الإسلام > القرآن > تفسير > المحرر الوجيز > سورة 3 آل عمران > الآيات ٧٨-٧٩
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 8 دقيقة قراءةقوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإنَّ مِنهم لَفَرِيقًا يَلْوُونَ ألْسِنَتَهم بِالكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الكِتابِ وما هو مِنَ الكِتابِ ويَقُولُونَ هو مِنَ عِنْدِ اللهِ وما هو مِنَ عِنْدِ اللهِ ويَقُولُونَ عَلى اللهِ الكَذِبَ وهم يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ الكِتابَ والحُكْمَ والنُبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي مِن دُونِ اللهُ ﴾ الضَمِيرُ في "مِنهُمْ" عائِدٌ عَلى أهْلِ الكِتابِ؛ والفَرِيقُ: الجَماعَةُ مِنَ الناسِ، هي مَأْخُوذَةٌ مِن فَرَقَ إذا فَصَلَ وأبانَ شَيْئًا عن شَيْءٍ.
و"يَلْوُونَ" مَعْناهُ: يُحَرِّفُونَ ويَتَحَيَّلُونَ بِتَبْدِيلِ المَعانِي مِن جِهَةِ اشْتِباهِ الألْفاظِ واشْتِراكِها وتَشَعُّبِ التَأْوِيلاتِ فِيها، ومِثالُ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: ﴿ سَمِعْنا وعَصَيْنا واسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ ﴾ ونَحْوُ ذَلِكَ، ولَيْسَ التَبْدِيلُ المَحْضُ بِلَيٍّ، وَحَقِيقَةُ اللَيِّ في الثِيابِ والحِبالِ ونَحْوِها: فَتْلُها وإراغَتُها، ومِنهُ لَيُّ العُنُقِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ ذَلِكَ في الحُجَجِ والخُصُوماتِ والمُجادَلاتِ تَشْبِيهًا بِتِلْكَ الإراغَةِ الَّتِي في الأجْرامِ، فَمِنهُ قَوْلُهُمْ: خَصْمٌ ألْوى، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: فَلَوْ كانَ في لَيْلى شَذىً مِن خُصُومَةٍ لَلَوَّيْتُ أعْناقَ الخُصُومِ المَلاوِيا وقالَ الآخَرُ: ألْفَيْتُنِي ألْوى بَعِيدَ المُسْتَمَرْ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يَلْوُونَ" مُضارِعُ لَوى، عَلى وزْنِ فَعَلَ بِتَخْفِيفِ العَيْنِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ وشَيْبَةُ بْنُ نِصاحٍ: "يُلَوُّونَ" بِتَشْدِيدِ الواوِ وفَتْحِ اللامِ مِن لَوّى، عَلى وزْنِ فَعَّلَ بِتَشْدِيدِ العَيْنِ، وهو تَضْعِيفُ مُبالَغَةٍ لا تَضْعِيفَ تَعْدِيَةٍ.
وقَرَأ حُمَيْدٌ: "يَلُونَ" بِضَمِّ اللامِ وسُكُونِ الواوِ، وهي في الأصْلِ: "يَلُوُنَ" مِثْلُ قِراءَةِ الجَماعَةِ، فَهُمِزَتِ الواوُ المَضْمُومَةُ لِأنَّها عُرْفُها في بَعْضِ اللُغاتِ، فَجاءَ-يَلْؤُونَ- فَنُقِلَتْ ضَمَّةُ الهَمْزَةِ إلى اللامِ فَجاءَ "يَلُونَ".
والكِتابُ في هَذا المَوْضِعِ: التَوْراةُ، وضَمِيرُ الفاعِلِ في قَوْلِهِ: "لِتَحْسَبُوهُ" هو لِلْمُسْلِمِينَ.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَما هو مِن عِنْدِ اللهِ ﴾ نَفْيُ أنْ يَكُونَ مُنَزَّلًا كَما ادَّعَوْا، وهو مِن عِنْدِ اللهِ بِالخَلْقِ والِاخْتِراعِ والإيجادِ، ومِنهم بِالتَكَسُّبِ، ولَمْ تُعْنَ الآيَةُ إلّا لِمَعْنى التَنْزِيلِ فَبَطَلَ تَعَلُّقُ القَدَرِيَّةِ بِظاهِرِ قَوْلِهِ: ﴿ وَما هو مِن عِنْدِ اللهِ ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَيَقُولُونَ عَلى اللهِ الكَذِبَ وهم يَعْلَمُونَ ﴾ .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما كانَ لِبَشَرٍ ﴾ مَعْناهُ: لِأحَدٍ مِنَ الناسِ.
والبَشَرُ: اسْمُ جِنْسٍ يَقَعُ لِلْكَثِيرِ والواحِدِ، ولا مُفْرَدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، وهَذا الكَلامُ لَفْظُهُ النَفْيُ التامُّ كَقَوْلِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ما كانَ لِابْنِ أبِي قُحافَةَ أنْ يُصَلِّيَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ ، وإنَّما يُعْلَمُ مَبْلَغُها مِنَ النَفْيِ بِقَرِينَةِ الكَلامِ الَّذِي هي فِيهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تَمُوتَ إلا بِإذْنِ اللهِ ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها ﴾ فَهَذا مُنْتَفٍ عَقْلًا، وأمّا آيَتُنا هَذِهِ فَإنَّ النَفْيَ عَلى الكَمالِ لِأنّا نَقْطَعُ أنَّ اللهَ تَعالى لا يُؤْتِي النُبُوَّةَ لِلْكَذَبَةِ والمُدَّعِينَ و:"الكِتابَ" في هَذِهِ الآيَةِ اسْمُ جِنْسٍ، "والحُكْمَ" بِمَعْنى: الحِكْمَةِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ: « "إنَّ مِنَ الشِعْرِ لَحُكْمًا"،» و"ثُمَّ" في قَوْلِهِ تَعالى: "ثُمَّ يَقُولَ" مُعْطِيَةٌ تَعْظِيمَ الذَنْبِ في القَوْلِ، بَعْدَ مُهْلَةٍ مِن هَذا الإنْعامِ.
وقَوْلُهُ "عِبادًا" هو جَمْعُ عَبْدٍ، ومِن جُمُوعِهِ عَبِيدٌ وعِبِدّى قالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: هَذِهِ الجُمُوعُ بِمَعْنىً، وقالَ قَوْمٌ: العِبادُ لِلَّهِ، والعَبِيدُ والعِبِدّى لِلْبَشَرِ، وقالَ قَوْمٌ: العِبِدّى، إنَّما تُقالُ في العَبِيدِ بَنِي العَبِيدِ، وكَأنَّهُ بِناءُ مُبالَغَةٍ تَقْتَضِي الإغْراقَ في العُبُودِيَّةِ.
والَّذِي اسْتَقْرَيْتُ في لَفْظَةِ العِبادِ: أنَّهُ جَمْعُ عَبْدٍ مَتى سِيقَتِ اللَفْظَةُ في مِضْمارِ التَرْفِيعِ والدَلالَةِ عَلى الطاعَةِ دُونَ أنْ يَقْتَرِنَ بِها مَعْنى التَحْقِيرِ وتَصْغِيرِ الشَأْنِ؛ وانْظُرْ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ واللهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ ﴾ "عِبادٌ مُكْرَمُونَ" ﴿ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللهِ ﴾ وقَوْلَ عِيسى في مَعْنى الشَفاعَةِ والتَعْرِيضِ لِرَحْمَةِ اللهِ: ﴿ إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ ﴾ فَنَوَّهَ بِهِمْ.
وقالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: إنَّ نَصارى الحِيرَةِ وهم عَرَبٌ لَمّا أطاعُوا كِسْرى ودَخَلُوا تَحْتَ أمْرِهِ سَمَّتْهُمُ العَرَبُ العِبادَ، فَلَمْ يُنْتَهَ بِهِمْ إلى اسْمِ العَبِيدِ.
وقالَ قَوْمٌ: بَلْ هم قَوْمٌ مِنَ العَرَبِ مِن قَبائِلَ شَتّى اجْتَمَعُوا وتَنَصَّرُوا وسَمُّوا أنْفُسَهُمُ العِبادَ، كَأنَّهُ انْتِسابٌ إلى عِبادَةِ اللهِ.
وأمّا العَبِيدُ فَيُسْتَعْمَلُ في تَحْقِيرٍ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:.
قُولا لِدُودانَ عَبِيدِ العَصا ∗∗∗ ∗∗∗ ما غَرَّكم بِالأسَدِ الباسِلِ ومِنهُ قَوْلُ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ: "وَهَلْ أنْتُمْ إلّا عَبِيدٌ لِأبِي" ومِنهُ قَوْلُ اللهِ تَعالى: ﴿ وَما رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾ لِأنَّهُ مَكانُ تَشْفِيقٍ وإعْلامٍ بِقِلَّةِ انْتِصارِهِمْ ومَقْدِرَتِهِمْ، وأنَّهُ تَعالى لَيْسَ بِظَلّامٍ لَهم مَعَ ذَلِكَ.
ولَمّا كانَتْ لَفْظَةُ العِبادِ تَقْتَضِي الطاعَةَ لَمْ تَقَعْ هُنا، ولِذَلِكَ أُنِسَ بِها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ ﴾ .
فَهَذا النَوْعُ مِنَ النَظَرِ يُسْلَكُ بِهِ سُبُلُ العَجائِبِ في مَيْزِ فَصاحَةِ القُرْآنِ العَزِيزِ عَلى الطَرِيقَةِ العَرَبِيَّةِ السَلِيمَةِ.
ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ كُونُوا عِبادًا لِي مِن دُونِ اللهِ ﴾ اعْبُدُونِي واجْعَلُونِي إلَهًا.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ إلى مَن هي الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما كانَ لِبَشَرٍ ﴾ فَقالَ النَقّاشُ وغَيْرُهُ: الإشارَةُ إلى عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، والآيَةُ رادَّةٌ عَلى النَصارى الَّذِينَ قالُوا: عِيسى إلَهٌ، وادَّعَوْا أنَّ عِبادَتَهُ هي شِرْعَةٌ ومُسْتَنِدَةٌ إلى أوامِرِهِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والرَبِيعُ وابْنُ جُرَيْجٍ وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: بَلِ الإشارَةُ إلى مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَلامُ.
وسَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ: «أنَّ أبا رافِعٍ القُرَظِيَّ قالَ لِلنَّبِيِّ حِينَ اجْتَمَعَتِ الأحْبارُ مِن يَهُودَ والوَفْدُ مِن نَصارى نَجْرانَ: يا مُحَمَّدُ إنَّما تُرِيدُ أنْ نَعْبُدَكَ ونَتَّخِذَكَ إلَهًا كَما عَبَدَتِ النَصارى عِيسى، فَقالَ الرَئِيسُ مِن نَصارى نَجْرانَ: أوَ ذَلِكَ تُرِيدُ يا مُحَمَّدُ وإلَيْهِ تَدْعُونا؟
فَقالَ النَبِيُّ : "مَعاذَ اللهِ، ما بِذَلِكَ أُمِرْتُ، ولا إلَيْهِ دَعَوْتُ" فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ.» قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: أرادَتِ الأحْبارُ أنْ تُلْزِمَ هَذا القَوْلَ مُحَمَّدًا ، لَمّا تَلا عَلَيْهِمْ: ﴿ قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فاتَّبِعُونِي ﴾ ، وإنَّما مَعْنى الآيَةِ: فاتَّبِعُونِي فِيما أدْعُوكم إلَيْهِ مِن طاعَةِ اللهِ، فَحَرَّفُوها بِتَأْوِيلِهِمْ، وهَذا مِن نَوْعِ لَيِّهِمُ الكِتابَ بِألْسِنَتِهِمْ.
وَقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "ثُمَّ يَقُولَ" بِالنَصْبِ، ورَوى شِبْلٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، ومَحْبُوبٌ عن أبِي عَمْرٍو: "ثُمَّ يَقُولُ" بِرَفْعِ اللامِ، وهَذا عَلى القَطْعِ وإضْمارِ مُبْتَدَأٍ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "عِبادًا لِيَ" بِتَحْرِيكِ الياءِ مَفْتُوحَةً.
<div class="verse-tafsir"