تفسير سورة الممتحنة الآيات ٧-٩ عند تأويلات أهل السنة

الإسلام > القرآن > تفسير > الماتريدي > سورة 60 الممتحنة > الآيات ٧-٩

۞ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةًۭ ۚ وَٱللَّهُ قَدِيرٌۭ ۚ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ٧ لَّا يَنْهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَـٰتِلُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَـٰرِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوٓا۟ إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ ٨ إِنَّمَا يَنْهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ قَـٰتَلُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَـٰرِكُمْ وَظَـٰهَرُوا۟ عَلَىٰٓ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ ٩

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 5 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

قوله - عز وجل -: ﴿ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً وَٱللَّهُ قَدِيرٌ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ .

إن الله أمر المؤمنين بمعاداة الكفرة ومنابذتهم وترك موالاتهم ما داموا كفارا، ثم وعد أن يجعل بيننا وبينهم مودة إذا آمنوا؛ فكان في هذا أعظم الدليل على أن الخالق عند الله -  - في كل حال على ما هم عليه في أحوالهم وأمورهم.

وقال بعض الجهال: إنه [من] يؤمن في وقت من الأوقات؛ فهو عند الله مؤمن في حال كفره، وهذا خلاف ما وصف الله -  - نفسه في هذه الآية، والله أعلم.

ثم المعتزلة قد خالفوا هذه الآيات وعاندوها على قولهم؛ وذلك أن الله -  - قال: ﴿ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ  ﴾ ، ومن قولهم: إن [من] كان على خلاف مذهبهم فهو عدو لهم، ولا شك أنهم يوالونه ويصافونه، وقد نهى الله -  - عن ذل فهذا أحد الخلافين.

والثاني: أن الله -  - وعد أن يجعل بيننا وبينهم مودة، ومن قولهم: إنه لا يقدر على شيء من أفعال العباد فكأن الله -  - على قولهم وعد ما لا يقدر عليه، وهذا لا يليق بأسفه خلق الله؛ فكيف رب العالمين؟!

فثبت أنهم عاندوا الآيات، والله أعلم.

وخلاف ثالث: أن الله -  وتعالى - وصف نفسه بالقدرة، ﴿ وَٱللَّهُ قَدِيرٌ ﴾ ، ومن قولهمم: إنه ليس بقدير على خلق أفعال الخلق؛ فأي خلاف أشهر من هذا وأظهر؟!

والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَّ يَنْهَاكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي ٱلدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوۤاْ إِلَيْهِمْ ﴾ .

لا يحتمل أن يكون النهي في الإقساط؛ لأن الإقساط هو العدل، وليس ينهى عن العدل إلى ما كان وليا أو عدوا؛ ألا ترى إلى قوله -  -: ﴿ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىۤ أَلاَّ تَعْدِلُواْ ٱعْدِلُواْ  ﴾ ، فقد أخبر أنه لا يحل له ترك العدل لمكان العداوة، وإذا كان كذلك ثبت المراد من هذا النهي وغيره، وهو قوله: ﴿ أَن تَبَرُّوهُمْ ﴾ .

ثم الذي لم ينه عنه خلال ما نهى في الظاهر؛ لأنه قال: ﴿ لاَّ يَنْهَاكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي ٱلدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ ﴾ ، وقال فيما نهى ﴿ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي ٱلدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُواْ عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ ﴾ ، ومعلوم أنه قد يجوز أن يبر من لا يجوز أن يتولاه؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿ وَصَاحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً  ﴾ ؟!

ثم نهى عن تولي الكفار بقوله: ﴿ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ  ﴾ ، ولكنه لما جاز أن يجتمع في نفس واحدة البر وترك التولي؛ فكذلك جاز أن يؤمر بالبر بمن ينهى عن التولي معه، والله أعلم.

ثم قوله -  -: ﴿ لاَّ يَنْهَاكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي ٱلدِّينِ ﴾ يحتمل أن يكون المراد منه لا ينهاكم، بل يأمركم.

ويحتمل أن يكون معناه: يرخص لكم؛ كقوله: ﴿ فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ  ﴾ ، ومعناه: بل خسرت، وإن كان قد يجوز أن يكون التجارة إذ لم تربح لا تخسر؛ فكذلك قوله -  -: ﴿ لاَّ يَنْهَاكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي ٱلدِّينِ ﴾ ، بل يأمركم أن تبروهم.

ويحتمل أن يكون المراد: بل يرخص لكم أن تبروهم، والله أعلم.

ثم اختلفوا فيمن أمر ببرهم ونهى [عن] توليهم: فقال بعضهم: هم المستضعفون من أهل مكة الذين آمنوا في السر وخشوا إظهاره من المشركين، فأمر الله -  - المؤمنين بالمدينة أن يبروهم بالكتب إليهم؛ ليحتالوا في انقياد أنفسهم؛ لأن المشركين من أهل مكة إذا علموا أن رسول الله  ظهر لقتالهم كان يجوز أن يخشى على أولئك المؤمنين المستضعفين؛ فأمر هؤلاء أن يبروهم بالكتاب إليهم ليتأهبوا في أنفسهم ويحتالوا؛ لما يخشى عليهم من المشركين، والله أعلم.

وقال بعضهم: هذا في الذين كان بينهم وبين رسول الله  عهد وذمة؛ فأمر المؤمنين أن يبروا أولئك في إيفاء عهودهم إلى مدتهم، ونهاهم عن أن يتولوا من قاتلهم ونقض عهدوهم.

وقال بعضهم: في النساء والولدان من المشركين: أمر المؤمنين أن يبروهم بترك القتال، وألا يتولوا من قاتلهم من جملة الرجال من المشركين من الرجال، بل يقاتلوهم.

ثم قال: ﴿ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ ﴾ .

أي: ومن يتولهم في الاعتقاد فأولئك هم الظالمون في حق الاعتقاد.

أو من يتولهم في الأفعال فأولئك هم الظالمون في حق الأفعال، كما وصفنا في قوله: ﴿ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.5 / 29.5
الإضاءة 31%
البدر بعد 9 يوم
اللهم صل على محمد