تفسير سورة يس الآيات ١-٧ عند المحرر الوجيز

الإسلام > القرآن > تفسير > المحرر الوجيز > سورة 36 يس > الآيات ١-٧

يسٓ ١ وَٱلْقُرْءَانِ ٱلْحَكِيمِ ٢ إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ ٣ عَلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ ٤ تَنزِيلَ ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ ٥ لِتُنذِرَ قَوْمًۭا مَّآ أُنذِرَ ءَابَآؤُهُمْ فَهُمْ غَـٰفِلُونَ ٦ لَقَدْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَىٰٓ أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ٧

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 6 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ يَسَ هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ، إلّا أنَّ فِرْقَةً قالَتْ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وآثارَهُمْ  ﴾ «نَزَلَتْ في بَنِي سَلِمَةَ مِنَ الأنْصارِ حِينَ أرادُوا أنْ يَتْرُكُوا دِيارَهم ويَنْتَقِلُوا إلى جِوارِ مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ  فَقالَ لَهُمْ: "دِيارَكم تَكْتُبْ آثارُكُمْ"،» وكَرِهَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ أنْ يُعَرُّوا المَدِينَةَ، فَعَلى هَذا فَهي مَدَنِيَّةٌ، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، وإنَّما نَزَلَتِ الآيَةُ بِمَكَّةَ، ولَكِنَّهُ احْتَجَّ عَلَيْهِمْ في المَدِينَةِ، ووافَقَها قَوْلُ رَسُولِ اللهِ  في المَعْنى، فَمِن هُنا قِيلَ ذَلِكَ، ورَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ رَسُولَ اللهِ  قالَ: « "إنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ قَلْبًا، وإنَّ قَلْبَ القُرْآنِ يَسُ"،» ورَوَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها أنَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ قالَ: « "إنَّ في القُرْآنِ سُورَةً يُشْفَعُ لِقارِئِها، ويُغْفَرُ لِمُسْتَمِعِها، وهي يَسُ"،» وَقالَ يَحْيى بْنُ أبِي كَثِيرٍ: " بَلَغَنِي أنَّ مَن قَرَأ سُورَةَ يَسَ لَيْلًا لَمْ يَزَلْ في فَرَحٍ حَتّى يُصْبِحَ، وكَذا في النَهارِ"، ويُصَدِّقُ ذَلِكَ التَجْرِبَةُ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يس ﴾ ﴿ والقُرْآنِ الحَكِيمِ ﴾ ﴿ إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ ﴾ ﴿ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ ﴿ تَنْزِيلَ العَزِيزِ الرَحِيمِ ﴾ ﴿ لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أُنْذِرَ آباؤُهم فَهم غافِلُونَ ﴾ ﴿ لَقَدْ حَقَّ القَوْلُ عَلى أكْثَرِهِمْ فَهم لا يُؤْمِنُونَ ﴾ أمالَ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ الياءَ في [يَسَ] غَيْرَ مُفْرِطِينَ، والجُمْهُورُ يَفْتَحُونَها، ونافِعٌ يَتَوَسَّطُ في ذَلِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "يس" ﴾ يَدْخُلُ فِيهِ مِنَ الأقْوالِ ما تَقَدَّمَ في الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ في أوائِلِ السُورِ، ويَخْتَصُّ هَذا بِأقْوالٍ: مِنها أنَّ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ قالَ: إنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ مُحَمَّدٍ  ، دَلِيلُهُ ﴿ إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ ﴾ ، وقالَ السَيِّدُ الحِمْيَرِيُّ: يا نَفْسُ لا تُمْحِضِي بِالنُصْحِ مُجْتَهِدًا ∗∗∗ عَلى المَوَدَّةِ إلّا آلَ ياسِينا وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: مَعْناهُ: "يا إنْسانُ" بِالحَبَشِيَّةِ، وقالَ أيْضًا في الثَعْلَبِيِّ: هو بِلُغَةِ طَيْءٍ، يَقُولُونَ: "إيسانُ" بِمَعْنى إنْسانٍ، ويَجْمَعُونَهُ عَلى "أياسِينَ"، فَهَذا مِنهُ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: الياءُ حَرْفُ نِداءٍ، والسِينُ مُقامَةٌ مَقامَ "إنْسانٍ" انْتُزِعَ مِنهُ حَرْفٌ فَأُقِيمُ مَقامَهُ.

ومَن قالَ "هُوَ اسْمٌ مِن أسْماءِ السُورَةِ أوِالقُرْآنِ" فَذَلِكَ مُشْتَرَكٌ في جَمِيعِ السُوَرِ.

وَقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "يس" ﴾ بِسُكُونِ النُونِ وإظْهارِها، وإنْ كانَتِ النُونُ ساكِنَةً تُخْفى مَعَ حُرُوفِ الفَمِ فَإنَّما هَذا مَعَ الِانْفِصالِ وأنَّ حَقَّ هَذِهِ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ في الأوائِلِ أنْ تُظْهَرَ.

وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ - بِخِلافِ عنهُما - بِإدْغامِ النُونِ في الواوِ عَلى عُرْفِ الِاتِّصالِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ - بِخِلافٍ - بِنَصْبِ النُونِ، وهي قِراءَةُ عِيسى بْنِ عُمَرَ، ورَواها عَنِ الغَنَوِيِّ.

وقالَ قَتادَةُ: "يَسْ" قَسَمٌ، وقالَ أبُو حاتِمٍ: قِياسُ هَذا القَوْلِ نَصْبُ النُونِ، كَما تَقُولُ: اللهَ لِأفْعَلَنَّ كَذا، وقَرَأ الكَلْبِيُّ بِضَمِّها وقالَ: هي بِلُغَةِ طَيْءٍ: يا إنْسانُ، وقَرَأ أبُو السَمّاكِ، وعَنِ ابْنِ أبِي إسْحاقَ - بِخِلافٍ - بِكَسْرِها، وهَذِهِ الوُجُوهُ الثَلاثَةُ هي لِلِالتِقاءِ، وقالَ أبُو الفَتْحِ: ويَحْتَمِلُ الرَفْعُ أنْ يَكُونَ اجْتِزاءً بِالسِينِ مَن يا إنْسانُ، وقالَ الزَجّاجُ: النَصْبُ كَأنَّهُ قالَ: اتْلُ يَسَ، وهو مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ عَلى أنَّهُ اسْمٌ لِلسُّورَةِ.

و"يَسُ" مُشْبِهَةٌ الجُمْلَةَ مِنَ الكَلامِ فَلِذَلِكَ عُدَّتْ آيَةً، بِخِلافِ [طَسْ]، فَلَمْ تَنْصَرِفْ [يَسْ] لِلْعُجْمَةِ والتَعْرِيفِ.

و"الحَكِيمِ": المُحْكَمُ، فَيَكُونُ بِمَعْنى: مَفْعُولٍ، أيْ أُحْكِمَ في مَواعِظِهِ وأوامِرِهِ ونَواهِيهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الحَكِيمِ بِناءَ فاعِلٍ، أيْ ذُو الحِكْمَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةً في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى أنَّها خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى أنَّها في مَوْضِعِ حالٍ مِنَ "المُرْسَلِينَ"، و "الصِراطُ": الطَرِيقُ، والمَعْنى: عَلى طَرِيقٍ وهُدًى ومَهِيعِ رَشادٍ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: "تَنْزِيلُ" بِالرَفْعِ عَلى خَبَرِ الِابْتِداءِ، وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، والحَسَنِ، والأعْرَجِ، والأعْمَشِ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "تَنْزِيلَ" بِالنَصْبِ عَلى المَصْدَرِ، واخْتُلِفَ عن عاصِمٍ، وهي قِراءَةُ طَلْحَةَ، والأشْهَبِ، وعِيسى بْنِ عُمَرَ، والأعْمَشِ، بِخِلافٍ عنهُما.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ ﴾ ، اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في "ما"، فَقالَ عِكْرِمَةُ "ما" بِمَعْنى الَّذِي، والتَقْدِيرُ: الشَيْءُ الَّذِي أُنْذِرَهُ الآباءُ مِنَ النارِ والعَذابِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" مَصْدَرِيَّةً، أيْ ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ، والآباءُ عَلى هَذا هُمُ الأقْدَمُونَ عَلى مَرِّ الدَهْرِ، وقَوْلُهُ: "فَهُمْ" - مَعَ هَذا التَأْوِيلِ - بِمَعْنى: فَإنَّهُمْ، دَخَلَتِ الفاءُ لِقَطْعِ الجُمْلَةِ مِنَ الجُمْلَةِ.

وقالَ قَتادَةُ: "ما" نافِيَةٌ، أيْ إنَّ آباءَهم لَمْ يُنْذَرُوا، فالآباءُ - عَلى هَذا - هُمُ القَرِيبُونَ مِنهُمْ، وهَذِهِ الآيَةُ كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وَما أرْسَلْنا إلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن نَذِيرٍ  ﴾ ، وهَذِهِ النِذارَةُ المَنفِيَّةُ هي نِذارَةُ المُباشَرَةِ والأمْرِ والنَهْيِ، وإلّا فَدَعْوَةُ اللهِ تَعالى مِنَ الأرْضِ لَمْ تَنْقَطِعْ قَطُّ، وقَوْلُهُ: "فَهُمْ" - عَلى هَذا - الفاءُ واصِلَةٌ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ ورابِطَةٌ لِلثّانِيَةِ بِالأُولى.

و ﴿ حَقَّ القَوْلُ ﴾ مَعْناهُ: وجَبَ العَذابُ وسَبَقَ القَضاءُ بِهِ، هَذا فِيمَن لَمْ يُؤْمِن مِن قُرَيْشٍ، كَمَن قُتِلَ بِبَدْرٍ وغَيْرِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.3 / 29.5
الإضاءة 28%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله وبحمده