حتى اشتقوا منه: أجزأت المرأة، ثم صنعوا بيتاً وبيتاً: إنْ أَجْزَأَتْ حُرَّةٌ يَوْماً فَلاَ عَجَب ** زُوِّجْتُهَا مِنْ بَنَاتِ الأَوْسِ مُجْزِئَةً وقرئ ﴿ جزؤوا ﴾ بضمتين ﴿ لَكَفُورٌ مُّبِينٌ ﴾ لجحود للنعمة ظاهر جحوده؛ لأنّ نسبة الولد إليه كفر، والكفر أصل الكفران كله ﴿ أَمِ اتخذ ﴾ بل اتخذ، والهمزة للإنكار: تجهيلاً لهم وتعجيباً من شأنهم، حيث لم يرضوا بأن جعلوا لله من عباده جزءاً، حتى جعلوا ذلك الجزء شر الجزأين: وهو الإناث دون الذكور، على أنهم أنفر خلق الله عن الإناث وأمقتهم لهنّ، ولقد بلغ بهم المقت إلى أن وأودهنّ، كأنه قيل: هبوا أنّ إضافة اتخاذ الولد إليه جائزة فرضاً وتمثيلاً، أما تستحيون من الشطط في القسمة؟
ومن ادعائكم أنه آثركم على نفسه بخير الجزأين وأعلاهما وترك له شرهما وأدناهما؟
وتنكير ﴿ بَنَاتٍ ﴾ وتعريف ﴿ البنين ﴾ وتقديمهنّ في الذكر عليهم لما ذكرت في قوله تعالى: ﴿ يَهَبُ لِمَن يَشَاء إناثا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاء الذكور ﴾ [الشورى: 49] ﴿ بِمَا ضَرَبَ للرحمن مَثَلاً ﴾ بالجنس الذي جعله له مثلاً، أي: شبهاً لأنه إذا جعل الملائكة جزءاً لله وبعضاً منه فقد جعله من جنسه ومماثلاً له؛ لأن الولد لا يكون إلا من جنس الوالد، يعني: أنهم نسبوا إليه هذا الجنس.
ومن حالهم أن أحدهم إذا قيل له: قد ولدت لك بنت اغتم واربدّ وجهه غيظاً وتأسفاً وهو مملوء من الكرب.
وعن بعض العرب: أن امرأته وضعت أنثى، فهجر البيت الذي فيه المرأة، فقالت: مَا لأَبِي حَمْزَةَ لاَ يَأْتِينَا ** يَظَلُّ فِي الْبَيْتِ الَّذِي يَلِينَا غَضْبَانُ أَنْ لاَ نَلِدَ الْبَنِينَا ** لَيْسَ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا مَاشِينَا وَإِنَّمَا نَأْخُذُ مَا أُعْطِينَا والظلول بمعنى الصيرورة، كما يستعمل أكثر الأفعال الناقصة بمعناها.
وقرئ ﴿ مسودّ ومسوادّ ﴾ على أن في ﴿ ظَلَّ ﴾ ضمير المبشر، و ﴿ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً ﴾ جملة واقعة موقع الخبر، ثم قال: أو يجعل للرحمن من الولد من هذه الصفة المذمومة صفته.
وهو أنه ﴿ يُنَشَّأُ فِي الحلية ﴾ أي يتربى في الزينة والنعمة، وهو إذا احتاج إلى مجاثاة الخصوم ومجاراة الرجال، كان غير مبين، ليس عنده بيان، ولا يأتي ببرهان يحجُّ به من يخاصمه وذلك لضعف عقول النساء ونقصانهنّ عن فطرة الرجال، يقال: قلما تكلمت امرأة فأرادت أن تتكلم بحجتها إلا تكلمت بالحجة عليها.
وفيه: أنه جعل النشء في الزينة والنعومة من المعايب والمذام، وأنه من صفة ربات الحجال، فعلى الرجل أن يجتنب ذلك ويأنف منه، ويربأ بنفسه عنه، ويعيش كما قال عمر رضي الله عنه: اخشوشنوا واخشوشبوا وتمعددوا.
وإن أراد أن يزين نفسه زينها من باطن بلباس التقوى.
وقرئ ﴿ ينشأ ﴾ ، وينشأ ويناشأ.
ونظير المناشأة بمعنى الإنشاء: المغالاة بمعنى الإغلاء.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا ﴾ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَلَئِنْ سَألْتَهُمْ ﴾ أيْ وقَدْ جَعَلُوا لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ الِاعْتِرافِ مِن عِبادِهِ ولَدًا فَقالُوا: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، ولَعَلَّهُ سَمّاهُ جُزْءًا كَما سُمِّيَ بَعْضًا لِأنَّهُ بِضْعَةٌ مِنَ الوالِدِ دَلالَةً عَلى اسْتِحالَتِهِ عَلى الواحِدِ الحَقِّ في ذاتِهِ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ «جُزُؤًا» بِضَمَّتَيْنِ.
﴿ إنَّ الإنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ ﴾ ظاهِرُ الكُفْرانِ ومِن ذَلِكَ نِسْبَةُ الوَلَدِ إلى اللَّهِ لِأنَّها مِن فَرْطِ الجَهْلِ بِهِ والتَّحْقِيرِ لِشَأْنِهِ.
<div class="verse-tafsir"
{وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءاً} متصل بقوله وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ أي ولئن سألتهم عن خالق السموات والأرض ليعترفن به وقد جعلوا له مع ذلك الاعتراف من عباده جزأ أي قالوا الملائكة بنات الله فجعلوهم جزأ له وبعضاً منه كما يكون الولد جزأ لوالده جزأ أبو بكر وحماد {إِنَّ الإنسان لَكَفُورٌ مُّبِينٌ} لجحود للنعمة ظاهر جحوده لأن نسبة الولد إليه كقر والكفر أصل الكفر ان كله
﴿ وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا ﴾ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَئِنْ سَألْتَهُمْ ﴾ إلى آخِرِهِ فَهو حالٌ مِن فاعِلِ (لَيَقُولُنَّ) بِتَقْدِيرِ قَدْ أوْ بِدُونِهِ، والمُرادُ بَيانُ أنَّهم مُناقِضُونَ مُكابِرُونَ حَيْثُ اِعْتَرَفُوا بِأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ خالِقُ اَلسَّمَواتِ والأرْضِ ثُمَّ وصَفُوهُ سُبْحانَهُ بِصِفاتِ اَلْمَخْلُوقِينَ وما يُناقِضُ كَوْنَهُ تَعالى خالِقًا لَهُما فَجَعَلُوا لَهُ سُبْحانَهُ جُزْءًا وقالُوا: اَلْمَلائِكَةُ بَناتُ اَللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، وعَبَّرَ عَنِ اَلْوَلَدِ بِالجُزْءِ لِأنَّهُ بَضْعَةٌ مِمَّنْ هو وُلِدَ لَهُ كَما قِيلَ: أوْلادُنا أكْبادُنا، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى مَزِيدِ اِسْتِحالَتِهِ عَلى اَلْحَقِّ اَلْواحِدِ اَلَّذِي لا يُضافُ إلَيْهِ اِنْقِسامٌ حَقِيقَةً ولا فَرْضًا ولا خارِجًا ولا ذِهْنًا جَلَّ شَأْنُهُ وعَلا، ولِتَأْكِيدِ أمْرِ اَلْمُناقَضَةِ لَمْ يَكْتَفِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ جُزْءًا ﴾ وقِيلَ ﴿ مِن عِبادِهِ ﴾ لِأنَّهُ يَلْزَمُهم عَلى مُوجَبِ اِعْتِرافِهِمْ أنْ يَكُونَ ما فِيهِما مَخْلُوقَهُ تَعالى وعَبْدَهُ سُبْحانَهُ إذْ هو حادِثٌ بَعْدَهُما مُحْتاجٌ إلَيْهِما ضَرُورَةً.
وقِيلَ: اَلْجُزْءُ اِسْمُ لِلْإناثِ يُقالُ: أجْزَأتِ اَلْمَرْأةُ إذْ ولَدَتْ أُنْثى، وأنْشَدَ قَوْلَ اَلشّاعِرِ: إنْ أجْزَأتْ حُرَّةٌ يَوْمًا فَلا عَجَبٌ قَدْ تُجْزِئُ اَلْحُرَّةُ اَلْمِذْكارَ أحْيانًا وقَوْلَهُ: زَوَّجْتُها مِن بَناتِ اَلْأوْسِ مُجْزِئَةً ∗∗∗ لِلْعَوْسَجِ اَللَّدْنِ في أنْيابِها زَجَلُ وجَعَلَ ذَلِكَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ مِن بِدَعِ اَلتَّفاسِيرِ وذَكَرَ أنَّ اِدِّعاءَ أنَّ اَلْجُزْءَ في لُغَةِ اَلْعَرَبِ اِسْمٌ لِلْإناثِ كَذِبٌ عَلَيْهِمْ ووَضْعٌ مُسْتَحْدَثٌ مَنخُولٌ وأنَّ اَلْبَيْتَيْنِ مَصْنُوعانِ، وقالَ اَلزَّجّاجُ: في اَلْبَيْتِ اَلْأوَّلِ لا أدْرِي قَدِيمٌ أمْ مَصْنُوعٌ.
ووَجَّهَ بَعْضُهم ذَلِكَ بِأنَّ حَوّاءَ خُلِقَتْ مِن جُزْءِ آدَمَ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ فاسْتُعِيرَ لِكُلِّ اَلْإناثِ.
وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ (جُزُأً) بِضَمَّتَيْنِ، ثُمَّ لِلْكَلامِ وإنْ سِيقَ لِلْفَرْضِ اَلْمَذْكُورِ يُفْهَمُ مِنهُ كُفْرُهم لِتَجْسِيمِ اَلْخالِقِ تَعالى والِاسْتِخْفافِ بِهِ جَلَّ وعَلا حَيْثُ جَعَلُوا لَهُ سُبْحانَهُ أخَسَّ اَلنَّوْعَيْنِ بَلْ إثْباتُ ذَلِكَ يَسْتَدْعِي اَلْإمْكانَ اَلْمُؤْذِنَ بِحُدُوثِهِ تَعالى فَلا يَكُونُ إلَهًا ولا بارِئًا ولا خالِقًا تَعالى عَمّا يَقُولُونَ وسُبْحانَهُ عَمّا يَصْفُونَ، ولَيْسَ اَلْكَلامُ مُساقًا لِتَعْدِيدِ اَلْكُفْرانِ كَما قِيلَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الإنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ ﴾ لا يَقْتَضِيهِ فَإنَّ اَلْمُرادَ اَلْمُبالَغَةُ في كُفْرانِ اَلنِّعْمَةِ وهي في إنْكارِ اَلصّانِعِ أشَدُّ مِنَ اَلْمُبالَغَةِ في كُفْرِهِمْ بِهِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ، و(مُبِينٌ) مِن أبانَ اَللّازِمِ أيْ ظاهِرُ اَلْكُفْرانِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مِنَ اَلْمُتَعَدِّي أيْ مُظْهِرٌ كُفْرانَهُ <div class="verse-tafsir"
قال الله تعالى: وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً يعني: وصفوا لله من خلقه، شريكاً وولداً إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ يعني: كَفُورٌ لنعمه مُبِينٌ أي: بين الكفر.
ثم قال تعالى: أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ وهو رد على بني مليح، حيث قالوا: الملائكة بنات الله.
معناه: اختار لكم البنين، ولنفسه البنات، ثم وصف كراهيتهم البنات فقال: وَأَصْفاكُمْ بِالْبَنِينَ.
قوله عز وجل: وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلًا يعني: بما وصفوا لله تعالى من البنات، وكرهوا لأنفسهم ذلك ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ يعني: تغير لونه، وهو حزين مكروب.
يعني: أترضون لله، ما لا ترضون لأنفسكم.
قوله عز وجل: أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ يعني: يغذى في الذهب والفضة.
ويقال: أفمن زين في الحلي والحلل وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ يعني: في الكلام غير فصيح.
ويقال: هن في الخصومة، غير مبينات في الحجة ويقال: أفمن زين في الحلي، وهو في الخصومة غير مبين، لأن المرأة لا تبلغ بخصومتها، وكلامها ما يبلغ الرجل.
قرأ حمزة والكسائي، وعاصم في رواية حفص، أو من يُنَشَّأُ بضم الياء، ونصب النون وتشديد الشين ومعناه: أو من يربى في الحلية، لفظه لفظ الاستفهام، والمراد به التوبيخ.
وقرأ الباقون، أوَمَنْ يَنْشَأ، بنصب الياء وجزم النون مع التخفيف، يعني: يشب وينبت في الحلي.
قوله تعالى: وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً يعني: وصفوا الملائكة بالأنوثة.
قرأ ابن كثير، وابن عامر، ونافع الَّذِينَ هم عبد الرحمن إِناثاً يعني: وصفوا الملائكة بالأنوثة.
قرأ ابن كثير، وابن عامر، ونافع عبيد يعني: الملائكة الذين هم في السماء، والباقون عِبَادُ يعني: جمع عبد.
ثم قال: أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ يعني: أحضروا خلق الملائكة حين خلقهم الله تعالى، فعلموا أنهم ذكوراً أو إناثاً؟
هذا استفهام فيه نفي، يعني: لم يشهدوا خلقهم على وجه التوبيخ، والتقريع.
ثم قال: سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ يعني: ستكتب مقالتهم وَيُسْئَلُونَ عنه يوم القيامة.
وروي عن الحسن: أنه قرأ سَتُكْتَبُ شَهَادَاتُهُم بالألف يعني: أقوالهم.
وقرأ عبد الرحمن الأعرج سَنَكْتُبُ بالنون.
قوله تعالى: وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ مَا عَبَدْناهُمْ يعني: ما عبدنا الملائكة ويقال: الأصنام مَّا لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ أي: ما لهم بذلك القول من حجة إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ يعني: يكذبون بغير حجة.
وقال مقاتل: في الآية تقديم يعني: عباد الرحمن إناثاً، ما لهم بذلك من علم.
قوله عز وجل: أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً مِنْ قَبْلِهِ يعني: أنزلنا عليهم كتاباً، مِن قَبْلِ هذا القرآن فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ يعني: آخذون به عاملون، اللفظ لفظ الاستفهام، والمراد به النفي.
قوله عز وجل: بَلْ قالُوا إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ يعني: لكنهم قالوا: إنا وجدنا آباءنا على دين وملة.
وقال القتبي: أصل الأمة الجماعة، والصنف.
كقوله: وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ [الأنعام: 38] ثم يستعار في أشياء منها: الدين.
كقوله: إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ أي: على دين، لأن القوم كانوا يجتمعون على دين واحد، فتقام الأمة مكان الدين، ولهذا قيل للمسلمين: أمة محمد ، لأنهم على ملة واحدة، وهي الإسلام.
وروى مجاهد، وعمر بن عبد العزيز، أنهما قرءا أُمَّةٍ بكسر الألف، أي: على نعمة.
ويقال: على هيئة، وقراءة العامة بالضمة، يعني: على دين وروى أبو عبيدة، عن بعض أهل اللغة، أن الأُمة والأمة لغتان.
ثم قال: وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ يعني: مستيقنين وَكَذلِكَ مَا أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها يعني: جبابرتها إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ يعني: بسنتهم مقتدون.
أي: بأعمالهم.
قال الله تعالى لمحمد : قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدى يعني: أليس هذا الذي جئتكم به، هو أهدى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ يعني: بأصوب وأبين من ذلك.
قرأ ابن عامر، وعاصم في رواية حفص قالَ أَوَلَوْ على معنى الخبر والباقون (قُلْ) بلفظ الأمر.
وقرأ أبو جعفر المدني (جِئْنَاكُم) بلفظ الجماعة.
قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ يعني: إن الجبابرة قالوا لرسلهم: إنا بما أرسلتم به جاحدون.
<div class="verse-tafsir"
حِيطَانِ الأَنْصَارِ، فَإذَا جَمَلٌ قَدْ أُتِيَ فَجُرْجِرَ، وذرفت عيناه، فمسح رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سَرَاتَهُ وَذِفْرَاهُ، فَسَكَنَ، فَقَالَ: مَنْ صَاحِبُ الجَمَلِ؟
فَجَاءَ فَتًى مِنَ الأنْصَارِ، فَقَالَ: هُوَ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: أَمَا تَتَّقِي اللَّهَ في هذه البهيمة الّتي ملّكت اللَّهُ إنَّهُ شَكَا إلَيَّ أَنَّكَ تُجِيعُهُ وتُدْئِبُهُ» «١» ومعنى ذَرَفَتْ عَيْنَاهُ، أي: قَطَرَتْ دموعُهما قطراً ضعيفاً، والسَّرَاةُ الظَّهْرُ، «والذفرى» : ما وراءَ الأذنَيْن عن يمين النقرة وشمالها، انتهى.
وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (١٥) أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ وَأَصْفاكُمْ بِالْبَنِينَ (١٦) وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (١٧) أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ (١٨) وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ (١٩)
وقوله سبحانه: وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً أيْ: جَعَلَتْ كُفَّارُ قُرَيْشٍ والعربِ للَّه جزءاً، أي: نصيباً وحَظًّا، وهو قولُ العَرَبِ: «الملائكة بنات اللَّه» هذا قول كثير من المتأولين، وقال قتادة: المراد بالجُزْء: الأَصنَامُ وغيرها «٢» ف جُزْءاً معناه: نِدًّا.
ت: وباقي الآية يُرَجِّحُ تأويلَ الأكثرِ.
وقوله: أَمِ اتَّخَذَ: إضرابٌ وتقريرٌ وتوبيخٌ إذِ المحمود المحبوبُ من الأولاد قد خَوَّلَهُ اللَّه بني آدم، فكيفَ يتَّخِذُ هو لنفسه النصيب الأدنى، وباقي الآية بَيِّنٌ مِمَّا ذُكِرَ في «سورة النحل» وغيرها.
ثم زاد سبحانه في توبيخهم وإفساد رأيهم بقوله: أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ التقدير: أو مَنْ يُنَشَّأُ في الحلية هو الذي خصصتم به الله عز وجل، والحلية: الحلي من الذهب/ والفضة والأحجار، ويُنَشَّؤُا معناه: ينبت ويكبر، والْخِصامِ: المحاجَّةُ ومجاذبة المحاورة، وقَلَّ ما تجد امرأة إلاَّ تُفْسِدُ الكلام وتخلط المعاني، وفي مصحف ابن مسعود «٣» : «وَهُوَ في الكَلاَمِ غَيْرُ مُبِينٍ» والتقدير: غير مُبِينٍ غَرَضاً أو منزعاً ونحو هذا،
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا ﴾ أمّا الجَعْلُ هاهُنا، فَمَعْناهُ: الحُكْمُ بِالشَّيْءِ، وهُمُ الَّذِينَ زَعَمُوا أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ؛ والمَعْنى: جَعَلُوا لَهُ نَصِيبًا مِنَ الوَلَدِ، قالَ الزَّجّاجُ: وأنْشَدَنِي بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ بَيْتًا يَدُلُّ عَلى أنَّ مَعْنى "جُزْءٍ" مَعْنى الإناثِ -وَلا أدْرِي البَيْتَ قَدِيمٌ أوْ مَصْنُوعٌ-: إنْ أجَزَأتْ حُرَّةٌ، يَوْمًا، فَلا عَجَبٌ قَدْ تُجْزِئُ الحُرَّةُ المِذْكارُ أحْيانًا أيْ: آنَثَتْ، ولَدَتْ أُنْثى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الإنْسانَ ﴾ يَعْنِي الكافِرَ ﴿ لَكَفُورٌ ﴾ أيْ: جَحُودٌ لِنِعَمِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿ مُبِينٌ ﴾ أيْ: ظاهِرُ الكُفْرِ.
ثُمَّ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿ أمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ ﴾ وهَذا اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ وإنْكارٍ ﴿ وَأصْفاكُمْ ﴾ أيْ: أخَلَصَكم ﴿ بِالبَنِينَ ﴾ .
﴿ وَإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلا ﴾ أيْ: بِما جَعَلَ لِلَّهِ شَبَهًا، وذَلِكَ أنَّ ولَدَ كُلِّ شَيْءٍ شَبَهُهُ وجِنْسُهُ.
والآيَةُ مُفَسَّرَةٌ في [النَّحْلِ: ٥٨] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوَمَن يُنَشَّأُ ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلْفٌ، وحَفْصٌ: "يُنَشَّأُ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ النُّونِ وتَشْدِيدِ الشِّينِ؛ وقَرَأ الباقُونَ: بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ النُّونِ.
قالَ المُبَرِّدُ: تَقْدِيرُهُ: أوَ يَجْعَلُونَ مَن يَنْشَأُ ﴿ فِي الحِلْيَةِ ﴾ .
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الحِلْيَةُ: الحِلى.
قالَ المُفَسِّرُونَ: والمُرادُ بِذَلِكَ: البَناتُ، فَإنَّهُنَّ رُبِّينَ في الحُلِيِّ.
والخِصامُ بِمَعْنى المُخاصَمَةِ، ﴿ غَيْرُ مُبِينٍ ﴾ حُجَّةً.
قالَ قَتادَةُ: قَلَّما تَتَكَلَّمُ امْرَأةٌ بِحُجَّتِها إلّا تَكَلَّمَتْ بِالحُجَّةِ عَلَيْها.
وَقالَ بَعْضُهُمْ: هي الأصْنامُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا إنَّ الإنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ ﴾ ﴿ أمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ وأصْفاكم بِالبَنِينَ ﴾ ﴿ وَإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلا ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا وهو كَظِيمٌ ﴾ ﴿ أوَمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ وهو في الخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ ﴾ ﴿ وَجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَحْمَنِ إناثًا أشَهِدُوا خَلْقَهم سَتُكْتَبُ شَهادَتُهم ويُسْألُونَ ﴾ الضَمِيرُ فِي: "جَعَلُوا" لِكُفّارِ قُرَيْشٍ والعَرَبِ، والضَمِيرُ فِي: "لَهُ": لِلَّهِ تَعالى.
و"الجُزْءُ": القِطَعُ مِنَ الشَيْءِ، وهو بَعْضُ الكُلِّ، فَكَأنَّهم جَعَلُوا جُزْءًا مِن عِبادِهِ نَصِيبًا لَهُ وحَظًّا، وذَلِكَ في قَوْلِ مُجاهِدٍ، وكَثِيرٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ قَوْلُ العَرَبِ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللهِ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ اللُغَةِ: الجُزْءُ: الإناثُ، يُقالُ: أجْزَأتِ المَرْأةُ إذا ولَدَتْ أُنْثى، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: إنْ أجَزَأتْ حُرَّةٌ يَوْمًا فَلا عَجَبَ ∗∗∗ قَدْ تُجْزِئُ الحُرَّةُ المِذْكارُ أحْيانًا وَقَدْ قِيلَ: إنَّ هَذا البَيْتَ مَوْضُوعٌ.
وقالَ قَتادَةُ: المُرادُ بِالجُزْءِ: الأصْنامُ وفِرْعَوْنُ وغَيْرُهُ مِمَّنْ عُبِدَ مِن دُونِ اللهِ، أيْ: جُزْءًا نِدًّا، فَعَلى هَذا فَتَعْنِيفُ الكَفَرَةِ في فَصْلَيْنِ: في أمْرِ الأصْنامِ، وفي أمْرِ المَلائِكَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الإنْسانَ لَكَفُورٌ ﴾ : أتى بِلَفْظِ الجِنْسِ العامِّ، والمُرادِ: بَعْضُ الإنْسانِ، وهو هَؤُلاءِ الجاعِلُونَ ومَن أشْبَهُهم.
و ﴿ "مُبِينٌ" ﴾ في هَذِهِ الآيَةِ غَيْرُ مُتَعَدٍّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمِ اتَّخَذَ ﴾ إضْرابٌ وتَقْرِيرٌ، وهَذِهِ حُجَّةٌ بالِغَةٌ عَلَيْهِمْ؛ إذِ المَحْمُودُ مِنَ الأولادِ والمَحْبُوبُ قَدْ خَوَّلَهُ اللهُ تَعالى بَنِي آدَمَ، فَكَيْفَ يَتَّخِذُ هو لِنَفْسِهِ النَصِيبَ الأدْنى؟
و"أصْفاكُمْ" مَعْناهُ: خَصَّكم وجَعَلَ ذَلِكَ صَفْوَةً لَكم.
ثُمَّ قامَتِ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ في هَذا المَعْنى وكانَتْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإذا بُشِّرَ ﴾ الآيَةُ، و"مُسْوَدٌّ": خَبَرُ ﴿ "ظَلَّ"، ﴾ و"الكَظِيمُ": المُمْتَلِئُ غَيْظًا الَّذِي قَدْ رَدَّ غَيْظَهُ إلى جَوْفِهِ، فَهو يَتَجَرَّعُهُ ويَرُومُ رَدَّهُ، وهَذا مَحْسُوسٌ عِنْدَ الغَيْظِ، ثُمَّ زادَ تَوْبِيخَهم وإفْسادَ رَأْيِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أوَمَن يُنَشَّأُ ﴾ ، و"مَن" في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ "جَعَلُوا"، كَأنَّهُ قالَ: أوَ مَن يُنَشَّأُ في الحِيلَةِ وهو الَّذِي خَصَصْتُمْ بِهِ اللهَ تَعالى؟
ونَحْوَ هَذا، والمُرادُ بِـ"مَنِ": النِساءُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ والسَدِّيُّ، و"يَنَشَأُ": مَعْناهُ: يَنْبُتُ ويَكْبُرُ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "يَنْشَأُ" بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ النُونِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رِضى اللهُ عنهُما: "يَنْشَأُ" بِضَمِّ الياءِ وسُكُونِ النُونِ عَلى تَعْدِيَةِ الفِعْلِ بِالهَمْزَةِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ حَفْصٍ -: "يَنْشَأُ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ النُونِ وشَدِّ الشِينِ عَلى التَعْدِيَةِ بِالتَضْعِيفِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، والحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "أو مَن لا يَنْشَأُ إلّا في الحِلْيَةِ"، و"الحِلْيَةُ": الحُلِيُّ مِنَ الذَهَبِ والفِضَّةِ والأحْجارِ، و ﴿ "الخِصامِ": ﴾ المُحاجَّةُ ومُجاذَبَةُ المُحاوَرَةِ، وقَلَّما تَجِدُ امْرَأةً إلّا تُفْسِدُ الكَلامَ وتَخْلِطُ المَعانِي، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَهُوَ في الكَلامِ غَيْرُ مُبِيَّنٍ"، و ﴿ "مُبِينٍ" ﴾ في هَذِهِ الآيَةِ مُتَعَدٍّ، والتَقْدِيرُ: غَيْرُ مُبِيِّنٍ غَرَضًا أو مَنزَعًا ونَحْوَ هَذا، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المُرادُ بِـ " مَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ " الآيَةُ: الأصْنامُ والأوثانُ، لِأنَّهم كانُوا يَتَّخِذُونَ كَثِيرًا مِنها مِنَ الذَهَبِ والفِضَّةِ، وكانُوا يَجْعَلُونَ الحُلِيَّ عَلى كَثِيرٍ مِنها.
ولَمّا فَرَغَ تَعْنِيفُهم عَلى ما أتَوْهُ في جِهَةِ اللهِ تَعالى بِقَوْلِهِمِ: "المَلائِكَةُ بَناتُ اللهِ سُبْحانَهُ"، بَيَّنَ اللهُ تَعالى فَسادَ مَقالَتِهِمْ، فَعَيَّنَها بِجِهَةٍ أُخْرى مِنَ الفَسادِ، وذَلِكَ شَنِيعُ قَوْلِهِمْ في عِبادِ اللهِ تَعالى مُخْتَصِّينَ مُقَرَّبِينَ: "أنَّهم إناثٌ"، وقَرَأ أكْثَرُ السَبْعَةِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعَلْقَمَةُ: "عِبادُ الرَحْمَنِ إناثًا"، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ، وشَيْبَةُ، وقَتادَةُ، وعُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "عِنْدَ الرَحْمَنِ إناثًا"، وهَذِهِ القِراءَةُ أدَلُّ عَلى رَفْعِ المَنزِلَةِ وقُرْبِها في التَكْرِمَةِ، كَما قِيلَ: مَلِكٌ مُقَرَّبٌ، وقَدْ تَصَرَّفَ المَعْنَيانِ في كِتابِ اللهِ تَعالى في وصْفِ المَلائِكَةِ في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ تَعالى: ﴿ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ ﴾ ، وقالَ سُبْحانَهُ في أُخْرى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ ﴾ ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَجُعِلُوا المَلائِكَةَ عِبادَ الرَحْمَنِ إناثًا".
وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ: "أأشْهِدُوا" بِهَمْزَتَيْنِ وبِلا مَدٍّ بَيْنِهِما، وبِفَتْحِ الأُولى وضَمِّ الثانِيَةِ وتَسْهِيلِها بَيْنَ الهَمْزَةِ والواوِ، ورَواها المُفَضَّلُ عن عاصِمٍ بِتَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ، وقَرَأ المُسَيِّبِيُّ عن نافِعٍ بِمَدٍّ بَيْنَ الهَمْزَتَيْنِ،.
وقَرَأ أبُو عَمْرُو، ونافِعٌ أيْضًا، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رِضى اللهُ عنهُ، وابْنُ عَبّاسٍ رِضى اللهُ عنهُما، ومُجاهِدٌ: "أوُشْهِدُوا" بِتَسْهِيلِ الثانِيَةِ بِلا مَدٍّ، وقَرَأ جَماعَةٌ مِنَ القُرّاءِ بِالتَسْهِيلِ في الثانِيَةِ ومُدَّةً بَيْنِهِما، وقَرَأ آخَرُونَ: "أُشْهِدُوا" بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ بِغَيْرِ اسْتِفْهامٍ، وهي قِراءَةُ الزَهْرِيِّ، وهي صِفَةُ الإناثِ، أيْ: أشَهِدُوا خَلْقَهُمْ؟، ومَعْنى الآيَةِ: التَوْبِيخُ وإظْهارُ فَسادِ عُقُولِهِمْ، وادِّعائِهِمْ وأنَّها مُجَرَّدَةٌ مِنَ الحُجَّةِ، وهَذا نَظِيرُ الآيَةِ الرادَّةِ عَلى المُنَجِّمِينَ وأهْلِ الطَبائِعِ، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَماواتِ والأرْضِ ﴾ .
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ" ﴾ بِرَفْعِ "شَهادَةٍ" وبِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ الأعْرَجُ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وأبُو حَيْوَةَ: "سَنَكْتُبُ شَهادَتَهُمْ" بِنُونِ الجَمْعِ، و"شَهادَتَهُمْ" بِالنَصْبِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "سَيَكْتُبُ" بِالياءِ عَلى مَعْنى: سَيَكْتُبُ اللهُ شَهادَتَهم بِالنَصْبِ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "سَتُكْتَبُ شَهاداتُهُمْ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ وجَمْعِ الشَهاداتِ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "وَيُسْألُونَ": ﴾ وعِيدٌ مُفْصِحٌ، و"أشَهِدُوا" في هَذِهِ الآيَةِ مَعْناهُ: أحَضَرُوا؟
ولَيْسَ ذَلِكَ مِن شَهادَةٍ تَحْمِلُ المَعانِي الَّتِي تُطْلَبُ أنْ تُؤَدّى.
<div class="verse-tafsir"
هذا متصل بقوله: ﴿ ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ﴾ [الزخرف: 9] أي ولئن سألتهم عن خالق الأشياء ليعترفن به وقد جعلوا له مع ذلك الاعتراف جُزْءاً.
فالواو للعطف على جملة {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض.
ويجوز كونها للحال على معنى: وقد جعلوا له من عباده جزءاً، ومعنى الحال تفيد تعجيباً منهم في تناقض آرائهم وأقوالهم وقلبهم الحقائقَ، وهي غبارة في الرأي تعرض للمقلدين في العقائد الضالّة لأنهم يلفقون عقائدهم من مختلف آراء الدُعاة فيجتمع للمقلد من آراء المختلفين في النظر ما لو اطلع كل واحد من المقتَدَيْنَ بهم على رأي غيره منهم لأبطله أو رجع عن الرأي المضادّ له.
فالمشركون مقرّون بأن الله خالق الأشياء كلّها ومع ذلك جعلوا له شركاء في الإلَهية، وكيف يستقيم أن يكون المخلوق إلها، وجعلوا لله بنات، والبنوة تقتضي المماثلة في الماهية، وكيف يستقيم أن يكون لخالق الأشياء كلّها بنات فهنّ لا محالة مخلوقات له فإنْ لم يكنّ مخلوقات لزم أن يكنّ موجودات بوجوده فكيف تكنّ بناته.
وإلى هذا التناقض الإشارة بقوله: من عباده} أي من مخلوقاته، أو ليست العبودية الحقة إلاّ عبودية المخلوق جزءاً، أي قطعة.
والجزء: بعْض من كُلَ، والقطعة منْه.
والوَلَد كجزء من الوالد لأنه منفصل مِنه، ولذلك يقال للولد: بَضْعة.
فهم جمعوا بين اعتقاد حدوث الملائكة وهو مقتضى أنها عباد الله وبين اعتقاد إلهيتها وهو مقتضى أنها بنات الله لأن البُنوة تقتضي المشاركة في الماهية.
ولما كانت عقيدة المشركين معروفة لهم ومعروفة للمسلمين كان المراد من الجزء: البنات، لقول المشركين: إن الملائكة بناتُ الله من سَرَوَاتتِ الجِنّ، أي أمهاتهم سَرَوَات الجنّ، أي شريفات الجنّ فسَرَوَات جمع سريّة.
وحكى القرطبي أن المُبرد قال: الجزء ها هنا البنات، يقال: أجزأت المرأة، إذا وَلدت أنثى.
وفي «اللّسان» عن الزجاج أنه قال: أنشدت بيتاً في أن معنى جزء معنى الإناث ولا أدري البيْتَ أقديم أم مصنوع، وهو: إنْ أجزأتْ حرةٌ يوماً فلا عجب *** قد تُجزئ الحرّة المِذْكَارُ أحياناً وفي «تاج العروس»: أن هذا البيت أنشده ثعلب، وفي «اللّسان» أنشد أبو حنيفة: زُوِّجْتُها من بناتتِ الأوْس مُجْزِئَةً *** لِلعَوْسَج الرطْببِ في أبياتِها زَجَل ونسبهُ الماوردي في تفسيره إلى أهل اللّغة.
وجزم صاحب «الكشاف» بأن هذا المعنى كَذب على العرب وأن البيتين مصنوعان.
والجعل هنا معناه: الحكم على الشيء بوصفه حكماً لا مستند له فكأنه صنع باليد والصنع باليد يطلق عليه الجعل.
وجملة ﴿ إن الإنسان لكفورٌ مبين ﴾ تذييل يدل على استنكار ما زعموه بأنه كفر شديد.
والمراد ب ﴿ الإنسان ﴾ هؤلاء النّاس خاصة.
والمُبينُ: المُوضِّح كفرَه في أقواله الصريحة في كفر نعمة الله.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: عِدْلًا أيْ مَثَلًا، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: مِنَ المَلائِكَةِ ولَدًا، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: نَصِيبًا، قالَهُ قُطْرُبٌ.
الرّابِعُ: أنَّهُ البَناتُ، والجُزْءُ عِنْدَ أهْلِ العَرَبِيَّةِ البَناتُ.
يُقالُ قَدْ أجْزَأتِ المَرْأةُ إذا ولَدَتِ البَناتَ.
قالَ الشّاعِرُ إنْ أجْزَأْتِ مَرَّةً قَوْمًا فَلا عَجَبَ قَدْ تُجْزِئُ الحُرَّةُ المِذْكارَ أحْيانًا ﴿ إنَّ الإنْسانَ لَكَفُورٌ ﴾ قالَ الحَسَنُ: يَعُدُّ المَصائِبَ ويَنْسى النِّعَمَ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلا ﴾ أيْ بِما جَعَلَ لِلرَّحْمَنِ البَناتَ ولِنَفْسِهِ البَنِينَ.
﴿ ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بِبُطْلانِ مَثَلِهِ الَّذِي ضَرَبَهُ.
الثّانِي: بِما بُشِّرَ بِهِ مِنَ الأُنْثى.
﴿ وَهُوَ كَظِيمٌ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: حَزِينٌ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: مَكْرُوبٌ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
الثّالِثُ: ساكِتٌ، حَكاهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ.
وَذَلِكَ لِفَسادِ مَثَلِهِ وبُطْلانِ حُجَّتِهِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أوَمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ ﴾ النُّشُوءُ التَّرْبِيَةُ، والحِلْيَةُ الزِّينَةُ.
وَفي المُرادِ بِها ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: الجَوارِي، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ.
الثّانِي: البَناتُ.
قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
الثّالِثُ: الأصْنامُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
وَفِي ﴿ الخِصامِ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: في الحُجَّةِ.
الثّانِي: في الجَدَلِ.
﴿ غَيْرُ مُبِينٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ عَنِيَ قِلَّةَ البَلاغَةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: ضَعْفُ الحُجَّةِ، قالَ قَتادَةُ: ما حاجَّتِ امْرَأةٌ إلّا أوْشَكَتْ أنْ تَتَكَلَّمَ بِغَيْرِ حُجَّتِها.
الثّالِثُ: السُّكُوتُ عَنِ الجَوابِ، قالَهُ الضَّحّاكُ وابْنُ زَيْدٍ ومَن زَعَمَ أنَّها الأصْنامُ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا ﴾ فِي قَوْلِهِ ﴿ عِبادُ الرَّحْمَنِ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ سَمّاهم عِبادَهُ عَلى وجْهِ التَّكْرِيمِ كَما قالَ ﴿ وَعِبادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا ﴾ الثّانِي: أنَّهُ جَمْعُ عابِدٍ.
وَفِي قَوْلِهِ ﴿ إناثًا ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أيْ بَناتُ الرَّحْمَنِ.
الثّانِي: ناقِصُونَ نَقْصَ البَناتِ.
﴿ أشَهِدُوا خَلْقَهُمْ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: مُشاهَدَتُهم وقْتَ خَلْقِهِمْ.
الثّانِي: مُشاهَدَتُهم بَعْدَ خَلْقِهِمْ حَتّى عَلِمُوا أنَّهم إناثٌ.
﴿ سَتُكْتَبُ شَهادَتُهم ويُسْألُونَ ﴾ أيْ سَتُكْتَبُ شَهادَتُهم إنْ شَهِدُوا ويُسْألُونَ عَنْها إذا بُعِثُوا.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ أفنضرب عنكم الذكر صفحاً ﴾ قال: أحسبتم أن نصفح عنكم ولم تفعلوا ما أمرتم به؟
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ أفنضرب عنكم الذكر صفحاً ﴾ قال: تكذبون بالقرآن ثم لا تعاقبون عليه.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير، عن أبي صالح رضي الله عنه ﴿ أفنضرب عنكم الذكر صفحاً ﴾ قال: والله لو أن هذا القرآن رفع حيث رده أوائل هذه الأمة لهلكوا، ولكن الله تعالى عاد عليهم بعائدته ورحمته، فكرره عليهم ودعاهم إليه.
وأخرج محمد بن نصر في كتاب الصلاة، عن الحسن رضي الله عنه قال: لم يبعث الله رسولاً إلا أن أنزل عليه كتاباً، فإن قبله قومه، وإلا رُفِعَ، فذلك قوله: ﴿ أفنضرب عنكم الذكر صفحاً إن كنتم قوماً مسرفين ﴾ لا تقبلونه، فيلقنه قلب نبيه.
قالوا: قبلناه ربنا قبلناه ربنا ولو لم يفعلوا، لَرُفِعَ ولم يترك منه شيء على ظهر الأرض.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ومضى مثل الأوّلين ﴾ قال: عقوبة الأولين.
وأخرج عبد بن حميد، عن عاصم رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ صفحاً أن كنتم ﴾ بنصب الألف ﴿ جعل لكم الأرض مهداً ﴾ بنصب الميم بغير ألف.
وأخرج ابن مردويه، عن عائشة رضي الله عنها أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ هذه الآية ﴿ وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه ﴾ أن تقولوا: الحمد لله الذي منّ علينا بمحمد عبده ورسوله، ثم تقولوا: ﴿ سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين ﴾ .
وأخرج مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي والحاكم وابن مردويه، عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان إذا سافر ركب راحلته ثم «كبر ثلاثاً ثم قال: ﴿ سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين ﴾ ﴿ وإنا إلى ربنا لمنقلبون ﴾ » .
وأخرج الطيالسي وعبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد وأبو داود والترمذي وصححه وابن جرير والنسائي وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات، عن علي رضي الله عنه أنه أتى بدابة، فلما وضع رجله في الركاب قال: بسم الله، فلما استوى على ظهرها قال: الحمد لله ثلاثاً والله أكبر ثلاثاً ﴿ سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين ﴾ ﴿ وإنا إلى ربنا لمنقلبون ﴾ سبحانك لا إله إلا أنت قد ظلمت نفسي فاغفر لي ذنوبي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، ثم ضحك فقلت: مم ضحكت يا أمير المؤمنين؟
قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل كما فعلت، ثم ضحك فقلت يا رسول الله: مم ضحكت؟
فقال: «يعجب الرب من عبده إذا قال: رب اغفر لي، ويقول: علم عبدي أنه لا يغفر الذنوب غيري» .
وأخرج أحمد، عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أردفه على دابته، فلما استوى عليها «كبر ثلاثاً وهلل الله وحده ثم ضحك ثم قال: ما من امرئ مسلم يركب دابته، فيصنع ما صنعت، إلا أقبل الله يضحك إليه، كما ضحكت إليك» .
وأخرج أحمد والحاكم وصححه، عن محمد بن حمزة بن عمر الأسلمي، عن أبيه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فوق ظهر كل بعير شيطان، فإذا ركبتموه فاذكروا اسم الله، ثم لا تقصروا عن حاجاتكم» .
وأخرج الحاكم وصححه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «على ذروة كل بعير شيطان، فامتهنوهن بالركوب، فإنما يحمل الله» .
وأخرج ابن سعد وأحمد والبغوي والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في سننه، عن أبي لاس الخزاعي رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من بعير إلا في ذروته شيطان، فاذكروا اسم الله عليه إذا ركبتموه كما أمركم، ثم امتهنوها لأنفسكم، فإنما يحمل الله» .
وأخرج ابن المنذر عن شهر بن حوشب رضي الله عنه في قوله: ﴿ ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه ﴾ قال: نعمة الإِسلام.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن أبي مجلز رضي الله عنه قال: رأى حسين بن علي رضي الله عنه رجلاً يركب دابة، فقال: ﴿ سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين ﴾ ﴿ وإنا إلى ربنا لمنقلبون ﴾ قال: أو بذلك أمرت؟
قال: فكيف أقول؟
قال: الحمد لله الذي هدانا للإِسلام، الحمد لله الذي منَّ علينا بمحمد صلى الله عليه وسلم، الحمد لله الذي جعلني في خير أمة أخرجت للناس، ثم تقول: ﴿ سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير، عن طاوس رضي الله عنه، أنه كان إذ ركب دابة قال: بسم الله اللهم هذا من مَنِّكَ وفضلك علينا، فلك الحمد ربنا ﴿ سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين ﴾ ﴿ وإنا إلى ربنا لمنقلبون ﴾ .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وما كنا له مقرنين ﴾ قال: الإِبل والخيل والبغال والحمير.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وما كنا له مقرنين ﴾ قال: مطيقين.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن قتادة رضي الله عنه ﴿ وما كنا له مقرنين ﴾ قال: لا في الأيدي ولا في القوّة.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر، عن سليمان بن يسار رضي الله عنه أن قوماً كانوا في سفر، فكانوا إذا ركبوا قالوا: ﴿ سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين ﴾ وكان فيهم رجل له ناقة رازم فقال: أما أنا فأنا لهذه مقرن، فقمصت به، فصرعته فاندقت عنقه.
والله أعلم.
وأخرج عبد بن حميد وعبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر، عن قتادة رضي الله عنه ﴿ وجعلوا له من عباده جزءاً ﴾ قال: عدلاً.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وجعلوا له من عباده جزءاً ﴾ قال: ولداً وبنات من الملائكة.
وفي قوله: ﴿ وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلاً ﴾ قال: ولداً.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير، عن قتادة رضي الله عنه ﴿ وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلاً ظل وجهه مسوداً وهو كظيم ﴾ قال: حزين.
وأخرج عبد بن حميد، عن عاصم رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ بما ضرب للرحمن مثلاً ﴾ بنصب الضاد.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير، عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ أو من ينشأ في الحلية ﴾ قال: الجواري جعلتموهن للرحمن ولداً ﴿ فكيف تحكمون ﴾ [ الصافات: 154] .
وأخرج عبد بن حميد، عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ أو من ينشأ في الحلية ﴾ قال: هن النساء، فرق بين زيهن وزي الرجال، ونقصهن من الميراث، وبالشهادة، وأمرهن بالقعدة، وسماهن الخوالف.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ أو من ينشأ في الحلية ﴾ قال: جعلوا لله البنات ﴿ وإذا بشر أحدهم ﴾ بهن ﴿ ظل وجهه مسوداً وهو كظيم ﴾ حزين.
وأما قوله: ﴿ وهو في الخصام غير مبين ﴾ قال: قلما تكلمت امرأة تريد أن تتكلم بحجتها، الا تكلمت بالحجة عليها.
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يقرأ ﴿ أو من ينشأ في الحلية ﴾ مخففة الياء.
وأخرج عبد بن حميد، عن عاصم رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ ينشأ في الحلية ﴾ مخففة منصوبة الياء مهموزة.
وأخرج عبد بن حميد، عن أبي العالية رضي الله عنه أنه سئل عن الذهب للنساء، فقال لا بأس به.
يقول الله: ﴿ أو من ينشأ في الحلية ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ ﴾ .
قال صاحب النظم: رجع إلى ذكر الكفار الذين قدم ذكرهم في أول السورة، فابتدأ خبرًا عنهم من غير أن يصله في المعنى بما قبله؛ لأنه لا يتصل بشيء مما تقدمه، وإن كان منسوقًا عليه بواو العطف، ومعنى الجزء في اللغة: القطعة والنصيب، وجمعه أجزاء، ويقال: جزأت الشيء بينهم وجزأته، إذا قسمته، تخفف وتثقل (١) وذكر المفسرون في هذا قولين: أحدهما: قال ابن عباس: يريد حيث جعلوا الملائكة بنات الله (٢) فمعنى الجعل هنا الحكم بالشيء، وحُذِفَ من الكلام مفعولٌ هو مراد على تقدير: وجعلوا له من عباده جزءًا ولدًا أو بنات.
القول الثاني: أن معنى الجزء هاهنا العدل والشبيه، وذلك أنهم عبدوا الملائكة والجن، فجعلوهم لله عدلًا وشبيهًا، وهذا معنى قول مقاتل وقتادة (٣) (٤) إنْ أَجْزأَتْ حُرَّةٌ يومًا فلاَ عَجَبٌ ...
قَدْ تُجْزِئُ الحُرَّةُ المِذْكَارُ أَحْيَانَا (٥) أي: إن ولدت أنثى، قال الأزهري: واستدل قائل هذا القول بقوله -عز وجل-: ﴿ وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا ﴾ قال: وهذا القول ليس بشيء، والجزء بمعنى الإناث غير موجود في كلام العرب، والشعر القديم الصحيح لا يعبأ بالبيت الذي ذكره لأنه مصنوع (٦) قوله: ﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ ﴾ يعني: إن الكافر (لكفور) لجحود لنعم الله (مبين) بيِّن الكفران، والاختيار: القول الأول لقوله: (١) انظر: "تهذيب اللغة" (جزى) 11/ 146، "اللسان" (جزأ) 1/ 47، "كتاب الجيم" ص 93.
(٢) أخرج ذلك الطبري 13/ 55 عن مجاهد والسدي.
ونسبه في "الوسيط" 4/ 66 لابن عباس ومجاهد والحسن.
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 790، "تفسير الطبري" وقد ذكر القولين 13/ 55 - 56، "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص 396، "تفسير الماوردي" 5/ 219.
(٤) زيادة يقتضيها السياق.
(٥) البيت استشهد به ابن قتيبة في "تفسير غريب القرآن" ص 396، والماوردي في "تفسيره" 5/ 219، وأبو حيان في "البحر" 8/ 8، "اللسان" (جزأ) 1/ 47.
وقال الزمخشري: ومن بدع التفاسير تفسير الجزء بالإناث وادعاء أن الجزء في لغة العرب اسم للإناث ما هو إلا كذب على العرب ووضح محدث متحول ولم يقنعهم ذلك حتى اشتقوا منه أجزأت المرأة ثم صنعوا بيتاً وبيتاً: إن أجزأت حرة يوماً فلا عجب زوجتها من بنات الأوس مجزئة انظر: "الكشاف" 3/ 413.
(٦) انظر: "تهذيب اللغة" بتصرف يسير (جزى) 11/ 145.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا ﴾ الضمير في جعلوا لكفار العرب، وفي ﴿ لَهُ ﴾ لله تعالى، وهذا الكلام متصل بقوله: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ ﴾ [الزخرف: 9] الآية والمعنى أنهم جعلوا الملائكة بنات الله، فكأنهم جعلوا جزءاً من عباده نصيباً له وحظاً دون سائر عباده.
وقال الزمخشري: معناه أنهم جعلوا الملائكة جزءاً منه وقال بعض اللغويين: الجزء في اللغة الإناث واستشهد على ذلك ببيت شعر قال الزمخشري وذلك كذب على اللغة والبيت موضوع.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ في إم الكتاب ﴾ بكسر الهمزة: حمزة وعلي ﴿ إن كنتم ﴾ بالكسر: أبو جعفر ونافع وعلي وحمزة وخلف.
الآخرون: بالفتح أي لأن كنتم ﴿ مهداً ﴾ : عاصم وحمزة وعلي وخلف وروح.
الباقون ﴿ مهاد ﴾ ﴿ ميتاً ﴾ بالتشديد: يزيد.
﴿ يخرجون ﴾ من الخروج: حمزة وعلي وخلف وابن ذكوان.
الآخرون: من الإخراج ﴿ ينشأ ﴾ من باب التفعيل: حمزة وعلي وخلف وحفص.
الباقون: بالتخفيف والياء مفتوحة والنون ساكنة ﴿ عباد الرحمن ﴾ جمع عبد أو عابد: أبو عمرو وعاصم وحمزة وعلي وخلف، وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر ﴿ عند الرحمن ﴾ بالنون كقوله ﴿ فالذين عند ربك ﴾ الآخرون: ﴿ عبيد الرحمن ﴾ ﴿ أو شهدوا ﴾ بقلب همزة الإشهاد واواً مضمومة: ورش وإسماعيل.
وقرأ يزيد وقالون مثله ولكن بالمد.
وقرأ المفضل بتحقيق الهمزتين.
الباقون: بهمزة واحدة للاستفهام والشين مفتوحة ﴿ قال أولو ﴾ بالألف: ابن عامر وحفص والمفضل ﴿ جئناكم ﴾ يزيد.
الوقوف: ﴿ حم ﴾ ه كوفي ﴿ المبين ﴾ ه لا ومن لم يقف على ﴿ حم ﴾ وقف على ﴿ المبين ﴾ لأن القسم متعلق بما قبله وهو هذه ﴿ حم ﴾ ﴿ تعقلون ﴾ ه ج ﴿ حكيم ﴾ ه ط ﴿ مسرفين ﴾ ه ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ يستهزؤن ﴾ ه ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ العليم ﴾ ه لا بناء على أن ما بعده وصف ولو كان نصباً أو رفعاً على المدح فالوقف ﴿ تهتدون ﴾ ه ﴿ بقدر ﴾ ج للالتفات مع الفاء ﴿ ميتاً ﴾ ج لانقطاع النظم مع تعلق التشبيه ﴿ تخرجون ﴾ ه ﴿ تركبون ﴾ ه لا ﴿ مقرنين ﴾ ه لا لأن ما بعده من تمام المقول ﴿ لمنقلبون ﴾ ه ﴿ جزءاً ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ط ﴿ بالبنين ﴾ ه ﴿ كظيم ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ إناثاً ﴾ ط ﴿ خلقهم ﴾ ط ﴿ ويسئلون ﴾ ه ﴿ ما عبدناهم ﴾ ط ﴿ يحرصون ﴾ ه ط ﴿ مستمسكون ﴾ ه ﴿ مهتدون ﴾ ه ﴿ مقتدون ﴾ ه ﴿ آباءكم ﴾ ط ﴿ كافرون ﴾ ه ﴿ المكذبين ﴾ ه ﴿ تعبدون ﴾ ه لا ﴿ سيهدين ﴾ ه ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ كافرون ﴾ ه.
التفسير: أقسم بجنس الكتاب أو بالقرآن الظاهر الإعجاز أو المفصح عن كل حكم يحتاج المكلف إليه أنه جعل القرآن بلغة العرب ليعقلوه.
وفي نسبة الجعل إلى نفسه إشارة إلى أنه ليس بمفترى كما زعمه الكفرة.
وقيل: أراد ورب الكتاب وقيل: الكتاب اللوح المحفوظ.
وقال ابن بحر: هو الخط أقسم به تعظيماً لنعمته فيه، وقال ابن عيسى: البيان ما يظهر به المعنى للنفس عند الإدراك بالبصر والسمع وذلك على خمسة أوجه: لفظ وخط وإشارة وعقد وهيئة، كالأعراض وتكليح الوجه.
وأم الكتاب بكسر الهمزة وبضمها اللوح المحفوظ لأنه أصل كل كتاب والتقدير: وإنه لعلي حكيم في أم الكتاب لدينا.
والعلو علو الشأن في البلاغة والإرشاد وغير ذلك والحكيم المشتمل على الحكمة.
ثم أنكر على مشركي قريش بقوله ﴿ أفنضرب ﴾ قال جار الله: أراد أنهملكم فنضرب ﴿ عنكم الذكر ﴾ يقال: ضرب عنه الذكر إذا أمسك عنه وأعرض عن ذكره من ضرب في الأرض.
إذا أبعد و ﴿ صفحاً ﴾ مصدر من غير لفظ الفعل والأصل فيه أن تولي الشيء صفحة عنقك، وجوز جار الله أن يكون بمعنى جانباً من قولهم: " نظر إليه بصفح وجهه " فينتصب على الظرف ويكون الذكر بمعنى الوعظ والقرآن والفحوى أفننحيه عنكم.
وقيل: ضرب الذكر رفع القرآن عن الأرض أي أفنرفع القرآن عن الأرض أي أفنرفع القرآن من بين أظهركم إشراككم مع علمنا بأنه سيأتي من يقبله ويعمل به.
قال السدي: أفنترككم سدى لا نأمركم ولا ننهاكم وهو قريب من الأول.
وقيل: الذكر هو أن يذكروا بالعقاب ولا يخلوا من مناسبة لقوله ﴿ فأهلكنا أشد منهم بطشاً ﴾ ومن قرأ ﴿ إن كنتم ﴾ بالكسر فكقول الأجير: إن كنت عملت لك فوفني حقي.
يخيل في كلامه أن تفريطه في الخروج عن عهدة الأجر فعل من يشذ في الاستحقاق مع تحققه في الخارج.
ثم سلى نبيه بقوله ﴿ وكم أرسلنا ﴾ الآيتين.
قوله ﴿ أشد منهم ﴾ قيل: "من" زائدة والمراد أشدهم ﴿ بطشاً ﴾ كعاد وثمود وقيل: الضمير لقوم رسول الله وأصله أشد منكم إلا أنه ورد على طريقة الالتفات كقوله ﴿ حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم ﴾ قوله ﴿ ومضى مثل الأولين ﴾ أي سلف ذكرهم وقصتهم العجيبة في القرآن غير مرة ويحتمل أن يكون معناه كقوله ﴿ وقد خلت سنة الأولين ﴾ ثم بين بقوله ﴿ ولئن سألتهم ﴾ أن كفرهم كفر عناد ولجاج لأنهم يعرفون الله ثم ينكرون رسوله وكتابه وقدرته على البعث.
وهذه الأوصاف من كلام الله لا من قول الكفار بدليل قوله ﴿ لكم ﴾ ولم يقل " لنا " ولقوله ﴿ فأنشرنا ﴾ والمراد لينسبن خلقها إلى الذي هذه أوصافه وقد مر في "طه" مثله.
وقوله ﴿ تهتدون ﴾ أي في الأسفار أو إلى الإيمان بالنظر والاعتبار.
وقوله ﴿ بقدر ﴾ أي بمقدار الحاجة لا مخرباً مغرقاً كما في الطوفان.
وقوله ﴿ ميتاً ﴾ تذكيره بتأويل المكان.
والأزواج الأصناف وقد مر في قوله ﴿ سبحان الذي خلق الأزواج ﴾ والعائد إلى ما في قوله ﴿ ما تركبون ﴾ محذوف فلك أن تقدره مؤنثاً أو مذكراً باعتبارين.
قال في الكشاف: يقال: ركبت الأنعام وركبت في الفلك إلا أنه غلب المتعدي بغير واسطة على المتعدي بواسطة.
قلت: يجوز أن يكون كقوله "ويوم شهدناه" والضمير في ظهوره عائد إلى ما.
والاستواء في الآية بمعنى التمكن والاستقرار وذكر النعمة بالقلب ويحتمل كونه باللسان وهو تقديم الحمد لله.
يروى أن النبي كان إذا وضع رجله في الركاب قال: الحمد لله على كل حال ﴿ سبحان الذي سخر لنا هذا ﴾ إلى قوله ﴿ لمنقلبون ﴾ وكبر ثلاثاً وهلل ثلاثاً.
وإذا ركب في السفينة قال ﴿ بسم الله مجريها ومرساها إِن ربي لغفور رحيم ﴾ ومعنى ﴿ مقرنين ﴾ مطيقين أو ضابطين مع صعوبة خلقه وخلقه.
وقيل: لا يطيق أن يقرن بعضها ببعض حتى يسيرها إلى حيث يريد ﴿ وإنا إلى ربنا لمنقلبون ﴾ أي في آخر عمرنا كأنه يتذكر ركوب الجنازة أو عثور الدابة أو انكسار السفينة فليستعد للقاء الله عز وجل بخلاف من يركب الخيول والزوارق لأجل التنزه والاشتغال بالملاهي والمناهي فيكون غافلاً عن المبدأ والمعاد.
عن بعضهم أنه أدخل في البحر ههنا خلاف ما في "الشعراء" لأن ركوب الدابة أو السفينة أو الجنازة عام لكل أحد.
وما في "الشعراء" خاص بالسحرة.
ثم عاد إلى ما انجر الكلام منه وهو قوله ﴿ ولئن سألتهم ﴾ والمقصود التنبيه على سخافة عقولهم وقلة محصولهم فإنهم مع الإقرار بأن خالق السموات والأرض هو الله جعلوا له من عباده جزءاً أي أثبتوا له ولداً، وذلك أن ولد الرجل جزء منه.
قال : " فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها" " وفي قوله ﴿ من عباده ﴾ إشارة إلى أن ما عداه ممكن الوجود فإن الولد متأخر في الوجود عن الأب والمتأخر عن الواجب ممكن، والممكن مفتقر إلى الواجب في الوجود والبقاء والذات والصفات.
وقيل: هو إنكار على مثبتي الشركاء لأنهم جعلوا بعض العبادة لغير الله، وفيه نوع تكلف.
والكفور البليغ الكفران لأنه يجحد ربه وخالقه ولا يجتهد في تنزيهه وتقديسه.
وحين وبخهم على إثبات الولد زاد في توبيخهم وتجهيلهم والتعجيب من حالهم حيث جعلوا ذلك الولد بنتاً مع أنها مكروهة عندهم فقال ﴿ أم اتخذ مما يخلق ﴾ وفائدة تنكير ﴿ بنات ﴾ وتعريف البنين كما مر في آخر السورة المتقدمة في تنكير ﴿ إناثاً ﴾ وتعريف ﴿ الذكور ﴾ } [الشورى: 49] وقوله ﴿ بما ضرب للرحمن مثلاً ﴾ أي بالجنس الذي جعله شبهاً لله لأن الولد لا يكون إلا من جنس الوالد، والمراد أنه إذا بشر بالأنثى كما سبق في "النحل" اغتم ويسود وجهه وملىء غيظاً وكرباً.
ثم زاد في الإنكار بتعديد طرف من نقصان الإناث قائلاً ﴿ أو من ينشأ ﴾ والتقدير أهو كضده.
قال جار الله: تقديره أو يجعل للرحمن من الولد من له هذه الصفة الدنيئة الذميمة وهي أنه يربى أو يتربى في الزينة والنعومة، وهو إذا احتاج إلى المخاصمة لا يبين ولا يعرب عما في ضميره لعجزه عن البيان ولقلة عقله.
قالت العقلاء: قلما تكلمت امرأة فأرادت أن تعرب عن حجتها إلا نطقت بما هو حجة عليها.
وفيه أن النشء في الزينة والإمعان في التنعم من خصائص ربات الحجال لا من خواص الرجال.
وإنما ينبغي أن يكون تلبسهم بلباس التقوى وتزينهم باستعداد الزاد للدار الأخرى.
ثم خصص أن البنات التي نسبن إليه من أي جنس من بعدما عمم في قوله ﴿ مما يخلق ﴾ فقال ﴿ وجعلوا ﴾ أي سموا ﴿ الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً ﴾ وفي إثبات العبودية لهم نفي الجزئية عنهم كما مر آنفاً.
وقوله ﴿ أشهدوا خلقهم ﴾ كقوله ﴿ ما أشهدتم خلق السموات والأرض ﴾ وفيه تهكم بهم لأنه لم يدل على ذلك عقل ولا نقل صحيح فلم يبق إلا الإخبار عن المشاهدة يعني مشاهدتهم خلق الله إياهم أو مشاهدة صور الملائكة.
ثم أوعدهم بقوله ﴿ ستكتب شهادتهم ﴾ على أنوثية الملائكة ﴿ ويسئلون ﴾ ثم حكى نوعا آخر من كفرهم وشبهاتهم وهو أنهم ﴿ قالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ﴾ أي الملائكة والأصنام نظير ما مر في آخر الأنعام { ﴿ سيقول الذين أشركوا ﴾ واستدلال المعتزلة به ظاهر لأنه ذمهم بقوله ﴿ ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون ﴾ أجاب الزجاج عنه بأن قوله ﴿ ما لهم بذلك من علم ﴾ عائد إلى قولهم الملائكة بنات الله، والمراد لو شاء الرحمن ما أمرنا بعبادتهم كقولهم { ﴿ والله أمرنا بهم ﴾ فلهذا أنكر الله عليهم قاله الواحدي في بسيطه.
وقيل: قالوها استهزاء، وزيفه جار الله بأنه لا يتمشى في أقوالهم المتقدمة وإلا كانوا صادقين مؤمنين.
وجعل هذا الأخير وحده مقولاً على وجه الهزء دون ما قبله تعويج لكتاب الله.
وتمام البحث بين الفريقين مذكور في " الأنعام " وإنما قال في الجاثية ﴿ إن هم إلا يظنون ﴾ لأن هذا كذب محض وهناك خلطوا الصدق بالكذب، صدقوا في قولهم ﴿ نموت ونحيى ﴾ وكذبوا في قولهم ﴿ وما يهلكنا إلا الدهر ﴾ وكانوا شاكين في أمر البعث، ثم زاد في الإنكار عليهم بقوله ﴿ أم آتيناهم كتاباً من قبله ﴾ أي من قبل القرآن أو الرسول ﴿ فهم به مستمسكون ﴾ ثم أضرب عن ذلك وأخبر أنه لا مستند لهم في عقائدهم وأقوالهم الفاسدة الا التقليد.
والأمة الدين والطريقة التي تؤم أي تقصد.
ثم سلى نبيه بأن هذا دأب أسلافهم وداء قديم في جهال بني آدم.
وإنما قال أولاً ﴿ مهتدون ﴾ وبعده ﴿ مقتدون ﴾ لأن العرب كانوا يخاصمون رسول الله ويزعمون الاهتداء، ولعل الأمم قبلهم لم يزعموا إلا الاقتداء بالآباء دون الاهتداء.
ثم أخبر أن النذير ﴿ قال ﴾ أو أمر النذير أو محمداً أن يقول ﴿ أو لو جئتكم ﴾ أي أتتبعون آباءكم ولو جئتكم بدين أهدى من دين آبائكم فاصروا على التكذيب ولم يقبلوا فانتقم الله منهم.
ثم بين بقصة إبراهيم أن القول بالتقليد يوجب المنع من التقليد، وذلك أن إبراهيم كان أشرف آباء العرب وأنه ترك دين الآباء لأجل الدليل، فلو كانوا مقلدين لآبائهم وجب أن يتبعوه في الاعتماد على الدليل لا على مجرد التقليد.
والبراء بالفتح مصدر أي ذو براء.
وقوله ﴿ إلا الذي فطرني ﴾ قيل: متصل، وكان فيهم من يعبد الله مع الأصنام.
وقيل: منقطع بمعنى لكن، ويحتمل أن يكون مجروراً بدلاً من ما أي إلا من الذي وجوز في الكشاف أن تكون "إلا" صفة بمعنى غير و "ما" موصوفة تقديره إنني براء من آلهة تعبدونها غير الذي فطرني ﴿ فإنه سيهدين ﴾ أي يثبتني على الهداية أو يرشدني إلى طريق الجنة، ولا ريب أن قوله ﴿ إنني براء مما تعبدون ﴾ بمنزلة لا إله وقوله ﴿ إلا الذي فطرني ﴾ بمثابة " إلا الله " وهي كلمة التوحيد فلذلك أنّث الضمير في قوله ﴿ وجعلها ﴾ أي وجعل إبراهيم أو الله ﴿ كلمة ﴾ التوحيد ﴿ باقية في عقبه ﴾ فلا يزال في ذريته من يوحد الله عز وجل ويدعو إلى توحيده نظيره ﴿ ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب ﴾ ﴿ لعلهم ﴾ أي لعل من أشرك منهم يرجع إلى التوحيد أو عن الشرك بدعاء الموحدين منهم.
ثم أضرب عن رجاء الرجوع منهم إلى أن تمتيعهم بالعمر وسعة الرزق صار سبباً لعظم كفرهم وشدة عنادهم.
قال جار الله: أراد بل اشتغلوا عن التوحيد ﴿ حتى جاءهم الحق ﴾ وهو القرآن ﴿ ورسول مبين ﴾ الرسالة واضحها فخيل بهذه الغاية أنهم تنبهوا عندها من غفلتهم لاقتضائها التنبيه.
ثم ابتدأ قصتهم عند مجيء الحق قائلاً ﴿ ولما جاءهم الحق ﴾ جاؤا بما هو شر من غفلتهم وهو أن ضموا إلى شركهم معاندة الحق ومكابرة الرسول وإنكار القرآن والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا ﴾ .
قال عامة أهل التأويل: أي: الكفرة جعلوا لله - - من عباده أنثى، أي: بنتاً.
وقال الزجاج: ﴿ جُزْءًا ﴾ أي: بنتاً، وقال: إن الجزء عند بعض العرب البنت؛ لأن الكفرة قد اختلف أنواع كفرهم، وهم مختلفون في كفرهم؛ يقول الثنوية بالاثنين، يقولون: إن الله - - هو خالق الخيرات، وخالق الشرور غيره؛ على حسب ما اختلفوا في ذلك الغير ما هو؟
فهؤلاء الثنوية جعلوا لله - - من عباده جزءاً وهو الخيرات، ولم يجعلوا له الجزء الآخر، ومشركو العرب جعلوا له فيما رزقهم جزءاً لله - - وجزءاً لشركائهم؛ حيث قال: ﴿ وَجَعَلُواْ للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلأَنْعَٰمِ نَصِيباً فَقَالُواْ هَـٰذَا للَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَـٰذَا لِشُرَكَآئِنَا ﴾ ، فهؤلاء جعلوا له جزءاً مما رزقهم، وهو الظاهر، وفريق آخر جعلوا له جزءاً من عباده وهو الإناث، ولم يجعلوا لله البنين، كقوله - -: ﴿ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَاتِ ﴾ فجعل الجزء له على ما ذكر أظهر مما ذكره أهل التأويل وصرفوه إليه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلإنسَانَ لَكَفُورٌ مُّبِينٌ ﴾ أي: كفور لنعمه ﴿ مُّبِينٌ ﴾ أي: يبين كفرانه.
وقوله - عز وجل - ﴿ أَمِ ٱتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُم بِٱلْبَنِينَ ﴾ هو على الإضمار؛ كأنه يقول: أم يقولون: اتخذ مما يخلق بنات لنفسه وأصفاكم بالبنين، وهو ما ذكر في آية أخرى: ﴿ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ ٱلْكَذِبَ ﴾ .
ثم قوله - -: ﴿ أَمِ ٱتَّخَذَ ﴾ أي: قالوا: بل اتخذ مما يخلق بنات.
يذكر في هذه الآيات سفه أهل مكة وشدة تعنتهم؛ لأنهم قوم لا يؤمنون بالرسل، وما ذكروا من اتخاذ الولد، وما ادعوا بأن الملائكة بنات الله، وما أقروا حين سئلوا: من خلق السماوات والأرض؟
أن الله هو خالق ذلك كله مما لا سبيل إلى معرفة ما قالوا وادعوا إلا بالرسل، وهم ينكرون الرسل، فكيف ادعوا ما ادعوا وهم ينكرون خبرهم؛ لأن من ادعى ولداً لغائب لا يعلمه إلا بخبر صادق، وكذلك معرفة الملائكة إنما هو بخبر يأتيهم، ثم هم ينكرون الأخبار والرسل؛ فتتناقض دعواهم وتضمحل، على ما ذكرنا.
ثم أخبر عنهم ما يظهرون من الحزن عندما يولد لهم من الإناث، وما يلحقهم من الكراهة في ذلك بقوله - -: ﴿ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَـٰنِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ ﴾ .
ثم قوله: ﴿ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَـٰنِ مَثَلاً ﴾ أي: شبهاً بالخلق، وأنه يخرج على وجهين: أحدهما: بما جعلوا له ولداً، والولد هو شبيه الوالد؛ فكان في إثبات الولد إثبات المثل والشبيه.
والثاني: في إثبات الولد له إثبات المشابهة بينه وبين جميع الخلق؛ لأن الخلق لا يخلو إما أن يكون مولوداً من آخر أو يولد آخر منه، وإما أن يكون له شريك فيما يملكه، أو يكون هو شريك غيره، فيكون البعض شبيهاً بالبعض، فمن أثبت لله شريكاً وولداً فقد جعله شبيهاً بالخلق؛ ولهذا تبرأ الله - - من الولد والشريك تبرؤاً واحداً بقوله - -: ﴿ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي المُلْكِ ﴾ نفى الولد والشريك عن نفسه نفياً واحداً وبراءة واحدة، والله الموفق.
وقوله: ﴿ أَمِ ٱتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُم بِٱلْبَنِينَ ﴾ يحتمل أن يكون تفسيراً لقوله: ﴿ وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ ﴾ ، وعلى ذلك قول أهل التأويل: إنهم جعلوا هذه تفسيراً للأولى.
وجائز أن يكون لا على التفسير للأولى، ولكن على الابتداء في قوم آخرين سواهم، على ما ذكرنا نحن من التأويل، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي ٱلْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي ٱلْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: هي الأصنام التي عبدوها، حلّوها وزينوها بأنواع الزينة والحليّ، يقول - والله أعلم -: ولو حلي بالحليّ وزين بالزينة وهو لا يملك نفعاً، ولا ضرّاً، ولا تكلما، ولا خصومة، ولا شيئاً من ذلك، ولا يلتفت إليه، ولا يكترث له، لولا تلك الحلي والزينة التي بها في جعل العبادة له كمن منه خلق ما ذكر من السماوات والأرض وما فيها من المنافع، أي: ليس هذا بسواء لذلك، يذكر سفههم في اختيارهم الأصنام التي هذا وصفها في العبادة على عبادة الله الذي منه كل شيء؛ يصبر رسوله على أذاهم وتكذيبهم إياه وسوء معاملتهم معه، والله أعلم.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي ٱلْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي ٱلْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ ﴾ هي الإناث؛ يقول - والله أعلم -: إن الأنثى ضعيفة، قليلة الحيلة، وهي عند الخصومة والمحاورة غير مبينة؛ يصف عجزهن وضعفهن ونقصانهنّ، يقول - والله أعلم -: كيف نسبوا إلى الله - عز وجل - ما هو أضعف وأعجز وأنقص فيما ذكر، وقد اتقوا هم منها، واختاروا لأنفسهم ما هو أكمل وأقوى وهم الذكور، وهو صلة قوله - عز وجل -: ﴿ أَمِ ٱتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُم بِٱلْبَنِينَ...
﴾ إلى آخر ما ذكر، وكل حرف مما تقدم ذكره من قوله: ﴿ وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا ﴾ ونحو ذلك.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي ٱلْحِلْيَةِ ﴾ يحتمل أن يرجع إلى معنى آخر غير المعنى فيما ذكر من الآيات، وكل حرف من هذه الحروف يرجع إلى فريق غير الفريق الآخر؛ لأنهم كانوا في المذاهب مختلفين متفرقين.
وجائز أن يرجع الكل إلى معنى واحد، والله أعلم.
وفي هذه الآيات ما ذكرنا من الوجوه من تصبير رسول الله على أذى القوم، ومن بيان سفه أولئك، ومن التحذير لما تأخر منهم، والله أعلم.
وقال القتبي: ﴿ أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي ٱلْحِلْيَةِ ﴾ أي: يرى في الحلي، وهي البنات، يريد جعلهم بنات لله - - وهم إذا كان لأحدهم بنت ﴿ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ ﴾ ؛ أي: حزين، والخصام جمع: خصيم ﴿ غَيْرُ مُبِينٍ ﴾ أي: غير مبين الحجة.
وقال أبو عوسجة: ﴿ أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي ٱلْحِلْيَةِ ﴾ أي: ينشأ؛ كما يقال: ينشأ الصبي ينشأ، أي: يشب ويرتفع، والخصام: المخاصمة.
وقال أبو معاذ: ﴿ يُنَشَّأُ فِي ٱلْحِلْيَةِ ﴾ - والله أعلم -: البنت، ويقرأ ﴿ يُنَشَّأُ ﴾ بالتشديد، و ﴿ يُنْشَأُ ﴾ بالتخفيف، وهما لغتان، وقرأ بعضهم: ﴿ يَنْشَأُ في الحلية ﴾ ، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَعَلُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَاثاً أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ ﴾ .
فإن قيل: كيف سفههم في جعلهم عباد الرحمن إناثاً، وقد جعل الله من عباده إناثاً، لماذا عاتبهم على ذلك؟
قيل: عن هذا وجهان: أحدهما: إنما سفههم وعاتبهم؛ لشهادتهم على الله - وتعالى - أنه جعل الملائكة إناثاً، وهم لم يشاهدوها، ولا يؤمنون بالرسل - عليهم السلام - حتى يقع لهم العلم والخبر بذلك بقول الرسل، والله أعلم.
والثاني: أن الله - - وصف ملائكته بأنهم لا يفترون عن عبادته، وأنهم لا يستحسرون، وأنهم مطيعون لله - - على الدوام بحيث لا يرد منهم عصيان طرفة عين؛ على ما نطق بذلك الكتاب، فهم إذا قالوا: إنهم إناث، وصفوهم بالضعف والعجز، فلا يتهيأ لهنّ القيام بما ذكر، والله أعلم.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ وَجَعَلُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَاثاً ﴾ ، وقوله: ﴿ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَاتِ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ ﴾ - ليس على حقيقة الجعل، ولكن على الوصف له والقول؛ أي: قالوا: إن الملائكة بنات الله، ووصفوا لهم بما ذكر، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَوْ شَآءَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ ﴾ تعلق المعتزلة بظاهر هذه الآية في أن الله - - لم يشأ الكفر من الكافر، وإنما شاء الإيمان، فإن الكفار ادعوا أن الله - - شاء منهم الكفر، وما شاء منهم ترك عبادة الأصنام؛ حيث قالوا: ﴿ لَوْ شَآءَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ ﴾ أي: لو شاء منا ترك عبادة الأصنام لتركناها، ولكن شاء منا عبادة الأصنام، والله - - رد عليهم قولهم واعتقادهم فقال: ﴿ مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ ﴾ ، أي: ما هم إلا يكذبون.
وعندنا الآية تخرج على وجوه: أحدها: أنهم في قولهم: ﴿ لَوْ شَآءَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ ﴾ صدقة؛ فإن معناه: لو شاء منهم تركهم عبادة الأصنام ما عبدوها، ولكن شاء أن يعبدوها فعبدوها؛ فيكون هذا منهم إخباراً عن المخبر به على ما هو؛ فيكون صدقاً.
ثم قوله - : ﴿ مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ ﴾ يحتمل: إنما سماهم كذلك لما قالت المعتزلة: إنهم ادعوا وأخبروا أن الكفر بمشيئة الله - - وأنه شاء منهم الكفر دون الإيمان، فالله - - شاء منهم الإيمان دون الكفر، فقد أخبروا على خلاف المخبر به؛ فيكونون كاذبين.
ويحتمل أنهم قالوا ذلك وفي قلوبهم بخلاف ما أخبروا، وهو أن الكفر ليس مما شاء الله - - وإنما شاء الإيمان كما تقوله المعتزلة، ولكن يقولون ذلك ردّاً على المسلمين الذين يدعونهم إلى الإيمان والرجوع عن الكفر: إنه إذا كان شاء منا الكفر دون الإيمان كيف نؤمن ونترك الكفر؟
والإخبار عما هو به وإن كان صدقاً، ولكن إذا كان في قلب المخبر واعتقاده خلاف ذلك فيكون ذلك الإخبار في نفسه صدقاً، لكن من حيث إنه إخبار عما في الضمير يكون كذباً، وهذا كقول الله - -: ﴿ إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ ﴾ وهم في قولهم: ﴿ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ ﴾ صدقه، لكن في إخبارهم عما في ضميرهم كذبة؛ لما لا يوافق ظاهر كلامهم حقيقة ما في قلوبهم، فيرجع تكذيب الله - - إياهم لكذب قلوبهم، وإن كانوا في نفس قولهم: ﴿ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ ﴾ صدقة، وإذا احتمل الوجهين فلا تكون الآية حجة لهم مع الاحتمال، وعلى الوجهين جميعاً يكونون كاذبين؛ لذلك قال: ﴿ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ ﴾ ، والله أعلم.
والثاني: أنهم وإن كانوا صادقين في ذلك فهم ربما قالوا ذلك على الاستهزاء والسخرية، لا على الجد؛ فيكون قصدهم تلبيس الصدق على الناس ورده، كقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَقُولُ ٱلإِنسَانُ أَءِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً ﴾ ، وهذا القول من هذا الإنسان حق وصدق، لكن إنما قال ذلك استهزاء منه وإنكاراً للبعث؛ ألا ترى أن الله - - وعظه على ذلك وذكره، حيث قال: ﴿ أَوَلاَ يَذْكُرُ ٱلإِنسَٰنُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً ﴾ فعلى ذلك قول أولئك وإن كان في الظاهر صدقاً فهم إنما قالوا ذلك استهزاء وسخرية على سبيل الإنكار وتلبيس الحق؛ فيكون إخبارهم من هذا الوجه ولهذا الغرض خرصاً وكذباً، والله أعلم.
والثالث: غرضهم بذلك الاحتجاج على المسلمين في توعيدهم بالعذاب بسبب العناد والكفران كيف نعذب وإنما باشرنا الكفر بمشيئته، ولو شاء أن نترك العبادة للأصنام تركنا فإذا كان شاء منا الكفر حتى كفرنا لماذا عاقبنا؟
فأبطل احتجاجهم بقوله - -: ﴿ مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ ﴾ أي: هم جاهلون في الاحتجاج بهذا، كاذبون في أنهم باشروا الكفر بسبب مشيئة الله - - إياهم الكفر، ولكن لسوء اختيارهم، وأسباب حاملة لهم على ذلك، وأصله: أن لا أحد من العصاة والفسقة والكفرة يفعل وعنده أن الله - - شاء ذلك منهم، فإذا كان وقت فعله لا يفعل ما يفعل؛ لأن الله شاء ذلك منه لم يكن له هذا الاحتجاج والقول الذي قالوا: والله الموفق.
والرابع: يحتمل أنهم يقولون: ﴿ لَوْ شَآءَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ ﴾ ، وقولهم: ﴿ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا ﴾ أي: لو أمرنا الله - - بترك عبادتنا أولئك الأصنام ما عبدناهم، لكن أمرنا أن نعبدهم، كانوا يدعون أنما يعبدون لأمر من الله - - كقوله: ﴿ وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ آبَاءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا ﴾ .
أو أرادوا بالمشيئة: الرضا؛ يقولون: لولا أن الله - - قد رضي بذلك عنّا وعن آبائنا، وإلا ما تركنا وهم على ذلك؛ فاستدلوا بتركهم على ما اختاروا على أن الله - - قد رضي بذلك عنهم، فردّ الله - وتعالى - بقوله: ﴿ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ ﴾ وبقوله: ﴿ قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ...
﴾ الآية [الأعراف: 28]، وقد ذكرناه على الاستقصاء في قوله - -: ﴿ سَيَقُولُ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا...
﴾ الآية [الأنعام: 148]، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً مِّن قَبْلِهِ فَهُم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ ﴾ أي: لم نؤتهم كتاباً ليكون لهم العلم بذلك؛ يسفههم في قولهم؛ لأنهم قوم لا يؤمنون ولا يصدقون.
وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلْ قَالُوۤاْ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَارِهِم مُّهْتَدُونَ ﴾ إنهم قوم ينكرون [الرسل] ويكذبونهم بعلة أنهم بشر، ثم اقتدوا بآبائهم واتبعوهم وهم بشر أيضاً، فهذا تناقض في القول؛ يذكر سفههم وتناقضهم في القول.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَذَلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَارِهِم مُّقْتَدُونَ ﴾ يصبّر رسوله على ما قال هؤلاء: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَارِهِم مُّقْتَدُونَ ﴾ : أنّه ليس ببديع من هؤلاء؛ بل قال أوائلهم لرسلهم على ما قال قومك؛ يصبره ويعزيه، ويذكر سفههم في اتباعهم إياهم واقتدائهم بهم وهم بشر، فيقول: فإذا كنتم لا محالة تتبعون البشر فاتبعوا أمر [من] هم أهدى من آبائكم، وهم الرسل، وهو ما قال - عز وجل -: ﴿ قَٰلَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَىٰ مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَآءَكُمْ ﴾ فقالوا عند ذلك: ﴿ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ﴾ عناداً وتعنتاً منهم.
وقال بعضهم: أي: قل يا محمد: ﴿ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ ﴾ أي: إن جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم من الدين، أفتتبعونني فيما جئتكم؟
فردوا عليه وقالوا: ﴿ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ ﴾ هذا وعيد.
ثم قال بعضهم: ﴿ فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ ﴾ يقول: هو رجوع إلى ذكر الأمم الخالية، فقال: فانتقمنا منهم بالعذاب الذي نزل.
ويحتمل أن يكون قوله - -: ﴿ فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ ﴾ وذلك جائز.
وقوله: ﴿ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ ﴾ يحتمل: مكذبي الرسل.
ويحتمل: مكذبي العذاب.
<div class="verse-tafsir"
وزعم المشركون أن بعض المخلوقات متولدة عن الخالق سبحانه حين قالوا: الملائكة بنات الله، إن الإنسان الذي يقول مثل هذا القول لكفور بيّن الكفر والضلال.
<div class="verse-tafsir" id="91.k3oPk"