الآية ٧٦ من سورة هود

الإسلام > القرآن > سور > سورة 11 هود > الآية ٧٦ من سورة هود

يَـٰٓإِبْرَٰهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَآ ۖ إِنَّهُۥ قَدْ جَآءَ أَمْرُ رَبِّكَ ۖ وَإِنَّهُمْ ءَاتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍۢ ٧٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 50 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٧٦ من سورة هود: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٧٦ من سورة هود عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( يا إبراهيم أعرض عن هذا إنه قد جاء أمر ربك [ وإنهم آتيهم عذاب غير مردود ] ) أي : إنه قد نفذ فيهم القضاء ، وحقت عليهم الكلمة بالهلاك ، وحلول البأس الذي لا يرد عن القوم المجرمين .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (76) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره مخبرًا عن قول رسله لإبراهيم: (يا إبراهيم أعرض عن هذا) ، وذلك قيلهم له حين جَادلهم في قوم لوط، فقالوا: دع عنك الجدالَ في أمرهم والخصومة فيه (13) ، فإنه (قد جاء أمر ربكَ) يقول : قد جاء أمر ربك بعذابهم.

وحقَّ عليهم كلمة العذاب، ومضى فيهم بهلاكهم القضاء ، (وإنهم آتيهم عذاب غير مردود)، يقول: وإن قوم لوط ، نازلٌ بهم عذابٌ من الله غير مدفُوع.

* * * وقد [مضى] ذكر الرواية بما ذكرنا فيه عمن ذكر ذلك عنه.

(14) ----------------------------- الهوامش : (13) انظر تفسير " الإعراض " فيما سلف 14 : 425 ، تعليق : 4 ، والمراجع هناك .

(14) الزيادة بين القوسين يقتضيها السياق .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : يا إبراهيم أعرض عن هذا أي دع عنك الجدال في قوم لوط .إنه قد جاء أمر ربك أي عذابه لهم .وإنهم آتيهم أي نازل بهم .عذاب غير مردود أي غير مصروف عنهم ولا مدفوع .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

فقيل له: { يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا } الجدال { إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ } بهلاكهم { وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ } فلا فائدة في جدالك.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( يا إبراهيم أعرض عن هذا ) أي : أعرض عن هذا المقال ودع عنك الجدال ، ( إنه قد جاء أمر ربك ) أي : عذاب ربك وحكم ربك ، ( وإنهم آتيهم ) نازل بهم ، ( عذاب غير مردود ) أي : غير مصروف عنهم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

فلما أطال مجادلتهم قالوا: «يا إبراهيم أعرض عن هذا» الجدال «إنه قد جاء أمر ربك» بهلاكهم «وإنهم آتيهم عذاب غير مردود».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قالت رسل الله: يا إبراهيم أعرض عن هذا الجدال في أمر قوم لوط والتماس الرحمة لهم؛ فإنه قد حق عليهم العذاب، وجاء أمر ربك الذي قدَّره عليهم بهلاكهم، وإنهم نازل بهم عذاب من الله غير مصروف عنهم ولا مدفوع.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ولكن حلم إبراهيم وإنابته .

.

.

لم يرد قضاء الله العادل فى شأن قوم لوط ولذا قالت الملائكة له - كما حكى القرآن عنهم - : ( ياإبراهيم أَعْرِضْ عَنْ هاذآ إِنَّهُ قَدْ جَآءَ أَمْرُ رَبَّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ ) .أى : قالت الملائكة لإِبراهيم : ( ياإبراهيم أَعْرِضْ عَنْ هاذآ ) الجدال فى أمر قوم لوط ، وفى طلب إمهال عقوبتهم ( إِنَّهُ قَدْ جَآءَ أَمْرُ رَبَّكَ ) بإهلاكهم ( وإنهم ) بسبب إصرارهم على ارتكاب الفواحش ( آتِيهِمْ ) من ربهم ( عَذَابٌ ) شديد ( غَيْرُ مَرْدُودٍ ) عنهم لا بسبب الجدال ولا بأى سبب سواه ، فإن قضاء الله لا يرد عن القوم المجرمين .

هذا ، وقد ذكر الشيخ القاسمى بعض الفوائد والأحكام التى أخذها العلماء من هذه الآيات فقال : قال بعض المفسرين : لهذه الآيات ثمرات وفوائد .منها : أن حصول الولد المخصص بالفضل نعمة ، وأن هلاك العاصى نعمة - أيضاً - لأن البشرى قد فسرت بولادة إسحاق لقوله ( فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ ) وفسرت بهلاك قوم لوط ، لقوله : ( قَالُواْ لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إلى قَوْمِ لُوطٍ ) .ومنها : استحباب نزول المبشر - بالكسر - على المبشر - بالفتح - لأن الملائكة أرسلهم الله - تعالى - لذلك .ومنها : أنه يستحب للمبشر أن يتلقى البشارة بالشكر لله - تعالى - على ما بشر به .

فقد حكى عن الأصم أنه قال : جاؤوه فى أرض يعمل فيها ، فلما فرغ غرز مسحاته ، وصلى ركعتين .ومنها : أن السلام مشروع ، وأنه ينبغى أن يكون الرد أفضل لقول إبراهيم ( سلام ) بالرفع وهو أدل على الثبات والدوام .ومنها : مشروعية الضيافة ، والمبادرة إليها ، واستحباب مبادرة الضيف بالأكل منها .ومنها : استحباب خدمة الضيف ولو للمرأة ، لقول مجاهد : وامرأته قائمة؛ أى فى خدمة أضياف إبراهيم .

.

.

وخدمة الضيفان من مكارم الأخلاق .ومنها : جواز مراجعة الأجانب فى القول ، وأن صوتها ليس بعورة .ومنها : أن امرأة الرجل من أهل بيته - فيكون أزواجه - صلى الله عليه وسلم - من أهل بيته .ومنها : - كما يقول الإِمام ابن كثير - استدل على أن الذبيح هو إسماعيل لا إسحاق ، وأنه يمتنع أن يكون هو إسحاق ، لأنه وقعت البشارة به ، وأنه سيولد له يعقوب ، فكيف يؤمر إبراهيم بذبحه وهو طفل صغير ، ولم يولد له بعد يعقوب الموعود بوجوده ، ووعد الله حق لا خلف فيه ، فيمتنع أن يؤمر بذبح إسحاق والحالة هذه ، فتعين أن يكون الذبيح إسماعيل ، وهذا من أحسن الاستدلال وأصحه .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن قوله: ﴿ يإبراهيم أَعْرِضْ عَنْ هذا ﴾ معناه: أن الملائكة قالوا له: اترك هذه المجادلة لأنه قد جاء أمر ربك بإيصال هذا العذاب إليهم وإذا لاح وجه دلالة النص على هذا الحكم فلا سبيل إلى دفعه فلذلك أمروه بترك المجادلة، ولما ذكروا ﴿ إِنَّهُ قَدْ جَاء أَمْرُ رَبّكَ ﴾ ولم يكن في هذا اللفظ دلالة على أن هذا الأمر بماذا جاء لا جرم بين الله تعالى أنهم آتيهم عذاب غير مردود، أي عذاب لا سبيل إلى دفعه ورده.

ثم قال: ﴿ وَلَمَّا جَاءتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِئ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا ﴾ وهؤلاء الرسل هم الرسل الذين بشروا إبراهيم بالولد عليهم السلام.

قال ابن عباس رضي الله عنهما: انطلقوا من عند إبراهيم إلى لوط وبين القريتين أربع فراسخ ودخلوا عليه على صورة شباب مرد من بني آدم وكانوا في غاية الحسن ولم يعرف لوط أنهم ملائكة الله وذكروا فيه ستة أوجه: الأول: أنه ظن أنهم من الإنس فخاف عليهم خبث قومه وأن يعجزوا عن مقاومتهم.

الثاني: ساءه مجيئهم لأنه ما كان يجد ما ينفقه عليهم وما كان قادراً على القيام بحق ضيافتهم.

والثالث: ساءه ذلك لأن قومه منعوه من إدخال الضيف داره.

الرابع: ساءه مجيئهم، لأنه عرف بالحذر أنهم ملائكة وأنهم إنما جاؤا لإهلاك قومه، والوجه الأول هو الأصح لدلالة قوله تعالى: ﴿ وَجَاء قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ  ﴾ وبقي في الآية ألفاظ ثلاثة لابد من تفسيرها: اللفظ الأول: قوله: ﴿ سِيء بِهِمْ ﴾ ومعناه ساء مجيئهم وساء يسوء فعل لازم مجاوز يقال سؤته فسيء مثل شغلته فشغل وسررته فسر.

قال الزجاج: أصله سوئ بهم إلا أن الواو سكنت ونقلت كسرتها إلى السين.

واللفظ الثاني: قوله: ﴿ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا ﴾ قال الأزهري: الذرع يوضع موضع الطاقة والأصل فيه البعير يذرع بيديه في سيره ذرعاً على قدر سعة خطوته، فإذا حمل عليه أكثر من طاقته ضاق ذرعه عن ذلك فضعف ومد عنقه، فجعل ضيق الذرع عبارة عن قدر الوسع والطاقة.

فيقال: مالي به ذرع ولا ذراع أي مالي به طاقة، والدليل على صحة ما قلناه أنهم يجعلون الذراع في موضع الذرع فيقولون ضقت بالأمر ذراعاً.

واللفظ الثالث: قوله: ﴿ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ ﴾ أي يوم شديد، وإنما قيل للشديد عصيب؛ لأنه يعصب الإنسان بالشر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ ياإبراهيم ﴾ على إرادة القول: أي قالت له الملائكة ﴿ أَعْرِضْ عَنْ هاذآ ﴾ الجدال وإن كانت الرحمة ديدنك، فلا فائدة فيه ﴿ إِنَّهُ قَدْ جَآءَ أَمْرُ رَبِّكَ ﴾ وهو قضاؤه وحكمه الذي لا يصدر إلا عن صواب وحكمة، والعذاب نازل بالقوم لا محالة، لا مردّ له بجدال ولا دعاء ولا غير ذلك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إبْراهِيمَ الرَّوْعُ ﴾ أيْ ما أوْجَسَ مِنَ الخِيفَةِ واطْمَأنَّ قَلْبُهُ بِعِرْفانِهِمْ.

﴿ وَجاءَتْهُ البُشْرى ﴾ بَدَلُ الوَرَعِ.

﴿ يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ ﴾ يُجادِلُ رُسُلَنا في شَأْنِهِمْ ومُجادَلَتُهُ إيّاهم قَوْلُهُ: ﴿ إنَّ فِيها لُوطًا ﴾ وهو إمّا جَوابٌ لِما جِيءَ بِهِ مُضارِعًا عَلى حِكايَةِ الحالِ أوْ لِأنَّهُ في سِياقِ الجَوابِ بِمَعْنى الماضِي كَجَوابِ لَوْ، أوْ دَلِيلُ جَوابِهِ المَحْذُوفِ مِثْلَ اجْتَرَأ عَلى خِطابِنا أوْ شَرَعَ في جِدالِنا، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِهِ أُقِيمَ مَقامَهُ مِثْلَ أخَذَ أوْ أقْبَلَ يُجادِلُنا.

﴿ إنَّ إبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ ﴾ غَيْرُ عَجُولٍ عَلى الِانْتِقامِ مِنَ المُسِيءِ إلَيْهِ.

﴿ أوّاهٌ ﴾ كَثِيرُ التَّأوُّهِ مِنَ الذُّنُوبِ والتَّأسُّفِ عَلى النّاسِ.

﴿ مُنِيبٌ ﴾ راجِعٌ إلى اللَّهِ، والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ بَيانُ الحامِلِ لَهُ عَلى المُجادَلَةِ وهو رِقَّةُ قَلْبِهِ وفَرْطُ تَرَحُّمِهِ.

﴿ يا إبْراهِيمُ ﴾ عَلى إرادَةِ القَوْلِ أيْ قالَتِ المَلائِكَةُ يا إبْراهِيمُ.

﴿ أعْرِضْ عَنْ هَذا ﴾ الجِدالِ ﴿ إنَّهُ قَدْ جاءَ أمْرُ رَبِّكَ ﴾ قَدَرُهُ بِمُقْتَضى قَضائِهِ الأزَلِيِّ بِعَذابِهِمْ وهو أعْلَمُ بِحالِهِمْ.

﴿ وَإنَّهم آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ ﴾ مَصْرُوفٍ بِجِدالٍ ولا دُعاءٍ ولا غَيْرِ ذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

فقالت الملائكة {يا إبراهيم أَعْرِضْ عَنْ هذا} الجدال وإن كانت الرحمة ديدنك {إِنَّهُ قَدْ جَاء أَمْرُ رَبّكَ} قضاؤه وحكمه {وَإِنَّهُمْ اتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ} لا يرد بجدال وغير ذلك عذاب مرتفع باسم الفاعل وهو آتيهم تقديره وإنهم يأتيهم ثم خرجوا من عند إبراهيم متوجهين نحو قوم لوط وكان بين قرية إبراهيم وقوم لوط أربعة فراسخ

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ يا إبْراهِيمُ ﴾ عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ لِيَرْتَبِطَ بِما قَبِلَ أيْ قالَتِ المَلائِكَةُ أوْ قُلْنا ( يا إبْراهِيمُ).

﴿ أعْرِضْ عَنْ هَذا ﴾ الجِدالِ ﴿ إنَّهُ ﴾ أيِ الشَّأْنُ ﴿ قَدْ جاءَ أمْرُ رَبِّكَ ﴾ أيْ قَدَرُهُ تَعالى المَقْضِيُّ بِعَذابِهِمْ، وقَدْ يُفَسَّرُ بِالعَذابِ، ويُرادُ بِالمَجِيءِ المُشارَفَةُ فَلا يَتَكَرَّرُ مَعَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وإنَّهم آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ ﴾ أيْ لا بِجِدالٍ ولا بِدُعاءٍ ولا بِغَيْرِهِما إذْ حاصِلُ ذَلِكَ حِينَئِذٍ شارِفُهم ثُمَّ وقَعَ بِهِمْ، وقِيلَ: لا حاجَةَ إلى اعْتِبارِ المُشارَفَةِ، والتَّكْرارُ مَدْفُوعٌ بِأنَّ ذاكَ تَوْطِئَةٌ لِذِكْرِ كَوْنِهِ غَيْرَ مَرْدُودٍ.

وقَرَأ عَمْرُو بْنُ هَرَمٍ -وإنَّهم أتاهُمْ- بِلَفْظِ الماضِي، و(عَذابٌ) فاعِلٌ بِهِ، وعَبَّرَ بِالماضِي لِتَحْقِيقِ الوُقُوعِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ يعني: الفزع من الرسل وَجاءَتْهُ الْبُشْرى بالولد، يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ يعني: يخاصم ويتشفع في قوم لوط.

وكان لوط ابن أخيه، وهو لوط بن هازر بن آزر، وإبراهيم بن آزر، ويقال: ابن عمه، وسارة كانت أخت لوط.

فلما سمعا بهلاك قوم لوط، اغتما لأجل لوط.

وروى معمر، عن قتادة في قوله: يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ قال لهم: أرأيتم لو كان فيهم من المسلمين خمسون، أتعذبونهم؟

قالوا: لا نعذبهم.

قال: أربعون؟

قالوا: ولا أربعون.

قال: ثلاثون؟

قالوا ولا ثلاثون، حتى بلغوا عشرة.

قال مقاتل: فما زال ينقص خمسة خمسة، حتى انتهى إلى خمسة أبيات، يعني: لو كان فيها خمسة أبيات من المسلمين لم يعذبهم.

ثمّ قال: إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ الأواه: الذي إذا ذكر الله تعالى تأوه.

مُنِيبٌ: أي راجع إليه بالتوبة.

وقد ذكرناه في سورة التوبة.

ثم قال جبريل يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا يعني: اترك جدالك إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ أي عذاب رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ يعني: غير مصروف عنهم.

ثم خرجوا من عند إبراهيم، متوجهين إلى قوم لوط، فانتهوا إليهم نصف النهار، فإذا هم بجواري يستقين من الماء، فأَبصرتهم ابنة لوط وهي تستقي الماء، فقالت لهم: ما شأنكم؟

ومن أين أقبلتم؟

وأين تريدون؟

قالوا أقبلنا من مكان كذا، ونريد مكان كذا.

فأخبرتهم عن حال أهل المدينة وخبثهم، فأظهروا الغم وقالوا: هل أحد يضيفنا؟

قالت: ليس فيها أحد يضيفكم إلا ذلك الشيخ، فأشارت إلى أبيها لوط وهو على بابه.

فأتوا لوطاً فلا رآهم وهيئتهم، ساءه ذلك، فذلك قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قال ابنُ العربيِّ: ولا شكَّ أن الضيْفَ كريمٌ، والضِّيافة كرامَةٌ، فإِن كان عديماً، فهي فريضة انتهى، وأَوْجَسَ معناه: أحس والتوجيس: ما يعتري النفْسَ عنْد الحَذَرِ، وأوائلِ الفَزَعِ.

وقوله سبحانه: فَضَحِكَتْ قال الجمهور: هو الضَّحِكُ المعروفُ، وذكر الطبري «١» أن إِبراهيم عليه السلام لَمَّا قَدَّم العجْل، قالوا له: إِنَّا لا نأكل طعاماً إِلاَّ بثمنٍ، فقال لهم:

ثمنُهُ: أنْ تذْكُروا اللَّه تعالَى عليه في أَوَّله، وتَحْمَدوه في آخره، فقال جبريلُ لأصحابه: بحَقٍّ اتخذ اللَّهُ هَذَا خَلِيلاً، ثم بَشَّر الملائكةُ سَارَّة بإِسحاق، وبأَنَّ إِسحاقَ سَيَلِدُ يعقُوبَ، ويسمَّى ولَدُ الوَلَد وراء، وهو قريبٌ من معنى «وراء» في الظرف، إِذ هو ما يكونُ خَلْف الشيء وبَعْده.

وقال ص: «وراء» هنا: استعمل غَيْرَ ظرفٍ، لدخولِ «مِنْ» عليه، أي: ومن بعد إسحاق.

انتهى.

وقولها: يا وَيْلَتى: الألفُ بَدَلٌ من ياء الإِضافة، أصلها: يَا وَيْلَتِي، ومعنى:

«يَا وَيْلَتَا» في هذا الموضع: العبارةُ عَمَّا دَهَمَ النَّفْسَ من العَجَبِ في ولادة عجوز، ومِنْ أَمْرِ اللَّهِ: واحدُ الأمور.

وقوله سبحانه: رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ: يحتمل أنْ يكون دعاءً، وأنْ يكون خبراً.

ص: ونصبُ أَهْلَ الْبَيْتِ على النداءِ أو على الاختصاص، أو على المَدْحِ، انتهى.

وهذه الآية تعطي أَنَّ زوجة الرجل مِنْ أَهْلِ بيتِهِ.

ت: وهي هُنَا منْ أهْل البيت على كلِّ حال، لأنها من قرابَتِهِ، وابنة عَمِّه، و «الْبَيْتُ» ، في هذه الآية، وفي «سورة الأحزاب» بيتُ السكْنَى.

وقوله: فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَجاءَتْهُ الْبُشْرى يُجادِلُنا: أي: أخذ يُجادِلُنا «في قوم لوط» .

وقوله تعالى: إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ وُصِفَ عليه السلام بالحِلْمِ، لأنه لم يغضَبْ قطُّ لنفسه إِلاَّ أَنْ يغضب للَّه، وأمْرُهُ بالإِعراض عن المُجَادلة يقتضي أنها إِنَّما كانَتْ في الكفرة، حرصا على إسلامهم، وأَمْرُ رَبِّكَ واحدُ الأمور، أي: نفذ فيهم قضاؤُهُ سبحانه، وهذه الآية مقتضيةٌ أنَّ الدعاء إِنما هو أنْ يوفِّق اللَّه الداعِيَ إِلى طَلَب المَقْدور، فأما الدُّعاء في طَلَبِ غير المقدورِ، فغير مُجْدٍ ولا نافع.

ت: والكلام في هذه المسألة متَّسعٌ رَحْبٌ، ومن أحسن ما قيل فيها قولُ الغَزَّالِيِّ في «الإِحياء» : فإِنْ قلت: فما فائدة الدعاء، والقضاء لا يرد؟

فالجوابُ: أَنَّ من القضاءِ رَدَّ البلاءِ بالدعاءِ، فالدعاءُ سَبَبٌ لردِّ البلاء، واستجلاب الرحمة كما أن التُّرْسَ سبَبٌ لردِّ السهم، والماء سبَبٌ لخروجِ النباتِ، انتهى.

وقد أطال في المسألة، ولولا الإِطالة لأَتَيْتُ بِنُبَذٍ يثلج لها الصِدْرُ، وخرَّجَ الترمذيُّ في «جامعه» عن أبي خزامة، واسمه رفاعة، عن أبيه، قال: سألت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقلت: يا رسول/ الله، أرأيت رقى نسترقيها، ودواء نتداوى به، وتقاة نتقيها، هل ترد من قدر الله شيئا؟

قال: «هي من قدر اللَّهُ» «١» ، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن، وفي بعض نُسَخِهِ: حسنٌ صحيحٌ، انتهى.

فليس وراء هذا الكلام من السيِّد المعصوم مرمًى لأَحدٍ، وتأمَّل جواب الفارُوق لأبِي عُبَيْدة، حِينَ هَمَّ بالرجوعِ مِنْ أجْلِ الدخول علَى أرض بها الطاعون، وهي الشام «٢» .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إبْراهِيمَ الرَّوْعُ ﴾ يَعْنِي الفَزَعَ الَّذِي أصابَهُ حِينَ امْتَنَعُوا مِنَ الأكْلِ.

﴿ يُجادِلُنا ﴾ فِيهِ إضْمارُ أخَذَ وأقْبَلَ يُجادِلُنا، والمُرادُ: يُجادِلُ رُسُلَنا.

قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا قالُوا لَهُ: ﴿ إنّا مُهْلِكُو أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ  ﴾ ، قالَ: أتُهْلِكُونَ قَرْيَةً فِيها مِائَةُ مُؤْمِنٍ ؟

قالُوا: لا.

قالَ: أتُهْلِكُونَ قَرْيَةً فِيها خَمْسُونَ مُؤْمِنًا ؟

قالُوا: لا.

قالَ: أرْبَعُونَ ؟

قالُوا: لا.

فَما زالَ يُنْقِصُ حَتّى قالَ: فَواحِدٌ ؟

قالُوا: لا.

فَقالَ حِينَئِذٍ: ﴿ إنَّ فِيها لُوطًا قالُوا نَحْنُ أعْلَمُ بِمَن فِيها  ﴾ ، هَذا قَوْلُ ابْنِ إسْحاقَ.

وقالَ غَيْرُهُ: قِيلَ لَهُ: إنْ كانَ فِيهِمْ خَمْسَةٌ لَمْ نُعَذِّبْهم، فَما كانَ فِيهِمْ سِوى لُوطٍ وابْنَتَيْهِ.

وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: قالَ لَهم أتُهْلِكُونَ قَرْيَةً فِيها أرْبَعَةَ عَشَرَ مُؤْمِنًا ؟

قالُوا: لا؛ وكانَ إبْراهِيمُ يَعُدُّهم أرْبَعَةَ عَشَرَ مَعَ امْرَأةِ لُوطٍ، فَسَكَتَ واطْمَأنَّتْ نَفْسُهُ؛ وإنَّما كانُوا ثَلاثَةَ عَشَرَ فَأُهْلِكُوا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ إبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أوّاهٌ ﴾ قَدْ فَسَّرْناهُ في (بَراءَةٍ:١١٤) .

فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَتِ الرُّسُل لِإبْراهِيمَ: ﴿ يا إبْراهِيمُ أعْرِضْ عَنْ هَذا ﴾ يَعْنُونَ الجِدالَ.

﴿ إنَّهُ قَدْ جاءَ أمْرُ رَبِّكَ ﴾ بِعَذابِهِمْ.

وقِيلَ: قَدْ جاءَ عَذابُ رَبِّكَ، فَلَيْسَ بِمَرْدُودٍ، لِأنَّ اللَّهَ قَدْ قَضى بِهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَلَمّا ذَهَبَ عن إبْراهِيمَ الرَوْعُ وجاءَتْهُ البُشْرى يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ ﴾ ﴿ إنَّ إبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أوّاهٌ مُنِيبٌ ﴾ ﴿ يا إبْراهِيمُ أعْرِضْ عن هَذا إنَّهُ قَدْ جاءَ أمْرُ رَبِّكَ وإنَّهم آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ ﴾ الرَوْعُ: الفَزَعُ والخِيفَةُ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها، وكانَ ذَهابُهُ بِإخْبارِهِمْ إيّاهُ أنَّهم مَلائِكَةٌ.

والبُشْرى: تَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ الوَلَدَ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ البُشْرى بِأنَّ المُرادَ غَيْرُهُ، والأوَّلُ أبْيَنُ.

وقَوْلُهُ: يُجادِلُنا فِعْلٌ مُسْتَقْبَلٌ جائِزٌ أنْ يَسُدَّ مَسَدَّ الماضِي الَّذِي يَصْلُحُ لِجَوابِ "لَمّا"، لا سِيَّما والإشْكالُ مُرْتَفِعٌ بِمُضِيِّ زَمانِ الأمْرِ ومَعْرِفَةِ السامِعِينَ بِذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَقْدِيرُ ظَلَّ أو أخَذَ ونَحْوَهُ يُجادِلُنا، فَحُذِفَ اخْتِصارًا لِدَلالَةِ ظاهِرِ الكَلامِ عَلَيْهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ، يُجادِلُنا حالًا مِن إبْراهِيمَ أو مِنَ الضَمِيرِ في قَوْلِهِ: جاءَتْهُ، ويَكُونُ جَوابُ "لَمّا" في الآيَةِ الثانِيَةِ: "قُلْنا: يا إبْراهِيمُ أعْرِضْ عن هَذا" واخْتارَ هَذا أبُو عَلِيٍّ، و"المُجادَلَةُ": المُقابَلَةُ في القَوْلِ والحُجَجِ، وكَأنَّها أعَمُّ مِنَ المُخاصَمَةِ فَقَدْ يُجادِلُ مَن لا يُخاصِمُ كَإبْراهِيمَ.

وفِي هَذِهِ النازِلَةِ وُصِفَ إبْراهِيمُ "بِالحِلْمِ" قِيلَ: إنَّهُ لَمْ يَغْضَبْ قَطُّ لِنَفْسِهِ إلّا أنْ يَغْضَبَ لِلَّهِ.

و"الحِلْمُ": العَقْلُ إلّا إذا انْضافَ إلَيْهِ أناةٌ واحْتِمالٌ.

والأوّاهُ مَعْناهُ: الخائِفُ الَّذِي يُكْثِرُ التَأوُّهَ مِن خَوْفِ اللهِ تَعالى ويُرْوى أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ كانَ يَسْمَعُ وجَيْبَ قَلْبِهِ مِنَ الخَشْيَةِ، قِيلَ: كَما تُسْمَعُ أجْنِحَةُ النُسُورِ ولِلْمُفَسِّرِينَ في "الأوّاهِ" عِباراتٌ كُلُّها تَرْجِعُ إلى ما ذَكَرْتُهُ وتَلْزَمُهُ.

والمُنِيبُ: الرَجاعُ إلى اللهِ تَعالى في كُلِّ أمْرِهِ.

وصُورَةُ جِدالِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ كانَتْ أنْ قالَ إبْراهِيمُ: إنْ كانَ فِيهِمْ مِائَةُ مُؤْمِنٍ أتُعَذِّبُونَهُمْ؟

قالُوا لا.

قالَ: أفَتِسْعُونَ؟

قالُوا لا.

قالَ: أفَثَمانُونَ؟

فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتّى بَلَغَ خَمْسَةً ووَقَفَ عِنْدَ ذَلِكَ وقَدْ عَدَّ في بَيْتِ لُوطٍ امْرَأتَهُ فَوَجَدَهم سِتَّةً بِها فَطَمِعَ في نَجاتِهِمْ ولَمْ يَشْعُرْ أنَّها مِنَ الكَفَرَةِ، وكانَ ذَلِكَ مِن إبْراهِيمَ حِرْصًا عَلى إيمانِ تِلْكَ الأُمَّةِ ونَجاتِها، وقَدْ كَثُرَ اخْتِلافُ رُواةِ المُفَسِّرِينَ لِهَذِهِ الأعْدادِ في قَوْلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ، والمَعْنى كُلُّهُ نَحْوٌ مِمّا ذَكَرْتُهُ، وكَذَلِكَ ذَكَرُوا أنَّ قَوْمَ لُوطٍ كانُوا أرْبَعَمِائَةِ ألْفٍ في خَمْسِ قُرى.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ يُجادِلُنا في مُؤْمِنِي قَوْمِ لُوطٍ- وهَذا ضَعِيفٌ- وأمْرُهُ بِالإعْراضِ عَنِ المُجادَلَةِ يَقْتَضِي أنَّها إنَّما كانَتْ في الكَفَرَةِ حِرْصًا عَلَيْهِمْ، والمَعْنى: قُلْنا يا إبْراهِيمُ أعْرِضْ عَنِ المُجادَلَةِ في هَؤُلاءِ القَوْمِ والمُراجَعَةِ فِيهِمْ، فَقَدْ نَفَذَ فِيهِمُ القَضاءُ، وجاءَ أمْرُ رَبِّكَ الأمْرُ هُنا: واحِدُ الأُمُورِ بِقَرِينَةِ وصَفِهِ بِالمَجِيءِ، فَإنْ جَعَلْناهُ مَصْدَرَ أمَرَ قَدَّرْنا حَذْفَ مُضافٍ، أيْ جاءَ مُقْتَضى أمْرِ رَبِّكَ ونَحْوَ هَذا وقَوْلُهُ: آتِيهِمْ عَذابٌ ابْتِداءٌ وخَبَرٌ جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ خَبَرِ "إنَّ" وقِيلَ: آتِيهِمْ خَبَرُ "إنَّ" فَهو اسْمُ فاعِلٍ مُعْتَمِدٌ، وعَذابٌ فاعِلٌ بِـ آتِيهِمْ.

وهَذِهِ الآيَةُ مُقْتَضِيَةٌ أنَّ الدُعاءَ إنَّما هو أنْ يُوَفِّقَ اللهُ الداعِيَ إلى طَلَبِ المَقْدُورِ، فَأمّا الدُعاءُ في طَلَبِ غَيْرِ المَقْدُورِ فَغَيْرُ مُجْدٍ ولا نافِعٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

التعريف في ﴿ الرّوع ﴾ وفي ﴿ البشرى ﴾ تعريف العهد الذكري، وهما المذكوران آنفاً، فالرّوع: مرادف الخيفة.

وقوله: ﴿ يجادلنا ﴾ هو جواب ﴿ لمّا ﴾ صيغ بصيغة المضارع لاستحضار الحالة العجيبة كقوله: ﴿ ويَصنع الفلك ﴾ [هود: 38].

والمجادلة: المحاورة.

وقد تقدّمت في قوله: ﴿ ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم ﴾ في سورة [النساء: 107].

وقوله: في قوم لوط } على تقدير مضاف، أي في عقاب قوم لوط.

وهذا من تعليق الحكم باسم الذّات، والمراد حال من أحوالها يعيّنه المقام، كقوله: ﴿ حرمْت عليكم الميتة ﴾ [المائدة: 3] أي أكلها.

والمجادلة هنا: دعاء ومناجاة سأل بها إبراهيم عليه السّلام ربّه العفو عن قوم لوط خشية إهلاك المؤمنين منهم.

وقد تكون المجادلة مع الملائكة.

وعدّيت إلى ضمير الجلالة لأنّ المقصود من جدال الملائكة التعرّض إلى أمر الله بصرف العذاب عن قوم لوط.

وال ﴿ حليم ﴾ الموصوف بالحلم وهو صفة تقتضي الصفح واحتمال الأذى.

وال ﴿ أوّاه ﴾ أصله الذي يكثر التأوُّه، وهو قول: أوّه.

وأوّه: اسم فعل نائب مناب أتوجع، وهو هنا كناية عن شدة اهتمامه بهموم الناس.

وال ﴿ منيب ﴾ من أناب إذا رجع، وهو مشتق من النوب وهو النزول.

والمراد التّوبة من التقصير، أي محاسب نفسه على ما يَحذر منه.

وحقيقة الإنابة: الرجوع إلى الشيء بعد مفارقته وتركه.

وجملة ﴿ يا إبراهيم أعرض عن هذا ﴾ مقول محذوف دل عليه المقام وهو من بديع الإيجاز، وهو وحي من الله إلى إبراهيم عليه السّلام، أو جواب الملائكة إبراهيم عليه السّلام.

فإذا كان من كلام الله فقوله: ﴿ أمر ربك ﴾ إظهار في مقام الإضمار لإدخال الرّوع في ضمير السامع.

و ﴿ أمر الله ﴾ قضاؤه، أي أمر تكوينه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إبْراهِيمَ الرَّوْعُ ﴾ يَعْنِي الفَزَعَ، والرُّوعُ بِضَمِّ الرّاءِ النَّفْسُ، ومِنهُ قَوْلُهم ألْقى في رُوعِي أيْ في نَفْسِي.

﴿ وَجاءَتْهُ البُشْرى ﴾ أيْ بِإسْحاقَ ويَعْقُوبَ.

﴿ يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ جادَلَ المَلائِكَةَ بِقَوْلِهِ ﴿ إنَّ فِيها لُوطًا قالُوا نَحْنُ أعْلَمُ بِمَن فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وأهْلَهُ  ﴾ قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: أنَّهُ سَألَهم أتُعَذِّبُونَهم إنْ كانَ فِيها خَمْسُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ؟

قالُوا: لا، قالَ: فَإنْ كانَ فِيها أرْبَعُونَ؟

قالُوا: لا، إلى أنْ أنْزَلَهم إلى عَشَرَةٍ، فَقالُوا: لا، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ سَألَهم عَنْ عَذابِهِمْ هَلْ هو عَذابُ الِاسْتِئْصالِ فَيَقَعُ بِهِمْ لا مَحالَةَ عَلى سَبِيلِ التَّخْوِيفِ لِيُؤْمِنُوا، فَكانَ هَذا هو جِدالَهُ لَهم وإنْ كانَ سُؤالًا لِأنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الكَشْفِ عَنْ أمْرٍ غامِضٍ.

قالَ أبُو مالِكٍ: ولَمْ يُؤْمِن بِلُوطٍ إلّا ابْنَتاهُ رُقَيَّةُ وهي الكُبْرى وعَرُوبَةُ وهي الصُّغْرى.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الحلم يجمع لصاحبه شرف الدنيا والآخرة، ألم تسمع الله وصف نبيه صلى الله عليه وسلم بالحلم فقال: ﴿ إن إبراهيم لحليم أوّاه منيب ﴾ .

وأخرج أبو الشيخ عن ضمرة رضي الله عنه قال: الحلم ارفع من العقل، لأن الله عز وجل تسمى به.

وأخرج أبو الشيخ عن عمرو بن ميمون رضي الله عنه قال: الأوّاه الرحيم، والحليم الشيخ.

وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن إبراهيم لحليم أوّاه منيب ﴾ قال: كان إذا قال: قال الله، وإذا عمل عمل لله، وإذا نوى نوى لله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: المنيب المقبل إلى طاعة الله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه قال: المنيب إلى الله المطيع لله الذي أناب إلى طاعة الله وأمره، ورجع إلى الأمور التي كان عليها قبل ذلك.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه قال: المنيب المخلص في عمله لله عز وجل.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا ﴾ .

قال الزجاج: المعنى: فقلنا يا إبراهيم، وقال المفسرون: قالت الرسل عند ذلك يا إبراهيم أعرض عن هذا، وأشير بـ (هذا) إلى الجدال.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ يجادلنا ﴾ هو جواب لما على أن يكون المضارع في موضع الماضي، أو على تقدير ظل أو أخذ يجادلنا ويكون: يجادلنا مستأنفاً والجواب محذوف، ومعنى جداله كلامه من الملائكة في رفع العذاب عن قوم لوط، وقد ذكر في اللغات ﴿ لَحَلِيمٌ ﴾ وفي براءة أواه.

﴿ ياإبراهيم أَعْرِضْ عَنْ هاذآ ﴾ أي قلنا: يا إبراهيم أعرض عن هذا يعني عن المجادلة فيهم فقد نفذ القضاء بعذابهم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ سلم ﴾ بكسر السين بلا ألف فيهما.

حمزة وعلي ﴿ ويعقوب ﴾ بالنصب: ابن عامر وحمزة وحفص، الآخرون بالرفع.

﴿ سيء بهم ﴾ وبابه كضرب مجهولاً: أبو جعفر ونافع وابن عامر وعلي ورويس.

الآخرون ﴿ سيء ﴾ مثل ﴿ قيل ﴾ ﴿ تخزوني ﴾ بالياء في الحالين: سهل ويعقوب وابن شنبوذ عن قنبل.

وافق أبو عمرو ويزيد وإسماعيل في الوصل ﴿ ضيفي ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ فاسر ﴾ وبابه بهمزة الوصل: أبو جعفر ونافع وابن كثير وعباس من طريق الموصلي وحمزة في الوقف وإن شاء لين الهمزة ﴿ إلا امرأتك ﴾ بالرفع: ابن كثير وأبو عمرو.

الباقون بالنصب.

الوقوف: ﴿ سلاماً ﴾ ط ﴿ حنيذ ﴾ ه ﴿ خيفة ﴾ ط ﴿ قوم لوط ﴾ ه ط ﴿ بإسحق ﴾ ط لمن قرأ ﴿ يعقوب ﴾ بالرفع ﴿ يعقوب ﴾ ه ﴿ شيخاً ﴾ ط ﴿ عجيب ﴾ ه ﴿ أهل البيت ﴾ ط ﴿ مجيد ﴾ ه ﴿ في قوم لوط ﴾ ط ﴿ منيب ﴾ ه ﴿ عن هذا ﴾ ج لاحتمال التعليل ﴿ أمر ربك ﴾ ج للاتبداء بأن مع اتصال المعنى.

﴿ مردود ﴾ ه ﴿ عصيب ﴾ ه ﴿ إليه ﴾ ج للعطف ولاختلاف النظم ﴿ السيئات ﴾ ط ﴿ ضيفي ﴾ ط ﴿ رشيد ﴾ ه ﴿ من حق ﴾ ج لما مر ﴿ ما نريد ﴾ ه ﴿ شديد ﴾ هـ.

﴿ إلا امرأتك ﴾ ط ﴿ أصابهم ﴾ ط ﴿ الصبح ﴾ ط ﴿ بقريب ﴾ ه ﴿ منضود ﴾ ه لا لأن ما بعده صفة حجارة ﴿ عند ربك ﴾ ط ﴿ ببعيد ﴾ ه.

التفسير: الرسل ههنا الملائكة، وأجمعوا على أن الأصل فيهم جبرائيل، ثم اختلفوا فقيل: كان معه اثناء عشر ملكاً على أحسن ما يكون من صورة الغلمان.

وقال الضحاك: كانوا تسعة.

وقال ابن عباس: كانوا ثلاثة جبرائيل وميكائيل وإسرائفيل وهم الذين ذكر الله  في سورة الحجر ﴿ ونبئهم عن ضيف إبراهيم  ﴾ وفي الذاريات ﴿ هل أتاك حديث إبراهيم  ﴾ والظاهر أن البشرى هي البشارة بالولد.

وقيل: بهلاك قوم لوط.

ومعنى ﴿ سلاماً ﴾ سلمنا عليك.

ومعنى ﴿ سلام ﴾ أمركم سلام أو سلام عليكم.

ولأن الرفع يدل على الثبات والاستقرار، والنصب يدل على الحدوث لمكان تقدير الفعل.

قال العلماء: إن سلام إبراهيم كان أحسن اقتداء بقوله  : ﴿ وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحس منها  ﴾ وإنما صح وقوع ﴿ سلام ﴾ مبتدأ مع كونه نكرة لتخصصها بالإِضافة إلى المتكلم إذ أصله سلمت سلاماً فعدل إلى الرفع لإفادة الثبات.

ومن قرأ ﴿ سلماً ﴾ فمعناه السلام أيضاً.

قال الفراء.

سلم وسلام كحل وحلال وحرم وحرام.

وقال أبو علي الفارسي: يحتمل أن يراد بالسلم خلاف الحرب.

قالوا: مكث إبراهيم خمس عشرة ليلة لا يأتيه ضيف فاغتم لذلك فجاءته الملائكة فرأى أضيافاً لم ير مثلهم فما لبث ﴿ أن جاء ﴾ أي فما لبث في أن جاء بل عجل أو فما لبث مجيئه ﴿ بعجل ﴾ هو ولد البقرة ﴿ حنيذ ﴾ مشوي في حرفة من الأرض بالحجارة المحماة وهو من فعل أهل البادية معروف.

ومعناه محنوذ كطبيخ بمعنى مطبوخ.

وقيل: الحنيذ الذي يقطر دسماً لقوله: ﴿ بعجل سمين  ﴾ تقول: حنذت الفرس إذا ألقيت عليها الجل حتى يقطر عرقاً ﴿ فلما رأى أيديهم لا تصل إليه ﴾ إلى العجل أو الطعام ﴿ نكرهم ﴾ أي أنكرهم واستنكر فعلهم ﴿ وأوجس ﴾ أضمر ﴿ منهم خيفة ﴾ لأنه ما كان يعرف أنهم ملائكة وكان من عادة العرب أنه إذا نزل بهم الضيف ولم يتناول طعامهموتوقعوا منه المكروه والشر.

وقيل: إنه كان ينزل في طرف من الأرض بعيد عن الناس، فلما امتنعوا من الأكل خاف أن يريدوا به شراً.

وقيل: إنه كان يعرف أنهم ملائكة الله لقولهم: ﴿ لا تخف ﴾ .

﴿ وإنا أرسلنا إلى قوم لوط ﴾ لم يقولوا لا تخف إنا ملائكة بل ذكروا سبب الإرسال وهو إهلاك قوم لوط.

وعلى هذا فإنما خاف أن يكون نزولهم لأمر أنكره الله أو لتعذيب قومه، والاحتمال الأول وهو أنه كان لا يعرف أنهم ملائكة أقرب بدليل إحضاره الطعام واستدلاله بترك أكلهم على توقع الشر منهم.

وإنما ذكروا سبب الإرسال إيجازاً واختصاراً لدلالة الإرسال على كونهم رسلاً لا أضافياً.

وإنما أتوه على صورة الأضياف ليكونوا على صفة يحبها لأنه كان مشغوفاً بالضيافة.

وبم عرف الملائكة خوفه؟

قيل: بالتغير في وجهه أو بتعريف الله، أو علموا أن علمه بأنهم ملائكة موجب للخوف لأنهم كانوا لا ينزلون إلا بعذاب ﴿ وامرأته ﴾ وهي سارة بنت هاران بن ناحورا بنت عم إبراهيم ﴿ قائمة ﴾ وراء الستر تسمع تحاورهم، أو كانت قائمة على رؤوسهم تخدمهم وهو قعود ﴿ فضحكت ﴾ .

قال العلماء: لا بد للضحك من سبب فقيل: سببه السرور بزوال الخيفة.

وقيل: بهلاك أهل الخبائث.

وعن السدي أن إبراهيم قال لهم: ألا تأكلون؟

قالوا: إنا لا نأكل طعاماً إلا بالثمن.

فقال: ثمنه أن تذكروا اسم الله على أوله وتحمدوه في آخره.

فقال جبرائيل لميكائيل: حق لمصل هذا الرجل أن يتخذه ربه خليلاً، فضحكت امرأته فرحاً بهذا الكلام.

وقيل: كانت تقول لإبراهيم اضمم لوطاً ابن أخيك إليك فإني أعلم أنه ينزل بهؤلاء القوم عذاب، ففرحت بموافقة قولهم لقولها فضحكت.

وقيل: طلب إبراهيم  منهم معجزة دالة على أنهم من الملائكة فدعوا ربهم بإحياء العجل المشوي فطفر ذلك العجل المشوي إلى مرعاه فضحكت سارة من طفرته.

وقيل: ضحكت تعجباً من قوم أتاهم العذاب وهم غافلون.

وقيل: تعجبت من خوف إبراهيم مع كثرة خدمه وحشمه من ثلاثة أنفس.

وقيل: في الكلام تقديم وتأخير أي فبشرناها بإسحق، فضحكت سروراً.

وعن مجاهد وعكرمة ضحكت أي حاضت ومنه ضحكت الطلعة إذا انشقت يعني استعدادها لعلوق الولد.

من قرأ ﴿ يعقوب ﴾ بالرفع فعلى الابتداء والخبر محذوف أي يعقوب مولود أو موجود بعد إسحاق، ومن قرأ بالنصب فعلى العبارة المتروكة كأنه قيل: ووهبنا لها إسحق ومن بعد إسحق يعقوب.

أقول من المحتمل أن يكون ﴿ يعقوب ﴾ مجروراً بالعبارة الموجودة أي وبشرناها بيعقوب من بعد إسحاق وقيل: الوراء ولد الولد ووجهه أن يراد بيعقوب أولاده كما يقال هاشم ويراد أولاده ﴿ يا ويلتي ﴾ كلمة تلهف وقد مرت في "المائدة" في ﴿ يا ويلتي أعجزت  ﴾ و ﴿ شيخاً ﴾ نصب الحال والعامل فيه ما في هذا من معنى أنبه أو أشير ﴿ إن هذا ﴾ يعني إن تولد ولد من هرمين ﴿ لشيء عجيب ﴾ عادة فأزال الملائكة تعجبها منكرين عليها بقولهم على سبيل الاستئناف ﴿ رحمة الله وبركاته عليكم ﴾ يا أهل بيت خليل الرحمن.

والمقصود أن رحمته عليكم متكاثرة وبركاته فيكم متواترة وخرق العادات في أهل بيت النبوة غير عجيب.

ويحتمل أن يكون انتصاب ﴿ أهل البيت ﴾ على الاختصاص.

وقيل: الرحمة النبوة والبركات الأسباط من بني إسرائيل لأن الأنبياء منهم وكلهم من ولد إبراهيم.

ثم أكدوا إزالة التعجب بقولهم: ﴿ إنه حميد ﴾ محمود في أفعاله ﴿ مجيد ﴾ ذو الكرم الكامل فلا يليق به منع الطالب عن مطلوبه.

﴿ فلما ذهب عن إبراهيم الروع ﴾ الخوف الذي لحقه حين أنكر أضيافه ﴿ وجاءته البشرى ﴾ البشارة بحصول الولد ﴿ يجادلنا في قوم لوط ﴾ في معناهم وفي شأنهم وهو جواب "لما" على حكاية الحال، أو لأن "لما" ترد المضارع إلى الماضي عكس "إن"، ويحتمل أن يكون جواب "لما" محذوفاً دل عليه ﴿ يجادلنا ﴾ أي اجترأ على خطابنا أو قال كذا، ثم ابتدأ فقال: ﴿ يجادلنا ﴾ وقيل: معناه أخذ يجادلنا ولا بد من حذف مضاف أي يجادل رسلنا لا بمعنى مخالفة أمر الله فإن ذلك يكون معصية بل سعياً في تأخير العذاب عنهم رجاء إيمانهم وتوبتهم.

ويروى أنهم قالوا إنا مهلكو أهل هذه القرية فقال: أرأيتم لو كان فيها خمسون من المؤمنين أتهلكونها؟

قالوا: لا قال: فأربعون؟

قالوا: لا حتى بلغ العشرة قالوا لا.

قال: فإن كان فيها رجل واحد مسلم أتهلكونها؟

قالوا: لا.

فعند ذلك ﴿ قال إن فيها لوطاً قالوا نحن أعلم بمن فيها لنُنَجِّيَنهُ وأهله  ﴾ قال الأصوليون: إن إبراهيم كان يقول: إن أمر الله ورد بايصال العذاب ومطلق الأمر لا يوجب الفور، والملائكة يدعون الفور إما للقرائن أو لأن مطلق الأمر يستدعي ذلك، فهذه هي المجادلة.

أو لعل إبراهيم كان يدعي أن الأمر مشروط لم يحصل بعدوهم لا يسلمون.

وبالجملة فإن العلماء يجادل بعضهم بعضاً عند التمسك بالنصوص وليس يوجب القدح في واحد منهم فكذلك ههنا ولذلك مدحه بقوله: ﴿ إن إبراهيم لحليم ﴾ غير عجول في الأمور ﴿ أوّاه ﴾ كثير التأوّه من الذنوب ﴿ منيب ﴾ راجع إلى الله في كل ما يسنح له.

وهذه الصفات تدل على رقة القلب والشفقة على خلق الله حتى حملته على المجادلة فيهم رجاء أن يرفع العذاب عنهم.

ولما عرفت الملائكة أن العذاب قد حق عليهم قالوا: ﴿ يا إبراهيم أعرض عن هذا ﴾ الجدال ﴿ إنه قد جاء أمر ربك ﴾ بإهلاكهم ﴿ وإنهم آتيهم ﴾ لاحق بهم ﴿ عذاب غير مردود ﴾ فلا راد لقضائه فلا ينفع فيهم جدال ولا دعاء.

﴿ ولما جاءت رسلنا ﴾ المذكورون ﴿ لوطاً سيء بهم ﴾ أصله "سوىء" لأنه من ساءه يسوءه نقيض سره يسره، نقلت الكسرة إلى الفاء وأبدلت العين ياء، ومن قرأ ﴿ سيء ﴾ بإبدال العين ياء مكسورة فلكراهة اجتماع الواو والهمزة.

﴿ وضاق بهم ذرعاً ﴾ قال الأزهري: الذرع يوضع موضع الطاقة وأصله أن البعير يذرع بيده في سيره على قدر سعة خطوه، فإذا حمل عليه أكثر من طاقته ضاق ذرعه عن ذلك فجعل ضيق الذرع عبارة عن قلة الوسع والطاقة، وربما قالوا ضقت بالأمر ذرعاً.

﴿ وقال هذا يوم عصيب ﴾ أي شديد من العصب الشد كأنه أريد اشتداد ما فيه من الأمور.

عن ابن عباس: انطلقوا من عند إبراهيم إلى لوط وبين القريتين أربعة فراسخ ودخلوا عليه على صورة شباب مرد من بني آدم في غاية الحسن، ولم يعرف لوط أنهم ملائكة الله فساءه مجيئهم واغتم لذلك لأنه خاف عليهم خبث قومه وأن يعجز عن مقاومتهم.

وقيل: سبب المساءة أنه لم يكن قادراً على القيام بحق ضياقتهم لأنه ما كان يجد ما ينفق عليهم.

وقيل: السبب أن قومه منعوه عن إدخال الضيف داره.

وقيل: عرف أنهم ملائكة جاؤوا لإهلاك قومه فرق قلبه على قومه.والصحيح هو الأول.

يروى أنه  قال لهم: لا تهلكوهم حتى يشهد عليهم لوط أربع شهادات.

فلما مشى معهم منطلقاً به إلى منزله قال لهم: أما بلغكم أمر هذه القرية قالوا: وما أمرهم؟

قال: أشهد بالله إنها لشر قرية في الأرض عملاً - يقول ذلك أربع مرات - فدخلوا معه منزله ولم يعلم بذلك أحد فخرجت امرأته فأخبرت بهم قومها فذلك قوله: ﴿ وجاءه قومه يهرعون إليه ﴾ قال أبو عبيدة: يستحثون إليه كأنه يحث بعضهم بعضاً.

وقال الجوهري: الإهراع الإسراع.

وأهرع الرجل على ما لم يسم فاعله فهو مهرع إذا كان يرعد من حمى أو غضب أو فزع.

وقيل: إنما لم يسم فاعله للعلم به.

والمعنى أهرعه خوفه أو حرصه.

ثم بين إسراعهم إنما كان لأجل العمل الخبيث فقال: ﴿ ومن قبل كانوا يعملون السيئات ﴾ الفواحش فمرنوا عليها فلذلك جاؤوا مجاهرين لا يكفهم حياء.

وقيل: معناه وكان لوط قد عرف عادتهم في ذلك العمل قبل ذلك فأراد أن يقي أضيافه ببناته فقال: ﴿ هؤلاء نباتي ﴾ عن قتادة: بناته من صلبه.

وعن مجاهد وسعيد بن جبير: أراد نساء أمته لأن النبي كالأب لأمته.

واختير هذا القول لأن عرض البنات الحقيقيات على الفجار لا يليق بذوي المروءات.

ولأن اللواتي من صلبه لا تكفي للجمع العظيم، ولما روي أنه لم يكن له إلا بنتان وأقل الجمع ثلاثة.

والقائلون بالقول الأول قالوا ما دعا القوم إلى الزنا بهن وإنما دعاهم إلى التزوج بهن بعد الإيمان أو مع الكفر، فلعل تزويج المسلمات من الكفار كان جائزاً كما في أول الإسلام، زوج رسول الله  ابنتيه من عتبة بن أبي لهب وأبي العاص بن الربيع بن عبد العزى - وهما كافران - فنسخ بقوله: ﴿ ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا  ﴾ وقيل: كان لهم سيدان مطاعان فأراد أن يزوجهما ابنتيه، وقيل: إن بناته كن أكثر من ثنتين.

ويجوز أ يكون قد عرض البنات عليهم لا بطريق الجد بل طمعاً فيهم أن يستحيوا منه ويرقوا له.

و ﴿ أطهر ﴾ بمعنى الطاهر لأنه لا طهارة في نكاح الرجال ﴿ فاتقوا الله ﴾ بإيثارهن عليهم ﴿ ولا تخزون ﴾ ولا تفضحوني من الخزي أو لا تخجلوني من الخزاية وهي الحياء.

﴿ في ضيفي ﴾ في حق أضيافي فخزي الضيف والجار يورث للمضيف العار والشنار.

والضيف يستوي فيه الواحد والجمع ويجوز أن يكون مصدراً.

﴿ أليس منكم رجل رشيد ﴾ صالح أو مصلح مرشد يمنتع أو يمنع عن مثل هذا العمل القبيح.

﴿ قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق ﴾ من شهوة ولا حاجة لأن من احتاج إلى شيء فكأنه حصل له فيه نوع حق ولذلك قالوا ﴿ وإنك لتعلم ما نريد ﴾ ويجوز أن يراد إنهن لسن لنا بأزواج فلا حق لنا فيهن من حيث الشرع ومن حيث الطبع، أو يراد إنك دعوتنا إلى نكاحهن بشرط الإيمان ونحن لا نؤمن ألبتة فلا يتصور لنا حق فيهن.

قال لوط ﴿ لو أن لي بكم قوّة ﴾ وجوابه محذوف أي لفعلت بكم وصنعت وبالغت في دفعكم.

قال أهل المعاني: حذف الجواب أبلغ لأن الوهم يذهب إلى أنواع كثيرة من الدفع والمنع.

والمراد لو أن لي ما أتقوى به عليكم فسمى موجب القوة بالقوة، ويحتمل أن يريد بالقوة القدرة والطاقة ﴿ أو آوي ﴾ أنضم ﴿ إلى ركن شديد ﴾ حام منيع شبه الركن من الجبل في شدته.

وقوله: ﴿ أو آوي ﴾ عطف على الفعل المقدر بعد "لو".

والحاصل أنه تمنى دفعهم بنفسه أو بمعاونة غيره، قال ذلك من شدة القلق والحيرة في الأمر النازل به ولهذا قالت الملائكة وقد رقت عليه وحزنت له: إن ركنك لشديد.

وقال النبي  "رحم الله أخي لوطاً كان يأوي إلى ركن شديد فما بعث نبي بعد ذلك إلا في ثروة من قومه" ويحتمل أن يريد بالركن الشديد حصناً يتحصن به فيأمن من شرهم، ويحتمل أنه لما شاهد سفاهة القوم وإقدامهم على سوء الأدب تمني حصول قوة قوية على الدفع.

ثم استدرك وقال بل الأولى أن آوي إلى ركن شديد وهو الاعتصام بعناية الله.

روي أنه أغلق بابه لما جاؤوا فتسوروا الجدار فلما رأت الملائكة ما لقي لوط من الكرب ﴿ قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك ﴾ وهذه جملة موضحة للتي قبلها لأنهم إذا كانوا رسل الله لم يصل الأعداء إليه ولن يقدروا على ضرره، فأمره الملائكة أن يفتح الباب فدخلوا فاستأذن جبرائيل ربه في عقوبتهم فأذن له، فضرب بجناحه وجوههم فطمس أعينهم وأعماهم كما قال  ﴿ ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم  ﴾ فصاروا لا يعرفون الطريق فخرجوا وهم يقولون إن في بيت لوط سحرة.

ثم بين نزول العذاب ووجه خلاص لوط وأهله فقال: ﴿ فأسر بأهلك ﴾ الباء للتعدية إن كانت الهمزة للوصل من السرى، أو زائدة وإن كانت للقطع من الإسراء.

﴿ بقطع من الليل ﴾ عن ابن عباس: أي في آخر الليل بسحر.

وقال قتادة: بعد طائفة من الليل.

وقيل نصف الليل كأنه قطع نصفين ﴿ ولا يلتفت منكم أحد ﴾ أي لا ينظر إلى ما رواءه ﴿ إلا امرأتك ﴾ أكثر القراء على النصب فاعترض بأن الفصيح في مثله هو البدل لأن الكلام غير موجب فكيف اجتمع القراء على غير فصيح؟

فأجاب جار الله بأن الرفع بدل من ﴿ أحد ﴾ على القياس والنصب مستثنى من قوله: ﴿ فأسر ﴾ لا من قوله ﴿ لا يلتفت ﴾ وزيف بأن الاستثناء من ﴿ أسر ﴾ يقتضي كونها غير مسرى بها، والاستثناء من ﴿ لا يلتفت ﴾ يقتضي كونها مسرياً بها لأن الالتفات بعد الإسراء فتكون مسرياً بها غير مسرى بها.

ويمكن أن يجاب بأن ﴿ أسر ﴾ وإن كان مطلقاً في الظاهر إلا أنه في المعنى مقيد بعدم الالتفات إذ المراد أسر بأهلك إسراء لا التفات فيه إلا امرأتك فإنك تسري بها إسراء مع الالتفات، فاستثن على هذا إن شئت من ﴿ أسر ﴾ وإن شئت من ﴿ لا يلتفت ﴾ ولا تناقض.

وبعضهم - كابن الحاجب - جعل ﴿ إلا امرأتك ﴾ في كلتا القراءتين مستثنى من ﴿ لا يلتفت ﴾ ولم يستبعد اجتماع القراء على قراءة غير الأقوى.

ويمكن أن يقال: إنما اجتمعوا على النصب ليكون استثناء من ﴿ أسر ﴾ إذ لو جعل استثناء من ﴿ لا يلتفت ﴾ لزم أن تكون مأمورة بالالتفات لأن القائل إذا قال لا يقم منكم إلا زيد كان ذلك أمراً لزيد بالقيام اللهم إلا أن يجعل الاستثناء منقطعاً على معنى ولا يلتفت منكم أحد لكن امرأتك تلتفت فيصيبها ما أصابهم، وإذا كان هذا الاستثناء منقطعاً كان التفاتها موجباً للمعصية.

قاله في الكشاف.

وروي أنه أمر أن يخلفها مع قومها فلم يسر بها.

واختلاف القراءتين لاختلاف الروايتين.

أقول: في هذا الكلام خلل لا يمكن اجتماعهما على الصحة، والقراءتان يجب اجتماعهما على الصحة لتواتر القراآت كلها.

روي أنها لما سمعت هدّة العذاب أي صوته التفتت وقالت: يا قوماه: فأدركها حجر فقتلها.

وقيل: المراد بعدم الالتفات قطع تعلق القلب عن الأصدقاء والأموال والأمتعة.

فعلى هذا يصح الاستثناءان من غير شائبة التناقض كأنه أمر لوطاً أن يخرج بقومه ويترك هذه المرأة فإنها هالكة من الهالكين.

ثم أمر أن يقعطوا العلائق وأخبر أن امرأته تبقى متعلقة القلب بها.

يروى أنه قال لهم متى موعد هلاكهم فقيل له ﴿ إن موعدهم الصبح ﴾ فقال أريد أسرع من ذلك فقالوا: ﴿ أليس الصبح بقريب؟

﴾ ﴿ فلما جاء أمرنا ﴾ بإهلاكهم ﴿ جعلنا ﴾ أي جعل رسلنا ﴿ عاليها سافلها ﴾ روي أن جبرائيل أدخل جناحه الواحد تحت مدائن قوم لوط وقلعها وصعد بها إلى السماء حتى سمع أهل السماء نهيق الحمير ونباح الكلاب وصياح الديوك لم يتبدد لهم طعام ولم يتكسر لهم إناء، ثم قلبها دفعة وضربها على الأرض، ثم أمطر عليهم حجارة من سجيل - وهو معرب سنك وكل - كأنه مركب من حجر وطين وهو في غاية الصلابة.

وقيل: سجيل أي مثل السجل وهي الدلو العظيمة أو مثلها في تضمن الأحكام الكثيرة، وقيل: أي مرسلة عليهم من أسجلته إذا أرسلته.

وقيل: أي مما كتب الله أن يعذب به أو كتب عليه أسماء المعذبين من السجل وقد سجل لفلان.

وقيل: من سجين أي من جهنم فأبدلت النون لاماً.

ويل: إنه اسم من أسماء السماء الدنيا.

ومعنى ﴿ منضود ﴾ موضع بعضها فوق بعض في النزول يأتي على سبيل المتابعة والتلاصق.

أو نضد في السماء نضداً معداً لإهلاك الظلمة وفي السماء معادنها في جبال مخصوصة كقوله: { ﴿ من جبال فيها من برد  ﴾ ﴿ مسوّمة ﴾ معلمة للعذاب أو بياض وحمرة، عن الحسن والسدي عليها أمثال الخواتيم.

وقال ابن جريج كان عليها سيما لا تشاكل حجارة الأرض.

وقال الربيع: مكتوب على كل حجر اسم من يرمى به.

وقال أبو صالح: رأيت منها عند أم هانىء حجارة فيها خطوط حمر على هيئة الجزع.

ومعنى ﴿ عند ربك ﴾ أي في خزائنه لا يتصرف في شيء منها إلا هو، أو مقرر في علمه إهلاك من أهلك بكل واحد منها ﴿ وما هي ﴾ أي تلك الحجارة ﴿ من الظالمين ﴾ أي من كل ظالم ﴿ ببعيد ﴾ وهو وعيد لأهل مكة عن رسول الله  أنه سأل جبرائيل عن هذا فقال يعني من ظالمي أمتك ما من ظالم إلا وهو بصدد سقوط الحجر عليه ساعة فساعة.

وقيل: أي تلك القرى ليست ببعيدة من ظالمي أهل مكة يمرون بها في مسايرهم إلى الشام.

وقيل: المراد أنها وإن كانت في السماء إلا أنها إذا هوت منها فهي أسرع شيء لحوقاً بالمرمى فكانت كأنها بمكان قريب والله  أعلم بمراده.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بِٱلْبُـشْرَىٰ ﴾ : اختلفوا في هذه البشارة؛ قال بعضهم: جاءوا هم ببشارة إسحاق والحافد.

وهو قوله: ﴿ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ ﴾ .

وقال بعضهم: جاءوا ببشارة إهلاك قوم لوط وإنجاء لوط وأهله، قيل: لأن لوطا كان ابن أخي إبراهيم، وكان لوط فزع إلى الله بسوء عمل قومه وصنيعهم ودعا بالنجاة منهم، وهو قوله: ﴿ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِّنَ ٱلْقَالِينَ...

﴾ الآية [الشعراء: 168] حتى ذكر في بعض القصة أن سارة قالت لإبراهيم: ضم ابن أخيك إلى نفسك فإن قومه يعذبون، كأنها عرفت أنه لا يتركهم على ما هم عليه بسوء عملهم.

قالوا: جاءوا بالبشارتين جميعاً: ببشارة الولد والحافد، وبشارة هلاك قوم لوط ونجاة لوط وأهله؛ إلى هذا يذهب بعض أهل التأويل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ سَلاَماً قَالَ سَلاَمٌ ﴾ : هذا يدل أن السلام هو سنة الأنبياء والرسل والملائكة في الدنيا والآخرة، ولم تخص هذه الأمة به بل كان سنة الرسل الماضية والأمم السالفة وكذلك هو تحية أهل الجنة لقوله: ﴿ سَلاَمٌ عَلَيْكُـمْ طِبْتُمْ  ﴾ ونحوه، هذا يدل على ما ذكرنا.

ثم انتصاب قوله: ﴿ سَلاَماً ﴾ وارتفاع الثاني؛ لأن الأول انتصب لوقوع القول عليه كقولك: قال قولا، والثاني حكاية لقولهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ ﴾ .

وقوله: ﴿ فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ ﴾ أي: ما لبث عندهم حتى اشتغل بتقديم شيء إليهم، وإلا قد يكون في ذبح العجل وشويه لبث إلا أن يكون العجل مشويّاً، فإن لم يكن مشويّاً فتأويله ما ذكرنا أن لم يلبث عندهم في المؤانسة والحديث معهم على ما يفعل مع الأضياف حتى جاء بما ذكر، وفيه ما ذكرنا من الأدب، وفيه دلالة فيمن نزل به ضيف ألا يشتغل بالسؤال عن أحوال ضيفه من أين وإلى أين؟

وما حاجتهم؟

ولكن يشتغل بقراهم وإزاحة حاجتهم؛ لأن إبراهيم -  - إنما اشتغل بقراهم، لم يشتغل بالسؤال عن أحوالهم، ولكن اشتغل بما ذكرنا فجاء بعجل حنيذ، وهذا هو الأدب في الضيف، ألا ترى أنه لو كان سأل عن أحوالهم، فعرف أنهم من الملائكة لكان لا يشتغل بما ذكر؛ إذ عرف أنهم من الملائكة والملائكة لا يتناولون شيئاً من الطعام.

وقوله: ﴿ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ ﴾ ، قال بعضهم: الحنيذ: السمين، وهو ما ذكر في موضع آخر: ﴿ فَجَآءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ  ﴾ .

وقال بعضهم: الحنيذ هو المشوي الذي خد في الأرض خدّاً، فحمي فشوي بالحجر المحمي.

وقال بعضهم: الحنيذ هو المشوي الذي يسيل منه الماء.

وقال ابن عباس: الحنيذ: النضيج.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ ﴾ .

قال بعضهم: نكرهم وأنكرهم واستنكرهم: واحد، وهو من الإنكار، أي: لم يعرفهم؛ ظن أنهم لصوص؛ لأن اللصوص من عادتهم أنهم كانوا إذا أرادوا السرقة من قوم لم يتناولوا من طعامهم، ولم يأكلوا شيئاً عندهم.

وقيل: نكرهم أنهم من البشر.

﴿ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً ﴾ .

قيل: أضمر منهم خوفاً، قال بعضهم: خاف لما ظن أنهم سراق ولصوص؛ حيث لم يتناولوا شيئاً مما قدم إليهم.

وقال بعضهم: خيفة، أي: وحشة: أي: أضمر وحشة، حيث لم يتناولوا شيئاً مما قرب إليهم؛ فحينئذ علم أنهم ليسوا من البشر؛ لأن منزل إبراهيم كان ينأى من البلد، ولم ينزل أحد من البشر إلا وقد احتاج إلى الطعام، فلما لم يتناولوا علم أنهم ليسوا من البشر، فما جاءوا إلا لأمر عظيم: لتعذيب قوم وهلاكهم؛ فخاف لذلك؛ فقالوا: ﴿ لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍ ﴾ [وقال في موضع آخر: ﴿ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ * لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً...

﴾ الآية [الذاريات: 32-33].

وقال في موضع آخر: ﴿ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍ ﴾ ].

وقال في موضع آخر: ﴿ لاَ تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلاَمٍ عَلِيمٍ  ﴾ ، وقال: ﴿ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا ٱلْمُرْسَلُونَ  ﴾ يذكر هاهنا أن قولهم: ﴿ إِنَّا أُرْسِلْنَا ﴾ على أثر سؤال، وفيما نحن فيه لا كذلك؛ فالمعنى فيه - والله أعلم - أن ذلك كان على أثر سؤال إبراهيم بقوله: ﴿ فَمَا خَطْبُكُمْ ﴾ ، لكنه جمع ذلك فيما نحن فيه بالحكاية عن قولهم، وإن كان مفصولا عنه، وخرجت الحكاية في موضع آخر على ما كان في الحقيقة، وذلك مستقيم في كلام العرب، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱمْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ ﴾ .

قال بعضهم: قائمة على رءوس الأضياف؛ لأنها كانت عجوز، ولا بأس لعجوز ذلك؛ ألا ترى إلى قول الله -  - ﴿ وَٱلْقَوَاعِدُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ...

﴾ الآية [النور: 60].

وقال بعضهم: ﴿ قَآئِمَةٌ ﴾ من وراء الباب، لكن لسنا ندري أي ذلك كان؟

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَضَحِكَتْ ﴾ .

قال بعضهم: ضحكت، تعجباً من خوف إبراهيم أنهم لصوص، وهم كانوا ثلاثة أو أربعة، دون عشرة، وكان خدم إبراهيم -  - يبلغ عددهم ثلاثمائة، على ما ذكر في القصة ضحكت تعجباً؛ إذ كيف يخاف من نفر عددهم دون عشرة، وعنده من الخدم ما يبلغ عددهم ما ذكرنا.

وقال بعضهم: ضحكت؛ تعجباً ممّا بشروها بالولد، وقد بلغ سنها ما بلغ من الكبر وهو كذلك، وقالت: أحق أن ألد وقد بلغت من السن كذا.

وقال بعضهم: ضحكت أي: حاضت، من قولهم: ضحكت الأرنب إذا حاضت، وهو قول ابن عباس وعكرمة.

وقال الفراء: (ضحكت): حاضت غيرُ مسموع ولا معروف فعلى تأويل من قال: إنها ضحكت تعجباً مما بشرت بالولد فهو على التقديم والتأخير، كأنه قال فبشرناها بإسحاق ومن وراء أسحاق يعقوب فضحكت.

وقال بعضهم: ضحكت سروراً بالأمن منهم؛ لأنهما خافا منهم.

وقوله: ﴿ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ ﴾ .

ظاهر هذا أنها بشرت بإسحاق، ومن وراء أولاد إسحاق أولاد يعقوب، ولكن لم يكن يعقوب ولد من إبراهيم؛ إنما ولد من إسحاق، وهو: حافد إبراهيم أبي إسحاق فتأويله من وراء إسحاق حافد؛ فإنما البشارة بالولد وبالحافد، وهو كقوله: ﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً  ﴾ .

وقال في هذه السورة: ﴿ وَٱمْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ فَأَقْبَلَتِ ٱمْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ  ﴾ .

فإن كان على ما قالوا إنها كانت قائمة وراء الباب؛ فيكون إقبالها خروجها إلى القوم، وإن كان قيامها على رءوسهم؛ فيكون معنى الإقبال هو الإقبال في ضرب وجهها وصكها، لكن ذلك من القدوم، لكنه على الإقبال بفعل ما أخبر عنها من صك وجهها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَتْ يَٰوَيْلَتَىٰ ءَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَـٰذَا بَعْلِي شَيْخاً ﴾ [وقال في موضع آخر: ﴿ وَبَشَّرُوهُ بِغُلاَمٍ عَلِيمٍ  فَأَقْبَلَتِ ٱمْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ  ﴾ ؛ وقال هاهنا: ﴿ يَٰوَيْلَتَىٰ ءَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَـٰذَا بَعْلِي شَيْخاً ﴾ ] إن هذا لشيء عجيب.

هي لم تتعجب [من] قدرة الله أنه قادر على أن يهب الولد في كل وقت؛ ولكنها تعجبت لما رأت العادة في النساء والرجال أنهم إذا بلغوا المبلغ الذي كانوا هم لم يلدوا؛ فتعجبها أنها تلد في الحال التي هي عليها، أو يردان إلى حال الشباب؛ فعند ذلك يولد لهما، وكلاهما عجيب بحيث الخروج على خلاف العادة، لا بحيث قدرة الرب، وهو كما ذكرنا من قول زكريا: ﴿ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِي ٱلْكِبَرُ وَٱمْرَأَتِي عَاقِرٌ  ﴾ ، وفي موضع آخر: ﴿ وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ ٱلْكِبَرِ عِتِيّاً  ﴾ ، وقوله: أنى يكون لي غلام في الحال التي أنا عليها أو يرد لي شبابي، فعلى ذلك قولها ﴿ ءَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَـٰذَا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُوۤاْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ ﴾ .

قال أهل التأويل: أتعجبين من قدرة الله هذا؟

[...] لكنه يحتمل وجهين: أحدهما أي: لا تعجبي من أمر الله هذا وكثيرا مما رأيت أمثال ذلك في أهل بيتك.

والثاني [...].

وقوله - عز وجل -: ﴿ رَحْمَتُ ٱللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ ﴾ .

يشبه أن يكون هذا صلة قوله: ﴿ قَالُواْ سَلاَماً ﴾ ؛ لأنه معلوم أنهم لم يقولوا سلاماً حسب، لم يزيدوا على هذا؛ بل زادوا؛ فكأنهم قالوا: سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أو قالوا: سلام الله ورحمته وبركاته عليكم.

﴿ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ ﴾ .

بالنصب؛ كأنه قال يا أهل البيت، كقوله -  - حيث قال: "تركت بعدي الثقلين: كتاب الله وعترتي: أهل بيتي" ، أي: يا أهل بيتي.

﴿ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ ﴾ .

يحتمل حميد الذي يقبل اليسير من المعروف ويعطي الجزيل كالشكور، والمجيد: من المجد والشرف.

وقيل: الحميد: المحمود، والمجيد: الماجد وهو الكريم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ ٱلرَّوْعُ ﴾ .

قيل: الروع هو الفرق والفزع الذي دخل فيه بمجيء الملائكة.

﴿ وَجَآءَتْهُ ٱلْبُشْرَىٰ ﴾ .

في الولد والحافد، وفي نجاة لوط وأهله، وهو ما ذكرنا في قوله: ﴿ وَلَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بِٱلْبُـشْرَىٰ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: مجادلته إياهم في قوم لوط ما ذكر في القصّة أنه قال لهم: أرأيتم إن كان فيهم من المؤمنين كذا تعذبونهم؟

قالوا: لا ونحوه من الكلام فإن ثبت هذا، وإلا لا نعلم ما مجادلته إياهم [وأمكن أن تكون مجادلته إياهم] في دفع العذاب عنهم أو تأخيره دليله قوله: ﴿ يَٰإِبْرَٰهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَآ إِنَّهُ قَدْ جَآءَ أَمْرُ رَبَّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ ﴾ ، ويحتمل مجادلته إياهم في استبقاء قوم لوط؛ شفقة عليهم ورحمة، لعلهم يؤمنون ويقبلون ما يدعون إليه؛ لئلا ينزل بهم العذاب: ما أوعدوا يتشفع إليهم ليسألوا ربهم أن يبقيهم والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ ﴾ .

قيل: الحليم هو الذي لا يكافئ من ظلمه ولا يجازيه به، أو يحلم عن سفه كل سفيه ﴿ أَوَّاهٌ ﴾ ، قيل: الأواه: الموقن، بلغة الحبش، وقيل: الأواه: المتأوه، وهو الدعاء وكثير الدعاء، وقيل: الأواه: المتقي الذي لا يفتر لسانه عن ذكره، وقيل: الأواه: الحزين فيما بينه وبين ربّه.

في هذه الأحرف الثلاثة جميع أنواع الخير والطاعة ما كان [فيما] بينه وبين ربه، وما كان بينه وبين الخلق، حيث ذكر أنه حليم وأنه أواه، وأنه منيب، والمنيب، قيل: المخلص لله وقيل: هو المقبل إلى الله بقلبه وبدنه، وقد ذكرنا هذا في سورة التوبة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَٰإِبْرَٰهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَآ ﴾ يعني: عن المجادلة [التي كان يجادلهم ﴿ إِنَّهُ قَدْ جَآءَ أَمْرُ رَبَّك ﴾ أي: جاء ما أمر به ربك، وجاء موعودهم، وأنهم ﴿ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ ﴾ أي: غير مدفوع لا يحتمل الردّ بالشفاعة.

ويحتمل قوله: ﴿ يَٰإِبْرَٰهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَآ ﴾ عن المجادلة التي] ذكر أنه قد جاء أمر ربك بالانصراف والرجوع عنك.

ويحتمل: جاء أمر ربك من إنزال العذاب بهم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قال الملائكة: يا إبراهيم، أعرض عن هذا الجدال في قوم لوط، إنه قد جاء أمر ربك بإيقاع العذاب الَّذي قدره عليهم، وإن قوم لوط آتيهم عذاب عظيم، لا يرده جدال ولا دعاء.

<div class="verse-tafsir" id="91.RJm1d"

مزيد من التفاسير لسورة هود

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 13.7 / 29.5
الإضاءة 99%
البدر بعد 1 يوم
سبحان الله