الآية ٨ من سورة الممتحنة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 60 الممتحنة > الآية ٨ من سورة الممتحنة

لَّا يَنْهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَـٰتِلُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَـٰرِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوٓا۟ إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ ٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 70 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٨ من سورة الممتحنة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٨ من سورة الممتحنة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله تعالى : ( لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم ) أي لا ينهاكم عن الإحسان إلى الكفرة الذين لا يقاتلونكم في الدين ، كالنساء والضعفة منهم ، ( أن تبروهم ) أي : تحسنوا إليهم ( وتقسطوا إليهم ) أي : تعدلوا ( إن الله يحب المقسطين ) .

قال الإمام أحمد : حدثنا أبو معاوية ، حدثنا هشام بن عروة ، عن فاطمة بنت المنذر ، عن أسماء - هي بنت أبي بكر ، رضي الله عنهما - قالت : قدمت أمي وهي مشركة في عهد قريش إذ عاهدوا ، فأتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقلت : يا رسول الله ، إن أمي قدمت وهي راغبة ، أفأصلها ؟

قال : " نعم ، صلي أمك " أخرجاه .

وقال الإمام أحمد : حدثنا عارم ، حدثنا عبد الله بن المبارك ، حدثنا مصعب بن ثابت ، حدثنا عامر بن عبد الله بن الزبير ، عن أبيه قال : قدمت قتيلة على ابنتها أسماء بنت أبي بكر بهدايا : صناب ، وأقط ، وسمن ، وهي مشركة ، فأبت أسماء أن تقبل هديتها ، وأن تدخلها بيتها ، فسألت عائشة النبي - صلى الله عليه وسلم - فأنزل الله ، عز وجل : ( لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ) إلى آخر الآية ، فأمرها أن تقبل هديتها ، وأن تدخلها بيتها .

وهكذا رواه ابن جرير ، وابن أبي حاتم ، من حديث مصعب بن ثابت به .

وفي رواية لأحمد ، وابن جرير : " قتيلة بنت عبد العزى بن عبد أسعد من بني مالك بن حسل .

وزاد ابن أبي حاتم : " في المدة التي كانت بين قريش ، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - " .

وقال أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار : حدثنا عبد الله بن شبيب ، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا أبو قتادة العدوي ، عن ابن أخي الزهري ، عن الزهري ، عن عروة عن عائشة وأسماء أنهما قالتا : قدمت علينا أمنا المدينة وهي مشركة ، في الهدنة التي كانت بين قريش وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلنا : يا رسول الله ، إن أمنا قدمت علينا المدينة راغبة ، أفنصلها ؟

قال : " نعم ، فصلاها " .

ثم قال : وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة إلا من هذا الوجه .

قلت : وهو منكر بهذا السياق ; لأن أم عائشة هي أم رومان ، وكانت مسلمة مهاجرة ، وأم أسماء غيرها ، كما هو مصرح باسمها في هذه الأحاديث المتقدمة والله أعلم .

وقوله : ( إن الله يحب المقسطين ) تقدم تفسير ذلك في سورة " الحجرات " ، وأورد الحديث الصحيح : " المقسطون على منابر من نور عن يمين العرش ، الذين يعدلون في حكمهم ، وأهاليهم ، وما ولوا " .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) يقول تعالى ذكره: ( لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ ) من أهل مكة ( وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ) يقول: وتعدلوا فيهم بإحسانكم إليهم، وبرّكم بهم.

واختلف أهل التأويل في الذين عُنُوا بهذه الآية، فقال بعضهم: عُني بها: الذين كانوا آمنوا بمكة ولم يهاجروا، فأذن الله للمؤمنين ببرّهم والإحسان إليهم.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أَبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا، عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: ( لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ ) أن تستغفروا لهم، ( أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ) ؛ قال: وهم الذين آمنوا بمكة ولم يهاجروا.

وقال آخرون: عني بها من غير أهل مكة من لم يهاجر.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن إبراهيم الأنماطيّ، قال: ثنا هارون بن معروف، قال: ثنا بشر بن السريّ، قال: ثنا مصعب بن ثابت، عن عمه عامر بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، قال: نـزلت في أسماء بنت أبي بكر، وكانت لها أمّ فى الجاهلية يقال لها قّتَيلة ابنة عبد العُزّى، فأتتها بهدايا وصناب وأقط وسَمْن، فقالت: لا اقبل لك هدية، ولا تدخلي عليّ حتى يأذن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم فذكرت ذلك عائشة لرسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فأنـزل الله ( لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ ) ...

إلى قوله: ( الْمُقْسِطِينَ ) .

قال ثنا إبراهيم بن الحجاج، قال: ثنا عبد الله بن المبارك، قال: ثنا مصعب بن ثابت، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، قال: قَدِمَتْ قُتَيلة بنت عبد العُزّى بن سعد من بني مالك بن حِسْل على ابنتها أسماء بنت أبي بكر، فذكر نحوه.

وقال آخرون: بل عُنِي بها من مشركي مكة من لم يقاتل المؤمنين، ولم &;يخرجوهم من ديارهم؛ قال: ونسخ الله ذلك بعدُ بالأمر بقتالهم.

* ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: وسألته عن قول الله عزّ وجلّ: ( لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ ) ...

الآية، فقال: هذا قد نسخ، نَسَخَه، القتال، أمروا أن يرجعوا إليهم بالسيوف، ويجاهدوهم بها، يضربونهم، وضرب الله لهم أجلَ أربعة أشهر، إما المذابحة، وإما الإسلام.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ( لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ ) ...

الآية، قال: نسختها فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ .

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: عُنِي بذلك: لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين، من جميع أصناف الملل والأديان أن تبرُّوهم وتصلوهم، وتقسطوا إليهم، إن الله عزّ وجلّ عمّ بقوله: ( الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ) جميع من كان ذلك صفته، فلم يخصصْ به بعضًا دون بعض، ولا معنى لقول من قال: ذلك منسوخ، لأن برّ المؤمن من أهل الحرب ممن بينه وبينه قرابة نسب، أو ممن لا قرابة بينه وبينه ولا نسب غير محرّم ولا منهيّ عنه إذا لم يكن في ذلك دلالة له، أو لأهل الحرب على عورة لأهل الإسلام، أو تقوية لهم بكُراع أو سلاح.

قد بين صحة ما قلنا في ذلك، الخبر الذي ذكرناه عن ابن الزبيرفي قصة أسماء وأمها.

وقوله: ( إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ) يقول: إن الله يحبّ المنصفين الذين ينصفون الناس، ويعطونهم الحقّ والعدل من أنفسهم، فيبرّون من برّهم، ويُحْسنون إلى من أحسن إليهم.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين فيه ثلاث مسائل :الأولى : هذه الآية رخصة من الله تعالى في صلة الذين لم يعادوا المؤمنين ولم يقاتلوهم .

قال ابن زيد : كان هذا في أول الإسلام عند الموادعة وترك الأمر بالقتال ثم نسخ .

قال قتادة : نسختها فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم .

وقيل : كان هذا الحكم لعلة وهو الصلح ، فلما زال الصلح بفتح مكة نسخ الحكم وبقي الرسم يتلى .

وقيل : هي مخصوصة في حلفاء النبي صلى الله عليه وسلم ومن بينه وبينه عهد لم ينقضه ; قاله الحسن .

الكلبي : هم خزاعة وبنو الحارث بن عبد مناف .

وقاله أبو صالح ، وقال : هم خزاعة .

وقال مجاهد : هي مخصوصة في الذين آمنوا ولم يهاجروا .

وقيل : يعني به النساء والصبيان لأنهم ممن لا يقاتل ; فأذن الله في برهم .

حكاه بعض المفسرين .

وقال أكثر أهل التأويل : هي محكمة .

واحتجوا بأن أسماء بنت أبي بكر سألت النبي صلى الله عليه وسلم : هل تصل أمها حين قدمت عليها مشركة ؟

قال : " نعم " خرجه البخاري ومسلم .

وقيل : إن الآية فيها نزلت .

روى عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه : أن أبا بكر الصديق طلق امرأته قتيلة في الجاهلية ، وهي أم أسماء بنت أبي بكر ، فقدمت عليهم في المدة التي كانت فيها المهادنة بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين كفار قريش ، فأهدت إلى أسماء بنت أبي بكر الصديق قرطا وأشياء ; فكرهت أن تقبل منها حتى أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له ، فأنزل الله تعالى : لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين .

ذكر هذا الخبر الماوردي وغيره ، وخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده .الثانية : قوله تعالى : " أن تبروهم " أن في موضع خفض على البدل من الذين ; أي لا ينهاكم الله عن أن تبروا الذين لم يقاتلوكم .

وهم خزاعة ، صالحوا النبي صلى الله عليه وسلم على ألا [ ص: 54 ] يقاتلوه ولا يعينوا عليه أحدا ; فأمر ببرهم والوفاء لهم إلى أجلهم ; حكاه الفراء ." وتقسطوا إليهم " أي تعطوهم قسطا من أموالكم على وجه الصلة .

وليس يريد به من العدل ; فإن العدل واجب فيمن قاتل وفيمن لم يقاتل ; قاله ابن العربي .الثالثة : قال القاضي أبو بكر في كتاب الأحكام له : " استدل به بعض من تعقد عليه الخناصر على وجوب نفقة الابن المسلم على أبيه الكافر .

وهذه وهلة عظيمة ، إذ الإذن في الشيء أو ترك النهي عنه لا يدل على وجوبه ، وإنما يعطيك الإباحة خاصة .

وقد بينا أن إسماعيل بن إسحاق القاضي دخل عليه ذمي فأكرمه ، فأخذ عليه الحاضرون في ذلك ; فتلا هذه الآية عليهم " .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ولما نزلت هذه الآيات الكريمات، المهيجة على عداوة الكافرين، وقعت من المؤمنين كل موقع، وقاموا بها أتم القيام، وتأثموا من صلة بعض أقاربهم المشركين، وظنوا أن ذلك داخل فيما نهى الله عنه.فأخبرهم الله أن ذلك لا يدخل في المحرم فقال: { لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ } أي: لا ينهاكم الله عن البر والصلة، والمكافأة بالمعروف، والقسط للمشركين، من أقاربكم وغيرهم، حيث كانوا بحال لم ينتصبوا لقتالكم في الدين والإخراج من دياركم، فليس عليكم جناح أن تصلوهم، فإن صلتهم في هذه الحالة، لا محذور فيها ولا مفسدة كما قال تعالى عن الأبوين المشركين إذا كان ولدهما مسلما: { وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

ثم رخص الله تعالى في صلة الذين لم يعادوا المؤمنين ولم يقاتلوهم فقال : ( لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم ) ( لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم ) أي لا ينهاكم الله عن بر الذين لم يقاتلوكم ( وتقسطوا إليهم ) تعدلوا فيهم بالإحسان والبر ( إن الله يحب المقسطين ) قال ابن عباس : نزلت في خزاعة كانوا قد صالحوا النبي - صلى الله عليه وسلم - على أن لا يقاتلوه ولا يعينوا عليه أحدا فرخص الله في برهم .

وقال عبد الله بن الزبير : نزلت في أسماء بنت أبي بكر وذلك أن أمها قتيلة بنت عبد العزى قدمت عليها المدينة بهدايا ضبابا وأقطا وسمنا وهي مشركة فقالت أسماء : لا أقبل منك هدية ولا تدخلي علي بيتي حتى أستأذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأنزل الله هذه الآية فأمرها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن تدخلها منزلها وتقبل هديتها وتكرمها وتحسن إليها .

أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا قتيبة حدثنا حاتم عن هشام بن عروة عن أبيه عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت : قدمت علي أمي وهي مشركة في عهد قريش إذ عاهدوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومدتهم مع أبيها فاستفتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت : يا رسول الله إن أمي قدمت علي وهي راغبة أفأصلها قال : صليها .

وروي عن ابن عيينة قال : فأنزل الله فيها " لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين " .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم» من الكفار «في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم» بدل اشتمال من الذين «وتقسطوا» تفضوا «إليهم» بالقسط، أي بالعدل وهذا قبل الأمر بجهادهم «إن الله يحب المقسطين» بالعادلين.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

لا ينهاكم الله -أيها المؤمنون- عن الذين550 لم يقاتلوكم من الكفار بسبب الدين، ولم يخرجوكم من دياركم أن تكرموهم بالخير، وتعدلوا فيهم بإحسانكم إليهم وبرِّكم بهم.

إن الله يحب الذين يعدلون في أقوالهم وأفعالهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - للؤمنين القاعدة التى يسيرون عليها فى مودتهم وعداوتهم وصلتهم ومقاطعتهم .

فقال - تعالى - : ( لاَّ يَنْهَاكُمُ الله عَنِ الذين لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدين وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وتقسطوا إِلَيْهِمْ إِنَّ الله يُحِبُّ المقسطين ) .وقد ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآية والتى بعدها روايات منها ، ما أخرجه البخارى وغيره " عن أسماء بنت أبى بكر الصديق قالت : أتتنى أمى راغبة - أى : فى عطائى - وهى مشركة فى عهد قريش .

.

.

فسألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أأصلها؟

فأنزل الله - تعالى - : ( لاَّ يَنْهَاكُمُ الله ) .فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " نعم صلى أمك " " .وروى الإمام أحمد وجماعة عن عبد الله بن الزبير قال : قدمت قتيلة بنت عبد العزى - وهى مشركة - على ابنتها اسماء بنت أبى بكر بهدايا ، فأبت أسماء أن تقبل هديتها ، أو تدخلها بيتها ، حتى أرسلت إلى عائشة ، لكى تسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن هذا ، فسألته ، فأنزل الله - تعالى - : ( لاَّ يَنْهَاكُمُ الله عَنِ الذين لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدين ) .وقال الحسن وأبو صالح : نزلت هذه الآية فى قبائل من العرب كانوا قد صالحوا النبى - صلى الله عليه وسلم - على أن لا يقاتلوه ، ولا يعينوا عليه .وقال مجاهد : نزلت فى قوم بمكة آمنوا ولم يهاجروا ، فكان المهاجرون والأنصار يتحرجون من برهم ، لتركهم فرض الهجرة .قال الآلوسى - بعد أن ذكر هذه الروايات وغيرهما - : ( والأكثرون على أنها فى كفرة اتصفوا بما فى حيز الصلة .

.

.والذى تطمئن إليه النفس أن هاتين الآيتين ، ترسمان للمسلمين المنهج الذى يجب أن يسيروا عليه مع غيرهم ، وهو أن من لم يقاتلنا من الكفار ، ولم يعمل أو يساعد على إلحاق الأذى والضرر بنا ، فلا يأس من بره وصلته .ومن قاتلنا ، وحاول إيذاءنا منهم .

فعلينا أن نقطع صلتنا به ، وأن نتخذ كافة الوسائل لردعه وتأديبه ، حتى لا يتجاوز حدودمه معنا .والمعنى : ( لاَّ يَنْهَاكُمُ الله ) تعالى - أيها المؤمنون - ( عَنِ ) مودة وصلى الكافرين ( الذين لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدين وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ ) أى : لم يقاتلوكم من أجل أنكم مسلمون ، ولم يحاولوا إلحاق أى أذى بكم ، كالعمل على إخراجكم من دياركم .لا ينهاكم الله - تعالى - عن ( أَن تَبَرُّوهُمْ ) أى : عن أن تحسنوا معاملتهم وتكرموهم .

وعن أن ( تقسطوا إِلَيْهِمْ ) أى تقضوا إليهم بالعدل ، وتعاملوهم بمثل معاملتهم لكم ، ولا تجوروا عليهم فى حكم من الأحكام .( إِنَّ الله يُحِبُّ المقسطين ) أى العادلين فى أقوالهم وأفعالهم وأحكامهم ، الذين ينصفون الناس ، ويعطونهم العدل من أنفسهم ، ويحسنون إلى من أحسن إليهم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اختلفوا في المراد من ﴿ الذين لَمْ يقاتلوكم ﴾ فالأكثرون على أنهم أهل العهد الذين عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على ترك القتال، والمظاهرة في العداوة، وهم خزاعة كانوا عاهدوا الرسول على أن لا يقاتلوه ولا يخرجوه، فأمر الرسول عليه السلام بالبر والوفاء إلى مدة أجلهم، وهذا قول ابن عباس والمقاتلين والكلبي، وقال مجاهد: الذين آمنوا بمكة ولم يهاجروا، وقيل: هم النساء والصبيان، وعن عبد الله بن الزبير: أنها نزلت في أسماء بنت أبي بكر قدمت أمها فتيلة عليها وهي مشركة بهدايا، فلم تقبلها ولم تأذن لها بالدخول، فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تدخلها وتقبل منها وتكرمها وتحسن إليها، وعن ابن عباس: أنهم قوم من بني هاشم منهم العباس أخرجوا يوم بدر كرهاً، وعن الحسن: أن المسلمين استأمروا رسول الله في أقربائهم من المشركين أن يصلوهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وقيل الآية في المشركين، وقال قتادة نسختها آية القتال.

وقوله: ﴿ أَن تَبَرُّوهُمْ ﴾ بدل من ﴿ الذين لَمْ يقاتلوكم ﴾ وكذلك ﴿ أَن تَوَلَّوْهُمْ ﴾ بدل من ﴿ الذين قاتلوكم ﴾ والمعنى: لا ينهاكم عن مبرة هؤلاء، وإنما ينهاكم عن تولي هؤلاء، وهذا رحمة لهم لشدتهم في العداوة، وقال أهل التأويل: هذه الآية تدل على جواز البر بين المشركين والمسلمين، وإن كانت الموالاة منقطعة، وقوله تعالى: ﴿ وَتُقْسِطُواْ إِلَيْهِمْ ﴾ قال ابن عباس يريد بالصلة وغيرها ﴿ إِنَّ الله يُحِبُّ المقسطين ﴾ يريد أهل البر والتواصل، وقال مقاتل: أن توفوا لهم بعهدهم وتعدلوا، ثم ذكر من الذين ينهاهم عن صلتهم فقال: ﴿ إِنَّمَا ينهاكم الله عَنِ الذين قاتلوكم فِي الدين...

أَن تَوَلَّوْهُمْ ﴾ وفيه لطيفة: وهي أنه يؤكد قوله تعالى: ﴿ لاَّ ينهاكم الله عَنِ الذين لَمْ يقاتلوكم ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ أَن تَبَرُّوهُمْ ﴾ بدل من الذين لم يقاتلوكم.

وكذلك ﴿ أَن تَوَلَّوْهُمْ ﴾ من الذين قاتلوكم: والمعنى: لا ينهاكم عن مبرّة هؤلاء، وإنما ينهاكم عن تولى هؤلاء.

وهذا أيضاً رحمة لهم لتشدّدهم وجدّهم في العداوة متقدّمة لرحمته بتيسير إسلام قومهم، حيث رخص لهم في صلة من لم يجاهر منهم بقتال المؤمنين وإخراجهم من ديارهم.

وقيل: أراد بهم خزاعة وكانوا صالحوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن لا يقاتلوه ولا يعينوا عليه.

وعن مجاهد: هم الذين آمنوا بمكة ولم يهاجروا.

وقيل: هم النساء والصبيان.

وقيل: قدمت على أسماء بنت أبي بكر أمّها قتيلة بنت عبد العزى وهي مشركة بهدايا فلم تقبلها ولم تأذن لها في الدخول، فنزلت، فأمرها رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أن تدخلها وتقبل منها وتكرمها وتحسن إليها.

وعن قتادة: نسختها آية القتال ﴿ وَتُقْسِطُواْ إِلَيْهِمْ ﴾ وتقضوا إليهم بالقسط ولا تظلموهم.

وناهيك بتوصية الله المؤمنين أن يستعملوا القسط مع المشركين به ويتحاموا ظلمهم، مترجمة عن حال مسلم يجترئ على ظلم أخيه المسلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِّينِ ولَمْ يُخْرِجُوكم مِن دِيارِكُمْ ﴾ أيْ لا يَنْهاكم عَنْ مَبَرَّةِ هَؤُلاءِ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ أنْ تَبَرُّوهُمْ ﴾ بَدَلٌ مِنَ الَّذِينَ.

﴿ وَتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ ﴾ وتُفْضُوا إلَيْهِمْ بِالقِسْطِ أيِ العَدْلِ.

﴿ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ ﴾ العادِلِينَ، رُوِيَ أنَّ قَتِيلَةَ بِنْتَ عَبْدِ العُزّى قَدِمَتْ مُشْرِكَةً عَلى بِنْتِها أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ بِهَدايا، فَلَمْ تَقْبَلْها ولَمْ تَأْذَنْ لَها بِالدُّخُولِ فَنَزَلَتْ.

﴿ إنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكم في الدِّينِ وأخْرَجُوكم مِن دِيارِكم وظاهَرُوا عَلى إخْراجِكُمْ ﴾ كَمُشْرِكِي مَكَّةَ فَإنَّ بَعْضَهم سَعَوْا في إخْراجِ المُؤْمِنِينَ وبَعْضَهُمُ أعانُوا المُخْرِجِينَ.

﴿ أنْ تَوَلَّوْهُمْ ﴾ بَدَلٌ مِنَ الَّذِينَ بَدَلُ الِاشْتِمالِ.

﴿ وَمَن يَتَوَلَّهم فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ ﴾ لِوَضْعِهِمُ الوِلايَةَ في غَيْرِ مَوْضِعِها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨)

{لاَّ ينهاكم الله عَنِ الذين لَمْ يقاتلوكم فِى الدين وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مّن دياركم أَن تَبَرُّوهُمْ} تكرموهم وتحسنوا إليهم قولاً وفعلاً ومحل أن تبرهم جر على البدل من الذين لَمْ يقاتلوكم وهو بدل اشتمال والتقدير عن بر الدين {وَتُقْسِطُواْ إِلَيْهِمْ} وتقضوا إليهم بالقسط ولا تظلموهم وإذا نهى عن الظلم في حق المشرك فكيف في حق المسلم {إِنَّ الله يُحِبُّ المقسطين}

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِّينِ ولَمْ يُخْرِجُوكم مِن دِيارِكم أنْ تَبَرُّوهُمْ ﴾ أيْ لا يَنْهاكم سُبْحانَهُ وتَعالى عَنِ البِرِّ بِهَؤُلاءِ كَما يَقْتَضِيهِ كَوْنُ ﴿ أنْ تَبَرُّوهُمْ ﴾ بَدَلَ اشْتِمالٍ مِنَ المَوْصُولِ ﴿ وتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ ﴾ أيْ تُفْضُوا إلَيْهِمْ بِالقِسْطِ أيِ العَدْلِ، فالفِعْلُ مُضَمَّنٌ مَعْنى الإفْضاءِ ولِذا عُدِّيَ بِإلى ﴿ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ ﴾ أيِ العادِلِينَ.

أخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ «عَنْ أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَتْ: أتَتْنِي أُمِّي راغِبَةً وهي مُشْرِكَةٌ في عَهْدِ قُرَيْشٍ إذْ عاهَدُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَسَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أأصْلُها ؟

فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ ﴾ إلَخْ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «نَعَمْ صِلِي أُمَّكِ»» وفي رِوايَةِ الإمامِ أحْمَدَ وجَماعَةٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: «قَدِمَتْ قَتِيلَةُ بِنْتُ عَبْدِ العُزّى عَلى ابْنَتِها أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ بِهَدايا.

صِنابٍ وأقِطٍ وسَمْنٍ وهي مُشْرِكَةٌ فَأبَتْ أسْماءُ أنْ تَقْبَلَ هَدِيَّتَها أوْ تُدْخِلَها بَيْتَها حَتّى أرْسَلَتْ إلى عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها أنْ تَسْألَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنْ هَذا فَسَألَتْهُ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ ﴾ الآيَةَ فَأمَرَها أنْ تَقْبَلَ هَدِيَّتَها وتُدْخِلَها بَيْتَها» .

وقَتِيلَةُ هَذِهِ - عَلى ما في التَّحْرِيرِ - كانَتِ امْرَأةَ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَطَلَّقَها في الجاهِلِيَّةِ وهي أُمُّ أسْماءَ حَقِيقَةً، وعَنِ ابْنِ عَطِيَّةَ أنَّها خالَتُها وسَمَّتْها أُمّا مَجازًا، والأوَّلُ هو المُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وقالَ الحَسَنُ وأبُو صالِحٍ: نَزَلَتِ الآيَةُ في خُزاعَةَ وبَنِي الحارِثِ بْنِ كَعْبٍ وكِنانَةَ ومُزَيْنَةَ وقَبائِلَ مِنَ العَرَبِ كانُوا صالَحُوا رَسُولَ اللَّهِ  عَلى أنْ لا يُقاتِلُوهُ ولا يُعِينُوا عَلَيْهِ، وقالَ قُرَّةُ الهَمْدانِيُّ وعَطِيَّةُ العَوْفِيُّ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِن بَنِي هاشِمٍ مِنهُمُ العَبّاسُ.

وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أنَّها نَزَلَتْ في النِّساءِ والصِّبْيانِ مِنَ الكَفَرَةِ، وقالَ مُجاهِدٌ: في قَوْمٍ بِمَكَّةَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا فَكانَ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ يَتَحَرَّجُونَ مِن بِرِّهِمْ لِتَرْكِهِمْ فَرْضَ الهِجْرَةِ، وقِيلَ: في مُؤْمِنِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ وغَيْرِها أقامُوا بَيْنَ الكَفَرَةِ وتَرَكُوا الهِجْرَةَ - أيْ مَعَ القُدْرَةِ عَلَيْها -وقالَ النَّحّاسُ والثَّعْلَبِيُّ: نَزَلَتْ في المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لَمْ يَسْتَطِيعُوا الهِجْرَةَ، والأكْثَرُونَ عَلى أنَّها في كَفَرَةٍ اتَّصَفُوا بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ، وعَلى ذَلِكَ قالَ الكَيا: فِيها دَلِيلٌ عَلى جَوازِ التَّصَدُّقِ عَلى أهْلِ الذِّمَّةِ دُونَ أهْلِ الحَرْبِ وعَلى وُجُوبِ النَّفَقَةِ لِلْأبِ الذِّمِّيِّ دُونَ الحَرْبِيِّ لِوُجُوبِ قَتْلِهِ، ويَخْطُرُ لِي أنِّي رَأيْتُ في الفَتاوى الحَدِيثِيَّةِ لِابْنِ حَجَرٍ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ الِاسْتِدْلالَ بِها عَلى جَوازِ القِيامِ لِأهْلِ الذِّمَّةِ لِأنَّهُ مِنَ البِرِّ والإحْسانِ إلَيْهِمْ ولَمْ نُنْهَ عَنْهُ، لَكِنْ راجَعْتُ تِلْكَ الفَتاوى عِنْدَ كِتابَتِي هَذا البَحْثَ فَلَمْ أظْفَرْ بِذَلِكَ، ومَعَ هَذا وجَدْتُهُ نُقِلَ في آخِرِ الفَتاوى الكُبْرى في بابِ السِّيَرِ عَنِ العِزِّ بْنِ عَبْدِ السَّلامِ أنَّهُ لا يُفْعَلُ القِيامُ لِكافِرٍ لِأنّا مَأْمُورُونَ بِإهانَتِهِ وإظْهارِ صَغارِهِ فَإنْ خِيفَ مِن شَرِّهِ ضَرَرٌ عَظِيمٌ جازَ لِأنَّ التَّلَفُّظَ بِكَلِمَةِ الكُفْرِ جائِزٌ لِلْإكْراهِ فَهَذا أوْلى، ولَمْ يَتَعَقَّبْهُ بِشَيْءٍ، ثُمَّ إنَّ في كَوْنِ القِيامِ مِنَ البِرِّ مُطْلَقًا تَرَدُّدًا، وتَخْصِيصُ العِزِّ جَوازَ القِيامِ لِلْكافِرِ بِما إذا خِيفَ ضَرَرٌ عَظِيمٌ مُخالِفٌ لِقَوْلِ ابْنِ وهْبانَ مِنَ الحَنَفِيَّةِ: ولِلْمِيلِ أوْ لِلْمالِ يُخْدَمُ كافِرٌ ولِلْمِيلِ لِلْإسْلامِ لَوْ قامَ يُغْفَرُ ومِنَ النّاسِ مَن يَجْعَلُ كُلَّ مَصْلَحَةٍ دِينِيَّةٍ كالمَيْلِ لِلْإسْلامِ لَكِنْ بِشَرْطِ أنْ لا يَقْصِدَ القائِمُ تَعْظِيمًا، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ، ونَقَلَ الخَفاجِيُّ عَنِ الدُّرِّ المَنثُورِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ  ﴾ الآيَةَ، والِاسْتِدْلالُ بِها عَلى ما سَمِعْتَ بِتَقْدِيرِ عَدَمِ النَّسْخِ إنْ تَمَّ إنَّما يَتِمُّ عَلى بَعْضِ الأقْوالِ فِيها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ يعني: لعل الله أن يجعل بينكم وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ ، كفار مكة.

مِنْهُمْ مَوَدَّةً وذلك أنه لما أخبرهم عن إبراهيم بعداوته مع أبيه، فأظهر المسلمون العداوة مع أرحامهم، فشق ذلك على بعضهم، فنزل عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً يعني: صلة.

قال مقاتل: فلما أسلم أهل مكة، خالطوهم وناكحوهم، فتزوج النبيّ  أم حبيبة بنت أبي سفيان، وأسلمت وأسلم أبوها.

ويقال: يسلم منهم فيقع بينكم وبينهم مودة بالإسلام وهذا القول أصح، لأنه كان قد تزوج بأم حبيبة قبل ذلك.

وَاللَّهُ قَدِيرٌ على المودة ويقال: قَدِيرٌ بقضائه وهو ظهور النبيّ  على أهل مكة.

وَاللَّهُ غَفُورٌ لمن تاب منهم، رَحِيمٌ بهم بعد التوبة.

ثم رخص في صلة الذين لم يعادوا المؤمنين ولم يقاتلوهم، وهم خزاعة وبنو مدلج، فقال عز وجل: لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ يعني: عن صلة الذين لم يقاتلوكم فى الدين، وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ يعني: أن تصلوهم، وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ يعني: تعدلوا معهم بوفاء عهدهم.

إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ يعني: العادلين بوفاء العهد، يقال: أقسط الرجل، فهو مقسط إذا عدل.

وقسط يسقط، فهو قاسط إذا جار.

ثم قال عز وجل: إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ يعني: عن صلة الذين يقاتلوكم في الدين، وهم أهل مكة، ومن كان في مثل حالهم من أهل الحرب.

وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ يعني: عاونوا على إخراجكم من دياركم.

أَنْ تَوَلَّوْهُمْ يعني: أن تناصحوهم.

وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مّنكُمْ يعني: يناصحهم ويحبهم منكم، فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ يعني: الكافرون الظالمون لأنفسهم.

قوله عز وجل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ وذلك أن النبيّ  صالح أهل مكة يوم الحديبية، وكتب بينه وبينهم كتاباً: «إِنَّ مَنْ لَحِقَ مِنَ المُسْلِمِينَ بِأَهْلِ مَكَّةَ فَهُوَ مِنْهُمْ، وَمَنْ لَحِقَ منهم بالنّبيّ  رَدَّهُ عَلَيْهِمْ» .

فجاءت امرأة إلى النبيّ  ، اسمها سبيعة بنت الحارث الأسلمية، فجاء زوجها في طلبها، فقال للنبيّ  : ارْدُدْهَا فَإِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ شرطا.

فقال النبيّ  : «إنَّمَا كَانَ الشَّرْطُ فِي الرِّجَالِ وَلَمْ يَكُنْ فِي النَّسَاءِ» .

فأنزل الله تعالى: إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ نصب على الحال فَامْتَحِنُوهُنَّ يعني: اختبروهن، ما أخرجكن من بيوتكن؟

فَامْتَحِنُوهُنَّ يعني: اسألوهن، ويقال: استخلفوهن ما خرجنا إلا حرصاً على الإسلام، ولم تكن لكراهية الزوج، ولا لغير ذلك اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ يعني: أعلم بسرائرهن.

فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ يعني: إذا ظهر عندكم إنها خرجت لأجل الإسلام، ولم يكن خروجها لعداوة وقعت بينها وبين زوجها، فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ يعني: لا تردوهن إلى أزواجهن.

لاَ هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ يعني: لا تحل مؤمنة لكافر، وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ يعني: ولا نكاح كافر لمسلمة.

قوله تعالى: وَآتُوهُمْ ما أَنْفَقُوا يعني: أعطوا أزواجهن الكفار ما أنفقوا عليهن من المهر.

قال مقاتل: يعني: إن تزوجها أحد من المسلمين، يدفع المهر إلى الزوج فإن لم يتزوجها أحد من المسلمين، فليس لزوجها الكافر شيء.

ثم قال: وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ يعني: لا حرج على المسلمين أن يتزوجوهن.

إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ يعني: مهورهن، فرد المهر على الزوج الكافر منسوخ.

وفي الآية دليل أن المرأة إذا خرجت من دار الحرب، بانت من زوجها.

وفي الآية تأييد لقول أبي حنيفة: أنَّهُ لاَ عِدَّةَ عَلَيْهَا.

وفي أقوال أبي يوسف ومحمد: عليها العدة.

ثم قال: وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ.

قرأ أبو عمرو وَلا تُمْسِكُوا بالتشديد، والباقون بالتخفيف.

فمن قرأ بالتخفيف، فهو من أمسك يمسك، ومن قرأ بالتشديد فهو من مسك بالشيء يمسكه تمسيكاً، ومعناهما واحد، وهو أن المرأة إذا كفرت، ولحقت بدار الحرب، فقد زالت العصمة بينهما.

فنهى أن يقبضها من بعد انقطاعها، وجاز له أن يتزوج أختها أو أربعاً سواها.

وأصل العصمة الحبل، ومن أمسك بالشيء فقد عصمه.

وقال: معناه لا ترغبوا فيهن ولا تعتدوا فيهن ويقال: لا تعتد بامرأتك الكافرة، فإنها ليست لك بامرأة.

وكان للمسلمين نساء في دار الحرب، فتزوجن هناك.

ثم قال: وَسْئَلُوا ما أَنْفَقْتُمْ يعني: اسألوا من أزواجهن ما أنفقتم عليهن من المهر.

وَلْيَسْئَلُوا منكم مَّا أَنْفَقُوا يعني: ما أعطوا من مهر المرأة التي أسلمت.

وهذه الآية نسخت، إلا قوله: لاَ هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ ثم قال: ذلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يعني: أمره ونهيه يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يعني: يقضي بينكم وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

بَيِّنٌ، وروي أَنَّ هذهِ الآياتِ لما نزلت، وَعَزَمَ المؤمنون على امتثالها، وَصَرْمِ حِبَالِ الكَفَرَةِ- لحقهم تَأَسُّفٌ وهمٌّ من أَجل قراباتهم إذ لم يؤمنوا، ولم يهتدوا، حَتَّى يكونَ بينهم التوادُدُ والتواصُلُ، فنزلت: عَسَى اللَّهُ ...

الآية: مؤنسةً في ذلك، ومُرْجِيةً أَنْ يقعَ، فوقع ذلك بإسلامهم في الفتح، وصار الجميعُ إخواناً، وعسى من اللَّه واجبةُ الوقوع.

ت: قد تقدم تحقيقُ القولِ في عَسَى في سورة القصص، فأغنى عن إعادته.

لاَّ يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨) إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ ما أَنْفَقُوا وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ وَسْئَلُوا ما أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا ذلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠) وَإِنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْواجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْواجُهُمْ مِثْلَ ما أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (١١)

وقوله تعالى: لاَّ يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ....

الآية: اختلف في هؤلاء الذين لم يَنْهَ عنهم أنْ يُبَرُّوا، فقيل: أراد المؤمنين التاركين للهجرة، وقيل: خُزَاعَةَ وقبائلَ من العرب، كانوا مظاهرين للنبي صلّى الله عليه وسلّم/ ومُحِبِّينَ لظهوره، وقيل: أراد النساءَ والصبيان من الكَفَرَةِ، وقيل: أراد مِنْ كُفَّارِ قريش مَنْ لم يقاتلْ ولا أخرج، ولم يُظْهِرْ سُوءاً وعلى أَنَّها في الكفار فالآية منسوخةٌ بالقتال، والذين قاتلوا في الدين وأخرجوهم هم مَرَدَةُ قريش.

وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ الآيةُ نزلَتْ إثرَ صلح الحديبية وذلك أَنَّ ذلك الصلحَ تَضَمَّنَ أَنَّ مَنْ أتى مُسْلِماً من أهل مَكَّةَ، رُدَّ إليهم، سَواءٌ كان رجلاً أو امرأةً، فَنَقَضَ اللَّهُ تعالى من ذلك أَمْرَ النساء بهذه الآية، وحكم بأَنَّ المهاجرة المؤمنةَ لا تردّ إلى دار الكفر، وفَامْتَحِنُوهُنَّ: معناه: جربوهن واستخبروا حقيقةَ ما عندهنَّ.

وقوله تعالى: اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ إشارة إلى الاسترابة ببعضهنَّ.

ت: وقوله تعالى: فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ ...

الآية: العلم هنا: بمعنى الظن، وذكر اللَّه تعالى العِلَّةَ في أَلاَّ يُرَدَّ النساءُ إلى الكُفَّارِ وهو امتناعُ الوطء وحُرْمَتُهُ.

وقوله تعالى: وَآتُوهُمْ ما أَنْفَقُوا ...

الآية: أمر بأَنْ يؤتى الكُفَّارُ مهورَ نسائهم التي هاجرنَ مؤمناتَ، ورفع سبحانه الجناحَ في أَنْ يتزوجنَ بصدقاتٍ هي أجورهِن، وأمر المسلمين بفراق الكافراتِ وأَلاَّ يتمسكوا بعصمهن، فقيل: الآية في عابداتِ الأوثان ومَنْ لا يجوزُ نكاحُها ابتداءً، وقيل: هي عامَّةٌ نُسِخَ منها نساءُ أهل الكتاب، والعِصَمُ: جمع عِصْمَة، وهي أسباب الصحبة والبقاء في الزوجية، وأمر تعالى أَنْ يسأل أيضاً المؤمنون: ما أنفقوا؟

فرُوِيَ عنِ ابن شهاب أَنَّ قريشاً لَمَّا/ بلغهم هذا الحكم، قالوا: نحن لا نرضى بهذا الحكم، ولا نَلْتَزِمُهُ، ولا ندفع لأحد صَدَاقاً، فنزلت بسبب ذلك هذه الآيةُ الأخرى: وَإِنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْواجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ ...

الآية: فأمر اللَّه تعالى المؤمنين أنْ يدفعوا إلى مَن فَرَّتْ زوجتُه ففاتتْ بنفسها إلى الكُفَّارِ صَدَاقَهُ الذي أنفق، واخْتُلِفَ: مِنْ أَيِّ مَالٍ يُدْفَعُ إليه الصَّدَاقُ؟

فقال ابن شهاب «١» : يُدْفَعُ إليه من الصدقات التي كانت تُدْفَعُ إلى الكفار بسبب مَنْ هاجر من أزواجهم، وأزال اللَّه دفعها إليهم حين لم يرضوا حكمه، قال ع «٢» : وهذا قول صحيح يقتضيه قوله: فَعاقَبْتُمْ وقال قتادة «٣» وغيره: يُدْفَعُ إليه من مغانم المغازي، وقال هؤلاء: التعقيب هو الغزو والمغنم، وقال ابن شهاب «٤» أيضاً: يدفع إليه مِنْ أيِّ وجوه الفيء أمكن، والمعاقبة في هذه الآية ليستْ بمعنى مجازاة السوء بسوءٍ، قال الثعلبي: وقرأ مجاهد: «فَأَعْقَبْتُمْ» «٥» وقال: المعنى: صنعتم بهم كما صنعوا بكم، انتهى، قال ع «٦» : أي: وذلك بأنْ يفوت إليكم شيء من أزواجهم، وهكذا هو التعاقب على الجَمَلِ والدَّوَابِّ أنْ يركبَ هذا عقبة وهذا عقبة، ويقال: عاقب الرجلُ صاحِبَه في كذا، أي: جاء فِعْلُ كُلِّ واحد منهما بعقب فعل الآخر، وهذه الآية كلّها قد ارتفع حكمها.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

أحَدُهُما: أنَّهُمُ الأنْبِياءُ.

والثّانِي: المُؤْمِنُونَ ﴿ إذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إنّا بُرَآءُ مِنكُمْ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: تَقُولُ أفَلا تَأسَّيْتَ يا حاطِبُ بِإبْراهِيمَ وقَوْمِهِ فَتَبَرَّأْتَ مِن أهْلِكَ كَما تَبَرَّؤُوا مِن قَوْمِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ إلا قَوْلَ إبْراهِيمَ لأبِيهِ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: والمَعْنى: تَأسُّوا بِإبْراهِيمَ إلّا في اسْتِغْفارِ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ فَلا تَأسَّوْا بِهِ في ذَلِكَ، فَإنَّهُ كانَ عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ ﴿ وَما أمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنَ شَيْءٍ ﴾ أيْ: ما أدْفَعُ عَنْكَ عَذابَ اللَّهِ إنْ أشْرَكْتَ بِهِ، وكانَ مِن دُعاءِ إبْراهِيمَ وأصْحابِهِ: ﴿ رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ العَزِيزُ الحَكِيمُ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: قُولُوا أنْتُمْ: رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا.

وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ في [يُونُسَ] [آيَةُ: ٨٥] .

ثُمَّ أعادَ الكَلامَ في ذِكْرِ الأُسْوَةِ فَقالَ تَعالى: ﴿ لَقَدْ كانَ لَكم فِيهِمْ ﴾ أيْ: في إبْراهِيمَ ومَن مَعَهُ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يُبْغِضُونَ مَن خالَفَ اللَّهَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَكُمْ ﴾ وبَيانٌ أنَّ هَذِهِ الأُسْوَةَ لِمَن يَخافُ اللَّهَ، ويَخْشى عِقابَ الآخِرَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَمَن يَتَوَلَّ ﴾ أيْ: يُعْرِضْ عَنِ الإيمانِ ويُوالِ الكُفّارَ ﴿ فَإنَّ اللَّهَ هو الغَنِيُّ ﴾ عَنْ خَلْقِهِ "الحَمِيدُ" إلى أوْلِيائِهِ.

فَلَمّا أمَرَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ بِعَداوَةِ الكُفّارِ عادَوْا أقْرِباءَهُمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ عَسى اللَّهُ أنْ يَجْعَلَ بَيْنَكم وبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنهُمْ ﴾ أيْ: مِن كَفّارِ مَكَّةَ "مَوَدَّةً" فَفَعَلَ ذَلِكَ، بِأنْ أسْلَمَ كَثِيرٌ مِنهم يَوْمَ الفَتْحِ، وتَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ  أمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ أبِي سُفْيانَ، فانْكَسَرَ أبُو سُفْيانَ عَنْ كَثِيرٍ مِمّا كانَ عَلَيْهِ حَتّى هَداهُ اللَّهُ لِلْإسْلامِ ﴿ واللَّهُ قَدِيرٌ ﴾ عَلى جَعْلِ المَوَدَّةِ ﴿ واللَّهُ غَفُورٌ ﴾ لَهم ﴿ رَحِيمٌ ﴾ بِهِمْ بَعْدَما أسْلَمُوا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِّينِ ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى خَمْسَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها في أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ، وذَلِكَ «أنَّ أُمَّها قَتِيلَةَ بِنْتَ عَبْدِ العُزّى.

قَدِمَتْ عَلَيْها المَدِينَةَ بِهَدايا، فَلَمْ تَقْبَلْ هَداياها، ولَمْ تُدْخِلْها مَنزِلَها، فَسَألَتْ لَها عائِشَةُ رَسُولَ اللَّهِ  ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَأمَرَها رَسُولُ اللَّهِ  أنْ تُدْخِلَها مَنزِلَها، وتَقْبَلَ هَدِيَّتَها، وتُكْرِمَها، وتُحْسِنَ إلَيْها،» قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في خُزاعَةَ وبَنِي مُدْلَجٍ، وكانُوا صالَحُوا رَسُولَ اللَّهِ  عَلى أنْ لا يُقاتِلُوهُ، ولا يُعِينُوا عَلَيْهِ أحَدًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ البَصَرِيِّ أنَّها نَزَلَتْ في خُزاعَةَ، وبَنِي الحارِثِ بْنِ عَبْدِ مَنافٍ، وكانَ بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ  عَهْدٌ، فَدامُوا عَلى الوَفاءِ بِهِ.

والثّالِثُ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِن بَنِي هاشِمٍ مِنهُمُ العَبّاسُ، قالَهُ عَطِيَّةُ العَوْفِيُّ ومُرَّةُ.

والرّابِعُ: أنَّها عامَّةٌ في جَمِيعِ الكَفّارِ، وهي مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ  ﴾ ، قالَهُ قَتادَةُ.

والخامِسُ: نَزَلَتْ في النِّساءِ والصِّبْيانِ، حَكاهُ الزَّجّاجُ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: وهَذِهِ الآيَةُ رُخْصَةٌ في صِلَةِ الَّذِينَ لَمْ يَنْصِبُوا الحَرْبَ لِلْمُسْلِمِينَ، وجَوازِ بِرِّهِمْ، وإنْ كانَتِ المُوالاةُ مُنْقَطِعَةً مِنهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَمْ يُخْرِجُوكم مِن دِيارِكُمْ ﴾ أيْ: مِن مَكَّةَ أنْ ﴿ تَبَرُّوهم وتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ ﴾ أيْ: تُعامِلُوهم بِالعَدْلِ فِيما بَيْنَكم وبَيْنَهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَظاهَرُوا عَلى إخْراجِكُمْ ﴾ أيْ: عاوَنُوا عَلى ذَلِكَ ﴿ أنْ تَوَلَّوْهُمْ ﴾ والمَعْنى: إنَّما يَنْهاكم عَنْ أنْ تَوَلَّوْا هَؤُلاءِ، لِأنَّ مُكاتَبَتَهم بِإظْهارِ ما أسَرَّهُ رَسُولُ اللَّهِ  مُوالاةٌ.

وذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّ مَعْنى الآيَةِ والَّتِي قَبْلَها مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: لا وجْهَ لِادِّعاءِ النَّسْخِ، لِأنَّ بِرَّ المُؤُمِنِينَ لِلْمُحارِبِينَ سَواءٌ كانُوا قَرابَةً أوْ غَيْرَ قَرابَةٍ، غَيْرُ مُحَرَّمٍ إذا لَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ تَقْوِيَةٌ لَهم عَلى الحَرْبِ بِكُراعٍ أوْ سِلاحٍ، أوْ دَلالَةٌ لَهم عَلى عَوْرَةِ أهْلِ الإسْلامِ.

ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ حَدِيثُ أسْماءَ وأمِّها الَّذِي سَبَقَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ لا يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِينِ ولَمْ يُخْرِجُوكم مِن دِيارِكم أنْ تَبَرُّوهم وتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ إنَّ اللهُ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ ﴾ ﴿ إنَّما يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكم في الدِينِ وأخْرَجُوكم مِن دِيارِكم وظاهَرُوا عَلى إخْراجِكم أنْ تَوَلَّوْهم ومَن يَتَوَلَّهم فَأُولَئِكَ هُمُ الظالِمُونَ ﴾ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فامْتَحِنُوهُنَّ اللهُ أعْلَمُ بِإيمانِهِنَّ فَإنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إلى الكُفّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهم ولا هم يَحِلُّونَ لَهُنَّ ﴾ اخْتَلَفَ الناسُ في هَؤُلاءِ الَّذِينَ لَمْ يَنْهَ عنهم أنْ يَبَرُّوا مِنهُمْ، فَقالَ مُجاهِدٌ: هُمُ المُؤْمِنُونَ مِن أهْلِ مَكَّةَ الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا وكانُوا لِذَلِكَ في رُتْبَةِ سُوءٍ لِتَرْكِهِمْ فُرَصَ الهِجْرَةِ، وقالَ آخَرُونَ: أرادَ المُؤْمِنِينَ التارِكِينَ لِلْهِجْرَةِ كانُوا مِن أهْلِ مَكَّةَ ومِن غَيْرِها، وقالَ الحَسَنُ، وأبُو صالِحٍ: أرادَ خُزاعَةَ وبَنِي الحارِثِ وقَبائِلَ مِنَ العَرَبِ كُفّارًا إلّا أنَّهم كانُوا مُظاهِرِينَ لِلنَّبِيِّ  ، مُحِبِّينَ فِيهِ وفي ظُهُورِهِ، ومِنهم كِنانَةُ وبَنُو الحارِثِ بْنُ عَبْدِ مَناةَ ومُزَيْنَةَ، وقالَ قَوْمٌ: أرادَ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ مَن لَمْ يُقاتِلْ ولا أُخْرِجَ ولا أظْهَرَ سُوءًا، وعَلى هَذَيْنَ القَوْلَيْنِ فالآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِالقِتالِ، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزُبَيْرِ رَضِيَ اللهُ عنهُما: أرادَ النِساءَ والصِبْيانَ مِنَ الكَفَرَةِ، وقالَ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبٍ أُمِّ أسْماءَ حِينَ اسْتَأْذَنَتِ النَبِيَّ  في بِرِّها وصِلَتِها فَأذِنَ لَها، وكانَتِ المَرْأةُ خالَتَها فِيما رُوِيَ فَسَمَّتْها في حَدِيثِها أُمًّا، وقالَ أبُو جَعْفَرِ بْنِ النَحّاسِ، والثَعْلَبِيُّ: أرادَ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لَمْ يَسْتَطِيعُوا الهِجْرَةَ، وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ، وقالَ مُرَّةُ الهَمْدانِيُّ، وعَطِيَّةُ العَوْفِيُّ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِن بَنِي هاشِمٍ مِنهُمُ العَبّاسُ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ، وقالَ قَتادَةُ: نَسَخَتْها "فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ".

وقَوْلُهُ تَعالى: "أنْ تَبَرُّوهُمْ" بَدَلٌ، وهَذا هو بَدَلُ الِاشْتِمالِ، و"الإقْساطُ": العَدْلُ، و"ظاهَرُوا" مَعْناهُ: عاوَنُوا، و"الَّذِينَ قاتَلُوا في الدِينِ وأخْرَجُوهُمْ" مَرَدَةُ قُرَيْشٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ ﴾ الآيَةُ...

نَزَلَتْ إثْرَ صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ، وذَلِكَ أنَّ الصُلْحَ تَضَمَّنَ أنْ يَرُدَّ المُؤْمِنُونَ إلى الكُفّارِ كُلَّ مَن جاءَ مُسْلِمًا مِن رَجُلٍ وامْرَأةٍ، فَنَقَضَ اللهُ تَعالى مِن ذَلِكَ أمْرَ النِساءِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وحَكَمَ أنَّ المُهاجِرَةَ المُؤْمِنَةَ لا تُرَدُّ إلى الكُفْرِ بَلْ تَبْقى تَسْتَبْرِئُ وتَتَزَوَّجُ، ويُعْطى زَوْجُها الكافِرُ الصَداقَ الَّذِي أنْفَقَ، وأمَرَ أيْضًا المُؤْمِنِينَ بِطَلَبِ صَداقِ مَن فَرَّتِ امْرَأتُهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وحَكَمَ تَعالى بِهَذا في النازِلَةِ، وسَمّاهُنَّ مُؤْمِناتٍ قَبْلَ أنْ يُتَيَقَّنَ ذَلِكَ لِأنَّهُ ظاهِرُ أمْرِهِنَّ، و"مُهاجِراتٍ" نُصِبَ عَلى الحالِ، و"امْتَحِنُوهُنَّ" مَعْناهُ: جَرِّبُوهُنَّ واسْتَخْبِرُوا حَقِيقَةَ ما عِنْدَهُنَّ.

واخْتَلَفَ الناسُ في هَذا الِامْتِحانِ، كَيْفَ كانَ؟

فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ: كانَ بِأنْ تَسْتَحْلِفَ المَرْأةُ أنَّها ما هاجَرَتْ لِبُغْضِ زَوْجِها، وبِجَرِيرَةٍ جَرَّتْها، ولا بِسَبَبٍ مِن أعْراضِ الدُنْيا سِوى حُبِّ اللهِ تَعالى ورَسُولِهِ  والدارِ الآخِرَةِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا: الِامْتِحانُ أنْ تُطْلَبَ بِأنْ تَشْهَدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللهُ وأنْ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، فَإذا فَعَلْتَ ذَلِكَ لَمْ تُرِدْ، فَقالَ فَرِيقٌ مِنهم عائِشَةُ أُمُّ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللهُ عنهُا: الِامْتِحانُ هو أنْ تَعْرِضَ عَلَيْها الشُرُوطَ الَّتِي في الآيَةِ بَعْدَ هَذا مِن تَرْكِ السَرِقَةِ والزِنا والبُهْتانِ والعِصْيانِ، فَإذا أقَرَّتْ بِذَلِكَ فَهو امْتِحانُها، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أُمَيْمَةَ بِنْتِ بِشْرٍ امْرَأةِ حَسّانَ بْنِ الدَحْداحَةِ، وفي كِتابِ الثَعْلَبِيِّ أنَّها نَزَلَتْ في سُبَيْعَةَ بِنْتِ الحارِثِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اللهُ أعْلَمُ بِإيمانِهِنَّ ﴾ إشارَةٌ إلى الِاسْتِرابَةِ بِبَعْضِهِنَّ، وحَضَّ عَلى امْتِحانِهِنَّ، وذَكَرَ تَعالى العِلَّةَ في ألّا يُرَدَّ النِساءُ إلى الكُفّارِ وهي امْتِناعُ الوَطْءِ وحُرْمَتُهُ، وقَرَأ طَلْحَةُ: "لا هُنَّ يَحْلَلْنَ لَهُمْ".

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف هو منطوق لمفهوم الأوصاف التي وُصف بها العدوّ في قوله تعالى: ﴿ وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم ﴾ [الممتحنة: 1] وقوله: ﴿ إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء ﴾ [الممتحنة: 2]، المسوقة مساق التعليل للنهي عن اتخاذ عدوّ الله أولياء، استثنى الله أقواماً من المشركين غير مضمرين العداوة للمسلمين وكان دينهم شديد المنافرة مع دين الإِسلام.

فإن نظرنا إلى وصف العدوّ من قوله: ﴿ لا تتخذوا عدوي وعدوكم ﴾ وحملناه على حالة معاداة من خالفهم في الدين ونظرنا مع ذلك إلى وصف ﴿ يخرجون الرسول وإياكم ﴾ ، كان مضمون قوله: ﴿ لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ﴾ إلى آخره، بياناً لمعنى العداوة المجعولة علة للنهي عن الموالاة وكان المعنى أن مناط النهي هو مجموع الصفات المذكورة لا كل صفة على حيالها.

وإن نظرنا إلى أن وصف العدوّ هو عدوّ الدين، أي مخالفة في نفسه مع ضميمة وصف ﴿ وقد كفروا بما جاءكم من الحق ﴾ ، كان مضمون ﴿ لا ينهاكم الله ﴾ إلى آخره تخصيصاً للنهي بخصوص أعداء الدين الذين لم يقاتلوا المسلمين لأجل الدين ولم يُخرجوا المسلمين من ديارهم.

وأيَّاً ما كان فهذه الجملة قد أخرجت من حكم النهي القومَ الذين لم يقاتلوا في الدين ولم يُخرجوا المسلمين من ديارهم، واتصال هذه الآية بالآيات التّي قبلها يجعل الاعتبارين سواء فدخل في حكم هذه الآية أصناف وهم حلفاءُ النبي صلى الله عليه وسلم مثل خُزاعة، وبني الحارث بن كعب بن عبد مناةَ بن كنانة، ومزينة كان هؤلاء كلهم مظاهرين النبي صلى الله عليه وسلم ويحبون ظهوره على قريش، ومثل النساء والصبيان من المشركين، وقد جاءت قُتيلة (بالتصغير ويقال لها: قتلة، مكبراً) بنت عبد العُزى من بني عامر بن لؤي من قريش وهي أم أسماء بنت أبي بكر الصديق إلى المدينة زائرةً ابنتها وقتيلة يومئذٍ مشركة في المدة التي كانت فيها المهادنة بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين كفار قريش بعد صلح الحديبية (وهي المدة التي نزلت فيها هذه السورة) فسألت أسماءُ رسول الله صلى الله عليه وسلم أتصِل أمها؟

قال: «نعم صِلي أُمَّككِ»، وقد قيل: إن هذه الآية نزلت في شأنها.

وقوله: ﴿ أن تبروهم ﴾ بدل اشتمال من ﴿ الذين لم يقاتلوكم في الدين ﴾ الخ، لأن وجود ضمير الموصول في المبدل وهو الضمير المنصوب في ﴿ أن تبروهم ﴾ يجعل بر المسلمين بهم مما تشتمل عليه أحوالهم.

فدخل في الذين لم يقاتلوا المسلمين في الدين نَفر من بني هاشم منهم العباس بن عبد المطلب، والذينَ شملتهم أحكام هذه الآية كلّهم قد قيل إنهم سبب نزولها وإنما هو شمول وما هو بسبب نزول.

والبرّ: حسن المعاملة والإِكرامُ.

وهو يتعدى بحرف الجر، يقال: برّ به، فتعديته هنا بنفسه على نزع الخافض.

والقسط: العدل.

وضمن ﴿ تقسطوا ﴾ معنى تُفضوا فعدّي ب (إلى) وكان حقه أن يعدَّى باللام.

على أن اللام و(إلى) يتعاقبان كثيراً في الكلام، أي أن تعاملوهم بمثل ما يعاملونكم به من التقرب، فإن معاملة أحد بمثل ما عامل به من العدل.

وجملة و ﴿ إن الله يحب المقسطين ﴾ تذييل، أي يحب كل مقسط فيدخل الذين يقسطون للذين حالفوهم في الدين إذا كانوا مع المخالفة محسنين معاملتهم.

وعن ابن وهب قال: سألت ابن زيد عن قوله تعالى: ﴿ لا ينهاكم الله ﴾ الآية قال: نسخها القتال، قال الطبري: لا معنى لقول من قال: ذلك منسوخ، لأن بر المؤمن بمن بينه وبينه قرابة من أهل الحرب أو بمن لا قرابة بينه وبينه غير محرم إذا لم يكن في ذلك دلالة على عورة لأهل الإِسلام.

اه.

ويؤخذ من هذه الآية جواز معاملة أهل الذمة بالإِحسان وجواز الاحتفاء بأعيانهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ عَسى اللَّهُ أنْ يَجْعَلَ بَيْنَكم وبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنهم مَوَدَّةً ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أهْلُ مَكَّةَ حِينَ أسْلَمُوا عامَ الفَتْحِ فَكانَتْ هي المَوَدَّةُ الَّتِي صارَتْ بَيْنَهم وبَيْنَ المُسْلِمِينَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: أنَّهُ إسْلامُ أبِي سُفْيانَ.

وَفي مَوَدَّتِهِ الَّتِي صارَتْ مِنهُ قَوْلانِ: أحَدُهُما: تَزْوِيجُ النَّبِيِّ  بِأُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أبِي سُفْيانَ فَكانَتْ هَذِهِ مَوَدَّةً بَيْنَهُ وبَيْنَ أبِي سُفْيانَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

الثّانِي: أنَّ النَّبِيَّ  اسْتَعْمَلَ أبا سُفْيانَ عَلى بَعْضِ اليَمَنِ فَلَمّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ أقْبَلَ فَلَقِيَ ذا الخِمارِ مُرْتَدًّا، فَقاتَلَهُ فَكانَ أوَّلَ مَن قاتَلَ في الرِّدَّةِ وجاهَدَ عَنِ الدِّينِ، فَكانَتْ هَذِهِ المَوَدَّةَ، قالَهُ الزُّهَيْرِيُّ.

﴿ لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِّينِ ﴾ الآيَةَ.

فِيهِمْ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ هَذا في أوَّلِ الأمْرِ عِنْدَ مُوادَعَةِ المُشْرِكِينَ، ثُمَّ نُسِخَ بِالقِتالِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: أنَّهم خُزاعَةُ وبَنُو الحارِثِ بْنِ عَبْدِ مَنافٍ كانَ لَهم عَهْدٌ فَأمَرَ اللَّهُ أنْ يَبَرُّوهم بِالوَفاءِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

الثّالِثُ: أنَّهُمُ النِّساءُ والصِّبْيانُ لِأنَّهم مِمَّنْ لَمْ يُقاتِلْ، فَأذِنَ اللَّهُ تَعالى بِبِرِّهِمْ، حَكاهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ.

الرّابِعُ: ما رَواهُ عامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أبِيهِ «أنَّ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ طَلَّقَ امْرَأتَهُ قُتَيْلَةَ في الجاهِلِيَّةِ وهي أُمُّ أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ، فَقَدِمَتْ عَلَيْهِمْ في المُدَّةِ الَّتِي كانَتْ فِيها المُهادَنَةُ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ  وبَيْنَ كُفّارِ قُرَيْشٍ، فَأهْدَتْ إلى أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ قُرْطًا وأشْياءَ، فَكَرِهَتْ أنْ تَقْبَلَ مِنها حَتّى أتَتْ رَسُولَ اللَّهِ  فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةُ.

» ﴿ وَتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي وتَعْدِلُوا فِيهِمْ، قالَهُ ابْنُ حِبّانَ فَلا تَغْلَوْا في مُقارَبَتِهِمْ، ولا تُسْرِفُوا في مُباعَدَتِهِمْ.

الثّانِي: مَعْناهُ أنْ تُعْطُوهم قِسْطًا مِن أمْوالِكم، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّهُ الإنْفاقُ عَلى مَن وجَبَتْ نَفَقَتُهُ مِنهم، ولا يَكُونُ اخْتِلافُ الدِّينِ مانِعًا مِنِ اسْتِحْقاقِها.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن ابن شهاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل أبا سفيان بن حرب على بعض اليمن فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل فلقي ذا الخمار مرتداً فقاتله، فكان أول من قاتل في الردة وجاهد عن الدين.

قال ابن شهاب: وهو فيمن أنزل الله فيه ﴿ عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة ﴾ .

وأخرج ابن مردويه عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال: أول من قاتل أهل الردة على إقامة دين الله أبو سفيان بن حرب، وفيه نزلت هذه الآية ﴿ عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن عدي وابن مردويه والبيهقي في الدلائل وابن عساكر من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله: ﴿ عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة ﴾ قال: كانت المودة التي جعل الله بينهم تزويج النبي صلى الله عليه وسلم أم حبيبة بنت أبي سفيان، فصارت أم المؤمنين، وصار معاوية خال المؤمنين.

وأخرج ابن مردويه من وجه آخر عن ابن عباس ﴿ عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة ﴾ قال: نزلت في تزويج النبي صلى الله عليه وسلم ابنته أم حبيبة فكانت هذه مودة بينه وبينه.

قوله تعالى: ﴿ لا ينهاكم الله ﴾ الآية.

أخرج الطيالسي وأحمد والبزار وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في تاريخه والحاكم وصححه والطبراني وابن مردويه عن عبد الله بن الزبير قال: قدمت قتيلة بنت عبد العزى على ابنتها أسماء بنت أبي بكر بهدايا ضباب وأقط وسمن، وهي مشركة، فأبت أسماء أن تقبل هديتها، أو تدخلها بيتها، حتى أرسلت إلى عائشة أن سلي عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته، فأنزل الله: ﴿ لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ﴾ إلى آخر الآية، فأمرها أن تقبل هديتها، وتدخلها بيتها.

وأخرج البخاري وابن المنذر والنحاس والبيهقي في شعب الإِيمان «عن أسماء بنت أبي بكر قالت: أتتني أمي راغبة وهي مشركة في عهد قريش إذا عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم أأصلها؟

فأنزل الله: ﴿ لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ﴾ فقال: نعم صلي أمك» .

وأخرج أبو داود في تاريخه وابن المنذر عن قتادة ﴿ لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ﴾ نسختها ﴿ فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ﴾ [ التوبة: 5] .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ﴾ قال: أن تستغفروا لهم وتبروهم وتقسطوا إليهم هم الذين آمنوا بمكة ولم يهاجروا.

وأخرج ابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين ﴾ قال: كفار أهل مكة.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ ﴾ اختلفوا في المراد بقوله: ﴿ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ ﴾ فالأكثرون على أنهم أهل العهد الذين عاهدوا رسول الله -  - على ترك القتال والمظاهرة في العداوة وهم خزاعة.

وكانوا عاقدوا النبي -  - أن لا يقاتلوه ولا يخرجوه، فأمر النبي -  - بالبر والوفاء لهم إلى مدة أجلهم.

وهذا قول المقاتلين (١) وروى مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير (٢) (٣) (٤)  ا- على ابنتها أسماء بهدايا وهي كافرة فأبت أسماء أن تقبل منها وتدخلها منزلها، وأرسلت إلى عائشة لتسأل لها رسول الله -  - أن تقبل هداياها وتدخلها منزلها فأنزل الله هذه الآية (٥) ﴿ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ ﴾ النساء والصبيان.

وقال ابن عباس: يريد قومًا من بني هاشم منهم العباس أخرجوا يوم بدر كرهًا، وهذا قول مرة، وعطية (٦) قوله تعالى: ﴿ أَنْ تَبَرُّوهُمْ ﴾ قال أبو إسحاق: أن في موضع خفض بدل من الذين، المعنى لا ينهاكم الله عن أن تبروا الذين لم يقاتلوكم في الدين.

وهذا يدل على أن المراد لا ينهاكم الله عن بر الذين لم يقاتلوكم (٧) قال أهل التأويل: وهذه الآية تدل على أن (٨) (٩) قوله تعالى: ﴿ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ﴾ قال ابن عباس: يريد بالصلة وغير ذلك (١٠) ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾ يريد أهل البر والتواصل.

وقال المقاتلان: أن توفوا لهم بعهدهم وتعدلوا (١١) قال أبو إسحاق: أي وتعدلوا فيما بينكم وبينهم من الوفاء بالعهد (١٢) وقال المبرد: يقال: أقسطت إلى الرجل إذا عاملته بالعدل.

وقال مجاهد: هذه الآية نزلت في الذين آمنوا بمكة ولم يهاجروا (١٣) (١) انظر: "التفسير الكبير" 29/ 303، ولم ينسبه لقائل، وانظر: "تفسير مقاتل" 152 أ، الإيضاح لناسخ القرآن لمكي: 432، ونسبه للحسن، و"الكشف والبيان" 13/ 108 أ، ونسبه لابن عباس، وكذا البغوي في تفسيره 4/ 331، و"التفسير الكبير" 29/ 304، ونسبه لابن عباس، والمقاتلين، والكلبي.

(٢) هو مصعب بن ثابت عبد الله بن الزبير.

روى عن أبيه، وعطاء، وطائفة، ضعفه ابن معين.

وقال ابن حجر: كان لين الحديث عابدًا، توفي سنة (157 هـ).

انظر: == "تهذيب التهذيب" 10/ 158، "الجرح والتعديل" 8/ 304، و"شذرات الذهب" 1/ 243، "سير أعلام النبلاء" 7/ 29، "تقريب التهذيب" 2/ 250.

(٣) هي قتيلة بنت عبد العزى، كانت امرأة لأبي بكر -  - فطلقها في الجاهلية.

انظر: "البحر المحيط" 8/ 255.

(٤) في (ك): (قدمت قتيلة بنت أسماء).

(٥) أخرجه الحاكم في "المستدرك" 2/ 485، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.

ووافقه الذهبي.

وفي "مجمع الزوائد" 7/ 123، من رواية أحمد، والطبراني، والبزار.

وقال: وفيه مصعب بن ثابت، وثقه ابن حبان، وضعفه جماعة، وبقية رجاله رجال الصحيح.

وفي "تخريجات الكشاف" ص 168، قال ابن حجر: (وحديث أسماء في الصحيحين عن عروة بغير هذا السياق).

وانظر: "أسباب النزول" للواحدي ص 488، و"الدر" 6/ 205.

(٦) انظر: "الكشف والبيان" 13/ 108 أ، و"زاد المسير" 8/ 237، و"روح المعاني" 28/ 75.

(٧) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 157 (٨) في (ك): (على أن) والصواب حذفها.

(٩) والآية محكمة في قول مجاهد، والحسن، وهو المعتمد عند ابن جرير، وغيره.

انظر: "جامع البيان" 28/ 43، "الإيضاح لناسخ القرآن لمكي" ص 431، نواسخ القرآن لابن الجوزي: 239، وقال النحاس: (وليس لقول من قال إنها منسوخة معنى، لأن البر في اللغة إنما هو لين الكلام والمواساة وليس هذا محظورًا أن ينقله أحد بكافر ...).

"إعراب القرآن" 3/ 416.

(١٠) انظر: "تنوير المقباس" 6/ 54، و"التفسير الكبير" 29/ 304.

(١١) انظر: "تفسير مقاتل" 152 أ، و"التفسير الكبير" 29/ 204.

(١٢) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 158.

(١٣) انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 668، و"جامع البيان" 28/ 43، و"الدر" 6/ 305.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لاَّ يَنْهَاكُمُ الله عَنِ الذين لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدين ﴾ رخص الله للمسلمين في مبرة من لم يقاتلهم من الكفار، واختلف فيهم على أربعة أقوال، الأول أنهم قبائل من العرب منهم خزاعة وبنو الحارث بن كعب؛ كانوا قد صالحوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن لا يقاتلوا، ولا يعينوا عليه.

الثاني أنهم كانوا من كفار قريش لم يقاتلوا المسلمين ولا أخرجوهم من مكة، والآية على هذين القولين منسوخة بالقتال.

الثالث أنهم النساء والصبيان، وفي هذا ورد «أن أسماء بنت أبي بكر الصديق قالت: يا رسول الله إن أمي قدمت عليّ وهي مشركة أفأصلها؟

قال: نعم صلي أمك» الرابع أنه أراد من كان بمكة من المؤمنين الذين لم يهاجروا، وأما الذين نهى الله عن مودتهم لأنهم قاتلوا المسلمين وظاهروا على إخراجهم فهم كفار قريش.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يفصل ﴾ ثلاثياً معلوماً: عاصم غير المفضل وسهل ويعقوب ﴿ يفصل ﴾ بالتشديد: حمزة وعلي وخلف.

مثله ولكن مجهولاً: ابن ذكوان.

الآخرون: ثلاثياً مجهولاً ﴿ في إبراهام ﴾ كنظائره ﴿ أن تولوهم ﴾ بتشديد التاء: البزي وابن فليح ﴿ تمسكوا ﴾ بالتشديد: أبو عمرو وسهل ويعقوب.

الوقوف ﴿ من الحق ﴾ ج لأن ما بعده يحتمل الحال من ضمير ﴿ كفروا ﴾ والاستئناف ﴿ بالله ربكم ﴾ ط ﴿ أعلنتم ﴾ ط ﴿ السبيل ﴾ ه ﴿ تكفرون ﴾ ه ﴿ أولادكم ﴾ ج لاحتمال تعلق الظرف بـ ﴿ لن تنفعكم ﴾ أو يفصل ﴿ يوم القيامة ﴾ ج بناء على المذكور ﴿ بينكم ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ والذين معه ﴾ ج لأن الظرف قد يتعلق باذكر محذوفاً أو أسوة ﴿ من دون الله ﴾ ط لأن ما بعد مستأنف في النظم وإن كان متصلاً في المعنى ﴿ من شيء ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ لنا ربنا ﴾ ه للابتداء بأن مع أن التقدير فإنك ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ الآخر ﴾ ط ﴿ الحميد ﴾ ه ﴿ مودة ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ إليهم ﴾ ط ﴿ المقسطين ﴾ ه ﴿ تولوهم ﴾ ج للشرط مع العطف ﴿ الظالمون ﴾ ه ﴿ فامتحنوهنّ ﴾ ط ﴿ بإيمانهنّ ﴾ ط ﴿ الكفار ﴾ ط ﴿ لهنّ ﴾ ط ﴿ ما أنفقوا ﴾ ط ﴿ أجورهنّ ﴾ ط ﴿ ما أنفقوا ﴾ ط ﴿ حكم الله ﴾ ط ﴿ بينكم ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ز ﴿ ما أنفقوا ﴾ ط ﴿ مؤمنون ﴾ ه ﴿ لهنّ الله ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ القبور ﴾ ه.

التفسير: يروى أن مولاة أبي عمرو ابن صيفي بن هاشم يقال لها سارة، أتت رسول الله  بالمدينة وهو متجهز لفتح مكة فعرضت حاجتها، فحث بني المطلب على الإحسان إليها فأتاها حاطب بن أبي بلتعة وأعطاها عشرة دناينر وكساها برداً واستحملها كتاباً إلى أهل مكة هذه نسخته " من حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة.

اعلموا أن رسول الله  يريدكم فخذوا حذركم".

فخرجت سارة ونزل جبريل  بالخبر، فبعث رسول الله  علياً  وعماراً وعمرو فرساناً أخر وقال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها، فإن أبت فاضربوا عنقها.

فأدركوها فجحدته وحلفت فهموا بالرجوع فقال علي  : والله ما كذبنا ولا كذب رسول الله  وسل سيفه وقال: أخرجي الكتاب أن تضعي رأسك فأخرجته من عقاص شعرها.

فقال رسول الله عليه وسلم لحاطب: ما حملك عليه؟

فقال: يا رسول الله ما كفرت منذ أسلمت ولا غششتك منذ نصحتك ولا أحببتهم منذ فارقتهم ولكني كنت غريباً في قريش وكل من معك من المهاجرين لهم قرابات بمكة يحمون أهاليهم وأموالهم فخشيت على أهلي فأردت أن أتخذ عندهم يداً، وقد علمت أن الله ينزل عليهم بأسه وأن كتابي لا يغني عنهم شيئاً فصدّقه وقبل عذره فقال عمر: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق.

فقال: وما يدريك يا عمر لعل الله قد أطلع على أهل بدر فقال لهم: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم.

ففاضت عينا عمر وقال: الله ورسوله أعلم وأنزلت السورة.

و ﴿ تلقون ﴾ مستأنف أو حال من ضمير ﴿ لا تتخذوا ﴾ أو صفة لأولياء، ولا حاجة إلى الضمير البارز وهو أنتم وإن جرى على غير من هو له لأن ذاك في الأسماء دون الأفعال كما لو قلت مثلاً ملقين أنتم والإلقاء عبارة عن الإيصال التام.

والباء في ﴿ بالمودة ﴾ إما زائدة كما في قوله ﴿ ولا تلقوا بأيديكم  ﴾ أو للسببية ومفعول ﴿ تلقون ﴾ محذوف معناه تلقون إليهم أخبار الرسول  بسبب المودة.

و ﴿ أن تؤمنوا ﴾ تعليل لـ ﴿ يخرجون ﴾ أي يخرجونكم لإيمانكم.

و ﴿ إن كنتم خرجتم ﴾ تأكيد متعلق بـ ﴿ لا تتخذوا ﴾ وجوابه مثله.

وانتصب ﴿ جهاداً ﴾ و ﴿ ابتغاء ﴾ على العلة أي إن كنتم خرجتم من أوطانكم لأجل جهاد عدوّى ولابتغاء رضواني فلا تتولوا أعدائي.

وقوله ﴿ تسرون ﴾ مستأنف والمقصود أنه لا فائدة في الإسرار فإن علام الغيوب لا يخفى عليه شيء.

ثم خطأ رأيهم بوجه آخر وهو أنهم إن يظفروا بهم أخلصوا العداوة ويقصدونهم بكل سوء باللسان والسنان.

قال علماء المعاني: إنما عطف قوله ﴿ وودّوا ﴾ وهو ماضٍ لفظاً على ما تقدمه وهو مضارع تنبيهاً على أن ودادهم كفرهم أسبق شيء عندهم لعلمهم أن الدين أعز على المؤمنين من الأرواح والأموال وأهم شيء عند العدوّ أن يقصد أعز شيء عند صاحبه.

ثم بين خطأ رأيهم بوجه آخر وهو أن المودة إذا لم تكن في الله لم تنفع في القيامة لانفصال كل اتصال يومئذ كما قال ﴿ يوم يفر المرء من أخيه  ﴾ الآية.

ويجوز أن يكون الفصل بمعنى القضاء والحكم.

ثم ذكر أن وجوب البغض في الله وإن كان أخاه أو أباه أسوة في إبراهيم  والذين آمنوا معه حيث جاهروا قومهم بالعداوة وقشروا لهم العصا وصرحوا بأن سبب العدوة ليس إلا الكفر بالله، فإذا آمنوا انقلبت العداوة موالاة والمناوأة مصافاة والمقت محبة.

ثم استثنى ﴿ إلا قول إبراهيم ﴾ من قوله أسوة كأنه قال حق عليكم أن تأتسوا بأقواله إلا هذا القول الذي هو الاستغفار لقوله ﴿ ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين  ﴾ أما قوله ﴿ وما أملك لك من الله من شيء ﴾ فليس بداخل في حكم الاستثناء لأنه قول حق، وإنما أورده إتماماً لقصة إبراهيم مع أبيه.

وقال في الكشاف: هو مبني على الاستغفار وتابع له كأنه قال: أنا أستغفر لك وما في طاقتي إلا الاستغفار.

ثم أكد أمر المؤمنين بأن يقولوا ﴿ ربنا عليك توكلنا ﴾ الآية.

ويجوز أن يكون من تتمة قول إبراهيم ومن معه وفيه مزيد توجيه.

ثم أكد أمر الائتساء بقوله ﴿ لقد كان ﴾ فأدخل لام الابتداء وأبدل من قوله ﴿ لكم ﴾ قوله ﴿ لمن كان يرجو ﴾ وختم الآية بنوع من الوعيد.

ثم أطمع المؤمنين فيما تمنوا من عداوة أقاربهم بالمودة ﴿ والله قدير ﴾ على تقليب القلوبوتصريف الأحوال ﴿ والله غفور رحيم ﴾ لمن وادهم قبل النهي أو لمن أسلم من المشركين، فحين يسر الله فتح مكة أسلم كثير منهم ولم يبق بينهم إلا التحاب والتصافي.

ولما نزلت هذه الآيات تشدّد المؤمنون في عداوة أقاربهم وعشائرهم فنزل ﴿ لا ينهاكم الله ﴾ وقوله ﴿ أن تبروهم ﴾ بدل من ﴿ الذين لم يقاتلوكم ﴾ وكذا قوله ﴿ أن تولوهم ﴾ من ﴿ الذين قاتلوكم ﴾ والمعنى لا ينهاكم عن مبرة هؤلاء وإنما ينهاكم عن تولي هؤلاء.

ومعنى ﴿ تقسطوا إليهم ﴾ تعطوهم مما تملكون من طعام وغيره قسطاً.

وعدّي بـ " إلى " لتضمنه معنى الإحسان وقال في الكشاف: تقضوا إليهم بالقسط أي العدل ولا تظلموهم.

وقيل: أراد بهم خزاعة وكانوا صالحوا رسول الله  على أن لا يقاتلوه ولا يعينوا عليه.

وعن مجاهد: الذين آمنوا بمكة.

وقيل: هم النساء والصبيان.

وعن قتادة: نسختها آية القتال.

قال المفسرون: إن صلح الحديبية كان على أن من أتاكم من أهل مكة رد إليهم ومن أتى مكة منهم لم يرد إليكم وكتبوا بذلك كتاباً وختموه.

فجاءت سبيعة بنت الحرث الأسلمية مسلمة والنبي  بالحديبية، فأقبل زوجها مسافراً المخزومي.

وقيل: صيفي بن الراهب فقال: يا محمد اردد إليّ امرأتي فإنك قد شرطت لنا أن ترد علينا من أتاك منا وهذه طية الكتاب لم تجف فأنزل الله  ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات ﴾ الآية.

فكانت بياناً لأن الشرط إنما كان في الرجال دون النساء.

وعن الضحاك: كان بين رسول الله  وبين المشركين عهد أن تأتيك منا امرأة ليست على دينك إلا رددتها إلينا، فإن دخلت في دينك ولها زوج أن ترد على زوجها الذي أنفق عليها.

وللنبي  من الشرط مثل ذلك فأتت امرأة فاستحلفها رسول الله  لقوله  ﴿ فامتحنوهن ﴾ فحلفت فأعطى زوجها ما أنفق وتزوّجها عمر.

وفائدة قوله ﴿ الله أعلم بأيمانهنّ ﴾ أنه لا سبيل لكم إلى ما تسكن إليه النفس من اليقين الكامل لأنكم تختبرونهن بالحلف والنظر في سائر الأمارات التي لا تفيد إلا الظن، وأما الإحاطة بحقيقة إيمانهن فإن ذلك مما تفرد به علام الغيوب ﴿ فإن علمتموهن مؤمنات ﴾ العلم الذي يليق بحالكم وهو الظن الغالب ﴿ فلا ترجعون إلى ﴾ أزواجهن ﴿ الكفار ﴾ لأنه لا حلّ بين المؤمنة والمشرك وآتوا أزواجهن ﴿ مثل ما أنفقوا ﴾ مثل ما دفعوا إليهن من المهور.

ثم نفى عنهم الحرج في تزوّج هؤلاء المهاجرات إذا أعطوهن مهورهن.

قال العلماء: إما أن يريد بهذا الأجر ما كان يدفع إليهن ليدفعنه إلى أزواجهن فيشترط في إباحة تزوّجهن تقديم أدائه، وإما أن يراد بيان أن ذلك المدفوع لا يقوم مقام المهر وأنه لا بد من إصداق.

احتج أبو حنيفة بالآية على أن أحد الزوجين إذا خرج من دار الحرب مسلماً أو بذمة وبقي الآخر حربياً وقعت الفرقة بينهما ولا يرى العدة على المهاجرة ويصح نكاحها إلا أن تكون حاملاً ﴿ ولا تمسكوا بعصم الكوافر ﴾ وهو ما يعتصم به من عقد وسبب قال ابن عباس: أراد من كانت له امرأة كافرة بمكة فلا يعدّها من نسائه لأن اختلاف الدين قطع عصمتها وحل عقدتها.

وعن النخعي: هي المسلمة تلحق بدار الحرب فتكفر.

وقال مجاهد: هذا أمر بطلاق الباقيات مع الكفار ومفارقتهن ﴿ واسئلوا ما أنفقتم ﴾ من مهور أزواجكم الملحقات بالكفار ﴿ وليسئلوا ما أنفقوا ﴾ من مهور نسائهم المهاجرات.

أمر المؤمنين بالإيتاء ثم أمر الكافرين بالسؤال وهذه غاية العدل ونهاية الإنصاف.

ثم أكد ما ذكر من الأحكام بأنها حكم الله.

قال جار الله: ﴿ يحكم بينكم ﴾ كلام مستأنف أو حال من حكم الله على حذف العائد أي يحكمه الله، أو جعل الحكم حاكماً على المبالغة.

يروى أن بعض المشركين أبوا أن يؤدّوا شيئاً من مهور الكوافر إلى أزواجهن المسلمين فأنزل الله  ﴿ وإن فاتكم ﴾ أي سبقكم وانفلت منكم ﴿ شيء من أزواجكم ﴾ أحد منهن قال أهل المعاني: فائدة إيقاع شيء في هذا التركيب التغليظ في الحكم والتشديد فيه أي لا ينبغي أن يترك شيء من هذا الجنس وإن قل وحقر غير معوّض عنه.

ويجوز أن يراد وإن فاتكم شيء من مهور أزواجكم.

ومعنى ﴿ فعاقبتم ﴾ فجاءت عقبتكم من أداء المهر والعقبة النوبة شبه أداء كل طائفة من المسلمين والكافرين المهر إلى صاحبتها بأمر يتعاقبون فيه كما يتعاقب في الركوب وغيره ﴿ فآتوا الذين ذهبت أزواجهم ﴾ إلى الكفار ﴿ مثل ما أنفقوا ﴾ أي مثل مهرها من مهر المهاجرة ولا تؤتوه زوجها الكافر.

وقال الزجاج: معنى ﴿ فعاقبتم ﴾ فأصبتموهم في القتال بعقوبة حتى غنمتم، فالذي ذهبت زوجته كان يعطي من الغنيمة المهر.

قال بعض المفسرين: جميع من لحق بالمشركين من نساء المؤمنين المهاجرين ست نسوة: أم الحكم ينت أبي سفيان كانت تحت عياض بن شدّاد الفهرى، وفاطمة بنت أبي أمية كانت تحت عمر بن الخطاب وهي أخت أم سلمة، وبروع بنت عقبة كانت تحت شماس بن عثمان، وعبدة بنت عبد العزى بن نصلة وزوجها عمرو بن عبد ودّ، وهند بنت أبي جهل كانت تحت هشام بن العاص، وكلثوم بنت جرول كانت تحت عمر.

أعطاهم رسول الله  مهور نسائهم من الغنيمة.

وفي قوله ﴿ واتقوا الله ﴾ ندب إلى سيرة التقوى ورعاية العدل ولو مع الكفرة.

ثم نبّه نبيه  على شرائط المبالغة وهي المعاهدة على كل ما يقع عليه اتفاق كالإسلام والإمارة والإمامة، والمراد ههنا المعاقدة على الإسلام وإعطاء العهود به وبشرائطه وعدم قتل الأولاد ووأد البنات، وكانت المرأة تلتقط المولود فتقول لزوجها هو ولدي منك فكني عنه بالهتان المفترى بين يديها ورجليها لأن بطنها الذي تحمله فيه هو بين اليدين وفرجها الذي تلد به بين الرجلين.

وقيل: البهتان في الآية الكذب والتهمة والمشي بالسعاية مختلفة من تلقاء أنفسهنّ.

وقيل: قذف المحصنين.

قال ابن عباس: في قوله ﴿ ولا يعصينك في معروف ﴾ إنما هو شرط شرطه الله  على النساء، والمعروف كل ما ندب إليه الشرع ونهى عنه من المحسنات والمقبحات.

واختلف في كيفية مبايعته إياهنّ فقيل: دعا بقدح من ماء وغمس يده فيه ثم غمسن أيديهنّ.

وقيل: صافحهنّ وكان على يده ثوب.

وقيل: كان عمر يصافحهنّ ما مست يد رسول الله  يد امرأة يملكها إنما كان كلاماً.

وعن أميمة بنت رقيقة قالت: أتيت رسول الله  في نسوة من الأنصار نبايعه على الإسلام فأخذ علينا يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئاً ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهنّ ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهنّ وأرجلهنّ ولا يعصينك في معروف.

قال رسول الله  : فيما استطعن وأطقتن.

قلنا؛ الله وسوله أرحم بنا منا بأنفسنا هلمّ نصافحك يا رسول الله.

قال: إني لا أصافح النساء إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة.

يروى أن بعض فقراء المسلمين كانوا يواصلون اليهود طمعاً في ثمارهم فنزلت ﴿ لا تتلوا قوماً ﴾ الآية.

وسبب يأسهم من الآخرة تكذيبهم بصحة نبوّة الرسول ثم عنادهم كما يئس الكفار من موتاهم أن يرجعوا أحياء.

وقيل: من أصحاب القبور بيان للكفار لأنهم أيسوا من خير الآخرة ومعرفة المعبود الحق فكأنهم أولى.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً وَٱللَّهُ قَدِيرٌ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ .

إن الله أمر المؤمنين بمعاداة الكفرة ومنابذتهم وترك موالاتهم ما داموا كفارا، ثم وعد أن يجعل بيننا وبينهم مودة إذا آمنوا؛ فكان في هذا أعظم الدليل على أن الخالق عند الله -  - في كل حال على ما هم عليه في أحوالهم وأمورهم.

وقال بعض الجهال: إنه [من] يؤمن في وقت من الأوقات؛ فهو عند الله مؤمن في حال كفره، وهذا خلاف ما وصف الله -  - نفسه في هذه الآية، والله أعلم.

ثم المعتزلة قد خالفوا هذه الآيات وعاندوها على قولهم؛ وذلك أن الله -  - قال: ﴿ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ  ﴾ ، ومن قولهم: إن [من] كان على خلاف مذهبهم فهو عدو لهم، ولا شك أنهم يوالونه ويصافونه، وقد نهى الله -  - عن ذل فهذا أحد الخلافين.

والثاني: أن الله -  - وعد أن يجعل بيننا وبينهم مودة، ومن قولهم: إنه لا يقدر على شيء من أفعال العباد فكأن الله -  - على قولهم وعد ما لا يقدر عليه، وهذا لا يليق بأسفه خلق الله؛ فكيف رب العالمين؟!

فثبت أنهم عاندوا الآيات، والله أعلم.

وخلاف ثالث: أن الله -  وتعالى - وصف نفسه بالقدرة، ﴿ وَٱللَّهُ قَدِيرٌ ﴾ ، ومن قولهمم: إنه ليس بقدير على خلق أفعال الخلق؛ فأي خلاف أشهر من هذا وأظهر؟!

والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَّ يَنْهَاكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي ٱلدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوۤاْ إِلَيْهِمْ ﴾ .

لا يحتمل أن يكون النهي في الإقساط؛ لأن الإقساط هو العدل، وليس ينهى عن العدل إلى ما كان وليا أو عدوا؛ ألا ترى إلى قوله -  -: ﴿ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىۤ أَلاَّ تَعْدِلُواْ ٱعْدِلُواْ  ﴾ ، فقد أخبر أنه لا يحل له ترك العدل لمكان العداوة، وإذا كان كذلك ثبت المراد من هذا النهي وغيره، وهو قوله: ﴿ أَن تَبَرُّوهُمْ ﴾ .

ثم الذي لم ينه عنه خلال ما نهى في الظاهر؛ لأنه قال: ﴿ لاَّ يَنْهَاكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي ٱلدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ ﴾ ، وقال فيما نهى ﴿ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي ٱلدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُواْ عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ ﴾ ، ومعلوم أنه قد يجوز أن يبر من لا يجوز أن يتولاه؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿ وَصَاحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً  ﴾ ؟!

ثم نهى عن تولي الكفار بقوله: ﴿ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ  ﴾ ، ولكنه لما جاز أن يجتمع في نفس واحدة البر وترك التولي؛ فكذلك جاز أن يؤمر بالبر بمن ينهى عن التولي معه، والله أعلم.

ثم قوله -  -: ﴿ لاَّ يَنْهَاكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي ٱلدِّينِ ﴾ يحتمل أن يكون المراد منه لا ينهاكم، بل يأمركم.

ويحتمل أن يكون معناه: يرخص لكم؛ كقوله: ﴿ فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ  ﴾ ، ومعناه: بل خسرت، وإن كان قد يجوز أن يكون التجارة إذ لم تربح لا تخسر؛ فكذلك قوله -  -: ﴿ لاَّ يَنْهَاكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي ٱلدِّينِ ﴾ ، بل يأمركم أن تبروهم.

ويحتمل أن يكون المراد: بل يرخص لكم أن تبروهم، والله أعلم.

ثم اختلفوا فيمن أمر ببرهم ونهى [عن] توليهم: فقال بعضهم: هم المستضعفون من أهل مكة الذين آمنوا في السر وخشوا إظهاره من المشركين، فأمر الله -  - المؤمنين بالمدينة أن يبروهم بالكتب إليهم؛ ليحتالوا في انقياد أنفسهم؛ لأن المشركين من أهل مكة إذا علموا أن رسول الله  ظهر لقتالهم كان يجوز أن يخشى على أولئك المؤمنين المستضعفين؛ فأمر هؤلاء أن يبروهم بالكتاب إليهم ليتأهبوا في أنفسهم ويحتالوا؛ لما يخشى عليهم من المشركين، والله أعلم.

وقال بعضهم: هذا في الذين كان بينهم وبين رسول الله  عهد وذمة؛ فأمر المؤمنين أن يبروا أولئك في إيفاء عهودهم إلى مدتهم، ونهاهم عن أن يتولوا من قاتلهم ونقض عهدوهم.

وقال بعضهم: في النساء والولدان من المشركين: أمر المؤمنين أن يبروهم بترك القتال، وألا يتولوا من قاتلهم من جملة الرجال من المشركين من الرجال، بل يقاتلوهم.

ثم قال: ﴿ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ ﴾ .

أي: ومن يتولهم في الاعتقاد فأولئك هم الظالمون في حق الاعتقاد.

أو من يتولهم في الأفعال فأولئك هم الظالمون في حق الأفعال، كما وصفنا في قوله: ﴿ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم بسبب إسلامكم، ولم يخرجوكم من دياركم أن تحسنوا إليهم، وتعدلوا بينهم بأن تعطوهم ما لهم من حق عليكم، مثل ما فعلت أسماء بنت أبي بكر الصديق بأمها الكافرة لما قدمت إليها بعد أن استأذنت النبي  في ذلك، فأمرها بأن تصلها، إن الله يحب العادلين الذين يعدلون في أنفسهم وأهليهم وما ولوا.

<div class="verse-tafsir" id="91.21LPY"

مزيد من التفاسير لسورة الممتحنة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله