الإسلام > القرآن > تفسير > المحرر الوجيز > سورة 3 آل عمران > الآيات ١٠-١١
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 3 دقيقة قراءةقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عنهم أمْوالُهم ولا أولادُهم مِنَ اللهِ شَيْئًا وأُولَئِكَ هم وقُودُ النارِ ﴾ ﴿ كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ واللهُ شَدِيدُ العِقابِ ﴾ هِمَمُ الكُفّارِ الَّذِينَ لا يُقِرُّونَ بِبَعْثٍ إنَّما هي عَلى وجْهِ الدَهْرِ وإلى يَوْمِ القِيامَةِ - في زِينَةِ الدُنْيا، وهي المالُ والبَنُونَ، فَأخْبَرَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ، أنَّ ذَلِكَ المُتَهَمَّمَ فِيهِ لا يُغْنِي عن صاحِبِهِ شَيْئًا، ولا يَمْنَعُهُ مِن عَذابِ اللهِ وعِقابِهِ.
و"مِنَ" في قَوْلِهِ: "مِنَ اللهِ" لِابْتِداءِ الغايَةِ، والإشارَةُ بِالآيَةِ إلى مُعاصِرِي النَبِيِّ ، وكانُوا يَفْخَرُونَ بِأمْوالِهِمْ وأبْنائِهِمْ، وهِيَ- بَعْدُ- مُتَناوِلَةٌ كُلَّ كافِرٍ.
وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "لَنْ يُغْنِيَ" بِالياءِ، عَلى تَذْكِيرِ العَلامَةِ.
والوَقُودُ بِفَتْحِ الواوِ: ما يَحْتَرِقُ في النارِ مِن حَطَبٍ ونَحْوِهِ، وكَذَلِكَ هي قِراءَةُ جُمْهُورِ الناسِ.
وقَرَأ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ وجَماعَةٌ غَيْرُهُما: "وُقُودُ" بِضَمِّ الواوِ، وهَذا عَلى حَذْفِ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: "حَطَبُ وُقُودِ النارِ" والوُقُودُ بِضَمِّ الواوِ: المَصْدَرُ، وقَدَتِ النارُ تَقِدُ إذا اشْتَعَلَتْ.
والدَأْبُ والدَأبُ - بِسُكُونِ الهَمْزَةِ وفَتْحِها - مَصْدَرُ دَأبَ يَدْأبُ، إذا لازَمَ فِعْلَ شَيْءٍ ودامَ عَلَيْهِ مُجْتَهِدًا فِيهِ، ويُقالُ لِلْعادَةِ "دَأْبٌ"، فالمَعْنى في الآيَةِ: تَشْبِيهُ هَؤُلاءِ في لُزُومِهِمُ الكُفْرَ ودَوامِهِمْ عَلَيْهِ بِأُولَئِكَ المُتَقَدِّمِينَ، وآخِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي الوَعِيدَ بِأنْ يُصِيبَ هَؤُلاءِ مِثْلَ ما أصابَ أُولَئِكَ مِنَ العِقابِ.
والكافُ في قَوْلِهِ تَعالى: "كَدَأْبِ" في مَوْضِعِ رَفْعٍ، والتَقْدِيرُ: دَأْبُهم كَدَأْبِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ الكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ.
قالَ الفَرّاءُ: هو نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: كُفْرًا كَدَأْبِ، فالعامِلُ فِيهِ "كَفَرُوا"، ورَدَّ هَذا القَوْلَ الزَجّاجُ بِأنَّ الكافَ خارِجَةٌ مِنَ الصِلَةِ فَلا يُعْمَلُ فِيهِ ما في الصِلَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَصِحُّ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ فِعْلٌ مُقَدَّرٌ مِن لَفْظِ الوَقُودِ ويَكُونَ التَشْبِيهُ في نَفْسِ الِاحْتِراقِ، ويُؤَيِّدُ هَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ العَذابِ ﴾ ﴿ النارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا ﴾ والقَوْلُ الأوَّلُ أرْجَحُ الأقْوالِ أنْ تَكُونَ الكافُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، والهاءُ في "قَبْلِهِمْ" عائِدَةٌ عَلى آلِ فِرْعَوْنَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَعُودَ عَلى مُعاصِرِي رَسُولِ اللهِ مِنَ الكُفّارِ.
وقَوْلُهُ: "بِآياتِنا" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالآياتِ: المَتْلُوَّةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: العَلاماتِ المَنصُوبَةَ.
واخْتَلَفَتْ عِبارَةُ المُفَسِّرِينَ في تَفْسِيرِ الدَأْبِ، وذَلِكَ كُلُّهُ راجِعٌ إلى المَعْنى الَّذِي ذَكَرْناهُ.
<div class="verse-tafsir"