الإسلام > القرآن > تفسير > الماوردي > سورة 25 الفرقان > الآيات ٦٨-٧١
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 5 دقيقة قراءةقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ﴾ يَعْنِي لا يَجْعَلُونَ لِلَّهِ تَعالى شَرِيكًا، ولا يَجْعَلُونَ بَيْنَهم وبَيْنَهُ في العِبادَةِ وسِيطًا.
﴿ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ ﴾ يَعْنِي حَرَّمَ قَتْلَها، وهي نَفْسُ المُؤْمِنِ والمَعاهِدِ.
﴿ إلا بِالحَقِّ ﴾ والحُقُّ المُسْتَباحُ بِهِ قَتْلُها، ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ أنَّهُ قالَ: «لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلّا بِإحْدى ثَلاثٍ: كُفْرٍ بَعْدَ إيمانٍ، أوْ زِنًى بَعْدَ إحْصانٍ، أوْ قَتْلِ نَفْسٍ بِغَيْرِ نَفْسٍ» .
﴿ وَلا يَزْنُونَ ﴾ والزِّنى إتْيانُ النِّساءِ المُحَرَّماتِ في قُبُلٍ أوْ دُبُرٍ، واللِّواطُ زِنًى في أحَدِ القَوْلَيْنِ وهو في القَوْلِ الثّانِي مُوجِبٌ لِقَتْلِ الفاعِلِ والمَفْعُولِ بِهِ، وفي إتْيانِ البَهائِمِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ كالزِّنى في الفَرْقِ بَيْنَ البِكْرِ والثَّيِّبِ.
الثّانِي: أنَّهُ يُوجِبُ قَتْلَ البَهِيمَةِ ومَن أتاها لِلْخَبَرِ المَأْثُورِ فِيهِ.
الثّالِثُ: أنَّهُ يُوجِبُ التَّعْزِيرَ.
فَجَمَعَ في هَذِهِ الآيَةِ بَيْنَ ثَلاثٍ مِنَ الكَبائِرِ: الشِّرْكِ وقَتْلِ النَّفْسِ والزِّنى، رَوى عَمْرُو بْنُ شُرَحْبِيلَ «عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ (أوْ قالَ غَيْرِي): أيُّ ذَنْبٍ أعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ؟
قالَ: (أنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وهو خَلَقَكَ) قالَ: ثُمَّ أيٌّ؟
قالَ: (أنْ تَقْتُلَ ولَدَكَ خِيفَةَ أنْ يَطْعَمَ مَعَكَ) قالَ: ثُمَّ أيٌّ ؟
قالَ: (أنْ تُزانِيَ حَلِيلَةَ جارِكَ) قالَ: فَأنْزَلَ اللَّهُ ذَلِكَ.
» ﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ﴾ يَعْنِي هَذِهِ الثَّلاثَةَ أوْ بَعْضَها ﴿ يَلْقَ أثامًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: : أحَدُها: أنَّ الأثامَ العُقُوبَةُ قالَهُ بَلْعامُ بْنُ قَيْسٍ: جَزى اللَّهُ ابْنَ عُرْوَةَ حَيْثُ أمْسى عُقُوقًا والعُقُوقُ لَهُ أثامُ الثّانِي: أنَّ الأثامَ اسْمُ وادٍ في جَهَنَّمَ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ، وقَتادَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: لَقِيتُ المَهالِكَ في حَرْبِنا ∗∗∗ وبَعْدَ المَهالِكِ تَلْقى أثامًا الثّالِثُ: الجَزاءُ، قالَهُ السُّدِّيُّ، وقالَ الشّاعِرُ: وإنَّ مَقامَنا نَدْعُو عَلَيْكم ∗∗∗ بِأبْطَحَ ذِي المَجازِ لَهُ أثامُ ﴿ يُضاعَفْ لَهُ العَذابُ يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ المُضاعَفَةَ عَذابُ الدُّنْيا وعَذابُ الآخِرَةِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: أنَّها الجَمْعُ بَيْنَ عُقُوباتِ الكَبائِرِ المُجْتَمِعَةِ.
الثّالِثُ: أنَّها اسْتِدامَةُ العَذابِ بِالخُلُودِ.
﴿ وَيَخْلُدْ فِيهِ ﴾ أيْ يَخْلُدُ في العَذابِ بِالشِّرْكِ.
﴿ مُهانًا ﴾ بِالعُقُوبَةِ.
﴿ إلا مَن تابَ ﴾ يَعْنِي مِنَ الزِّنى.
﴿ وَآمَنَ ﴾ يَعْنِي مِنَ الشِّرْكِ.
﴿ وَعَمِلَ عَمَلا صالِحًا ﴾ يَعْنِي بَعْدَ السَّيِّئاتِ.
﴿ فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: في الدُّنْيا يُبَدِّلُهم بِالشِّرْكِ إيمانًا، وبِالزِّنى إحْصانًا وبِذِكْرِ اللَّهِ بَعْدَ نِسْيانِهِ، وبِطاعَتِهِ بَعْدَ عِصْيانِهِ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ الحَسَنِ، وقَتادَةَ.
الثّانِي: أنَّهُ في الآخِرَةِ فِيمَن غَلَبَتْ حَسَناتُهُ عَلى سَيِّئاتِهِ فَيُبَدِّلُ اللَّهُ السَّيِّئاتِ حَسَناتٍ، قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ.
الثّالِثُ: أنَّهُ يُبَدِّلُ اللَّهُ عِقابَ سَيِّئاتِهِ إذا تابَ مِنها بِثَوابِ حَسَناتِهِ إذا انْتَقَلَ إلَيْها، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
﴿ وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا ﴾ لِما تَقَدَّمَ قَبْلَ التَّوْبَةِ.
﴿ رَحِيمًا ﴾ لِما بَعْدَها.
وَحَكى الكَلْبِيُّ «أنَّ وحْشِيًّا وهو عَبْدُ عُتْبَةَ بْنِ غَزْوانَ كَتَبَ بَعْدَ وقْعَةِ أُحُدٍ وقَتْلِ حَمْزَةَ إلى النَّبِيِّ : هَلْ مِن تَوْبَةٍ؟
فَإنَّ اللَّهَ أنْزَلَ بِمَكَّةَ إياسِي مِن كُلِّ خَيْرٍ ﴿ والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ﴾ الآيَةَ وإنَّ وحْشِيًّا قَدْ فَعَلَ هَذا كُلَّهُ، وقَدْ زَنى وأشْرَكَ وقَتَلَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ إلا مَن تابَ ﴾ أيْ مِنَ الزِّنى وآمَنَ بَعْدَ الشِّرْكِ وعَمِلَ صالِحًا بَعْدَ السَّيِّئاتِ، فَكَتَبَ بِها رَسُولُ اللَّهِ إلَيْهِ فَقالَ وحْشِيٌّ: هَذا شَرْطٌ شَدِيدٌ ولَعَلِّي لا أبْقى بَعْدَ التَّوْبَةِ حَتّى أعْمَلَ صالِحًا، فَكَتَبَ لِرَسُولِ اللَّهِ : هَلْ مِن شَيْءٍ أوْسَعَ مِن هَذا؟
فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ ﴾ ، فَكَتَبَ بِها رَسُولُ اللَّهِ إلى وحْشِيٍّ.
فَأرْسَلَ وحْشِيٌّ إلى النَّبِيِّ : إنّى لَأخافُ أنْ لا أكُونَ في مَشِيئَةِ اللَّهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ في وحْشِيٍّ وأصْحابِهِ ﴿ قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ﴾ الآيَةَ.
فَبَعَثَ بِها رَسُولُ اللَّهِ إلى وحْشِيٍّ إلى النَّبِيِّ فَأسْلَمَ.
» <div class="verse-tafsir"