الآية ٧٧ من سورة هود

الإسلام > القرآن > سور > سورة 11 هود > الآية ٧٧ من سورة هود

وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطًۭا سِىٓءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًۭا وَقَالَ هَـٰذَا يَوْمٌ عَصِيبٌۭ ٧٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 93 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٧٧ من سورة هود: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٧٧ من سورة هود عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يخبر تعالى عن قدوم رسله من الملائكة بعد ما أعلموا إبراهيم بهلاكهم ، وفارقوه وأخبروه بإهلاك الله قوم لوط هذه الليلة .

فانطلقوا من عنده ، فأتوا لوطا عليه السلام ، وهو - على ما قيل - في أرض له [ يعمرها ] ، وقيل : [ بل كان ] في منزله ، ووردوا عليه وهم في أجمل صورة تكون ، على هيئة شبان حسان الوجوه ، ابتلاء من الله [ واختبارا ] وله الحكمة والحجة البالغة ، [ فنزلوا عليه ] فساءه شأنهم وضاقت نفسه بسببهم ، وخشي إن لم يضفهم أن يضيفهم أحد من قومه ، فينالهم بسوء ، ( وقال هذا يوم عصيب ) .

قال ابن عباس [ ومجاهد وقتادة ومحمد بن إسحاق ] وغير واحد [ من الأئمة ] شديد بلاؤه وذلك أنه علم أنه سيدافع [ قومه ] عنهم ، ويشق عليه ذلك .

وذكر قتادة أنهم أتوه وهو في أرض له [ يعمل فيها ] فتضيفوه فاستحيا منهم ، فانطلق أمامهم وقال لهم في أثناء الطريق ، كالمعرض لهم بأن ينصرفوا عنه : إنه والله يا هؤلاء ما أعلم على وجه الأرض أهل بلد أخبث من هؤلاء .

ثم مشى قليلا ثم أعاد ذلك عليهم ، حتى كرره أربع مرات ، قال قتادة : وقد كانوا أمروا ألا يهلكوهم حتى يشهد عليهم نبيهم بذلك .

وقال السدي : خرجت الملائكة من عند إبراهيم نحو قرية لوط فبلغوا نهر سدوم نصف النهار ، ولقوا بنت لوط تستقي [ من الماء لأهلها وكانت له ابنتان اسم الكبرى رثيا والصغرى زغرتا ] فقالوا [ لها ] يا جارية ، هل من منزل ؟

فقالت [ لهم ] مكانكم حتى آتيكم ، وفرقت عليهم من قومها ، فأتت أباها فقالت : يا أبتاه ، أدرك فتيانا على باب المدينة ، ما رأيت وجوه قوم [ هي ] أحسن منهم ، لا يأخذهم قومك فيفضحوهم ، و [ قد ] كان قومه نهوه أن يضيف رجلا فقالوا : خل عنا فلنضف الرجال .

فجاء بهم ، فلم يعلم بهم أحد إلا أهل بيته فخرجت امرأته فأخبرت قومها [ فقالت : إن في بيت لوط رجالا ما رأيت مثل وجوههم قط ] ، فجاءوا يهرعون إليه .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (77) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره: ولما جاءت ملائكتنا لوطًا، ساءَه مَجيئهم ، وهو " فعل " من " السوء " ، (وضاق بهم ) ، بمجيئهم (ذَرْعًا)، يقول: وضاقت نفسه غما بمجيئهم .

وذلك أنه لم يكن يعلم أنهم رسلُ الله في حال ما ساءه مجيئهم، وعلم من قومه ما هم عليه من إتيانهم الفاحشة، وخاف عليهم، فضاق من أجل ذلك بمجيئهم ذرعًا، وعلم أنه سيحتاج إلى المدافعة عن أضيافه، ولذلك قال: (هذا يوم عصيب).

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك : 18350- حدثني المثني قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: (ولما جاءت رسلنا لوطًا سيء بهم وضاق بهم ذرعًا)، يقول: ساء ظنًا بقومه وضاق ذرعًا بأضيافه.

* * * 18351- حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن حذيفة أنه قال: لما جاءت الرسل لوطًا أتوه وهو في أرض له يعمل فيها، وقد قيل لهم ، والله أعلم: لا تهلكوهم حتى يشهدَ لوط .

قال: فأتوه فقالوا: إنا مُتَضيِّفوك الليلة، فانطلق بهم، فلما مضى ساعةً التفت فقال: أما تعلمون ما يعمَل أهل هذه القرية؟

والله ما أعلم على ظهر الأرض أناسًا أخبث منهم !

قال: فمضى معهم.

ثم قال الثانية مثل ما قال، فانطلق بهم.

فلما بصرت بهم عجوزُ السَّوْء امرأته، انطلقَت فأنذرتهم.

(15) 18352- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة قال، قال حذيفة، فذكر نحوه.

18353- حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا الحكم بن بشير قال ، حدثنا عمرو بن قيس الملائي، عن سعيد بن بشير، عن قتادة، قال: أتت الملائكة لوطًا وهو في مزرعة له، وقال الله للملائكة: إن شهد لوط عليهم أربعَ شهادات فقد أذنت لكم في هَلكتهم.

فقالوا: يا لوط ، إنا نريد أن نُضيِّفك الليلة.

فقال: وما بلغكم من أمرهم؟

قالوا: وما أمرهم؟

قال: أشهد بالله إنها لشرُّ قرية في الأرض عملا !

يقول ذلك أربع مرات، فشهد عليهم لوط أربع شهادات، فدخلوا معه منـزله.

(16) 18354- حدثني موسى بن هارون قال ، حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا أسباط، عن السدي قال، خرجت الملائكة من عند إبراهيم نحو قرية لوط، فأتوها نصف النهار، فلما بلغوا نهر سَدُوم لقوا ابنة لوط تستقي من الماء لأهلها، وكانت له ابنتان، اسم الكبرى " ريثا "، والصغرى " زغرتا "، (17) فقالوا لها: يا جارية، هل من منـزل؟

قالت: نعم، فَمكانَكم لا تدخُلوا حتى آتيكم !

فَرِقَتْ عليهم من قَوْمها .

(18) فأتت أباها فقالت: يا أبتاه أرادك فتيان على باب المدينة ما رأيت وجوه قوم أحسنَ منهم، لا يأخذهم قومك فيفضحوهم !

وقد كان قومه نهوه أن يُضيف رجلا فقالوا: خَلّ عنَّا فلنضِف الرجال !

فجاء بهم، فلم يعلم أحدٌ إلا أهل بيت لوط، فخرجت امرأته فأخبرت قومها، قالت: إن في بيت لوط رجالا ما رأيت مثل وجوههم قَطّ !

فجاءه قومه يُهْرَعون إليه.

(19) 18355- حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: خرجت الرسل فيما يزعم أهل التوراة من عند إبراهيم إلى لوط بالمؤتفكة، فلما جاءت الرسل لوطًا سيء بهم وضاق بهم ذرعًا، وذلك من تخوف قومه عليهم أن يفضحُوه في ضيفه، فقال: (هذا يوم عصيبٌ).

* * * وأما قوله: (وقال هذا يوم عصيب) ، فإنه يقول: وقال لوط: هذا اليوم يوم شديد شره، عظيم بلاؤه، * * * يقال منه: عصب يومنا هذا يعصب عصبًا، ومنه قول عدي بن زيد: وَكُـنْتُ لِـزَازَ خَـصْمِكَ لـمْ أُعَـرِّدْ وَقَــدْ سَـلَكُوكَ فِـي يَـوْمٍ عَصِيـب (20) وقول الراجز: يَــوْمٌ عَصِيــبٌ يَعْصِـبُ الأَبْطَـالا عَصْــبَ القَــوِيِّ السَّـلَمَ الطِّـوَالا (21) وقول الآخر: وَإنَّـكَ إنْ لا تُـرْضِ بَكْـرَ بـنَ وَائِلٍ يَكُـنْ لَـكَ يَـوْمٌ بـالعِرَاقِ عَصِيـبِ (22) وقال كعب بن جعيل: ومُلَبُّـــونَ بِـــالحَضِيضِ فِئــامٌ عَارِفــاتٌ مِنْــهُ بِيَــوْمٍ عَصِيـبِ (23) * * * ونحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

*ذكر من قال ذلك : 18356- حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (عصيب)، : شديد 18357- حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: (هذا يوم عصيب) ، يقول شديد.

18358- حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: (هذا يوم عصيب) ، أي يوم بلاء وشدة.

18359- حدثنا ابن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: (يوم عصيب) ، شديد.

18360- حدثني علي قال ، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: (وقال هذا يوم عصيب) ، أي : يوم شديد.

--------------------------- الهوامش : (15) الأثر : 18351 - رواه الطبري في تاريخه 1 : 154 .

(16) الأثر : 18353 - رواه الطبري في تاريخه 1 : 154 .

(17) هكذا في المخطوطة منقوطة نقطًا واضحًا ، على قلة النقط في مواضع منها .

وفي التاريخ : " رعزيا " ، وتحقيق ذلك يحتاج إلى وقت غير هذا .

(18) أي : خافت عليهم .

(19) الأثر : 18354 - رواه الطبري في تاريخه 1 : 154 ، تام الإسناد ، مطولا .

(20) الأغاني 2 : 111 ، مجاز القرآن 1 : 294 ، اللسان ( سلك ) ، وسيأتي في التفسير 14 : 8 / 18 : 13 ( بولاق ) .

من قصيدة له طويلة ، قالها وهو في حبس النعمان بن المنذر ، يقول للنعمان قبله : سَــعَى الأَعْــدَاءُ لاَ يَـأْلُونَ شَـرًّا عَـــلَيَّ وَربِّ مَكَّــةَ والصَّلِيــبِ أَرَادُوا كــي تُمَهَّــلَ عَــنْ عَـدِيٍّ لِيُسْــجَنَ أَو يُدَهُــدَهَ فِـي القَلِيـبِ وَكُـــنْتُ لِــزازَ خَــصْمِكَ .

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

أُعَـــالِنُهُم وأُبْطِــنُ كُــلَّ سِــرٍّ كَمَــا بَيْـنَ اللِّحَـاءِ إِلَـى العَسِـيبِ فَفُـــزْتُ عَلَيْهِــمْ لَمّــا الْتَقَيْنَــا بِتَــاجِكَ فَــوْزَةَ القِــدْحِ الأرِيـبِ " دهدهه " ، دحرجه من علو إلى سفل ، و " القليب " ، البئر ، إنما عنى القبر هنا .

و " لزاز الخصم " ، الشديد المعاند ذو البأس في الملمات .

و"عرد عن خصمه" ، أحجم ونكص .

وكان في المطبوعة هنا " أعدد " ، وفي المخطوطة : " أعود " ، والصواب ما أثبت .

و" اللحاء " قشر العود ، و " العسيب " جريد النخل ، يقول : سرك كما بين هذين ، يعني خفي لا يرى .

و" القدح الأريب " من قداح الميسر ، هو القدح ذو الآراب الكثيرة ، و"الآراب" أعضاء الجذور .

(21) لم أعرف قائله ، وهو في مجاز القرآن 1 : 294 .

(22) لم أعرف قائله ، وهو في مجاز القرآن 1 : 294 .

(23) لم أجد البيت في مكان آخر ، وفي المطبوعة : " ويلبون " ، وفي المخطوطة مثله ، إلا أن فيه خطأ في النقط وأظن الصواب ما أثبت ، من قولهم : " ألب بالمكان " ، إذا لزمه ولم يفارقه .

" والحضيض " ، منخفض من الأرض عند منقطع الجبل.

و" فئام" ، جماعات .

وكأن هذا البيت من شعره الذي رثى به عبد الرحمن بن خالد بن الوليد ، وروى أبياتا منه المصعب الزبيري في نسب قريش ص : 325 ، وكان كعب بن جعيل مداحًا له .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ولما جاءت رسلنا لوطا سيء بهم لما خرجت الملائكة من عند إبراهيم ، وكان بين إبراهيم وقرية لوط أربعة فراسخ بصرت بنتا لوط - وهما تستقيان - بالملائكة ورأتا هيئة حسنة ، فقالتا : ما شأنكم ؟

ومن أين أقبلتم ؟

قالوا : من موضع كذا نريد هذه القرية قالتا : فإن أهلها أصحاب الفواحش ; فقالوا : أبها من يضيفنا ؟

قالتا : نعم !

هذا الشيخ وأشارتا إلى لوط ; فلما رأى لوط هيئتهم خاف قومه عليهم .سيء بهم أي ساءه مجيئهم ; يقال : ساء يسوء فهو لازم ، وساءه يسوءه فهو متعد أيضا ، وإن شئت ضممت السين ; لأن أصلها الضم ، والأصل سوئ بهم من السوء ; قلبت حركة الواو على السين فانقلبت ياء ، وإن خففت الهمزة ألقيت حركتها على الياء فقلت : سيء بهم مخففا ، ولغة شاذة بالتشديد .وضاق بهم ذرعا أي ضاق صدره بمجيئهم وكرهه .

وقيل : ضاق وسعه وطاقته .

وأصله أن يذرع البعير بيديه في سيره ذرعا على قدر سعة خطوه ; فإذا حمل على أكثر من طوقه ضاق عن ذلك ، وضعف ومد عنقه ; فضيق الذرع عبارة عن ضيق الوسع .

وقيل : هو من ذرعه القيء أي غلبه ; أي ضاق عن حبسه المكروه في نفسه ، وإنما ضاق ذرعه بهم لما رأى من جمالهم ، وما يعلم من فسق قومه .وقال هذا يوم عصيب أي شديد في الشر .

وقال الشاعر :وإنك إلا ترض بكر بن وائل يكن لك يوم بالعراق عصيبوقال آخر :يوم عصيب يعصب الأبطالا عصب القوي السلم الطوالاويقال : عصيب وعصبصب على التكثير ; أي مكروه مجتمع الشر وقد عصب ; أي عصب بالشر عصابة ، ومنه قيل : عصبة وعصابة أي مجتمعو الكلمة ; أي مجتمعون في [ ص: 67 ] أنفسهم .

وعصبة الرجل المجتمعون معه في النسب ; وتعصبت لفلان صرت كعصبته ، ورجل معصوب ، أي مجتمع الخلق .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا } أي: الملائكة الذين صدروا من إبراهيم لما أتوا { لُوطًا سِيءَ بِهِمْ } أي: شق عليه مجيئهم، { وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ } أي: شديد حرج، لأنه علم أن قومه لا يتركونهم، لأنهم في صور شباب، جرد، مرد, في غاية الكمال والجمال، ولهذا وقع ما خطر بباله.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( ولما جاءت رسلنا ) يعني هؤلاء الملائكة ، ( لوطا ) على صورة غلمان مرد حسان الوجوه ، ( سيء بهم ) أي : حزن لوط بمجيئهم ، يقال : سؤته فسيء ، كما يقال : سررته فسر .

( وضاق بهم ذرعا ) أي : قلبا .

يقال : ضاق ذرع فلان بكذا : إذا وقع في مكروه لا يطيق الخروج منه ، وذلك أن لوطا عليه السلام لما نظر إلى حسن وجوههم وطيب روائحهم أشفق عليهم من قومه أن يقصدوهم بالفاحشة ، وعلم أنه سيحتاج إلى المدافعة عنهم .

( وقال هذا يوم عصيب ) أي : شديد كأنه عصب به الشر والبلاء ، أي : شد .

قال قتادة والسدي : خرجت الملائكة من عند إبراهيم عليه السلام نحو قرية لوط فأتوا لوطا نصف النهار ، وهو في أرض له يعمل فيها .

وقيل : إنه كان يحتطب .

وقد قال الله تعالى لهم : لا تهلكوهم حتى يشهد عليهم لوط أربع شهادات ، فاستضافوه فانطلق بهم ، فلما مشى ساعة قال لهم : ما بلغكم أمر أهل هذه القرية؟

قالوا : وما أمرهم؟

قال : أشهد بالله إنها لشر قرية في الأرض عملا .

يقول ذلك أربع مرات ، فدخلوا معه منزله .

وروي : أنه حمل الحطب وتبعته الملائكة فمر على جماعة من قومه فغمزوا فيما بينهم ، فقال لوط : إن قومي شر خلق الله ، ثم مر على قوم آخرين ، فغمزوا ، فقال مثله ، ثم مر بقوم آخرين فقال مثله ، فكان كلما قال لوط هذا القول قال جبريل للملائكة : اشهدوا ، حتى أتى منزله .

وروي : أن الملائكة جاءوا إلى بيت لوط فوجدوه في داره ولم يعلم بذلك أحد إلا أهل بيت لوط ، فخرجت امرأته فأخبرت قومها ، وقالت : إن في بيت لوط رجالا ما رأيت مثل وجوههم قط .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ولما جاءت رسلنا لوطا سيء بهم» حزن بسبهم «وضاق بهم ذرعا» صدرا لأنهم حسان الوجوه في صورة أضياف فخاف عليهم قومه «وقال هذا يوم عصيب» شديد.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولما جاءت ملائكتنا لوطًا ساءه مجيئهم واغتمَّ لذلك؛ وذلك لأنه لم يكن يعلم أنهم رسل الله، فخاف عليهم من قومه، وقال: هذا يوم بلاء وشدة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عما درا بين لوط وبين الملائكة وبينه وبين قومه من حار وجدال فقال - تعالى - :( وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً .

.

.

)- تلك هى قصة لوط مع الرسل الذين جاءوا لإِهلاك قومه ومع قومه المجرمين ، كما حكتها سورة هود .- وقد وردت هذه القصة فى سور أخرى وبأساليب متنوعة ، ومنها سورة الأعراف ، والحجر ، والشعراء ، والنمل ، والعنكبوت ، والصافات ، والذاريات ، والقمر .

.قال الإِمام ابن كثير : ولوط ابن هاران بن أخى إبراهيم ، وكان قد آمن مع عمه إبراهيم وهاجر معه إلى أرض الشام ، فبعثه الله إلى أهل بدلة سدوم وما حولها يدعوهم إلى وحدانية الله - تعالى - ، ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عما كانوا يرتكبونه من المآثم والمحارم والفواحش التى اخترعوها دون أن يسبقهم بها أحد من بنى آدم ولا من غيرهم ، وهو إتيان الذكور دون الإِناث ، وهذا شئ لم يكن أحد من بنى آدم يعهده ولا يألفه ولا يخطر بباله ، حتى صنع ذلك أهل سدوم - " وهم قرية بوادى الأردن عليهم لعائن الله "- وقد بدأ - سبحانه - القصة هنا بتصوير ما اعترى لوطا - عليه السلام - من ضيق وغم عندما جاءته الرسل فقال : ( وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سياء بِهِمْ .

.

.

)- أى : وحين جاء الملائكة إلى لوط - عليه السلام - بعد مفارقتهم لإبراهيم ، ساءه وأحزنه مجيئهم ، لأنه كان لا يعرفهم ، ويعرف أن قومه قوم سوء ، فخشى أن يعتدى قومه عليهم ، بعادتهم الشنيعة ، وهو عاجز عن الدفاع عنهم .قال ابن كثير ما ملخصه : " يخبر الله - تعالى - عن قدوم رسله من الملائكة إلى لوط - عليه السلام - بعد مفارقتهم لإِبراهيم .

.

فأتوا لوطاً - عليه السلام - وهو على ما قيل فى أرض له .

وقيل فى منزله ، ووردوا عليه وهم فى أجمل صورة تكون ، على هيئة شبان حسان الوجوه ، ابتلاء من الله ، وله الحكمة والحجة البالغة ، فساء شأنهم .

.- وقوله : ( وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً ) تصوير بديع لنفاد حيلته ، واغتمام نفسه وعجزه عن وجود حيلة للخروج من المكروه الذى حل بهم .قال القرطبى : والذرع مصدر ذرع .

وأصله : أن يذرع البعير بيديه فى سيره ذرعاً على قدر سعة خطوه فإذا حمل عليه أكثر من طاقته ضاق عن ذلك وضعف ومد عنقه .

فضيق الذرع عبارة عن ضيق الوسع .

وقيل هو من ذرعه القئ أى غلبه .أى : ضاق عن حبسه المكروه فى نفسه .وإنما ضاق ذرعه بهم لما رأى من جمالهم ، وما يعلمه من فسوق قومه .

.- و ( ذرعا ) تمييز محول عن الفاعل .

أى : ضاق بأمرهم ذرعه .( وَقَالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ ) : أى وقال لوط - عليه السلام - فى ضجر وألم : هذا اليوم الذى جاءنى فيه هؤلاء الضيوف ، يوم " عصيت " أى : شديد هوله وكربه .وأصل العصب : الشد والضغط ، فكأن هذا اليوم لشدة وقعه على نفسه قد عصب به الشر والبلاء ، أى : شد به .قال صاحب تفسير التحرير والتنوير : ومن بديع ترتيب هذه الجمل أنها جاءت على ترتيب حصولها فى الوجود ، فإن أول ما يسبق إلى نفس الكاره للأمر أن يساء به ويتطلب المخلص منه ، فإذا علم أنه لا مخلص له منه ضاق به ذرعاً ، ثم يصدر تعبيراً عن المعانى يريحبه نفسه .-

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن قوله: ﴿ يإبراهيم أَعْرِضْ عَنْ هذا ﴾ معناه: أن الملائكة قالوا له: اترك هذه المجادلة لأنه قد جاء أمر ربك بإيصال هذا العذاب إليهم وإذا لاح وجه دلالة النص على هذا الحكم فلا سبيل إلى دفعه فلذلك أمروه بترك المجادلة، ولما ذكروا ﴿ إِنَّهُ قَدْ جَاء أَمْرُ رَبّكَ ﴾ ولم يكن في هذا اللفظ دلالة على أن هذا الأمر بماذا جاء لا جرم بين الله تعالى أنهم آتيهم عذاب غير مردود، أي عذاب لا سبيل إلى دفعه ورده.

ثم قال: ﴿ وَلَمَّا جَاءتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِئ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا ﴾ وهؤلاء الرسل هم الرسل الذين بشروا إبراهيم بالولد عليهم السلام.

قال ابن عباس رضي الله عنهما: انطلقوا من عند إبراهيم إلى لوط وبين القريتين أربع فراسخ ودخلوا عليه على صورة شباب مرد من بني آدم وكانوا في غاية الحسن ولم يعرف لوط أنهم ملائكة الله وذكروا فيه ستة أوجه: الأول: أنه ظن أنهم من الإنس فخاف عليهم خبث قومه وأن يعجزوا عن مقاومتهم.

الثاني: ساءه مجيئهم لأنه ما كان يجد ما ينفقه عليهم وما كان قادراً على القيام بحق ضيافتهم.

والثالث: ساءه ذلك لأن قومه منعوه من إدخال الضيف داره.

الرابع: ساءه مجيئهم، لأنه عرف بالحذر أنهم ملائكة وأنهم إنما جاؤا لإهلاك قومه، والوجه الأول هو الأصح لدلالة قوله تعالى: ﴿ وَجَاء قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ  ﴾ وبقي في الآية ألفاظ ثلاثة لابد من تفسيرها: اللفظ الأول: قوله: ﴿ سِيء بِهِمْ ﴾ ومعناه ساء مجيئهم وساء يسوء فعل لازم مجاوز يقال سؤته فسيء مثل شغلته فشغل وسررته فسر.

قال الزجاج: أصله سوئ بهم إلا أن الواو سكنت ونقلت كسرتها إلى السين.

واللفظ الثاني: قوله: ﴿ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا ﴾ قال الأزهري: الذرع يوضع موضع الطاقة والأصل فيه البعير يذرع بيديه في سيره ذرعاً على قدر سعة خطوته، فإذا حمل عليه أكثر من طاقته ضاق ذرعه عن ذلك فضعف ومد عنقه، فجعل ضيق الذرع عبارة عن قدر الوسع والطاقة.

فيقال: مالي به ذرع ولا ذراع أي مالي به طاقة، والدليل على صحة ما قلناه أنهم يجعلون الذراع في موضع الذرع فيقولون ضقت بالأمر ذراعاً.

واللفظ الثالث: قوله: ﴿ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ ﴾ أي يوم شديد، وإنما قيل للشديد عصيب؛ لأنه يعصب الإنسان بالشر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

كانت مساءة لوط وضيق ذرعه لأنه حسب أنهم إنس، فخاف عليهم خبث قومه وأن يعجز عن مقاومتهم ومدافعتهم.

روي أنّ الله تعالى قال لهم: لا تهلكوهم حتى يشهد عليهم لوط أربع شهادات، فلما مشى معهم منطلقاً بهم إلى منزله قال لهم: أما بلغكم أمر هذه القرية؟

قالوا: وما أمرهم؟

قال: أشهد بالله إنها لشرقرية في الأرض عملاً، يقول ذلك أربع مرات، فدخلوا معه منزله ولم يعلم بذلك أحد، فخرجت امرأته فأخبرت بهم قومها.

يقال: يوم عصيب، وعصوصب، إذا كان شديداً من قولك: عصبه، إذا شدّه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلَمّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ ﴾ ساءَهُ مَجِيئُهم لِأنَّهم جاءُوهُ في صُورَةِ غِلْمانٍ فَظَنَّ أنَّهم أُناسٌ فَخافَ عَلَيْهِمْ أنْ يَقْصِدَهم قَوْمُهُ فَيَعْجَزُ عَنْ مُدافَعَتِهِمْ.

﴿ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا ﴾ وضاقَ بِمَكانِهِمْ صَدْرُهُ، وهو كِنايَةٌ عَنْ شِدَّةِ الِانْقِباضِ لِلْعَجْزِ عَنْ مُدافَعَةِ المَكْرُوهِ والِاحْتِيالِ فِيهِ.

﴿ وَقالَ هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ ﴾ شَدِيدٌ مِن عَصَبَهُ إذا شَدَّهُ.

﴿ وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إلَيْهِ ﴾ يُسْرِعُونَ إلَيْهِ كَأنَّهم يُدْفَعُونَ دَفْعًا لِطَلَبِ الفاحِشَةِ مِن أضْيافِهِ.

﴿ وَمِن قَبْلُ ﴾ أيْ ومِن قَبْلِ ذَلِكَ الوَقْتِ.

﴿ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ ﴾ الفَواحِشَ فَتَمَرَّنُوا بِها ولَمْ يَسْتَحْيُوا مِنها حَتّى جاءُوا يُهْرَعُونَ لَها مُجاهِرِينَ.

﴿ قالَ يا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي ﴾ فَدى بِهِنَّ أضْيافَهُ كَرَمًا وحَمِيَّةً، والمَعْنى هَؤُلاءِ بَناتِي فَتَزَوَّجُوهُنَّ، وكانُوا يَطْلُبُونَهُنَّ قَبْلُ فَلا يُجِيبُهم لِخُبْثِهِمْ وعَدَمِ كَفاءَتِهِمْ لا لِحُرْمَةِ المُسْلِماتِ عَلى الكُفّارِ فَإنَّهُ شَرْعٌ طارِئٌ أوْ مُبالَغَةٌ في تَناهِي خُبْثِ ما يَرُومُونَهُ حَتّى إنَّ ذَلِكَ أهْوَنُ مِنهُ، أوْ إظْهارًا لِشِدَّةِ امْتِعاضِهِ مِن ذَلِكَ كَيْ يَرِقُّوا لَهُ.

وقِيلَ المُرادُ بِالبَناتِ نِساؤُهم فَإنَّ كُلَّ نَبِيٍّ أبُو أُمَّتِهِ مِن حَيْثُ الشَّفَقَةِ والتَّرْبِيَةِ وفي حَرْفِ ابْنِ مَسْعُودٍ وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم وهو أبٌ لَهم ﴿ هُنَّ أطْهَرُ لَكُمْ ﴾ أنْظَفُ فِعْلًا وأقَلُّ فُحْشًا كَقَوْلِكَ: المَيْتَةُ أطْيَبُ مِنَ المَغْصُوبِ وأحَلُّ مِنهُ.

وقُرِئَ (أطْهَرَ) بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ عَلى أنَّ ﴿ هُنَّ ﴾ خَبَرُ بَناتِيُّ كَقَوْلِكَ: هَذا أخِي هو لا فَصْلَ فَإنَّهُ لا يَقَعُ بَيْنَ الحالِ وصاحِبِها.

﴿ فاتَّقُوا اللَّهَ ﴾ بِتَرْكِ الفَواحِشِ أوْ بِإيثارِهِنَّ عَلَيْهِمْ.

﴿ وَلا تُخْزُونِ ﴾ ولا تَفْضَحُونِي مِنَ الخِزْيِ، أوْ ولا تُخْجِلُونِي مِنَ الخَزايَةِ بِمَعْنى الحَياءِ.

﴿ فِي ضَيْفِي ﴾ في شَأْنِهِمْ فَإنَّ إخْزاءَ ضَيْفِ الرَّجُلِ إخْزاؤُهُ.

﴿ ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ ﴾ يَهْتَدِي إلى الحَقِّ ويَرْعَوِي عَنِ القَبِيحِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{ولما جاءت رسلنا لوطا} اتوه ورأى هيآتهم وجمالهم {سِىء بِهِمْ} أحزن لأنه حسب أنهم إِنس فخاف عليهم خبث قومه وأن يعجز عن مقاومتهم ومدافعتهم {وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا} تمييز أي وضاق بمكانهم صدره {وَقَالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ} شديد

روي أن الله تعالى قال لهم لا تهلكوهم حتى يشهد عليهم لوط أربع شهادات فلما مشى معهم منطلقاً بهم إلى منزله قال لهم أما بلغكم أمر هذه القرية قالوا وما أمرهم قال أشهد بالله إنها لشر قرية في الأرض عملاً قال ذلك أربع مرات فدخلوا معه منزله ولم يعلم بذلك أحد فخرجت امرأته فأخبرت بهم قومها

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا ﴾ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: انْطَلِقُوا مِن عِنْدِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وبَيْنَ القَرْيَتَيْنِ أرْبَعَةُ فَراسِخَ ودَخَلُوا عَلَيْهِ في صُورَةِ غِلْمانٍ مُرْدٍ حِسانِ الوُجُوهِ فَلِذَلِكَ ﴿ سِيءَ بِهِمْ ﴾ أيْ أحْدَثَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَجِيئُهُمُ المَساءَةَ لِظَنِّهِ أنَّهم أُناسٌ فَخافَ أنْ يَقْصِدَهم قَوْمُهُ ويَعْجِزَ عَنْ مُدافَعَتِهِمْ، وقِيلَ: كانَ بَيْنَ القَرْيَتَيْنِ ثَمانِيَةُ أمْيالٍ فَأتَوْها عِشاءً، وقِيلَ نِصْفَ النَّهارِ ووَجَدُوا لُوطًا في حَرْثٍ لَهُ.

وقِيلَ: وجَدُوا بِنْتًا لَهُ تَسْتَقِي ماءً مَن نَهْرِ سَدُومَ وهي أكْبَرُ مَحَلٍّ لِلْقَوْمِ فَسَألُوها الدَّلالَةَ عَلى مَن يَضِيفُهم ورَأتْ هَيْأتَهم فَخافَتْ عَلَيْهِمْ مِن قَوْمِ أبِيها فَقالَتْ لَهُمْ: مَكانَكم وذَهَبَتْ إلى أبِيها فَأخْبَرَتْهُ فَخَرَجَ إلَيْهِمْ فَقالُوا: إنّا نُرِيدُ أنْ تَضِيفَنا اللَّيْلَةَ، فَقالَ: أوَما سَمِعْتُمْ بِعَمَلِ هَؤُلاءِ القَوْمِ؟

فَقالُوا: وما عَمَلُهُمْ؟

فَقالَ: أشْهَدُ بِاللَّهِ تَعالى أنَّهم شَرُّ قَوْمٍ في الأرْضِ، وقَدْ كانَ اللَّهُ تَعالى قالَ لِلْمَلائِكَةِ لا تُعَذِّبُوهم حَتّى يَشْهَدَ عَلَيْهِمْ لُوطٌ أرْبَعَ شَهاداتٍ، فَلَمّا قالَ هَذِهِ قالَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: هَذِهِ واحِدَةٌ وتَكَرَّرَ القَوْلُ مِنهم حَتّى كَرَّرَ لُوطٌ الشَّهادَةَ فَتَمَّتِ الأرْبَعُ، ثُمَّ دَخَلَ المَدِينَةَ فَدَخَلُوا مَعَهُ مَنزِلَهُ ﴿ وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا ﴾ أيْ طاقَةً وجُهْدًا، وهو في الأصْلِ مَصْدَرُ ذَرَعَ البَعِيرُ بِيَدَيْهِ يَذْرَعُ في مَسِيرِهِ إذا سارَ مادًّا خَطْوَهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الذِّراعِ وهي العُضْوُ المَعْرُوفُ، ثُمَّ تُوُسِّعَ فِيهِ فَوُضِعَ مَوْضِعَ الطّاقَةِ والجُهْدِ، وذَلِكَ أنَّ اليَدَ كَما تُجْعَلُ مَجازًا عَنِ القُوَّةِ فالذِّراعُ المَعْرُوفَةُ كَذَلِكَ، وفي الصِّحاحِ يُقالُ: ضِقْتُ بِالأمْرِ ذَرْعًا إذا لَمَّ تُطِقْهُ ولَمْ تَقْوَ عَلَيْهِ، وأصْلُ الذَّرْعِ بَسْطُ اليَدِ فَكَأنَّكَ تُرِيدُ مَدَدْتُ يَدِي إلَيْهِ فَلَمْ تَنَلْهُ، ورُبَّما قالُوا: ضِقْتُ بِهِ ذِراعًا، قالَ حُمَيْدُ بْنُ ثَوْرٍ يَصِفُ ذِئْبًا: وإنْ باتَ وحْشًا لَيْلَةً لَمْ يَضِقْ بِها (ذِراعًا) ولَمْ يُصْبِحْ لَها وهو خاشِعٌ وفِي الكَشّافِ جَعَلَتِ العَرَبُ ضِيقَ الذِّراعُ والذَّرْعُ عِبارَةٌ عَنْ فَقْدِ الطّاقَةِ كَما قالُوا: رَحُبَ الذِّراعُ بِكَذا إذا كانَ مُطِيقًا لَهُ، والأصْلُ فِيهِ أنَّ الرَّجُلَ إذا طالَتْ ذِراعُهُ نالَ ما لا يَنالُهُ القَصِيرُ الذِّراعِ فَضُرِبَ ذَلِكَ مَثَلًا في العَجْزِ والقُدْرَةِ، ونَصْبُهُ عَلى أنَّهُ تَمْيِيزٌ مُحَوَّلٌ عَنِ الفاعِلِ أيْ ضاقَ بِأمْرِهِمْ وحالِهِمْ ذَرْعُهُ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ الذَّرْعُ كِنايَةً عَنِ الصَّدْرِ والقَلْبِ، وضِيقُهُ كِنايَةٌ عَنْ شِدَّةِ الِانْقِباضِ لِلْعَجْزِ عَنْ مُدافَعَةِ المَكْرُوهِ والِاحْتِيالِ فِيهِ، وهو عَلى ما قِيلَ: كِنايَةٌ مُتَفَرِّعَةٌ عَلى كِنايَةٍ أُخْرى مَشْهُورَةٍ؛ وقِيلَ: إنَّهُ مَجازٌ لِأنَّ الحَقِيقَةَ غَيْرُ مُرادَةٍ هُنا، وأبْعَدَ بَعْضُهم في تَخْرِيجِ هَذا الكَلامِ فَخَرَّجَهُ عَلى أنَّ المُرادَ أنَّ بَدَنَهُ ضاقَ قَدْرًا عَنِ احْتِمالِ ما وقَعَ ﴿ وقالَ هَذا ﴾ اليَوْمُ ﴿ يَوْمٌ عَصِيبٌ ﴾ أيْ شَدِيدٌ، وأصْلُهُ مِنَ العَصَبِ بِمَعْنى الشَّدِّ كَأنَّهُ لِشِدَّةِ شَرِّهِ عُصِبَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يَعْصِبُ النّاسَ بِالشَّرِّ، قالَ الرّاجِزُ: يَوْمٌ عَصِيبٌ يَعْصِبُ الأبْطالا ∗∗∗ عَصْبَ القُوى السِّلْمَ الطِّوالا وفِي مَعْناهُ العَصَبْصَبْ والعَصَوْصَبُ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ يقول: ساءه مجيئهم، وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً يعني: صدره اغتماماً، ومخافة عليهم، لا يدري أيأمرهم بالرجوع أم بالنزول؟

وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ يعني: شديد.

ثم قال لامرأته: ويحك، قومي واخبزي ولا تعلمي أحداً.

وكانت امرأته كافرة منافقة، فانطلقت تطلب بعض حاجاتها، وجعلت لا تدخل على أحد إلا أعلمته، وتقول: إن عندنا قوماً من هيئتهم كذا وكذا.

فلما علموا بذلك، جاءوا إلى باب لوط  ، فذلك قوله تعالى: وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ يعني: يسرعون إليه، وهو مشيء بين المشيتين، ويقال: يدفعون إليه دفعاً، ويقال يشتدون إليه شداً، وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ يعني: من قبل أن يبعث إليهم لوط، ويقال: من قبل إتيان الرسل، كانوا يعملون الفواحش، وهي اللواطة والكفر، فلما أرادوا الدخول، قالَ لهم لوط: يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ أي: أحل لكم من ذلك، وكان لوط يناظرهم، ويقول: هن أطهر لكم، وكان جبريل مع أحد عشر من الملائكة، وكسروا الباب، فضرب أعينهم.

قال الضحاك: هؤُلاءِ بَناتِي عرض عليهم بنات قومه.

وقال قتادة: أمرهم لوط أن يتزوجوا النساء، وقال: هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ولم يعرض عليهم بناته.

وروى سفيان عن ليث، عن مجاهد، قال: لم يكنَّ بناته، ولكن كُنَّ من أمته، وكل نبي هو أب أمته.

وروي عن ابن مسعود، أنه كان يقرأ: النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ [الأحزاب: 6] وهو أب لهم، وهي قراءة أبي بن كعب.

وهكذا قال سعيد بن جبير: إنه أراد بنات أمته.

ويقال: إن رؤساءهم كانوا خطبوا بناته وكان يأبى، فقال لهم: إني أزوجكم بناتي، هنّ أطهر لكم من الحرام، وكان النكاح بين الكافر والمسلم جائزا.

ثم قال تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي يقول: لا تفضحوني في أضيافي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ يعني: مرشداً صالحاً يزجركم عن هذا الأمر.

ويقال: رجل عاقل، ويقال: رجل على الحق يستحي مني.

قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ يعني: من حاجة، يقولون: ما لنا في النساء من حاجة وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ إنما نريد الأضياف ف قالَ لوط: لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً يعني: منعة بالولد أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ، أي: أرجع إلى عشيرة كبيرة، يعني: لو كانت لي عشيرة ومنعة لمنعتكم مما تريدون.

وروي عن رسول الله  أنه قال: «رَحِمَ اللَّهُ أخي لُوطاً لَقَدْ أَوَى إلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ» (١) قرأ ابن كثير، ونافع: فَأَسْرِ بجزم الألف، وقرأ الباقون: فَأَسْرِ بقطع الألف ومعناهما واحد، يقال: سريت وأسريت، إذا سرت بالليل.

وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو إِلَّا امْرَأَتَكَ بضم التاء، وقرأ الباقون بالنصب.

فمن قرأ بالنصب، انصرف إلى الإسراء، يعني: أسر بأهلك إلا امرأتَكَ، على معنى الاستثناء وفي قراءة ابن مسعود: فاسر بأهلك بقطع من الليل إلا امرأتَكَ.

ومن قرأ بالضم، فهو ظاهر، يعني: أنها تتخلف مع الهالكين.

وقال لوط لجبريل  : إن أبواب المدينة قد أُغلقت، فجمع لوط أهله وابنتيه ريثا وزعورا، فحمل جبريل لوطاً وابنتيه وماله على جناحه إلى مدينة زغر، وهي إحدى مدائن لوط، وهي خمس مدائن، وهي على أربعة فراسخ من سدوما، ولم يكونوا على مثل عملهم.

فقال له جبريل إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ يعني: وقت هلاكهم وقت الصبح.

فقال لوط: يا جبريل، الآن عجل هلاكهم.

فقال له جبريل: أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ فلما كان وقت الصبح، أدخل جبريل جناحه تحت أرض المدائن الأربعة، فاقتلعها من الماء الأسود، ثم صعد بها إلى السماء حتى سمع أهل السماء نباح الكلاب وصياح الديك.

ثم قلبها فجعل عاليها سافلها، فأقبلت تهوي من السماء إلى الارض فذلك قوله: فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً.

قال وهب بن منبه: لما رفعت إلى السماء، أمطر الله عليهم حجارة الكبريت والنار، ثم قلبت.

وقال مقاتل: أمطر على أهلها من كان خارجاً من المدائن الأربعة، حجارة مِنْ سِجِّيلٍ يعني: من طين مطبوخ، كما يطبخ الآجر، مَنْضُودٍ يعني: متتابعا بعضه على إثر بعض.

وقال مجاهد: سِجِّيلٍ بالفارسية: سنج وجك، كقوله: لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ [الذاريات: 33] وروي عن ابن عباس، في بعض الروايات، قال: «سنك وكل» .

وقال أبو عبيدة: السجيل: الشديد، مَنْضُودٍ أي ملتزق بالحجارة.

مُسَوَّمَةً قال الفراء: مخططة بالحمرة والسواد.

وقال أبو عبيدة: مُسَوَّمَةً، أي: معلمة.

ويقال: مكتوب على كل حجر اسم صاحبه الذي يصيبه.

ويقال: مختمة.

وقال وكيع: رفع إلي حجر من تلك الحجارة المختمة بطرسوس.

ثم قال: وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ يعني: من قوم لوط  ويقال: هذا تهديد لأهل مكة، وغيرهم من المشركين.

فقال: وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ لكيلا يعملوا مثل عملهم.

ويقال: ما هن من الظالمين ببعيد.

قريات لوط ليست ببعيدة من أهل مكة، فأمرهم بأن يعتبروا بها.

وقال الزجاج: سِجِّيلٍ، يعني: ما كتب لهم أن يعذبوا به.

ويقال: سِجِّيلٍ من سجلته، يعني: أرسلته، ومعناه: حجارة مرسلة عليهم، ويقال: كثيرة شديدة.

(١) حديث أبي هريرة: أخرجه البخاري (3375) و (3387) و (6992) ومسلم (151) (238) وأحمد: 2/ 322 والترمذي (3116) .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ (٧٧) وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (٧٨) قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ (٧٩) قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠) قالُوا يا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (٨١)

وقوله سبحانه: وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً: الرسُل هنا: الملائكة أضيافُ إِبراهيم.

قال المهدويُّ: والرسُلُ هنا: جبريلُ وميكائيلُ وإِسرافيلُ، ذكره جماعة من المفسِّرين.

انتهى، واللَّه أعلم بتعيينهم، فإِن صحَّ في ذلك حديثٌ، صِيَر إِليه، وإِلا فالواجبُ الوقف، وسِيءَ بِهِمْ أي: أصابهُ سُوءٌ، و «الذَّرْع» : مصدرٌ مأخوذٌ من الذِّراع، ولما كان الذراعُ موضعَ قُوَّةِ الإِنسان، قيل في الأمر الذي لا طَاقَةَ له به: ضَاقَ بِهَذَا الأمْرِ ذِرَاعُ فُلاَنٍ، وذَرْعُ فلانٍ، أيْ: حيلته بذراعِهِ، وتوسَّعوا في هذا حتَّى قلبوه، فقالوا: فلانٌ رَحْبُ الذّراع، إذا وصفوه باتساع القدرة، وعَصِيبٌ: بناء اسم فاعل، معناه: يعصب

النَّاسَ بالشرِّ، فهو من العِصَابة، ثم كَثُر وصفهم لليَوْمِ بعصيبٍ ومنه: [الوافر] وَقَدْ سَلَكُوكَ في يَوْمٍ عَصِيبِ «١» وبالجملة ف «عصيب» : في موضع شديد وصعب الوطأة، ويُهْرَعُونَ معناه:

يُسْرِعون، وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ: أيْ: كَانت عادتهم إِتيان الفاحشة في الرجال.

وقوله: هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ: يعني: بالتزويجِ، وقولهم: وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ: إِشارة إِلى الأضيافِ، فلما رأَى لوطٌ استمرارهم في غَيِّهم، قال: على جهة التفجُّع والاستكانة: لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً.

قال ع «٢» : «لَوْ أنَّ» : جوابها محذوفٌ، أي: لَفَعَلْتُ كذا وكذا، ويروَى أنَّ الملائكةَ وَجَدَتْ عليه حين قال هذه الكلماتِ، وقالوا: إِنَّ رُكْنَكَ لَشَدِيدٌ، وقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «يَرْحَمُ اللَّهُ لُوطاً لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ «٣» فَالْعَجَبُ مِنْهُ لما استكان» .

قال ع «٤» : وإِنما خشي لوطٌ عليه السلام أنْ يمهل اللَّهُ أولئك العِصَابَةَ حتى يَعْصُوهُ في الأضيافِ، كما أمهلهم فيما قَبْلَ ذلك، ثم إِن جبريل عليه السلام ضَرَبَ القوم بجَنَاحِهِ، فطمس أعينهم، ثم أمروا لوطاً بالسُّرَى، وأعلموه بأنَّ العذاب نازلٌ بالقوم، فقال لهم لوطٌ: فَعَذِّبوهم السَّاعة، فقالوا له: إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ، أي: بهذا أمَرَ اللَّه، ثم آنسُوه في قَلَقِهِ بقولهم: أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ، و «القِطْع» : القطعة من الليل.

قال ص: إِلَّا امْرَأَتَكَ: ابن كثيرٍ وأبو عمرٍو بالرفع، والباقون بالنَّصْبِ «٥» ، فقيل: كلاهما استثناءٌ من أَحَدٌ، وقيل: النصب على الاستثناء من بِأَهْلِكَ انتهى.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَمّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: خَرَجَتِ المَلائِكَةُ مِن عِنْدِ إبْراهِيمَ نَحْوَ قَرْيَةِ لُوطٍ، فَأتَوْها عِشاءً.

وقالَ السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ: أتَوْها نِصْفَ النَّهارِ، فَلَمّا بَلَغُوا نَهْرَ سَدُومَ، لَقُوا بِنْتَ لُوطٍ تَسْتَقِي الماءَ لِأهْلِها، فَقالُوا لَها: ياجارِيَةُ، هَلْ مِن مَنزِلٍ ؟

قالَتْ: نَعَمْ، مَكانَكم لا تَدْخُلُوا حَتّى آتِيَكم فَرَقًا عَلَيْهِمْ مِن قَوْمِها، فَأتَتْ أباها، فَقالَتْ: يا أبَتاهُ، أدْرِكْ فِتْيانًا عَلى بابِ المَدِينَةِ ما رَأيْتُ وُجُوهَ قَوْمٍ هي أحْسَنُ مِنهم، لا يَأْخُذْهم قَوْمُكَ فَيَفْضَحُوهم؛ وقَدْ كانَ قَوْمُهُ نَهَوْهُ أنْ يُضِيفَ رَجُلًا؛ فَجاءَ بِهِمْ، ولَمْ يُعْلِمْ بِهِمْ أحَدًا إلّا أهْلَ بَيْتِ لُوطٍ؛ فَخَرَجَتِ امْرَأتُهُ فَأخْبَرَتْ قَوْمَها، فَجاؤُوا يُهْرَعُونَ إلَيْهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سِيءَ بِهِمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ساءَ ظَنُّهُ بِقَوْمِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: ساءَهُ مَجِيءُ الرُّسُلِ، لِأنَّهُ لَمْ يَعْرِفْهم، وأشْفَقَ عَلَيْهِمْ مِن قَوْمِهِ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

قالَ الزَّجّاجُ: وأصْلُ " سِيءَ بِهِمْ " سُوِئَ بِهِمْ، مِنَ السُّوءِ، إلّا أنَّ الواوَ أُسْكِنَتْ ونُقِلَتْ كَسْرَتُها إلى السِّينِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ضاقَ ذَرْعًا بِأضْيافِهِ.

قالَ الفَرّاءُ: الأصْلُ فِيهِ: وضاقَ ذَرْعُهُ بِهِمْ، فَنَقَلَ الفِعْلَ عَنِ الذَّرْعِ إلى ضَمِير لُوطٍ، ونُصِبَ الذَّرْعُ بِتَحَوُّلِ الفِعْلِ عَنْهُ، كَما قالَ: ﴿ واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا  ﴾ ومَعْناهُ: اشْتَعَلَ شَيْبُ الرَّأْسِ.

قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: ضاقَ فُلانٌ بِأمْرِهِ ذَرْعًا: إذا لَمْ يَجِدْ مِنَ المَكْرُوهِ في ذَلِكَ الأمْرِ مُخَلِّصًا.

وذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ فِيهِ ثَلاثَةَ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ مَعْناهُ: وقَعَ بِهِ مَكْرُوهٌ عَظِيمٌ يَصِلُ إلى دَفْعِهِ عَنْ نَفْسِهِ؛ فالذَّرْعُ كِنايَةٌ عَنْ هَذا المَعْنى.

والثّانِي: أنَّ مَعْناهُ: ضاقَ صَبْرُهُ وعَظُمَ المَكْرُوهُ عَلَيْهِ؛ وأصْلُهُ مِن ذَرَعَ فُلانًا القَيْءُ: إذا غَلَبَهُ وسَبَقَهُ.

والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى: ضاقَ بِهِمْ وُسْعُهُ، فَنابَ الذَّرْعُ والذِّراعُ عَنِ الوُسْعِ، لِأنَّ الذِّراعَ مِنَ اليَدِ، والعَرَبُ تَقُولُ: لَيْسَ هَذا في يَدِي، يَعْنُونَ: لَيْسَ هَذا في وُسْعِي؛ ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا أنَّهم يَجْعَلُونَ الذِّراعَ في مَوْضِعِ الذَّرْعِ، فَيَقُولُونَ: ضِقْتُ بِهَذا الأمْرِ ذِراعًا، قالَ الشّاعِرُ: إلَيْكَ إلَيْكَ ضاقَ بِهِمْ ذِراعًا فَأمّا العَصِيبُ، فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: العَصِيبُ: الشَّدِيدُ الَّذِي يَعْصِبُ النّاسَ بِالشَّرِّ، وأنْشَدَ: يَوْمٌ عَصِيبٌ يَعْصِبُ الأبْطالا ∗∗∗ عَصَبَ القَوِيِّ السَّلَمَ الطِّوالا وَقالَ أبُو عُبَيْدٍ: يُقالُ يَوْمٌ عَصِيبٌ، ويَوْمٌ عَصَبْصَبٌ: إذا كانَ شَدِيدًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُهْرَعُونَ إلَيْهِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ: " يُهْرَعُونَ " يُسْرِعُونَ.

وقالَ الفَرّاءُ، والكِسائِيُّ: لا يَكُونُ الإهْراعُ إلّا إسْراعًا مَعَ رِعْدَةٍ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الإهْراعُ شَبِيهٌ بِالرِّعْدَةِ، يُقالُ: أهْرَعَ الرَّجُلُ: إذا أسْرَعَ، عَلى لَفْظِ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، كَما يُقالُ: أُرْعِدَ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ الإهْراعُ فِعْلٌ واقِعٌ بِالقَوْمِ وهو لَهم في المَعْنى، كَما قالَتِ العَرَبُ: قَدْ أُوْلِعَ الرَّجُلُ بِالأمْرِ، فَجَعَلُوهُ مَفْعُولًا، وهو صاحِبُ الفِعْلِ، ومِثْلُهُ أُرْعِدَ زَيْد، وسُهِيَ عَمْرٌو مِنَ السَّهْوِ، كُلُّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأفاعِيلِ خَرَجَ الِاسْمُ مَعَهُ مُقَدَّرًا تَقْدِيرَ المَفْعُولِ، وهو صاحِبُ الفِعْلِ لا يُعْرَفُ لَهُ فاعِلٌ غَيْرُهُ.

قالَ: وقالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: لا يَجُوزُ لِلْفِعْلِ أنْ يُجْعَلَ فاعِلُهُ مَفْعُولًا، وهَذِهِ الأفْعالُ المَذْكُورَةُ فاعِلُوها مَحْذُوفُونَ، وتَأْوِيلُ " أُوْلِعَ زَيْدٌ ": أوْلَعَهُ طَبْعُهُ وجِبِلَّتُهُ، و " أُرْعِدَ الرَّجُلُ ": أرْعَدَهُ غَضَبُهُ، و " سُهِيَ عَمْرٌو " جَعْلَهُ ساهِيًا مالُهُ أوْ جَهْلُهُ، و " أُهْرِعَ " مَعْناهُ: أهَرَعَهُ خَوْفُهُ ورُعْبُهُ، فَلِهَذِهِ العِلَّةِ خَرَّجَ هَؤُلاءِ الأسْماءَ مَخْرَجَ المَفْعُولِ بِهِ.

قالَ: وقالَ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ: لا يَكُونُ الإهْراعُ إلّا إسْراعَ المَذْعُورِ الخائِفِ؛ لا يُقالُ لِكُلِّ مُسْرِعٍ: مُهْرَعٌ حَتّى يَنْضَمَّ إلى إسْراعِهِ جَزَعٌ وذُعْرٌ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: سَبَبُ إهْراعِهِمْ، أنَّ امْرَأةَ لُوطٍ أخْبَرَتْهم بِالأضْيافِ.

﴿ وَمِن قَبْلُ ﴾ أيْ: ومِن قَبْلِ مَجِيئِهِمْ إلى لُوطٍ ﴿ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ ﴾ يَعْنِي فِعْلَهُمُ المُنْكَرُ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ هَؤُلاءِ بَناتِي ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُنَّ بَناتُهُ لِصُلْبِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ جَمَعَ، وقَدْ كُنَّ اثْنَتَيْنِ ؟

فالجَوابُ أنَّهُ قَدْ يَقَعُ الجَمْعُ عَلى اثْنَيْنِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ وَكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ  ﴾ .

والثّانِي: أنَّهُ عَنى نِساءَ أُمَّتِهِ، لِأنَّ كُلَّ نَبِيٍّ أبُو أُمَّتِهِ، والمَعْنى: أنَّهُ عَرَضَ عَلَيْهِمُ التَّزْوِيجَ، أوْ أمَرَهم أنْ يَكْتَفُوا بِنِسائِهِمْ، وهَذا مَذْهَبُ مُجاهِدٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وقَتادَةَ، وابْنِ جُرَيْجٍ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ عَرَضَ تَزْوِيجَ المُؤْمِناتِ عَلى الكافِرِينَ ؟

فَعَنْهُ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قَدْ كانَ يَجُوزُ ذَلِكَ في شَرِيعَتِهِ، وكانَ جائِزًا في صَدْرِ الإسْلامِ حَتّى نُسِخَ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: أنَّهُ عَرَضَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ بِشَرْطِ إسْلامِهِمْ، قالَهُ الزَّجّاجُ، ويُؤَكِّدُهُ أنَّ عَرْضَهُنَّ عَلَيْهِمْ مَوْقُوفٌ عَلى عَقْدِ النِّكاحِ، فَجازَ أنْ يَقِفَ عَلى شَرْطٍ آخَرَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُنَّ أطْهَرُ لَكُمْ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: هُنَّ أحَلَّ مِن إتْيانِ الرِّجالِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاتَّقُوا اللَّهَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: اتَّقُوا عُقُوبَتَهُ.

والثّانِي: اتَّقُوا مَعْصِيَتَهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تُخْزُونِ في ضَيْفِي ﴾ حَرَّكَ ياءَ " ضَيْفِي " أبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ.

وفي مَعْنى هَذا الخِزْيِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ الفَضِيحَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: الِاسْتِحْياءُ، والمَعْنى: لا تَفْعَلُوا بِأضْيافِي فِعْلًا يَلْزَمُنِي الِاسْتِحْياءُ مِنهُ، لِأنَّ المُضِيفَ يَلْزَمُهُ الِاسْتِحْياءُ مِن كُلِّ فِعْلٍ يَصِلُ إلى ضَيْفِهِ.

والعَرَبُ تَقُولُ: قَدْ خَزِيَ الرَّجُلُ يَخْزى خِزايَةً: إذا اسْتَحْيى، قالَ الشّاعِرُ: مِنَ البَيْضِ لا تَخْزى إذا الرِّيحُ ألْصَقَتْ ∗∗∗ بِها مِرْطَها أوْ زايَلَ الحَلْيُ جِيدَها والثّالِثُ: أنَّهُ بِمَعْنى الهَلاكِ، لِأنَّ المَعَرَّةَ الَّتِي تَقَعُ بِالمُضِيفِ في هَذِهِ الحالِ تَلْزَمُهُ هَلْكَةً، ذَكَرَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والضَّيْفُ هاهُنا: بِمَعْنى الأضْيافِ، والواحِدُ يَدُلُّ عَلى الجَمِيعِ، كَما تَقُولُ: هَؤُلاءِ رَسُولِي ووَكِيلِي.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ ﴾ في المُرادِ بِالرَّشِيدِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: المُؤْمِنُ.

والثّانِي: الآمِرُ بِالمَعْرُوفِ والنّاهِي عَنِ المُنْكَرِ.

رُوِيا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الرَّشِيدُ بِمَعْنى المُرْشِدِ، فَيَكُونُ المَعْنى: ألَيْسَ مِنكم مُرْشِدٌ يَعِظُكم ويُعَرِّفُكم قَبِيحَ ماتَأْتُونَ ؟

فَيَكُونُ الرَّشِيدُ مِن صِفَةِ الفاعِلِ، كالعَلِيمِ، والشَّهِيدِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الرَّشِيدُ بِمَعْنى المُرْشِدِ، فَيَكُونُ المَعْنى: ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ قَدْ أسْعَدَهُ اللَّهُ بِما مَنَحَهُ مِنَ الرَّشادِ يَصْرِفُكم عَنْ إتْيانِ هَذِهِ المَعَرَّةِ ؟

فَيَجْرِي رَشِيدٌ مَجْرى مَفْعُولٍ، كالكِتابِ الحَكِيمِ بِمَعْنى المُحْكَمِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مالَنا فِيهِنَّ حاجَةٌ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: لَسْنَ لَنا بِأزْواجٍ فَنَسْتَحِقَّهُنَّ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ ﴾ قالَ عَطاءٌ: وإنَّكَ لَتَعَلَمُ أنّا نُرِيدُ الرِّجالَ لا النِّساءَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً ﴾ أيْ: جَماعَةً أقْوى بِهِمْ عَلَيْكم، وقِيلَ: أرادَ بِالقُوَّةِ البَطْشَ.

﴿ أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ ﴾ أيْ: أنْضَمُّ إلى عَشِيرَةٍ وشِيعَةٍ تَمْنَعُنِي.

وجَوابُ " لَوْ " مَحْذُوفٌ عَلى تَقْدِيرِ: لَحُلْتُ بَيْنَكم وبَيْنَ المَعْصِيَةِ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: قَوْلُهُ: " آوِي " مِن قَوْلِهِمْ: أوَيْتُ إلَيْكَ، فَأنا آوِي أُوِيًّا، والمَعْنى: صِرْتُ إلَيْكَ وانْضَمَمْتُ.

ومَجازُ الرُّكْنِ هاهُنا: العَشِيرَةُ العَزِيزَةُ الكَثِيرَةُ المَنِيعَةُ، وأنْشَدَ: يَأْوِي إلى رُكْنٍ مِنَ الأرْكانِ ∗∗∗ في عَدَدٍ طَيْسٍ ومَجْدٍ بانِي والطَّيْسُ: الكَثِيرُ يُقالُ أتانا لَبَنٌ طَيْسٌ وشَرابٌ طَيْسٌ أيْ: كَثِيرٌ.

واخْتَلَفُوا أيَّ وقْتٍ قالَ هَذا لُوطُ؛ فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ لُوطًا كانَ قَدْ أغْلَقَ بابَهُ والمَلائِكَةُ مَعَهُ في الدّارِ، وهو يُناظِرُهم ويُناشِدُهم وراءَ البابِ، وهم يُعالِجُونَ البابَ ويَرُومُونَ تَسَوُّرَ الجِدارِ؛ فَلَمّا رَأتِ المَلائِكَةُ ما يَلْقى مِنَ الكَرْبِ، قالُوا: يا لُوطُ إنّا رُسُلُ رَبِّكَ فافْتَحِ البابَ ودَعْنا وإيّاهم؛ فَفَتَحَ البابَ فَدَخَلُوا، واسْتَأْذَنَ جِبْرِيلُ رَبَّهُ في عُقُوبَتِهِمْ، فَأذِنَ لَهُ، فَضَرَبَ بِجَناحِهِ وُجُوهَهم فَأعْماهم، فانْصَرَفُوا يَقُولُونَ: النَّجاءُ النَّجاءُ، فَإنَّ في بَيْتِ لُوطٍ أسْحَرَ قَوْمٍ في الأرْضِ؛ وجَعَلُوا يَقُولُونَ: يا لُوطُ، كَما أنْتَ حَتّى تُصْبِحَ، يُوعِدُونَهُ؛ فَقالَ لَهم لُوطٌ: مَتى مَوْعِدُ هَلاكِهِمْ ؟

قالُوا: الصُّبْحُ، قالَ: لَوْ أهْلَكْتُمُوهُمُ الآنَ، فَقالُوا: ألَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ ؟

وقالَ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إنَّهم لَمّا تَواعَدُوهُ، قالَ في نَفْسِهِ: يَنْطَلِقُ هَؤُلاءِ القَوْمُ غَدًا مِن عِنْدِي، وأبْقى مَعَ هَؤُلاءِ فَيُهْلِكُونِي، فَقالَ: لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً.

قُلْتُ: وإنَّما يَتَوَجَّهُ هَذا إذا قُلْنا: إنَّهُ كانَ قَبْلَ عِلْمِهِ أنَّهم مَلائِكَةٌ.

وقالَ قَوْمٌ: إنَّهُ إنَّما قالَ هَذا لَمّا كَسَرُوا بابَهُ وهَجَمُوا عَلَيْهِ.

وقالَ آخَرُونَ: لَمّا نَهاهم عَنْ أضْيافِهِ فَأبَوْا قالَ هَذا.

وَفِي الجُمْلَةِ، ما أرادَ بِالرُّكْنِ نَصْرَ اللَّهِ وعَوْنَهُ، لِأنَّهُ لَمْ يَخْلُ مِن ذَلِكَ، وإنَّما ذَهَبَ إلى العَشِيرَةِ والأُسْرَةِ.

وَرَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  أنَّهُ قالَ: " «رَحِمَ اللَّهُ لُوطًا، لَقَدْ كانَ يَأْوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ، وما بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا بَعْدَهُ إلّا في ثَرْوَةٍ مِن قَوْمِهِ» " قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: فِيهِ إضْمارٌ، تَقْدِيرُهُ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ بِسُوءٍ، وذَلِكَ أنَّهم قالُوا لِلُوطٍ: إنّا نَرى مَعَكَ رِجالًا سَحَرُوا أبْصارَنا، فَسَتَعْلَمُ غَدًا ما تَلْقى أنْتَ وأهْلَكَ؛ فَقالَ لَهُ جِبْرِيلُ: ﴿ إنّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأسْرِ بِأهْلِكَ ﴾ قَرَأ عاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ " فَأسْرِ " بِإثْباتِ الهَمْزِ في اللَّفْظِ مَن أسْرَيْتُ.

وقَرْأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ " فاسْرِ بِأهْلِكَ " بِغَيْرِ هَمْزٍ مِن سَرَيْتُ، وهُما لُغَتانِ.

قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: سَرَيْتُ، وأسْرَيْتُ إذا سِرْتَ لَيْلًا، قالَ الشّاعِرُ: سَرَيْتُ بِهِمْ حَتّى تَكِلَّ مَطِيُّهم ∗∗∗ وحَتّى الجِيادُ ما يُقَدْنَ بِأرْسانِ وَقالَ النّابِغَةُ: أسَرَتْ عَلَيْهِ مِنَ الجَوْزاءِ سارِيَةٌ ∗∗∗ تُزْجِي الشَّمالَ عَلَيْهِ جامِدَ البَرَدِ وَقَدْ رَوَوْهُ: سَرَتْ.

فَأمّا أهْلُهُ، فَقالَ مُقاتِلٌ: هُمُ امْرَأتُهُ وابْنَتاهُ، واسْمٌ ابْنَتَيْهِ: رُبْثا وزُعَرَثا.

وقالَ السُّدِّيُّ: اسْمُ الكُبْرى: رَيَّةُ، واسْم ُالصُّغْرى: عَرُوبَةُ، والمُرادُ بِأهْلِهِ: ابْنَتاهُ.

فَأمّا القِطْعُ، فَهو بِمَعْنى القِطْعَةِ؛ يُقالُ: مَضى قِطْعٌ مِنَ اللَّيْلِ، أيْ: قِطْعَةٌ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ بِهِ: آخِرَ اللَّيْلِ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " بِقِطْعٍ " أيْ: بِبَقِيَّةٍ تَبْقى مِن آخِرِهِ.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ذِكْرُ القِطْعِ بِمَعْنى القِطْعَةِ مُخْتَصٌّ بِاللَّيْلِ، ولا يُقالُ: عِنْدِي قِطْعٌ مِنَ الثَّوْبِ، بِمَعْنى: عِنْدِي قِطْعَةٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ بِمَعْنى: لا يَتَخَلَّفْ مِنكم أحَدٌ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ الِالتِفاتُ المَعْرُوفُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا امْرَأتَكَ ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِنَصْبِ التّاءِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ جَمّازٍ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ بِرَفْعِ التّاءِ.

قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ بِالنَّصْبِ، فالمَعْنى: فَأسْرِ بِأهْلِكَ إلّا امْرَأتَكَ.

ومَن قَرَأ بِالرَّفْعِ حَمَلَهُ، عَلى ﴿ وَلا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ إلا امْرَأتَكَ ﴾ .

وإنَّما أُمِرُوا بِتَرْكِ الِالتِفاتِ لِئَلّا يَرَوْا عَظِيمَ ما يَنْزِلُ بِهِمْ مِنَ العَذابِ.

قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وعَلى قِراءَةِ الرَّفْعِ، يَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا، مَعْناهُ: لَكِنِ امْرَأتُكَ، فَإنَّها تَلْتَفِتُ فَيُصِيبُها ما أصابَهم؛ فَإذا كانَ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا، كانَ التِفاتُها مَعْصِيَةً لِرَبِّها، لِأنَّهُ نَدَبَ إلى تَرْكِ الِالتِفاتِ.

قالَ قَتادَةُ: ذُكِرَ لَنا أنَّها كانَتْ مَعَ لُوطٍ حِينَ خَرَجَ مِنَ القَرْيَةِ، فَلَمّا سَمِعَتْ هَدَّةَ العَذابِ، التَفَتَتْ فَقالَتْ: واقَوْماهُ، فَأصابَها حَجَرٌ فَأهْلَكَها، وهو قَوْلُهُ: ﴿ إنَّهُ مُصِيبُها ما أصابَهم إنَّ مَوْعِدَهُمُ ﴾ لِلْعَذابِ ﴿ الصُّبْحُ ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: قالَتِ المَلائِكَةُ: " إنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ " فَقالَ: أُرِيدُ أعْجَلَ مِن ذَلِكَ، فَقالُوا لَهُ: ﴿ ألَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ ﴾ ؟

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَمّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وقالَ هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ ﴾ ﴿ وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إلَيْهِ ومِن قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَيِّئاتِ قالَ يا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أطْهَرُ لَكم فاتَّقُوا اللهَ ولا تُخْزُونِ في ضَيْفِي ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ ﴾ ﴿ قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ وإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ ﴾ ﴿ قالَ لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً أو آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ ﴾ "الرُسُلُ" هُنا هُمُ المَلائِكَةُ الَّذِينَ كانُوا أضْيافَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ، وذَلِكَ أنَّهم لَمّا خَرَجُوا إلى بَلَدِ لُوطٍ- وبَيْنَهُ وبَيْنَ قَرْيَةِ إبْراهِيمَ ثَمانِيَةُ أمْيالٍ- وصَلُوهُ، فَقِيلَ: وجَدُوا لُوطًا في حَرْثٍ لَهُ، وقِيلَ: وجَدُوا ابْنَتَهُ تَسْتَقِي ماءً في نَهْرِ سَدُومَ- وهي أكْبَرُ حَواضِرِ قَوْمِ لُوطٍ- فَسَألُوها الدَلالَةَ عَلى مَن يُضَيِّفُهُمْ، ورَأتْ هَيْئَتَهم فَخافَتْ عَلَيْهِمْ مِن قَوْمِ لُوطٍ، وقالَتْ لَهُمْ: مَكانَكم وذَهَبَتْ إلى أبِيها فَأخْبَرَتْهُ، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ، فَقالُوا لَهُ: نُرِيدُ أنْ تُضَيِّفَنا اللَيْلَةَ، فَقالَ لَهُمْ: أوَ ما سَمِعْتُمْ بِعَمَلِ هَؤُلاءِ القَوْمِ؟

فَقالُوا وما عَمَلُهُمْ؟

فَقالَ أشْهَدُ بِاللهِ لَهم شَرُّ قَوْمٍ في الأرْضِ وقَدْ كانَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ قالَ لِلْمَلائِكَةِ: لا تُعَذِّبُوهم حَتّى يَشْهَدَ عَلَيْهِمْ لُوطٌ أرْبَعَ شَهاداتٍ، فَلَمّا قالَ لُوطٌ هَذِهِ قالَ جِبْرِيلُ لِأصْحابِهِ: هَذِهِ واحِدَةٌ وتَرَدَّدَ القَوْلُ بَيْنَهم حَتّى كَرَّرَ لُوطٌ الشَهادَةَ أرْبَعَ مَرّاتٍ، ثُمَّ دَخَلَ لُوطٌ بِهِمُ المَدِينَةَ وحِينَئِذٍ سِيءَ بِهِمْ أيْ أصابَهُ سُوءٌ.

وسِيءَ فِعْلٌ بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ، و"الذَرْعُ": مَصْدَرٌ مَأْخُوذٌ مِنَ الذِراعِ، ولَمّا كانَ الذِراعُ مَوْضِعَ قُوَّةِ الإنْسانِ قِيلَ: في الأمْرِ الَّذِي لا طاقَةَ لَهُ بِهِ: ضاقَ بِهَذا الأمْرِ ذِراعُ فُلانٍ، وذَرْعُ فُلانٍ، أيْ حِيلَتِهِ بِذِراعِهِ، وتَوَسَّعُوا في هَذا حَتّى قَلَبُوهُ فَقالُوا: فُلانٌ رَحْبُ الذِراعِ، إذا وصَفُوهُ بِاتِّساعِ القُدْرَةِ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: يا سَيِّدُ ما أنْتَ مِن سَيِّدٍ ∗∗∗ مُوَطَّأ الأكْنافِ رَحْبَ الذِراعِ وقَوْلُهُ: هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ أشارَ بِهِ إلى ما كانَ يَتَخَوَّفُهُ مِن تَعَدِّي قَوْمِهِ عَلى أضْيافِهِ واحْتِياجِهِ إلى المُدافَعَةِ مَعَ ضَعْفِهِ عنها، وعَصِيبٌ بِناءُ اسْمِ فاعِلٍ مَعْناهُ: يَعْصِبُ الناسَ بِالشَرِّ كَما يَعْصِبُ الخابِطُ السَلَمَةَ إذا أرادَ خَبْطَها ونَفْضَ ورَقِها، ومِنهُ قَوْلُ الحَجّاجِ في خُطْبَتِهِ: ولَأعْصِبَنَّكم عَصَبَ السَلَمَةِ، فَهو مِنَ العِصابَةِ ثُمَّ كَثُرَ وصْفُهُمُ اليَوْمَ بِعَصِيبٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ، وهو عُدَيِّ بْنِ زَيْدٍ: وكُنْتُ لِزازَ خَصْمِكَ لَمْ أُعَرِّدْ ∗∗∗ ∗∗∗ وقَدْ سَلَكُوكَ في يَوْمٍ عَصِيبِ ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: فَإنَّكَ إلّا تَرْضَ بَكْرَ بْنَ وائِلٍ ∗∗∗ ∗∗∗ يَكُنْ لَكَ يَوْمٌ بِالعِراقِ عَصِيبُ فَ "عَصِيبٌ" - بِالجُمْلَةِ- في مَوْضِعِ شَدِيدٍ وصَعْبِ الوَطْأةِ، واشْتِقاقُهُ كَما ذَكَرْنا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجاءَهُ قَوْمُهُ ﴾ الآيَةُ، رُوِيَ أنَّ امْرَأةَ لُوطٍ الكافِرَةَ لَمّا رَأتِ الأضْيافَ ورَأتْ جَمالَهم وهَيْئَتَهم خَرَجَتْ حَتّى أتَتْ مَجالِسَ قَوْمِها فَقالَتْ لَهُمْ: إنَّ لُوطًا أضافَ اللَيْلَةَ فِتْيَةً ما رُئِيَ مِثْلُهم جَمالًا وكَذا وكَذا، فَحِينَئِذٍ جاءُوا يُهْرَعُونَ إلَيْهِ، ومَعْناهُ يُسْرِعُونَ، والإهْراعُ هو أنْ يُسْرِعَ أمْرٌ بِالإنْسانِ حَتّى يَسِيرَ بَيْنَ الخَبَبِ والجَمْزِ، فَهي مِشْيَةُ الأسِيرِ الَّذِي يُسْرِعُ بِهِ، والطامِعِ المُبادِرِ إلى أمْرٍ يَخافُ فَوْتَهُ، ونَحْوُ هَذا يُقالُ هُرِعَ الرَجُلُ وأهْرَعَهُ طَمَعٌ أو عَدُوٌّ أو خَوْفٌ ونَحْوُهُ.

والقِراءَةُ المَشْهُورَةُ: "يُهْرَعُونَ" بِضَمِّ الياءِ أيْ يُهْرِعُهُمُ الطَمَعُ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يَهْرِعُونَ" بِفَتْحِ الياءِ، مَن هَرَعَ، ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ مُهَلْهَلٍ: فَجاءُوا يُهْرَعُونَ وهم أسارى ∗∗∗ ∗∗∗ تَقُودُهُمُ عَلى رَغْمِ الأُنُوفِ وقَوْلُهُ: ومِن قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَيِّئاتِ، أيْ كانَتْ عادَتُهم إتْيانَ الفاحِشَةِ في الرِجالِ، فَجاءُوا إلى الأضْيافِ لِذَلِكَ فَقامَ إلَيْهِمْ لُوطٌ مُدافِعًا، وقالَ: هَؤُلاءِ بَناتِي فَقالَتْ فِرْقَةٌ أشارَ إلى بَناتِ نَفْسِهِ ونَدَبَهم في هَذِهِ المَقالَةِ إلى النِكاحِ، وذَلِكَ عَلى أنْ كانَتْ سُنَّتُهم جَوازَ نِكاحِ الكافِرِ المُؤْمِنَةَ، أو عَلى أنَّ في ضِمْنِ كَلامِهِ أنْ يُؤْمِنُوا.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما كانَ الكَلامُ مُدافَعَةً لَمْ يُرِدْ إمْضاؤُهُ، رُوِيَ هَذا القَوْلُ عن أبِي عُبَيْدَةَ، وهو ضَعِيفٌ، وهَذا كَما يُقالُ لِمَن يَنْهى عن مالِ الغَيْرِ: الخِنْزِيرُ أحَلُّ لَكَ مِن هَذا وهَذا التَنَطُّعُ لَيْسَ مِن كَلامِ الأنْبِياءِ  ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: أشارَ بِقَوْلِهِ: بَناتِي إلى النِساءِ جُمْلَةً إذْ نَبِيُّ القَوْمِ أبٌ لَهُمْ، ويُقَوِّي هَذا أنَّ في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ النَبِيُّ أولى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم وهو أبٌ لَهم وأشارَ أيْضًا لُوطٌ- في هَذا التَأْوِيلِ- إلى النِكاحِ.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ- هي الجُمْهُورُ- "هُنَّ أطْهَرُ" بِرَفْعِ الراءِ عَلى خَبَرِ الِابْتِداءِ، وقَرَأ الحَسَنُ وعِيسى بْنُ عُمَرَ ومُحَمَّدُ بْنُ مَرْوانَ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: "أطْهَرَ" بِالنَصْبِ قالَ سِيبَوَيْهِ: هو لَحْنٌ، قالَ أبُو عَمْرِو بْنِ العَلاءِ: احْتَبى فِيهِ ابْنُ مَرْوانَ في لَحْنِهِ، ووَجْهُهُ عِنْدَ مَن قَرَأ بِهِ النَصْبُ عَلى الحالِ بِأنْ يَكُونَ بَناتِي ابْتِداءٌ وهُنَّ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ هَؤُلاءِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهُوَ إعْرابٌ مَرْوِيٌّ عَنِ المُبَرِّدِ، وذَكَرَهُ أبُو الفَتْحِ وهو خَطَأٌ في مَعْنى الآيَةِ، وإنَّما قَوَّمَ اللَفْظَ فَقَطْ والمَعْنى إنَّما هو في قَوْلِهِ: أطْهَرُ وذَلِكَ قُصِدَ أنْ يُخْبَرَ بِهِ فَهي حالٌ لا يُسْتَغْنى عنها- كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: وهَذا بَعْلِي شَيْخًا، والوَجْهُ أنْ يُقالَ: هَؤُلاءِ بَناتِي ابْتِداءٌ وخَبَرٌ، وهُنَّ فَصْلٌ وأطْهَرَ حالٌ وإنْ كانَ شَرْطُ الفَصْلِ أنْ يَكُونَ بَيْنَ مَعْرِفَتَيْنِ لِيُفْصَلَ الكَلامَ مِنَ النَعْتِ إلى الخَبَرِ، فَمِن حَيْثُ كانَ الخَبَرُ هُنا في أطْهَرَ ساغَ القَوْلُ بِالفَصْلِ، ولَمّا لَمْ يَسْتَسِغْ ذَلِكَ أبُو عَمْرٍو ولا سِيبَوَيْهِ لَحَّنا ابْنَ مَرْوانَ، وما كانا لِيَذْهَبَ عَلَيْهِما ما ذَكَرَ أبُو الفَتْحِ، و"الضَيْفُ": مَصْدَرٌ يُوصَفُ بِهِ الواحِدُ والجَماعَةُ والمُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ ثُمَّ وبَّخَهم بِقَوْلِهِ: ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ أيْ يَزَعُكم ويَرُدُّكم.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالُوا: لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ ﴾ الآيَةُ، رُوِيَ أنَّ قَوْمَ لُوطٍ كانُوا قَدْ خَطَبُوا بَناتِ لُوطٍ فَرَدَّهُمْ، وكانَتْ سُنَّتُهم أنَّ مَن رُدَّ في خِطْبَةِ امْرَأةٍ لَمْ تَحِلَّ لَهُ أبَدًا، فَلِذَلِكَ قالُوا: لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وبَعُدَ ألّا تَكُونَ هَذِهِ الخاصِّيَّةَ، فَوَجْهُ الكَلامِ: إنّا لَيْسَ لَنا إلى بَناتِكَ تَعَلُّقٌ، ولا هم قَصْدُنا ولا لَنا عادَةٌ نَطْلُبُها في ذَلِكَ وقَوْلُهُمْ: وإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ، إشارَةٌ إلى الأضْيافِ فَلَمّا رَأى اسْتِمْرارَهم في غَيِّهِمْ وغَلَبَتَهم وضَعْفَهُ عنهم قالَ- عَلى جِهَةِ التَفَجُّعِ والِاسْتِكانَةِ- لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً وأنَّ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: لَوِ اتَّفَقَ أو وقَعَ ونَحْوُ هَذا، - وهَذا مُطَّرِدٌ في "أنَّ" التابِعَةِ لِ "لَوْ" - وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ وحَذْفُ مِثْلِ هَذا أبْلَغُ، لِأنَّهُ يَدَعُ السامِعَ يَنْتَهِي إلى أبْعَدِ تَخَيُّلاتِهِ، والمَعْنى لَفَعَلْتُ كَذا وكَذا.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أو آوِي" بِسُكُونِ الياءِ، وقَرَأ شَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ: "أو آوِيَ" بِالنَصْبِ، التَقْدِيرُ أو أنْ آوِيَ، فَتَكُونُ "أنْ" مَعَ "آوِي" بِتَأْوِيلِ المَصْدَرِ، كَما قالَتْ مَيْسُونُ بِنْتِ بِحَدْلَ: ولُبْسُ عَباءَةٍ وتَقَرَّ عَيْنِي ∗∗∗ ∗∗∗ ويَكُونُ تَرْتِيبُ الكَلامِ لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً أو أوِيًّا، و"أوى" مَعْناهُ: لَجَأ وانْضَوى، ومُرادُ لُوطٍ عَلَيْهِ السَلامُ بالرُكْنِ العَشِيرَةُ والمَنَعَةُ بِالكَثْرَةِ، وبَلَغَ بِهِ قَبِيحُ فِعْلِهِمْ إلى هَذا- مَعَ عِلْمِهِ بِما عِنْدَ اللهِ تَعالى-، فَيُرْوى أنَّ المَلائِكَةَ وجَدَتْ عَلَيْهِ حِينَ قالَ هَذِهِ الكَلِماتِ، وقالُوا: إنَّ رُكْنَكَ لَشَدِيدٌ وقالَ رَسُولُ اللهِ  : « "يَرْحَمُ اللهُ لُوطًا لَقَدْ كانَ يَأْوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ،» فالعَجَبُ مِنهُ لَمّا اسْتَكانَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا نَقْدٌ لِأنَّ يَلْفِظَ لُوطٌ بِهَذِهِ الألْفاظِ، وإلّا فَحالَةُ النَبِيِّ  وقْتَ طَرْحِ سَلا الجَزُورِ ومَعَ أهْلِ الطائِفِ وفي غَيْرِ ما مَوْطِنٍ تَقْتَضِي مَقالَةَ لُوطٍ لَكِنَّ مُحَمَّدًا  لَمْ يَنْطِقْ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ عَزامَةً مِنهُ ونَجْدَةً، وإنَّما خَشِيَ لُوطٌ أنْ يُمْهِلَ اللهُ أُولَئِكَ العِصابَةَ حَتّى يَعْصُوهُ في الأضْيافِ كَما أمْهَلَهم فِيما قَبْلَ ذَلِكَ مِن مَعاصِيهِمْ، فَتَمَنّى رُكْنًا مِنَ البَشَرِ يُعاجِلُهم بِهِ، وهو يَعْلَمُ أنَّ اللهَ تَعالى مِن وراءِ عِقابِهِمْ، ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللهِ  قالَ: « "لَمْ يَبْعَثِ اللهُ تَعالى بَعْدَ لُوطٍ نَبِيًّا إلّا في ثَرْوَةٍ مِن قَوْمِهِ"» أيْ في مَنَعَةٍ وعِزَّةٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

قد علم أن الملائكة ذاهبون إلى قوم لوط من قوله: ﴿ إنّا أُرسلنا إلى قوم لوط ﴾ [هود: 70].

فالتقدير: ففارقوا إبراهيم وذهبوا إلى لوط عليهما السّلام فلما جاءوا لوطاً، فحذف ما دل عليه المقام إيجازاً قرآنياً بديعاً.

وقد جاءوا لوطاً كما جاءوا إبراهيم عليهما السّلام في صورة البشر، فظنهم ناساً وخشي أن يعتدي عليهم قومه بعادتهم الشنيعة، فلذلك سيء بهم.

ومعنى ﴿ ضاق بهم ذرعاً ﴾ ضاق ذرعه بسببهم، أي بسبب مجيئهم فحوّل الإسناد إلى المضاف إليه وجعل المسند إليه تمييزاً لأن إسناد الضيق إلى صاحب الذرع أنسب بالمعنى المجازي، وهو أشبه بتجريد الاستعارة التمثيلية.

والذرع: مدُّ الذراع فإذا أسند إلى الآدمِيّ فهو تقدير المسافة.

وإذا أسند إلى البعير فهو مَدّ ذراعيه في السير على قدر سعة خطوتِه، فيجوز أن يكون: ضاق ذرعاً تمثيلاً بحال الإنسان الذي يريد مَدّ ذراعه فلا يستطيع مَدّهَا كما يريد فيكون ذَرعه أضيق من معتاده.

ويجوز أن يكون تمثيلاً بحال البعير المثقل بالحمل أكثر من طاقته فلا يستطيع مَدّ ذراعيه كما اعتاده.

وأيّاً ما كان فهو استعارة تمثيلية لحال مَنْ لم يجد حيلة في أمر يريدُ علمه؟

بحال الذي لم يستطع مدّ ذراعه كما يشاء.

وقوله: ﴿ هذا يوم عصيب ﴾ قاله في نفسه كما يناجي المرء نفسه إذا اشتد عليه أمر.

والعصيب: الشديد فيما لا يرضي.

يقال: يوم عصيب إذا حدث فيه أمر عظيم من أحوال الناس أو أحوال الجوّ كشدة البرد وشدة الحرّ.

وهو بزنة فعيل بمعنى فاعل ولا يُعرف له فعل مجرد وإنما يقال: اعْصوصب الشرُّ؛ اشتدّ.

قالوا: هو مشتق من قولك: عصبتُ الشيء إذا شددته.

وأصل هذه المادة يفيد الشدّ والضغط، يقال: عصب الشيء إذا لَواه، ومنه العِصابة.

ويقال: عصبتْهم السنون إذا أجَاعتهم.

ولم أقف على فعل مجرّد لوصف اليوم بعصيب.

وأراد: أنه سيكون عصيباً لِمَا يَعلم من عادة قومه السيئة وهو مقتض أنهم جاءوه نهاراً.

ومن بديع ترتيب هذه الجمل أنها جاءت على ترتيب حصولها في الوجود، فإن أول ما يسبق إلى نفس الكاره للأمر أن يُساء به ويتطلب المخلص منه، فإذا عَلم أنه لا مخلص منه ضاق به ذرعاً، ثم يصدر تعبيراً عن المعاني وترتيباً عنه كلاماً يُريح به نفسه.

وتصلح هذه الآية لأن تكون مثالاً لإنشاء المنشئ إنشاءه على حسب ترتيب الحصول في نفس الأمر، هذا أصل الإنشاء ما لم تكن في الكلام دواعي التقديم والتأخير ودواعي الحذف والزيادة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَمّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ساءَ ظَنُّهُ بِقَوْمِهِ وضاقَ ذَرْعًا بِأضْيافِهِ.

وَيَحْتَمِلُ وجْهًا آخَرَ أنَّهُ ساءَ ظَنُّهُ بِرُسُلِ رَبِّهِ، وضاقَ ذَرْعًا بِخَلاصِ نَفْسِهِ لِأنَّهُ نَكِرَهم قَبْلَ مَعْرِفَتِهِمْ.

﴿ وَقالَ هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ ﴾ أيْ شَدِيدٌ لِأنَّهُ خافَ عَلى الرُّسُلِ مِن قَوْمِهِ أنْ يَفْضَحُوهم عَلى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعَلى الِاحْتِمالِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ خافَهم عَلى نَفْسِهِ فَوَصَفَ يَوْمَهُ بِالعَصِيبِ وهو الشَّدِيدُ، قالَ الشّاعِرُ: وإنَّكَ إلّا تَرْضَ بَكْرَ بْنَ وائِلٍ يَكُنْ لَكَ يَوْمٌ بِالعِراقِ عَصِيبُ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: وإنَّما قِيلَ لَهُ عَصِيبٌ لِأنَّهُ يَعْصِبُ النّاسَ بِالشَّرِّ، قالَ الكَلْبِيُّ: كانَ بَيْنَ قَرْيَةِ إبْراهِيمَ وقَوْمِ لُوطٍ أرْبَعَةُ فَراسِخَ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إلَيْهِ ﴾ أيْ يُسْرِعُونَ، والإهْراعُ بَيْنَ الهَرْوَلَةِ والحُجْزى.

قالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ: لا يَكُونُ الإهْراعُ إلّا سِراعًا مَعَ رِعْدَةٍ.

وَكانَ سَبَبُ إسْراعِهِمْ إلَيْهِ أنَّ امْرَأةَ لُوطٍ أعْلَمَتْهم بِأضْيافِهِ وجَمالِهِمْ فَأسْرَعُوا إلَيْهِ طَلَبًا لِلْفاحِشَةِ مِنهم.

﴿ وَمِن قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِن قَبْلِ إسْراعِهِمْ إلَيْهِ كانُوا يَنْكِحُونَ الذُّكُورَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: أنَّهُ كانَتِ اللُّوطِيَّةُ في قَوْمِ لُوطٍ في النِّساءِ قَبْلَ الرِّجالِ بِأرْبَعِينَ سَنَةً، قالَهُ عُمَرُ بْنُ أبِي زائِدَةَ.

﴿ قالَ يا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أطْهَرُ لَكُمْ ﴾ قالَ لَهم لُوطٌ ذَلِكَ لِيَفْتَدِيَ أضْيافَهُ مِنهم.

﴿ هَؤُلاءِ بَناتِي ﴾ فِيهِنَّ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ نِساءَ أُمَّتِهِ ولَمْ يُرِدْ بَناتِ نَفْسِهِ.

قالَ مُجاهِدٌ وكُلُّ نَبِيٍّ أبُو أُمَّتِهِ وهم أوْلادُهُ.

وَقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كانَ في بَعْضِ القُرْآنِ: النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم وهو أبٌ لَهم.

الثّانِي: أنَّهُ أرادَ بَناتِ نَفْسِهِ وأوْلادَ صُلْبِهِ لِأنَّ أمْرَهُ فِيهِنَّ أنْفَذُ مِن أمْرِهِ في غَيْرِهِنَّ، وهو مَعْنى قَوْلِ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يُزَوِّجُهم بِبَناتِهِ مَعَ كُفْرِ قَوْمِهِ وإيمانِ بَناتِهِ؟

قِيلَ عَنْ هَذا ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ: أحَدُها: أنَّهُ كانَ في شَرِيعَةِ لُوطٍ يَجُوزُ تَزْوِيجُ الكافِرِ بِالمُؤْمِنَةِ، وكانَ هَذا في صَدْرِ الإسْلامِ جائِزًا حَتّى نُسِخَ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: أنَّهُ يُزَوِّجُهم عَلى شَرْطِ الإيمانِ كَما هو مَشْرُوطٌ بِعَقْدِ النِّكاحِ.

الثّالِثُ: أنَّهُ قالَ ذَلِكَ تَرْغِيبًا في الحَلالِ وتَنْبِيهًا عَلى المُباحِ ودَفْعًا لِلْبادِرَةِ مِن غَيْرِ بَذْلِ نِكاحِهِنَّ ولا بِخِطْبَتِهِنَّ، قالَهُ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ.

﴿ هُنَّ أطْهَرُ لَكُمْ ﴾ أيْ أحَلُّ لَكم بِالنِّكاحِ الصَّحِيحِ.

﴿ فاتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِ في ضَيْفِي ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لا تُذِلُّونِي بِعارِ الفَضِيحَةِ، ويَكُونُ الخِزْيُ بِمَعْنى الذُّلِّ.

الثّانِي: لا تُهْلِكُونِي بِعَواقِبِ فَسادِكم، ويَكُونُ الخِزْيُ بِمَعْنى الهَلاكِ.

الثّالِثُ: أنَّ مَعْنى الخِزْيِ ها هُنا الِاسْتِحْياءُ، يُقالُ خَزِيَ الرَّجُلُ إذا اسْتَحى، قالَ الشّاعِرُ: مِنَ البَيْضِ لا تَخْزى إذا الرِّيحُ ألْصَقَتْ ∗∗∗ بِها مِرْطَها أوْ زايَلَ الحُلِيُّ جِيدَها والضَّيْفُ: الزّائِرُ المُسْتَرْقِدُ، يَنْطَلِقُ عَلى الواحِدِ والجَماعَةِ، قالَ الشّاعِرُ: لا تَعْدَمِي الدَّهْرَ شِفارَ الجازِرِ ∗∗∗ لِلضَّيْفِ والضَّيْفُ أحَقُّ زائِرِ ﴿ ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أيْ مُؤْمِنٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: آمِرٌ بِالمَعْرُوفِ وناهٍ عَنِ المُنْكَرِ، قالَهُ أبُو مالِكٍ.

وَيَعْنِي: رَجُلٌ رَشِيدٌ لِيَدْفَعَ عَنْ أضْيافِهِ، وقالَ ذَلِكَ تَعَجُّبًا مِنِ اجْتِماعِهِمْ عَلى المُنْكَرِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ما لَنا فِيهِنَّ حاجَةٌ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّانِي: لَيْسَ لَنا بِأزْواجٍ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ.

﴿ وَإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: تَعْلَمُ أنَّنا لا نَتَزَوَّجُ إلّا بِاِمْرَأةٍ واحِدَةٍ ولَيْسَ مِنّا رَجُلٌ إلّا لَهُ امْرَأةٌ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّانِي: أنَّنا نُرِيدُ الرِّجالَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ولما جاءت رسلنا لوطاً سيء بهم وضاق بهم ذرعاً ﴾ قال: ساء ظناً بقومه وضاق ذرعاً باضيافه، وقال: ﴿ هذا يوم عصيب ﴾ يقول: شديد.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في الآية قال: ساء ظناً بقومه يتخوفهم على أضيافه وضاق ذرعاً باضيافه مخافة عليهم.

وأخرج ابن الأنباري في الوقف والابتداء والطستي عن ابن عباس.

أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل ﴿ يوم عصيب ﴾ قال: يوم شديد.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت الشاعر وهو يقول: هم ضربوا قوانس خيل حجر ** بجنب الردء في يوم عصيب وقال عدي بن زيد: فكنت لو أني خصمك لم أعوّد ** وقد سلكوك في يوم عصيب <div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ ﴾ ، قال ابن عباس (١) قال أبو إسحاق (٢) (٣) (٤) وقوله تعالى: ﴿ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا ﴾ ، قال الأزهري (٥) (٦) إذا التَّيَّازُ ذو العضلات قُلْنا ...

إليكَ إليكَ ضاق بها ذراعًا فمعنى ضاق بهم ذرعا: ضاق صبره وعظم المكروه عليه، وقال أبو إسحاق (٧) (٨) (٩) (١٠) وقال الفراء (١١) (١٢) ﴿ وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا  ﴾ .

وقد ذكرنا نظير هذا في قوله: ﴿ سَفِهَ نَفْسَهُ  ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ ﴾ .

قال المفسرون وجميع أهل المعاني (١٣) (١٤) وقال الفراء (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) يوم عصيب يعصب الأبطالا عصبَ القوي السُّلَّم الطوالا قال أبو عبيدة: وإنما قيل له عصيب؛ لأنه يعصب الناس بالشر، وأنشد لعدي بن زيد (١٩) وكنتُ لِزازَ خصمِك لم أعرِّدْ ...

وقد سلكوك في يوم عصيب (١) انظر: القرطبي 9/ 73.

(٢) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 66.

(٣) الطبري 12/ 81، البغوي 4/ 190، ابن عطية 7/ 357، "زاد المسير" 4/ 135.

(٤) في (ب): (علي).

(٥) "تهذيب اللغة" (ذرع) 2/ 1278.

(٦) "ديوانه" ص 44، و"معاني القرآن" للفراء 1/ 256، و"اللسان" (ت ى ز).

(٧) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 66.

(٨) القرطبي 9/ 74، الثعلبي 7/ 50 ب.

(٩) "زاد المسير" 4/ 136.

وذكر قولًا ثالثًا عنه هو أن معناه: وقع به مكروه عظيم لا يصل إلى دفعه عن نفسه.

(١٠) ساقط من (ب).

(١١) "معاني القرآن" 1/ 79، "زاد المسير" 4/ 136.

(١٢) في (ي): (لفظ).

(١٣) الطبري 12/ 82، البغوي 4/ 190، الرازي 18/ 31، "البحر المحيط" 5/ 246، "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 67.

(١٤) "تهذيب اللغة" (عصب) 3/ 2454.

(١٥) "تهذيب اللغة" (عصب) 3/ 2453.

(١٦) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 27.

(١٧) "مجاز القرآن" 1/ 293.

(١٨) بيتان من الرجز وقد نسبهما الواحدي هنا إلى هانئ العنبري، وبلا نسبة في: "مجاز القرآن" 1/ 294، الطبري 12/ 82، القرطبي 9/ 74، "زاد المسير" 4/ 107، "مجمع البيان" 5/ 277.

(١٩) هذا البيت من قصيدة قالها وهو في حبس النعمان بن المنذر، و (لزاز الخصم) الشديد المعاند ذو البأس في الملمات، و (عرد عن خصمه) أحجم ونكص، انظر: "ديوانه" ص 39، "مجاز القرآن" 1/ 294، "الأغاني" 2/ 111، الطبري 12/ 82، "اللسان" (سلك) 4/ 2073، "كتاب الجيم" 3/ 208.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سياء بِهِمْ ﴾ الرسل هم الملائكة ومعنى سيء بهم أصابه سوء وشجر لما ظن أنهم من بني آدم وخاف عليهم من قومه ﴿ يَوْمٌ عَصِيبٌ ﴾ أي شديد ﴿ وَجَآءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ ﴾ أي يسرعون وكانت امرأة لوط قد أخبرتهم بنزول الأضياف عنده، فأسرعوا ليعملوا بهم عملهم الخبيث ﴿ وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ السيئات ﴾ أي كانت عادتهم إتيان الفواحش في الرجال ﴿ قَالَ ياقوم هؤلاء بناتي ﴾ المعنى فتزوجوهن، وإنما قال ذلك ليقي أضيافه ببناته، وقيل: اسم بناته الواحدة رئيا، والأخرى غوثا وأن اسم امرأته الهالكة والهة، واسم امرأة نوح والقة ﴿ قَالُواْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ ﴾ أي: ما لنا فيهم أرب ﴿ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ ﴾ يعنون نكاح الذكور ﴿ قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً ﴾ جواب لو محذوف تقديره: لو كانت لي قدرة على دفعكم لفعلت، ويحتمل أن تكون لو للتمني ﴿ أَوْ آوي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ ﴾ معنى آوي ألجأ، والمراد بالركن الشديد: ما يلجأ إليه من عشيرة وأنصار يحمونه من قومه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يرحم الله أخي لوطاً؛ لقد كان يأوي إلى ركن شديد يعني إلى الله والملائكة ﴿ قَالُواْ يالوط إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ ﴾ الضمير في قالوا للملائكة، والضمير في لن يصلوا لقوم لوط، وذلك أن الله طمس على أعينهم حينئذ ﴿ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ ﴾ أي اخرج بهم بالليل، فإن العذاب ينزل بأهل هذه المدائن، وقرئ فأسر بوصل الألف وقطعها، وهما لغتان يقال سرى وأسرى ﴿ بِقِطْعٍ مِّنَ الليل ﴾ أي قطعة منه ﴿ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ ﴾ نُهوا عن الالتفات؛ لئلا تتفطر أكبادهم على قريتهم، وقيل: يلتفت معناه يلتوي ﴿ إِلاَّ امرأتك ﴾ قرئ بالنصب والرفع، فالنصب استثناء من قوله بأسر بأهلك، فيقتضي هذا أنه لم يخرجها مع أهله، والرفع بدل من ولا يلتفت منكم أحد، ورُوي على هذا أنه أخرجها معه، وأنها التفتت وقالت: يا قوماه فأصابها حجر فقتلها ﴿ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصبح ﴾ أي وقت عذابهم الصبح ﴿ أَلَيْسَ الصبح بِقَرِيبٍ ﴾ ذكر أنهم لما قالوا: إن موعدهم الصبح قال لهم لوط: هلا عذبوا الآن فقالوا له: أليس الصبح بقريب ﴿ جَعَلْنَا عاليها سافلها ﴾ الضمير للمدائن رُوي أن جبريل أدخل جناحه تحت مدائن قوم لوط، واقتلعها فرفعها حتى سمع أهل السماء صراخ الديكة ونباح الكلاب، ثم أرسلها مقلوبة ﴿ وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً ﴾ أي على المدائن، والمراد أهلها.

روي أنه من كان منهم خارج المدائن أصابته حجارة من السماء، وأما من كان في المدائن فهلك لما قلبت ﴿ مِّن سِجِّيلٍ ﴾ قيل: معناه من ماء وطين، وإنما كان من الآجر المطبوخ وقيل: من سجله إذا أرسله، وقيل: هو لفظ أعجمي ﴿ مَّنْضُودٍ ﴾ أي مضموم بعضه فوق بعض ﴿ مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ ﴾ معناه: معلَّمة بعلامة، رُوي أنه كان فيها بياض وحمرة، وقيل كان في كل حجر اسم صاحبه ﴿ وَمَا هِيَ مِنَ الظالمين بِبَعِيدٍ ﴾ الضمير للحجارة والمراد بالظالمين كفار قريش، فهذا تهديد لهم أي ليس الرمي بالحجارة ببعيد منهم لأجل كفرهم، وقيل: الضمير للمدائن، فالمعنى ليست ببعيدة منهم أفلا يعتبرون بها كقوله: ﴿ وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى القرية التي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السوء ﴾ [الفرقان: 40] وقيل: إن الظالمين على العموم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ سلم ﴾ بكسر السين بلا ألف فيهما.

حمزة وعلي ﴿ ويعقوب ﴾ بالنصب: ابن عامر وحمزة وحفص، الآخرون بالرفع.

﴿ سيء بهم ﴾ وبابه كضرب مجهولاً: أبو جعفر ونافع وابن عامر وعلي ورويس.

الآخرون ﴿ سيء ﴾ مثل ﴿ قيل ﴾ ﴿ تخزوني ﴾ بالياء في الحالين: سهل ويعقوب وابن شنبوذ عن قنبل.

وافق أبو عمرو ويزيد وإسماعيل في الوصل ﴿ ضيفي ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ فاسر ﴾ وبابه بهمزة الوصل: أبو جعفر ونافع وابن كثير وعباس من طريق الموصلي وحمزة في الوقف وإن شاء لين الهمزة ﴿ إلا امرأتك ﴾ بالرفع: ابن كثير وأبو عمرو.

الباقون بالنصب.

الوقوف: ﴿ سلاماً ﴾ ط ﴿ حنيذ ﴾ ه ﴿ خيفة ﴾ ط ﴿ قوم لوط ﴾ ه ط ﴿ بإسحق ﴾ ط لمن قرأ ﴿ يعقوب ﴾ بالرفع ﴿ يعقوب ﴾ ه ﴿ شيخاً ﴾ ط ﴿ عجيب ﴾ ه ﴿ أهل البيت ﴾ ط ﴿ مجيد ﴾ ه ﴿ في قوم لوط ﴾ ط ﴿ منيب ﴾ ه ﴿ عن هذا ﴾ ج لاحتمال التعليل ﴿ أمر ربك ﴾ ج للاتبداء بأن مع اتصال المعنى.

﴿ مردود ﴾ ه ﴿ عصيب ﴾ ه ﴿ إليه ﴾ ج للعطف ولاختلاف النظم ﴿ السيئات ﴾ ط ﴿ ضيفي ﴾ ط ﴿ رشيد ﴾ ه ﴿ من حق ﴾ ج لما مر ﴿ ما نريد ﴾ ه ﴿ شديد ﴾ هـ.

﴿ إلا امرأتك ﴾ ط ﴿ أصابهم ﴾ ط ﴿ الصبح ﴾ ط ﴿ بقريب ﴾ ه ﴿ منضود ﴾ ه لا لأن ما بعده صفة حجارة ﴿ عند ربك ﴾ ط ﴿ ببعيد ﴾ ه.

التفسير: الرسل ههنا الملائكة، وأجمعوا على أن الأصل فيهم جبرائيل، ثم اختلفوا فقيل: كان معه اثناء عشر ملكاً على أحسن ما يكون من صورة الغلمان.

وقال الضحاك: كانوا تسعة.

وقال ابن عباس: كانوا ثلاثة جبرائيل وميكائيل وإسرائفيل وهم الذين ذكر الله  في سورة الحجر ﴿ ونبئهم عن ضيف إبراهيم  ﴾ وفي الذاريات ﴿ هل أتاك حديث إبراهيم  ﴾ والظاهر أن البشرى هي البشارة بالولد.

وقيل: بهلاك قوم لوط.

ومعنى ﴿ سلاماً ﴾ سلمنا عليك.

ومعنى ﴿ سلام ﴾ أمركم سلام أو سلام عليكم.

ولأن الرفع يدل على الثبات والاستقرار، والنصب يدل على الحدوث لمكان تقدير الفعل.

قال العلماء: إن سلام إبراهيم كان أحسن اقتداء بقوله  : ﴿ وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحس منها  ﴾ وإنما صح وقوع ﴿ سلام ﴾ مبتدأ مع كونه نكرة لتخصصها بالإِضافة إلى المتكلم إذ أصله سلمت سلاماً فعدل إلى الرفع لإفادة الثبات.

ومن قرأ ﴿ سلماً ﴾ فمعناه السلام أيضاً.

قال الفراء.

سلم وسلام كحل وحلال وحرم وحرام.

وقال أبو علي الفارسي: يحتمل أن يراد بالسلم خلاف الحرب.

قالوا: مكث إبراهيم خمس عشرة ليلة لا يأتيه ضيف فاغتم لذلك فجاءته الملائكة فرأى أضيافاً لم ير مثلهم فما لبث ﴿ أن جاء ﴾ أي فما لبث في أن جاء بل عجل أو فما لبث مجيئه ﴿ بعجل ﴾ هو ولد البقرة ﴿ حنيذ ﴾ مشوي في حرفة من الأرض بالحجارة المحماة وهو من فعل أهل البادية معروف.

ومعناه محنوذ كطبيخ بمعنى مطبوخ.

وقيل: الحنيذ الذي يقطر دسماً لقوله: ﴿ بعجل سمين  ﴾ تقول: حنذت الفرس إذا ألقيت عليها الجل حتى يقطر عرقاً ﴿ فلما رأى أيديهم لا تصل إليه ﴾ إلى العجل أو الطعام ﴿ نكرهم ﴾ أي أنكرهم واستنكر فعلهم ﴿ وأوجس ﴾ أضمر ﴿ منهم خيفة ﴾ لأنه ما كان يعرف أنهم ملائكة وكان من عادة العرب أنه إذا نزل بهم الضيف ولم يتناول طعامهموتوقعوا منه المكروه والشر.

وقيل: إنه كان ينزل في طرف من الأرض بعيد عن الناس، فلما امتنعوا من الأكل خاف أن يريدوا به شراً.

وقيل: إنه كان يعرف أنهم ملائكة الله لقولهم: ﴿ لا تخف ﴾ .

﴿ وإنا أرسلنا إلى قوم لوط ﴾ لم يقولوا لا تخف إنا ملائكة بل ذكروا سبب الإرسال وهو إهلاك قوم لوط.

وعلى هذا فإنما خاف أن يكون نزولهم لأمر أنكره الله أو لتعذيب قومه، والاحتمال الأول وهو أنه كان لا يعرف أنهم ملائكة أقرب بدليل إحضاره الطعام واستدلاله بترك أكلهم على توقع الشر منهم.

وإنما ذكروا سبب الإرسال إيجازاً واختصاراً لدلالة الإرسال على كونهم رسلاً لا أضافياً.

وإنما أتوه على صورة الأضياف ليكونوا على صفة يحبها لأنه كان مشغوفاً بالضيافة.

وبم عرف الملائكة خوفه؟

قيل: بالتغير في وجهه أو بتعريف الله، أو علموا أن علمه بأنهم ملائكة موجب للخوف لأنهم كانوا لا ينزلون إلا بعذاب ﴿ وامرأته ﴾ وهي سارة بنت هاران بن ناحورا بنت عم إبراهيم ﴿ قائمة ﴾ وراء الستر تسمع تحاورهم، أو كانت قائمة على رؤوسهم تخدمهم وهو قعود ﴿ فضحكت ﴾ .

قال العلماء: لا بد للضحك من سبب فقيل: سببه السرور بزوال الخيفة.

وقيل: بهلاك أهل الخبائث.

وعن السدي أن إبراهيم قال لهم: ألا تأكلون؟

قالوا: إنا لا نأكل طعاماً إلا بالثمن.

فقال: ثمنه أن تذكروا اسم الله على أوله وتحمدوه في آخره.

فقال جبرائيل لميكائيل: حق لمصل هذا الرجل أن يتخذه ربه خليلاً، فضحكت امرأته فرحاً بهذا الكلام.

وقيل: كانت تقول لإبراهيم اضمم لوطاً ابن أخيك إليك فإني أعلم أنه ينزل بهؤلاء القوم عذاب، ففرحت بموافقة قولهم لقولها فضحكت.

وقيل: طلب إبراهيم  منهم معجزة دالة على أنهم من الملائكة فدعوا ربهم بإحياء العجل المشوي فطفر ذلك العجل المشوي إلى مرعاه فضحكت سارة من طفرته.

وقيل: ضحكت تعجباً من قوم أتاهم العذاب وهم غافلون.

وقيل: تعجبت من خوف إبراهيم مع كثرة خدمه وحشمه من ثلاثة أنفس.

وقيل: في الكلام تقديم وتأخير أي فبشرناها بإسحق، فضحكت سروراً.

وعن مجاهد وعكرمة ضحكت أي حاضت ومنه ضحكت الطلعة إذا انشقت يعني استعدادها لعلوق الولد.

من قرأ ﴿ يعقوب ﴾ بالرفع فعلى الابتداء والخبر محذوف أي يعقوب مولود أو موجود بعد إسحاق، ومن قرأ بالنصب فعلى العبارة المتروكة كأنه قيل: ووهبنا لها إسحق ومن بعد إسحق يعقوب.

أقول من المحتمل أن يكون ﴿ يعقوب ﴾ مجروراً بالعبارة الموجودة أي وبشرناها بيعقوب من بعد إسحاق وقيل: الوراء ولد الولد ووجهه أن يراد بيعقوب أولاده كما يقال هاشم ويراد أولاده ﴿ يا ويلتي ﴾ كلمة تلهف وقد مرت في "المائدة" في ﴿ يا ويلتي أعجزت  ﴾ و ﴿ شيخاً ﴾ نصب الحال والعامل فيه ما في هذا من معنى أنبه أو أشير ﴿ إن هذا ﴾ يعني إن تولد ولد من هرمين ﴿ لشيء عجيب ﴾ عادة فأزال الملائكة تعجبها منكرين عليها بقولهم على سبيل الاستئناف ﴿ رحمة الله وبركاته عليكم ﴾ يا أهل بيت خليل الرحمن.

والمقصود أن رحمته عليكم متكاثرة وبركاته فيكم متواترة وخرق العادات في أهل بيت النبوة غير عجيب.

ويحتمل أن يكون انتصاب ﴿ أهل البيت ﴾ على الاختصاص.

وقيل: الرحمة النبوة والبركات الأسباط من بني إسرائيل لأن الأنبياء منهم وكلهم من ولد إبراهيم.

ثم أكدوا إزالة التعجب بقولهم: ﴿ إنه حميد ﴾ محمود في أفعاله ﴿ مجيد ﴾ ذو الكرم الكامل فلا يليق به منع الطالب عن مطلوبه.

﴿ فلما ذهب عن إبراهيم الروع ﴾ الخوف الذي لحقه حين أنكر أضيافه ﴿ وجاءته البشرى ﴾ البشارة بحصول الولد ﴿ يجادلنا في قوم لوط ﴾ في معناهم وفي شأنهم وهو جواب "لما" على حكاية الحال، أو لأن "لما" ترد المضارع إلى الماضي عكس "إن"، ويحتمل أن يكون جواب "لما" محذوفاً دل عليه ﴿ يجادلنا ﴾ أي اجترأ على خطابنا أو قال كذا، ثم ابتدأ فقال: ﴿ يجادلنا ﴾ وقيل: معناه أخذ يجادلنا ولا بد من حذف مضاف أي يجادل رسلنا لا بمعنى مخالفة أمر الله فإن ذلك يكون معصية بل سعياً في تأخير العذاب عنهم رجاء إيمانهم وتوبتهم.

ويروى أنهم قالوا إنا مهلكو أهل هذه القرية فقال: أرأيتم لو كان فيها خمسون من المؤمنين أتهلكونها؟

قالوا: لا قال: فأربعون؟

قالوا: لا حتى بلغ العشرة قالوا لا.

قال: فإن كان فيها رجل واحد مسلم أتهلكونها؟

قالوا: لا.

فعند ذلك ﴿ قال إن فيها لوطاً قالوا نحن أعلم بمن فيها لنُنَجِّيَنهُ وأهله  ﴾ قال الأصوليون: إن إبراهيم كان يقول: إن أمر الله ورد بايصال العذاب ومطلق الأمر لا يوجب الفور، والملائكة يدعون الفور إما للقرائن أو لأن مطلق الأمر يستدعي ذلك، فهذه هي المجادلة.

أو لعل إبراهيم كان يدعي أن الأمر مشروط لم يحصل بعدوهم لا يسلمون.

وبالجملة فإن العلماء يجادل بعضهم بعضاً عند التمسك بالنصوص وليس يوجب القدح في واحد منهم فكذلك ههنا ولذلك مدحه بقوله: ﴿ إن إبراهيم لحليم ﴾ غير عجول في الأمور ﴿ أوّاه ﴾ كثير التأوّه من الذنوب ﴿ منيب ﴾ راجع إلى الله في كل ما يسنح له.

وهذه الصفات تدل على رقة القلب والشفقة على خلق الله حتى حملته على المجادلة فيهم رجاء أن يرفع العذاب عنهم.

ولما عرفت الملائكة أن العذاب قد حق عليهم قالوا: ﴿ يا إبراهيم أعرض عن هذا ﴾ الجدال ﴿ إنه قد جاء أمر ربك ﴾ بإهلاكهم ﴿ وإنهم آتيهم ﴾ لاحق بهم ﴿ عذاب غير مردود ﴾ فلا راد لقضائه فلا ينفع فيهم جدال ولا دعاء.

﴿ ولما جاءت رسلنا ﴾ المذكورون ﴿ لوطاً سيء بهم ﴾ أصله "سوىء" لأنه من ساءه يسوءه نقيض سره يسره، نقلت الكسرة إلى الفاء وأبدلت العين ياء، ومن قرأ ﴿ سيء ﴾ بإبدال العين ياء مكسورة فلكراهة اجتماع الواو والهمزة.

﴿ وضاق بهم ذرعاً ﴾ قال الأزهري: الذرع يوضع موضع الطاقة وأصله أن البعير يذرع بيده في سيره على قدر سعة خطوه، فإذا حمل عليه أكثر من طاقته ضاق ذرعه عن ذلك فجعل ضيق الذرع عبارة عن قلة الوسع والطاقة، وربما قالوا ضقت بالأمر ذرعاً.

﴿ وقال هذا يوم عصيب ﴾ أي شديد من العصب الشد كأنه أريد اشتداد ما فيه من الأمور.

عن ابن عباس: انطلقوا من عند إبراهيم إلى لوط وبين القريتين أربعة فراسخ ودخلوا عليه على صورة شباب مرد من بني آدم في غاية الحسن، ولم يعرف لوط أنهم ملائكة الله فساءه مجيئهم واغتم لذلك لأنه خاف عليهم خبث قومه وأن يعجز عن مقاومتهم.

وقيل: سبب المساءة أنه لم يكن قادراً على القيام بحق ضياقتهم لأنه ما كان يجد ما ينفق عليهم.

وقيل: السبب أن قومه منعوه عن إدخال الضيف داره.

وقيل: عرف أنهم ملائكة جاؤوا لإهلاك قومه فرق قلبه على قومه.والصحيح هو الأول.

يروى أنه  قال لهم: لا تهلكوهم حتى يشهد عليهم لوط أربع شهادات.

فلما مشى معهم منطلقاً به إلى منزله قال لهم: أما بلغكم أمر هذه القرية قالوا: وما أمرهم؟

قال: أشهد بالله إنها لشر قرية في الأرض عملاً - يقول ذلك أربع مرات - فدخلوا معه منزله ولم يعلم بذلك أحد فخرجت امرأته فأخبرت بهم قومها فذلك قوله: ﴿ وجاءه قومه يهرعون إليه ﴾ قال أبو عبيدة: يستحثون إليه كأنه يحث بعضهم بعضاً.

وقال الجوهري: الإهراع الإسراع.

وأهرع الرجل على ما لم يسم فاعله فهو مهرع إذا كان يرعد من حمى أو غضب أو فزع.

وقيل: إنما لم يسم فاعله للعلم به.

والمعنى أهرعه خوفه أو حرصه.

ثم بين إسراعهم إنما كان لأجل العمل الخبيث فقال: ﴿ ومن قبل كانوا يعملون السيئات ﴾ الفواحش فمرنوا عليها فلذلك جاؤوا مجاهرين لا يكفهم حياء.

وقيل: معناه وكان لوط قد عرف عادتهم في ذلك العمل قبل ذلك فأراد أن يقي أضيافه ببناته فقال: ﴿ هؤلاء نباتي ﴾ عن قتادة: بناته من صلبه.

وعن مجاهد وسعيد بن جبير: أراد نساء أمته لأن النبي كالأب لأمته.

واختير هذا القول لأن عرض البنات الحقيقيات على الفجار لا يليق بذوي المروءات.

ولأن اللواتي من صلبه لا تكفي للجمع العظيم، ولما روي أنه لم يكن له إلا بنتان وأقل الجمع ثلاثة.

والقائلون بالقول الأول قالوا ما دعا القوم إلى الزنا بهن وإنما دعاهم إلى التزوج بهن بعد الإيمان أو مع الكفر، فلعل تزويج المسلمات من الكفار كان جائزاً كما في أول الإسلام، زوج رسول الله  ابنتيه من عتبة بن أبي لهب وأبي العاص بن الربيع بن عبد العزى - وهما كافران - فنسخ بقوله: ﴿ ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا  ﴾ وقيل: كان لهم سيدان مطاعان فأراد أن يزوجهما ابنتيه، وقيل: إن بناته كن أكثر من ثنتين.

ويجوز أ يكون قد عرض البنات عليهم لا بطريق الجد بل طمعاً فيهم أن يستحيوا منه ويرقوا له.

و ﴿ أطهر ﴾ بمعنى الطاهر لأنه لا طهارة في نكاح الرجال ﴿ فاتقوا الله ﴾ بإيثارهن عليهم ﴿ ولا تخزون ﴾ ولا تفضحوني من الخزي أو لا تخجلوني من الخزاية وهي الحياء.

﴿ في ضيفي ﴾ في حق أضيافي فخزي الضيف والجار يورث للمضيف العار والشنار.

والضيف يستوي فيه الواحد والجمع ويجوز أن يكون مصدراً.

﴿ أليس منكم رجل رشيد ﴾ صالح أو مصلح مرشد يمنتع أو يمنع عن مثل هذا العمل القبيح.

﴿ قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق ﴾ من شهوة ولا حاجة لأن من احتاج إلى شيء فكأنه حصل له فيه نوع حق ولذلك قالوا ﴿ وإنك لتعلم ما نريد ﴾ ويجوز أن يراد إنهن لسن لنا بأزواج فلا حق لنا فيهن من حيث الشرع ومن حيث الطبع، أو يراد إنك دعوتنا إلى نكاحهن بشرط الإيمان ونحن لا نؤمن ألبتة فلا يتصور لنا حق فيهن.

قال لوط ﴿ لو أن لي بكم قوّة ﴾ وجوابه محذوف أي لفعلت بكم وصنعت وبالغت في دفعكم.

قال أهل المعاني: حذف الجواب أبلغ لأن الوهم يذهب إلى أنواع كثيرة من الدفع والمنع.

والمراد لو أن لي ما أتقوى به عليكم فسمى موجب القوة بالقوة، ويحتمل أن يريد بالقوة القدرة والطاقة ﴿ أو آوي ﴾ أنضم ﴿ إلى ركن شديد ﴾ حام منيع شبه الركن من الجبل في شدته.

وقوله: ﴿ أو آوي ﴾ عطف على الفعل المقدر بعد "لو".

والحاصل أنه تمنى دفعهم بنفسه أو بمعاونة غيره، قال ذلك من شدة القلق والحيرة في الأمر النازل به ولهذا قالت الملائكة وقد رقت عليه وحزنت له: إن ركنك لشديد.

وقال النبي  "رحم الله أخي لوطاً كان يأوي إلى ركن شديد فما بعث نبي بعد ذلك إلا في ثروة من قومه" ويحتمل أن يريد بالركن الشديد حصناً يتحصن به فيأمن من شرهم، ويحتمل أنه لما شاهد سفاهة القوم وإقدامهم على سوء الأدب تمني حصول قوة قوية على الدفع.

ثم استدرك وقال بل الأولى أن آوي إلى ركن شديد وهو الاعتصام بعناية الله.

روي أنه أغلق بابه لما جاؤوا فتسوروا الجدار فلما رأت الملائكة ما لقي لوط من الكرب ﴿ قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك ﴾ وهذه جملة موضحة للتي قبلها لأنهم إذا كانوا رسل الله لم يصل الأعداء إليه ولن يقدروا على ضرره، فأمره الملائكة أن يفتح الباب فدخلوا فاستأذن جبرائيل ربه في عقوبتهم فأذن له، فضرب بجناحه وجوههم فطمس أعينهم وأعماهم كما قال  ﴿ ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم  ﴾ فصاروا لا يعرفون الطريق فخرجوا وهم يقولون إن في بيت لوط سحرة.

ثم بين نزول العذاب ووجه خلاص لوط وأهله فقال: ﴿ فأسر بأهلك ﴾ الباء للتعدية إن كانت الهمزة للوصل من السرى، أو زائدة وإن كانت للقطع من الإسراء.

﴿ بقطع من الليل ﴾ عن ابن عباس: أي في آخر الليل بسحر.

وقال قتادة: بعد طائفة من الليل.

وقيل نصف الليل كأنه قطع نصفين ﴿ ولا يلتفت منكم أحد ﴾ أي لا ينظر إلى ما رواءه ﴿ إلا امرأتك ﴾ أكثر القراء على النصب فاعترض بأن الفصيح في مثله هو البدل لأن الكلام غير موجب فكيف اجتمع القراء على غير فصيح؟

فأجاب جار الله بأن الرفع بدل من ﴿ أحد ﴾ على القياس والنصب مستثنى من قوله: ﴿ فأسر ﴾ لا من قوله ﴿ لا يلتفت ﴾ وزيف بأن الاستثناء من ﴿ أسر ﴾ يقتضي كونها غير مسرى بها، والاستثناء من ﴿ لا يلتفت ﴾ يقتضي كونها مسرياً بها لأن الالتفات بعد الإسراء فتكون مسرياً بها غير مسرى بها.

ويمكن أن يجاب بأن ﴿ أسر ﴾ وإن كان مطلقاً في الظاهر إلا أنه في المعنى مقيد بعدم الالتفات إذ المراد أسر بأهلك إسراء لا التفات فيه إلا امرأتك فإنك تسري بها إسراء مع الالتفات، فاستثن على هذا إن شئت من ﴿ أسر ﴾ وإن شئت من ﴿ لا يلتفت ﴾ ولا تناقض.

وبعضهم - كابن الحاجب - جعل ﴿ إلا امرأتك ﴾ في كلتا القراءتين مستثنى من ﴿ لا يلتفت ﴾ ولم يستبعد اجتماع القراء على قراءة غير الأقوى.

ويمكن أن يقال: إنما اجتمعوا على النصب ليكون استثناء من ﴿ أسر ﴾ إذ لو جعل استثناء من ﴿ لا يلتفت ﴾ لزم أن تكون مأمورة بالالتفات لأن القائل إذا قال لا يقم منكم إلا زيد كان ذلك أمراً لزيد بالقيام اللهم إلا أن يجعل الاستثناء منقطعاً على معنى ولا يلتفت منكم أحد لكن امرأتك تلتفت فيصيبها ما أصابهم، وإذا كان هذا الاستثناء منقطعاً كان التفاتها موجباً للمعصية.

قاله في الكشاف.

وروي أنه أمر أن يخلفها مع قومها فلم يسر بها.

واختلاف القراءتين لاختلاف الروايتين.

أقول: في هذا الكلام خلل لا يمكن اجتماعهما على الصحة، والقراءتان يجب اجتماعهما على الصحة لتواتر القراآت كلها.

روي أنها لما سمعت هدّة العذاب أي صوته التفتت وقالت: يا قوماه: فأدركها حجر فقتلها.

وقيل: المراد بعدم الالتفات قطع تعلق القلب عن الأصدقاء والأموال والأمتعة.

فعلى هذا يصح الاستثناءان من غير شائبة التناقض كأنه أمر لوطاً أن يخرج بقومه ويترك هذه المرأة فإنها هالكة من الهالكين.

ثم أمر أن يقعطوا العلائق وأخبر أن امرأته تبقى متعلقة القلب بها.

يروى أنه قال لهم متى موعد هلاكهم فقيل له ﴿ إن موعدهم الصبح ﴾ فقال أريد أسرع من ذلك فقالوا: ﴿ أليس الصبح بقريب؟

﴾ ﴿ فلما جاء أمرنا ﴾ بإهلاكهم ﴿ جعلنا ﴾ أي جعل رسلنا ﴿ عاليها سافلها ﴾ روي أن جبرائيل أدخل جناحه الواحد تحت مدائن قوم لوط وقلعها وصعد بها إلى السماء حتى سمع أهل السماء نهيق الحمير ونباح الكلاب وصياح الديوك لم يتبدد لهم طعام ولم يتكسر لهم إناء، ثم قلبها دفعة وضربها على الأرض، ثم أمطر عليهم حجارة من سجيل - وهو معرب سنك وكل - كأنه مركب من حجر وطين وهو في غاية الصلابة.

وقيل: سجيل أي مثل السجل وهي الدلو العظيمة أو مثلها في تضمن الأحكام الكثيرة، وقيل: أي مرسلة عليهم من أسجلته إذا أرسلته.

وقيل: أي مما كتب الله أن يعذب به أو كتب عليه أسماء المعذبين من السجل وقد سجل لفلان.

وقيل: من سجين أي من جهنم فأبدلت النون لاماً.

ويل: إنه اسم من أسماء السماء الدنيا.

ومعنى ﴿ منضود ﴾ موضع بعضها فوق بعض في النزول يأتي على سبيل المتابعة والتلاصق.

أو نضد في السماء نضداً معداً لإهلاك الظلمة وفي السماء معادنها في جبال مخصوصة كقوله: { ﴿ من جبال فيها من برد  ﴾ ﴿ مسوّمة ﴾ معلمة للعذاب أو بياض وحمرة، عن الحسن والسدي عليها أمثال الخواتيم.

وقال ابن جريج كان عليها سيما لا تشاكل حجارة الأرض.

وقال الربيع: مكتوب على كل حجر اسم من يرمى به.

وقال أبو صالح: رأيت منها عند أم هانىء حجارة فيها خطوط حمر على هيئة الجزع.

ومعنى ﴿ عند ربك ﴾ أي في خزائنه لا يتصرف في شيء منها إلا هو، أو مقرر في علمه إهلاك من أهلك بكل واحد منها ﴿ وما هي ﴾ أي تلك الحجارة ﴿ من الظالمين ﴾ أي من كل ظالم ﴿ ببعيد ﴾ وهو وعيد لأهل مكة عن رسول الله  أنه سأل جبرائيل عن هذا فقال يعني من ظالمي أمتك ما من ظالم إلا وهو بصدد سقوط الحجر عليه ساعة فساعة.

وقيل: أي تلك القرى ليست ببعيدة من ظالمي أهل مكة يمرون بها في مسايرهم إلى الشام.

وقيل: المراد أنها وإن كانت في السماء إلا أنها إذا هوت منها فهي أسرع شيء لحوقاً بالمرمى فكانت كأنها بمكان قريب والله  أعلم بمراده.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيۤءَ بِهِمْ ﴾ : قوله: ﴿ سِيۤءَ بِهِمْ ﴾ قيل: أي: ساءه مجيئهم ومكانهم وكرههم لصنيع قومه بالغرباء مخافة أن يفضحوهم ﴿ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً ﴾ : أي: لم يدر كيف يصنع بهم، وكيف يحتال ليدفع عن ضيفه سوء قومه.

والذرع: قيل: هو المقدرة والقوة، أي: ضاق مقدرته وقوته ﴿ وَقَالَ هَـٰذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ ﴾ قيل: فضيع شديد؛ لأنه يوم يهتك فيه الأستار، ويفضح الرجال.

وفيه دليل جواز الاجتهاد؛ لأنه قال: يوم عصيب فظيع، فعبد لم يظهر له شدته لكنه قاله اجتهاداً، والله أعلم.

ثم قوله: ﴿ وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيۤءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً ﴾ [يحتمل: أن يكون قوله: ﴿ سِيۤءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً ﴾ لما جاءته الرسل بإهلاك قومه ساءه ذلك، وضاق به ذرعاً كذلك أيضاً.

ويحتمل قوله: ﴿ سِيۤءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً ﴾ ] بسوء صنيع قومه بأضيافه، الحرفان جميعاً ينصرفان إلى لوط لمكان قومه، أو لمكان أضيافه، أو يكون أحد الحرفين لمكان ضيفه، والآخر لمكان ما ينزل بقومه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَآءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ ﴾ قال بعضهم: يسرعون إليه.

وقال بعضهم: ﴿ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ ﴾ أي: يهرولون إليه، وهو سير بين السعي وبين المشي بين بينين.

وقال بعضهم: [قوله] ﴿ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ ﴾ أي: يروعون إليه، من الروع، أي: فزعين إليه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ ﴾ هذا يحتمل وجهين: يحتمل قوله: ﴿ وَمِن قَبْلُ ﴾ أي: من قبل أن يبعث لوط رسولا إليهم كانوا يعملون السيئات.

ويحتمل قوله: ﴿ وَمِن قَبْلُ ﴾ أي: من قبل نزول الأضياف بلوط كانوا يعملون السيئات، والسيئات تحتمل الشرك وغيره من الفواحش التي كانوا يرتكبونها، والله أعلم.

وقوله: ﴿ قَالَ يٰقَوْمِ هَـٰؤُلاۤءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ﴾ اختلف في قوله: ﴿ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ﴾ قال بعضهم: أراد بنات قومه؛ لأن الرسل هم كالآباء لأولاد قومهم ينسبون إليهم؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿ ٱلنَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ  ﴾ .

وفي حرف ابن مسعود  ، (وهو أب لهم كما أزواجه أمهاتهم والنبي أب لهم)؛ فعلى ذلك يحتمل قول لوط: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ بَنَاتِي ﴾ أراد بنات قومه فنسبهن إلى نفسه؛ لما ذكرنا أنّه كالأب لهم.

ثم يحتمل معنى جعل النبي لأولاد قومه كالأب، وأزواجه كالأم وجهين: أحدهما: نسبوا إليه للشفقة، فهو أشفق بهم من الأب والأم.

أو: لحق التربية وتعليم الدين كالأب لهم؛ فهو أولى بهم من أنفسهم لهذين الوجهين.

وقال بعضهم: أراد بنات نفسه.

ثم اختلف فيه.

قال بعضهم: كان ذلك منه تعريضا لهم للنكاح؛ يقول: هؤلاء بناتي هن أطهر لكم نكاحاً إن كنتم قابلين للإيمان.

ومنهم من قال: هو تعريض منه لما هو زنا عندهم، لا أنه عرض ذلك عند نفسه، وهذا كما يقولون بأن من أكره على أن يشتم محمداً  فلا بأس بأن يشتم ويقصد بشتمه محمداً آخر يحل له شتمه، وإن كان عند المكره أنه يشتم رسول الله  بعد أن جعل الشاتم في قلبه [غيره]، وكذلك إذا أكره [على] أن يشتم الإله، فيقصد بالشتم شتم آلهتهم، وإن كان عندهم أنه [إنما] يشتم إلهه الذي يعبده؛ فعلى ذلك يحتمل قول لوط: ﴿ هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ﴾ تعريض زنا عندهم، وإن كان عنده أنه ليس لذلك يقصد.

وقال قائلون: قال هذا ليريهم قبح الفعل الذي كانوا يقصدون بأضيافه؛ لأن الزنا كان عندهم محرما فعرض عليهم بناته؛ ليعرفوا قبح ذلك الفعل؛ حيث احتمل فعله في بناته ولم يحتمل في أضيافه؛ ليمتنعوا عن ذلك.

أو يحتمل أن يكون قال ذلك وإن كان كلاهما لا يحلان، لكن أحدهما أيسر وأهون، ويجوز الجمع بين شرين؛ فيقال: هذا أطهر لكم وأحل من هذا، وهذا أيسر من هذا وأهون، وإن كان كلاهما شرين، فالزنا وإن كان حراماً فذلك مما يحل بالنكاح، وأدبار الرجال لا تحل بحال.

وقال بعضهم: إنهم كانوا يخطبون بناته، وكان أبي أن يزوجهن منهم؛ لما لم يكونوا كفؤاً لهن، ثم عرض عليهم في ذلك الوقت؛ ليعلموا قبح ذلك الفعل الذي قصدوا بأضيافه، أو كلام نحو هذا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَاتَّقُواْ اللًّهَ وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي ﴾ وقال في موضع آخر: ﴿ فَلاَ تَفْضَحُونِ  ﴾ ليعلم أن الإخزاء هو الفضيحة؛ هذا يدل أن الخزي هو الذي يفضح من نزل به.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ ﴾ قال بعضهم: هم أن يزوج بعض بناته من يصدر لرأيه فيمنعهم عنهم؛ كأنه يقول: أليس منكم من يرشد ويصدر لرأيه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ ﴾ أي: أليس منكم رجل يقبل الموعظة، ويرشدكم، ويعظكم، أو يقول: أليس منكم رجل رشيد على النفي فيمنعهم عما يريدون ويقصدون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ ﴾ على التأويلين اللذين ذكرناهما يكون: الحق: حق النكاح، أو حق الاستمتاع، وفي بعض التأويلات من حق: من حاجة، وبذلك يقول عامة أهل التأويل: ﴿ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ ﴾ أي: من حاجة ﴿ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ ﴾ يعنون: الأضياف ﴿ قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً ﴾ أي: قوة في نفسي ﴿ أَوْ آوِيۤ إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ ﴾ قيل: عشيرته.

والركن الشديد عند العرب: العشيرة؛ يقول: لو أن لي بكم قوة في نفسي أو عشيرة يعينوني لقاتلتكم؛ فيه دلالة أن من رأى آخر على فاحشة فله أن يقاتله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ ﴾ تأويله - والله أعلم -: أنك تعلم أن ليس لنا في بناتك من حق كما ليس لنا في أضيافك من حق فكيف تمنعنا عنهم وتعرض علينا بناتك، فهن فيما ليس لنا فيهن حق كأولئك، والله أعلم.

﴿ قَالُواْ يٰلُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوۤاْ إِلَيْكَ ﴾ قيل: قالوا ذلك للوط: لن يصلوا إليك؛ لما طمسوا أعينهم، وهو كقوله: ﴿ وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَآ أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُواْ عَذَابِي وَنُذُرِ  ﴾ .

وقال قائلون قالوا ذلك للوط [لما أوعدوا للوط] حين طمست أعينهم أن ضيفك سحروا أبصارنا، فستعلم غداً ما تلقى أنت وأهلك، فقالوا عند ذلك: لن يصلوا إليك بسوء غداً بأنهم يهلكون.

ودل قوله: ﴿ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِيۤ إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ ﴾ على أنهم قد هموا للوط وأوعدوه حتى قال ما قال؛ ألا ترى أن الملائكة قالوا له: إنهم لن يصلوا إليك، فهذا على ما ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ ٱلْلَّيْلِ ﴾ قيل: قطع من الليل: آخره وهو وقت السحر.

وقيل: هو ثلث الليل، أو ربعه من آخره، وهو واحد، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ ٱمْرَأَتَكَ ﴾ قيل: لا يتخلف أحد منكم إلا امرأتك؛ فإنها تتخلف، ويصيبها ما أصاب أولئك.

وقال بعضهم: ﴿ وَلاَ يَلْتَفِتْ ﴾ من الالتفات والنظر.

وقيل: لا يترك أحد منكم متابعتك إلا امرأتك؛ فإنها لا تتبعك، فيصيبها ما أصاب أولئك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ ٱمْرَأَتَكَ ﴾ يحتمل النهي عن الالتفات، كأنه يقول: لا يلتفت أحد.

ويحتمل الخبر كأنه يقول: لا يلتفت منكم أحد إلا من ذكر، وهو زوجته، فلذلك علامة لخلافها له.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ ٱلصُّبْحُ ﴾ ، فقالوا: ﴿ أَلَيْسَ ٱلصُّبْحُ بِقَرِيبٍ ﴾ : كأن لوطاً استبطأ الصبح لعذابهم، فقالوا: أليس الصبح بقريب، هذا من لوط لا يحتمل أن يكون قال ذلك وهو بين أظهرهم، ويعلم أن قراه يقلب أعلاها أسفلها، وأسفلها أعلاها، ولكن قال [ذلك] - والله أعلم - بعدما أخرجوه وأهله من بين أظهرهم، فعند ذلك قال ما قال، واستبطأ وقت نزول العذاب بهم؛ والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا ﴾ يحتمل: جاء الأمر بالمراد بأمرنا.

أو أمره هو جعله عاليها سافلها.

ثم قال أهل التأويل قوله: ﴿ جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا ﴾ أدخل جبريل جناحه تحت [قريات لوط] فرفعها إلى السماء، ثم قلبها فجعل ما [هو] أعلاها أسفلها، فهوت إلى الأرض؛ فذلك قوله: ﴿ وَٱلْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَىٰ  ﴾ قيل: [أهوى بها] جبريل من السماء إلى الأرض.

وأمكن أن يكون إذا أهلكهم جعلهم تحت الأرض؛ فذلك جعل أعلاها أسفلها، [لكن أهل التأويل حملوه على ما ذكرنا، وأجمعوا على ذلك.

وقال بعضهم: قلبت القرى، وجعل أعلاها أسفلها] على ما ذكر، وأرسل الحجارة على من كان غائبا عنها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ ﴾ .

قال بعضهم: أمطر الحجارة عليها، ثم قلبها جبريل.

وقال بعضهم: أمطر عليها الحجارة بعدما قلبها [جبريل]، فسواها، وكل واحد منهم كان غائبا عن بلده جاءت حجار مكتوب عليها اسمه فقلته حيث كان، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مِّن سِجِّيلٍ ﴾ \[قال بعضهم\]: السجيل: هو اسم المكان الذي منه رفع الحجر الذي أمطر.

وقال بعضهم: هو طين مطبوخ كالآجر.

وعن ابن عباس -  - قال: سَنْك وجيل ﴿ مَّنْضُودٍ ﴾ نضد الحجر بالطين وألصق بعضه ببعض [مسومة]: معلمة، مخططة، سود الحمرة.

وقال بعضهم: [ ﴿ مُّسَوَّمَةً ﴾ ]، أي: مكتوب عليها اسم صاحبها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا هِيَ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ ﴾ .

قال بعضهم: ما هي من ظلمة قوم لوط ببعيد.

وقال بعضهم: ما هي من ظالمي أهل [مكة] وحواليهم ببعيد، [أي: عذاب الله ليس ببعيد، فهو] يعذبهم إن شاء.

ويحتمل قوله: ﴿ وَمَا هِيَ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ ﴾ أي: تلك القرى والأمكنة التي أهلك أهلها ليست ببعيدة من مشركي أهل مكة، وهو ما ذكر: ﴿ وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ * وَبِٱلَّيلِ ﴾ الآية [الصافات: 137-138]، وفيه تذكير [منته] على هذه الأمة، حيث لم يجعل عذابهم عذاب استئصال بحيث لا يملكون العود عنه والرجوع، ولكن جعل عذابهم الجهاد، حتى لو أرادوا الرجوع عنه ملكوا، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولما جاءت الملائكة لوطًا في هيئة رجال ساءه مجيئهم، وضاق صدره بسبب الخوف عليهم من قومه الذين يأتون الرجال شهوة من دون النساء، وقال لوط: هذا يوم شديد؛ لظنه أن قومه سيغالبونه على ضيوفه.

<div class="verse-tafsir" id="91.20VQJ"

مزيد من التفاسير لسورة هود

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 12 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 13.6 / 29.5
الإضاءة 98%
البدر بعد 1 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل