الإسلام > القرآن > تفسير > الماوردي > سورة 11 هود > الآيات ٧٧-٧٩
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 5 دقيقة قراءةقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَمّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ساءَ ظَنُّهُ بِقَوْمِهِ وضاقَ ذَرْعًا بِأضْيافِهِ.
وَيَحْتَمِلُ وجْهًا آخَرَ أنَّهُ ساءَ ظَنُّهُ بِرُسُلِ رَبِّهِ، وضاقَ ذَرْعًا بِخَلاصِ نَفْسِهِ لِأنَّهُ نَكِرَهم قَبْلَ مَعْرِفَتِهِمْ.
﴿ وَقالَ هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ ﴾ أيْ شَدِيدٌ لِأنَّهُ خافَ عَلى الرُّسُلِ مِن قَوْمِهِ أنْ يَفْضَحُوهم عَلى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعَلى الِاحْتِمالِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ خافَهم عَلى نَفْسِهِ فَوَصَفَ يَوْمَهُ بِالعَصِيبِ وهو الشَّدِيدُ، قالَ الشّاعِرُ: وإنَّكَ إلّا تَرْضَ بَكْرَ بْنَ وائِلٍ يَكُنْ لَكَ يَوْمٌ بِالعِراقِ عَصِيبُ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: وإنَّما قِيلَ لَهُ عَصِيبٌ لِأنَّهُ يَعْصِبُ النّاسَ بِالشَّرِّ، قالَ الكَلْبِيُّ: كانَ بَيْنَ قَرْيَةِ إبْراهِيمَ وقَوْمِ لُوطٍ أرْبَعَةُ فَراسِخَ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إلَيْهِ ﴾ أيْ يُسْرِعُونَ، والإهْراعُ بَيْنَ الهَرْوَلَةِ والحُجْزى.
قالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ: لا يَكُونُ الإهْراعُ إلّا سِراعًا مَعَ رِعْدَةٍ.
وَكانَ سَبَبُ إسْراعِهِمْ إلَيْهِ أنَّ امْرَأةَ لُوطٍ أعْلَمَتْهم بِأضْيافِهِ وجَمالِهِمْ فَأسْرَعُوا إلَيْهِ طَلَبًا لِلْفاحِشَةِ مِنهم.
﴿ وَمِن قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِن قَبْلِ إسْراعِهِمْ إلَيْهِ كانُوا يَنْكِحُونَ الذُّكُورَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: أنَّهُ كانَتِ اللُّوطِيَّةُ في قَوْمِ لُوطٍ في النِّساءِ قَبْلَ الرِّجالِ بِأرْبَعِينَ سَنَةً، قالَهُ عُمَرُ بْنُ أبِي زائِدَةَ.
﴿ قالَ يا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أطْهَرُ لَكُمْ ﴾ قالَ لَهم لُوطٌ ذَلِكَ لِيَفْتَدِيَ أضْيافَهُ مِنهم.
﴿ هَؤُلاءِ بَناتِي ﴾ فِيهِنَّ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ نِساءَ أُمَّتِهِ ولَمْ يُرِدْ بَناتِ نَفْسِهِ.
قالَ مُجاهِدٌ وكُلُّ نَبِيٍّ أبُو أُمَّتِهِ وهم أوْلادُهُ.
وَقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كانَ في بَعْضِ القُرْآنِ: النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم وهو أبٌ لَهم.
الثّانِي: أنَّهُ أرادَ بَناتِ نَفْسِهِ وأوْلادَ صُلْبِهِ لِأنَّ أمْرَهُ فِيهِنَّ أنْفَذُ مِن أمْرِهِ في غَيْرِهِنَّ، وهو مَعْنى قَوْلِ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يُزَوِّجُهم بِبَناتِهِ مَعَ كُفْرِ قَوْمِهِ وإيمانِ بَناتِهِ؟
قِيلَ عَنْ هَذا ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ: أحَدُها: أنَّهُ كانَ في شَرِيعَةِ لُوطٍ يَجُوزُ تَزْوِيجُ الكافِرِ بِالمُؤْمِنَةِ، وكانَ هَذا في صَدْرِ الإسْلامِ جائِزًا حَتّى نُسِخَ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: أنَّهُ يُزَوِّجُهم عَلى شَرْطِ الإيمانِ كَما هو مَشْرُوطٌ بِعَقْدِ النِّكاحِ.
الثّالِثُ: أنَّهُ قالَ ذَلِكَ تَرْغِيبًا في الحَلالِ وتَنْبِيهًا عَلى المُباحِ ودَفْعًا لِلْبادِرَةِ مِن غَيْرِ بَذْلِ نِكاحِهِنَّ ولا بِخِطْبَتِهِنَّ، قالَهُ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ.
﴿ هُنَّ أطْهَرُ لَكُمْ ﴾ أيْ أحَلُّ لَكم بِالنِّكاحِ الصَّحِيحِ.
﴿ فاتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِ في ضَيْفِي ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لا تُذِلُّونِي بِعارِ الفَضِيحَةِ، ويَكُونُ الخِزْيُ بِمَعْنى الذُّلِّ.
الثّانِي: لا تُهْلِكُونِي بِعَواقِبِ فَسادِكم، ويَكُونُ الخِزْيُ بِمَعْنى الهَلاكِ.
الثّالِثُ: أنَّ مَعْنى الخِزْيِ ها هُنا الِاسْتِحْياءُ، يُقالُ خَزِيَ الرَّجُلُ إذا اسْتَحى، قالَ الشّاعِرُ: مِنَ البَيْضِ لا تَخْزى إذا الرِّيحُ ألْصَقَتْ ∗∗∗ بِها مِرْطَها أوْ زايَلَ الحُلِيُّ جِيدَها والضَّيْفُ: الزّائِرُ المُسْتَرْقِدُ، يَنْطَلِقُ عَلى الواحِدِ والجَماعَةِ، قالَ الشّاعِرُ: لا تَعْدَمِي الدَّهْرَ شِفارَ الجازِرِ ∗∗∗ لِلضَّيْفِ والضَّيْفُ أحَقُّ زائِرِ ﴿ ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أيْ مُؤْمِنٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: آمِرٌ بِالمَعْرُوفِ وناهٍ عَنِ المُنْكَرِ، قالَهُ أبُو مالِكٍ.
وَيَعْنِي: رَجُلٌ رَشِيدٌ لِيَدْفَعَ عَنْ أضْيافِهِ، وقالَ ذَلِكَ تَعَجُّبًا مِنِ اجْتِماعِهِمْ عَلى المُنْكَرِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ما لَنا فِيهِنَّ حاجَةٌ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: لَيْسَ لَنا بِأزْواجٍ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ.
﴿ وَإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: تَعْلَمُ أنَّنا لا نَتَزَوَّجُ إلّا بِاِمْرَأةٍ واحِدَةٍ ولَيْسَ مِنّا رَجُلٌ إلّا لَهُ امْرَأةٌ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: أنَّنا نُرِيدُ الرِّجالَ.
<div class="verse-tafsir"