تفسير سورة المائدة الآيات ٤١-٤٤ عند تأويلات أهل السنة

الإسلام > القرآن > تفسير > الماتريدي > سورة 5 المائدة > الآيات ٤١-٤٤

۞ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْكُفْرِ مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا بِأَفْوَٰهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ ۛ وَمِنَ ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ ۛ سَمَّـٰعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّـٰعُونَ لِقَوْمٍ ءَاخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ ۖ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ مِنۢ بَعْدِ مَوَاضِعِهِۦ ۖ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَٱحْذَرُوا۟ ۚ وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتْنَتَهُۥ فَلَن تَمْلِكَ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَمْ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ ۚ لَهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا خِزْىٌۭ ۖ وَلَهُمْ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌۭ ٤١ سَمَّـٰعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّـٰلُونَ لِلسُّحْتِ ۚ فَإِن جَآءُوكَ فَٱحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ ۖ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْـًۭٔا ۖ وَإِنْ حَكَمْتَ فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِٱلْقِسْطِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ ٤٢ وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ ٱلتَّوْرَىٰةُ فِيهَا حُكْمُ ٱللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ ۚ وَمَآ أُو۟لَـٰٓئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ ٤٣ إِنَّآ أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَىٰةَ فِيهَا هُدًۭى وَنُورٌۭ ۚ يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُوا۟ لِلَّذِينَ هَادُوا۟ وَٱلرَّبَّـٰنِيُّونَ وَٱلْأَحْبَارُ بِمَا ٱسْتُحْفِظُوا۟ مِن كِتَـٰبِ ٱللَّهِ وَكَانُوا۟ عَلَيْهِ شُهَدَآءَ ۚ فَلَا تَخْشَوُا۟ ٱلنَّاسَ وَٱخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِى ثَمَنًۭا قَلِيلًۭا ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ ٤٤

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 15 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

قوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْكُفْرِ...

﴾ الآية.

يحتمل وجوهاً: أحدها: ألا يحزنك كفر من كفر منهم.

ليس على النهي عن ذلك؛ ولكن ألا يحمل على نفسه بكفرهم ما يمنعه عن القيام بأمره، كقوله: ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ  ﴾ ، ونحو ذلك من الآيات مما يشتد به الحزن بكفرهم؛ لشدة رغبته في إسلامهم.

ويحتمل قوله -  -: ﴿ لاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْكُفْرِ ﴾ ، أي: لا يحزنك تمرد هؤلاء وتكذيبهم إياك؛ فإن الله ناصرك ومظفرك ويظفر لك عليهم.

ويحتمل: لا يحزنك صنيع هؤلاء الكفرة وسوء عملهم؛ فإنك لا تؤاخذ بصنيعهم؛ كقوله: ﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ  ﴾ ، [وكقوله -  -:] ﴿ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ  ﴾ .

وفي قوله  : ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ ﴾ دلالة تفضيل رسول الله  على غيره من الأنبياء والرسل؛ لأنه - عز وجل - في جميع ما خاطب رسول الله  قال: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ ﴾ ، و ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ ﴾ ولم يُخَاطَبْ باسمه، وسائر الأنبياء - عليهم السلام - إنما خاطبهم بأسمائهم: ﴿ يٰمُوسَىٰ  ﴾ ، و ﴿ يَٰإِبْرَٰهِيمُ  ﴾ ، و ﴿ يٰنُوحُ  ﴾ ، وجميع من خاطب منهم أو ذكر إنما ذُكِرَ بأسمائهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ ﴾ .

قال: قالوا: ﴿ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ ﴾ ، ولم يقل: آمنوا بأفواههم؛ ليعلم أن القول به ليس هو من شرط الإيمان؛ إنما الإيمان هو تصديق القلب، لكن يعبر به اللسان عن قلبه؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ ﴾ ، والإيمان: هو التصديق في اللغة؛ لأن ضده التكذيب؛ فيجب أن يكون ضد التكذيب: التصديق.

والتصديق يكون بالقلب؛ حيث قال - عز وجل -: ﴿ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ ﴾ ، لكن اللسان يعبر عن ضميره، فهو ترجمان القلب فيما بين الخلق؛ فهذا يدل أيضاً على أن الإيمان ليس هو المعرفة؛ لأن الإيمان لو كان معرفة لكان يجب أن يكون ضده جهلاً؛ فلما كان ضدُّ الإيمان تكذيباً وجب أن يكون ضد التكذيب: التصديق، والتصديق والإيمان في اللغة سواء؛ ولأن المعرفة قد تقع في القلب على غير اكتساب فعل وإنما والتصديق لا يكون إلا باكتساب ترك مضادته وهو التكذيب؛ لذلك قلنا: إن الإيمان ليس هو المعرفة، ولكنه تصديق.

ثم اختلف في هؤلاء: قال بعضهم: هم المنافقون الذين كانوا يظهرون الإيمان باللسان، وقلوبهم كافرة.

وقال آخرون: هم اليهود والمنافقون ﴿ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ ﴾ ، وهو قول ابن عباس،  .

﴿ وَمِنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ ﴾ .

هذا يدل أن قوله -  -: ﴿ مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ ﴾ في المنافقين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ ﴾ .

يحتمل: سماعون إلى النبي صلى الله عليه وسلم خبره، ﴿ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ ﴾ خبره بالكذب، ومعناه - والله أعلم -: أنهم كانوا يستمعون إلى رسول الله  خبره، وما يقول لهم، ثم يأتون الذين لم يأتوا رسول الله  فيخبرونهم خلاف خبره وغير ما سمعوا منه.

وقيل: إن رسول الله  كان يقول: "إن في التوراة كذا من الأحكام والشرائع؛ فإذا سمع هؤلاء منه ذلك أتوا أولئك الذين لم يأتوا رسول الله  فيقولون: إنه كاذب، وليس في التوراة ما يقول هو، ونحو ذا" .

وقيل: إنهم كانوا طلائع الكفرة وعيوناً لهم، فإذا أتى لهم منهم خبر يخبرون ضعفة أصحاب رسول الله  خلاف ما أتاهم؛ نحو قولهم: ﴿ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ  ﴾ ، كانوا يخشونهم؛ لئلا يغزوهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ ﴾ .

يحتمل التحريف وجهين: يحتمل: تبديل الكتابة من الأصل؛ كقوله -  -: ﴿ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـٰذَا مِنْ عِنْدِ ٱللَّهِ  ﴾ ويحتمل تغيير المعنى في العبارة على غير تدبيل الكتاب، يغيرون على السفلة، والذين لا يعرفون غير ما فهموا منه.

وقوله: ﴿ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا ﴾ .

يعنون بـ"هذا": ما حرفوه وغيروه.

﴿ فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَٱحْذَرُواْ ﴾ .

عن ابن عباس -  - قال: نزلت الآية في رجل وامرأة من اليهود زنيا، وكان حكم الله في التوراة في الزنا: الرجم، وكانوا يرجمون الوضيع منهم إذا زنا، ولا يرجمون الشريف - وكانا في شرف وموضع، وكانا قد أحصنا، فكرهت اليهود رجمهما، وفي كتابهم الرجم، وكانوا أرادوا أن يرتفع الرجم من بينهم، وأن يكون حدهم الجلد؛ فذلك قوله -  -: ﴿ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا ﴾ - يعنون: الجلد - ﴿ فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَٱحْذَرُواْ ﴾ ، فكتبوا بذلك إلى رسول الله  وسألوا عن ذلك، فقالوا: "يا محمد، أخبرنا عن الزاني والزانية إذا أحصنا: ما حَدُّهُمَا؟

وهل تجد فيهما الرجم فيما أنزل الله -  - عليك؟

فقال لهم رسول الله  : وَهَلْ تَرْضَوْنَ بِقَضَائِي فِي ذَلِكَ؟

قالوا: نعم؛ فنزل جبريل -  - بالرجم، وقال له: إن أبوا أن يأخذوا به، فاسألهم عن رجل منهم يقال له: ابن صوريا - وصفه له - فاجعله بينك وبينهم، فقال لهم رسول الله  : نَعَمْ، أَجِدُ فِيمَا أَنْزلَ اللهُ عَلَيَّ: أَنَّ الزَّانِيَةَ وَالزَّانِي إِذَا أُحْصِنَا وَفَجَرَا؛ فَإِنَّ عَلَيْهِمَا الرَّجْمَ، فنفروا عن ذلك؛ فقال لهم رسول الله  : أَتَعْرِفُونَ رَجُلاً شَابّاً صِفَتُهُ كَذَا، يُقَالُ لَهُ: ابنُ صُوريا؟

قالوا: نعم، قال: فَأَيُّ رَجُلٍ هُوَ فِيكُمْ؟

قالوا: هو أعلم يهودي على وجه الأرض بما أنزل الله على موسى، قال: فَأَرْسِلُوا إِلَيْهِ ففعلوا؛ فأتاهم ابن صوريا، فقال له رسول الله  : أَنْتَ ابْنُ صُوريا؟

قال: نعم، قال: [وَأَنْتَ أَعْلَمُ اليَهُودِ؟]، قال: كذلك يزعمون، قال: اجْعَلُوهُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ قالوا: نعم، رضينا به إذا رضيت، قال: فقال رسول الله  : فَإِنِّي أَنْشُدُكَ باللهِ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى: هَلْ تَجِدُونَ فِي كِتَابِكُمُ الَّذِي أَتَاكُمْ بِهِ مُوسَى [فِي التَّوْرَاةِ]: الرَّجْمَ عَلَى مَنْ أُحْصِنَ؟

قال ابن صوريا: نعم والذي ذكرتني، ولولا خشية أن تحرقني النار إن كذبت أو غيرت ما اعترفت لك" .

ففي هذا وجوه من الدلائل: أحدها: أنه سألهم عما كتموا من الأحكام والحقوق التي بينهم وبين الله  ؛ ليظهر خيانتهم وكذبهم فيما كتموا من نعت رسول الله  وصفته؛ ليعلموا أنه إنما عرف ذلك بالله، وفيه إثبات رسالته.

والثاني: أنهم طلبوا منه الرخصة والتخفيف في الحد؛ لأنهم عرفوا أنه [رسول الله  ]، لكنهم كابروا في الإنكار بعدما عرفوا أنه رسول الله حقّاً.

وفيه دلالة جواز شهادة بعضهم على بعض؛ لأنه قبل شهادة ابن صوريا عليهم حيث شهد بالرجم.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا فَخُذُوهُ...

﴾ الآية: إنها نزلت في قتيل قتل عمداً بين قبيلتين: بني قريظة، والنضير، وكان القتيل من بني قريظة، وكان بنو النضير إذا قتلوا من بني قريظة لم يعطوهم القود، ولكن يعطونهم الدية، [وإذا] قتل بنو قريظة من بني النظير لم يرضوا إلا بالقود؛ يتعززون عليهم، فقدم رسول الله  المدينة فأرادوا أن يرفعوا أمرهم إلى رسول الله  ؛ ليحكم بينهم، فقال رجل من المنافقين: إن قتيلكم قتل عمداً، وأنا أخشى عليكم القود، فإن كان محمد أمركم بالدية وقبل منكم فأعطوه، وإلا فكونوا على حذر، فأخبر الله - عز وجل - نبيه  بما قالوا؛ فقال: ﴿ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا فَخُذُوهُ ﴾ \[يعني: الدية\]، ﴿ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَٱحْذَرُواْ ﴾ .

فلا ندري فيم كانت القصّة، وفيه من الدلائل ما ذكرنا من إثبات الرسالة والنبوة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتْنَتَهُ ﴾ .

قيل: من يرد الله عذابه وإهلاكه؛ فلن يملك أحد دفع ذلك العذاب عنه.

وقيل: الفتنة: المحنة، أي: من يرد الله أن يمتحن بالرجم أو القتل؛ فلن يملك له أحد دفع ذلك عنه.

وقوله [- عز وجل -:] ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَمْ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ ﴾ قالت المعتزلة: قوله: ﴿ لَمْ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ ﴾ تأويله يحتمل وجهين: يحتمل: ﴿ لَمْ يُرِدِ ٱللَّهُ ﴾ .

أي: لم يطهر الله قلوبهم.

والثاني: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَمْ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ ﴾ بالشرك والكفر، وذلك بعيد؛ لأنه كيف يطهر بالكفر، وبالكفر يتنجس؟!.

لكن الوجه عندنا في قوله -  -: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَمْ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ ﴾ أي: لم يرد الله أن يطهر قلوبهم؛ إذ علم منهم أنهم يختارون ما اختاروا، ويريدون ما أرادوا، فإنما أراد ما كان علم منهم أنهم يريدون ويختارون؛ وكذلك قوله -  -: ﴿ وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتْنَتَهُ ﴾ يريد فتنة من علم أنه يريدها ويختارها، فإنما يريد ما أراد هو ويختار.

وظاهر الآية على المعتزلة؛ لأنه قال: ﴿ لَمْ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ ﴾ ، وهم يقولون: أراد أن يطهر قلوبهم.

وذلك ظاهر الخلاف بَيِّنٌ، وبالله العصمة.

[وقوله - عز وجل -:] ﴿ لَهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا خِزْيٌ ﴾ .

الخزي في الدنيا يحتمل: القتل، ويحتمل: العذاب والجزية ﴿ وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ ﴾ .

يحتمل وجهين: يحتمل: ﴿ سَمَّاعُونَ ﴾ ، أي: مستمعون إلى رسول الله  ؛ ليعرفوا به فيكذبوا عليه.

ويحتمل قوله: ﴿ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ ﴾ ، أي: قابلون لما ألقى إليهم من الكذب: كانوا يقبلون لما ألقى إليهم من الكذب، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ ﴾ .

قال بعضهم: كل حرام هو سحت، فإن كان السحت اسم كل حرام، فذلك يعم جميع الكفرة أو أكثرهم.

وقال آخرون: السحت: هو الرشوة في الحكم، فإن كان السحت هذا فذلك يرجع إلى رؤسائهم الذين يحكمون فيما بينهم، ويأخذون على ذلك رشوة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِن جَآءُوكَ فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ .

اختلف فيه.

قال بعضهم: هو على التخيير إذا رفعوا إلى الإمام: إن شاء حكم بينهم، وإن شاء أعرض ولم يحكم، لكنه منسوخ بقوله  : ﴿ وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ  ﴾ ، أمر بالحكم بينهم إذا جاءوا، ونهى أن يتبع أهواءهم، وفي ترك الحكم بينهم اتباع هواهم، وقال: ﴿ وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ وَٱحْذَرْهُمْ  ﴾ .

قالوا: هو منسوخ بهذه الآية، وأمكن الجميع بينهما، وهو أن قوله -  -: ﴿ فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ في قوم من أهل الحرب دخلوا دار الإسلام بأمان، فرفعوا إلى الإمام أمرهم؛ فالإمام بالخيار: إن شاء ردهم إلى مأمنهم، أو نقض عليهم أمانهم، ولم يحكم بينهم، وإن شاء تركهم وحكم بينهم؛ فذلك معنى التخيير، والله أعلم.

وأما قوله: ﴿ وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ وَٱحْذَرْهُمْ  ﴾ : فذلك في أهل الذمة الراضين بحكمنا، إذا رفعوا إلى الحاكم يجب أن يحكم بينهم، ولا يرد عليهم ما طلبوا منه من إجراء الحكم عليهم؛ [لأنه] ليس له فسخ ما أعطى لهم من العهود والمواثيق، وهم قد رضوا بحكمنا؛ لذلك لزم الحكم بينهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئاً ﴾ .

يحتمل هذا وجهين: يحتمل: أن يقع الإعراض عنهم موقع الجفاء، ويعدون ذلك جفاء؛ فأمن - عز وجل - نبيه -  - عن أن يلحقه ضرر منهم.

ويحتمل قوله: ﴿ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئاً ﴾ أي: ليس عليك من ضرر ما هم فيه؛ فإنما ضرر ذلك عليهم؛ وهو كقوله: ﴿ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ  ﴾ وكقوله -  -: ﴿ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِّن شَيْءٍ...

﴾ الآية [الأنعام: 52].

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنْ حَكَمْتَ فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِٱلْقِسْطِ ﴾ .

أي: بالعدل؛ كقوله -  -: ﴿ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ بِٱلْقِسْطِ شُهَدَآءَ للَّهِ  ﴾ وكقوله -  -: ﴿ وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِٱلْعَدْلِ...

﴾ الآية [النساء: 58].

﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ ﴾ .

أي: العادلين في الحكم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ ٱلتَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ ٱللَّهِ ﴾ .

يُعَجِّبُ نبيه  شدة سفههم وتعنتهم بتركهم الحكم بالذي صدقوا، وطلب الحكم بما كذبوا؛ لأنهم صدقوا التوراة وما فيها من الحكم، وكذبوا ما أنزل على محمد  ، يقول - والله أعلم -: إنهم إذا لم يعملوا بالذي صدقوا، كيف يعملون بالذي كذبوا؟!

وذلك تعجيب منه إياه شدة السفه والتعنت.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فِيهَا حُكْمُ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: حكم الله الذي تنازعوا فيه وتشاجروا: رجماً [كان] أو قصاصاً أو ما كان، والله أعلم.

وقوله: ﴿ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ ﴾ .

يحتمل وجهين: يحتمل: يتولون من بعد ما تحكم بينهم عما حكمت.

ويحتمل: يتولون من بعد ما عرفوا من الحكم عليهم بما في التوراة.

وقوله: ﴿ وَمَآ أُوْلَـٰئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .

أخبرهم أنهم ليسوا بمؤمنين، ثم سماهم كافرين في آخر الآية، بقوله: ﴿ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ ﴾ لم يجعل درجة ثالثة؛ فهذا ينقض قول من يجعل درجة ثالثة بين الإيمان والكفر، وهو قول المعتزلة.

وقوله: ﴿ إِنَّآ أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ﴾ .

هدى من الضلالة، ونور من العمى، هدى لمن استهدى به، ونور لمن استنار به من العمى.

وقوله: ﴿ يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ ﴾ .

اختلف فيه: قال بعضهم: الآية على التقديم والتأخير: يقول: يحكم بها النبيون الربانيون والأحبار الذين أسلموا، أو من الأحبار من قد أسلم.

أخبر أن النبيين والأحبار الذين أسلموا يحكمون بما في التوراة ﴿ لِلَّذِينَ هَادُواْ ﴾ ، أي: على الذين هادوا؛ ﴿ لِلَّذِينَ ﴾ بمعنى: على الذين؛ وهذا جائز في اللغة؛ كقوله: ﴿ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا  ﴾ ، أي: فعليها.

وقيل: ﴿ يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُواْ ﴾ ، أي: أسلموا أمرهم وأنفسهم لله، وخضعوا له، حكموا بما فيها، وإن خافوا على أنفسهم الهلاك ﴿ لِلَّذِينَ هَادُواْ ﴾ إن أطاعوا الله، وقبلوا ما فيها من الحكم؛ فعند ذلك يحكم لهم.

وقوله: ﴿ بِمَا ٱسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ ٱللَّهِ ﴾ .

هو طلب الحفظ، أي: بما جعل إليهم الحفظ.

﴿ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَآءَ ﴾ .

أي: شهداء على ما في التوراة من الحكم.

ويحتمل: شهداء على حكم رسول الله الذي حكم عليهم، أنه كذلك في التوراة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ تَخْشَوُاْ ٱلنَّاسَ ﴾ فيما تحكم عليهم، ﴿ وَٱخْشَوْنِ ﴾ .

أمن رسوله  شرهم ونكبتهم، وأمر أن يخشوه؛ يكفيه شرهم وأذاهم.

ثم اختلف في الأحبار والربانيين: قال بعضهم: "الرَّبَّانِيُّون": علماء اليهود، "والأحبار": علماء النصارى.

وهما واحد سموا باسمين مختلفين.

وقيل: قوله: ﴿ فَلاَ تَخْشَوُاْ ٱلنَّاسَ وَٱخْشَوْنِ ﴾ إنما خاطب علماءهم، أي: لا [تخشوا الناس] أن تخبروهم بالحكم الذي في التوراة واخشون.

﴿ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً ﴾ .

لهم خرج الخطاب بهذا التأويل الثاني.

﴿ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ ﴾ .

هكذا من جحد الحكم بما أنزل الله ولم يره حقّاً فهو كافر.

ذكر في القصَّة أن الآية نزلت في قتيل كان بين بني قريظة وبني النضير: أن بني النضير إذا قتلوا من بني قريظة لم يرضوا إلا بالقود، والأخرى إذا قتلت أحداً منهم كانوا لم يعطوهم القود، ولكن يعطوهم الدية، فنزل: ﴿ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ...

﴾ الآية.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.4 / 29.5
الإضاءة 30%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله وبحمده