الإسلام > القرآن > تفسير > النيسابوري > سورة 5 المائدة > الآيات ٨٢-٨٦
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 7 دقيقة قراءةثم وصف شدة شكيمة اليهود ولين عريكة النصارى فقال ﴿ لتجدن ﴾ يا محمد أوكل من له أهلية الخطاب ﴿ أشد الناس عداوة ﴾ وقد تعلقت بها اللام في قوله ﴿ للذين آمنوا ﴾ كما تعلقت بالمودة فيما بعد.
وظاهر الآية يدل على أن اليهود في غاية العداوة للمسلمين وكيف لا وقد نبه على تقدم قدمهم في العداوة بتقديمهم على الذين أشركوا وعن النبي "ما خلا يهوديان بمسلم إلا هما بقتله" لكنه روي عن ابن عباس وسعيد بن جبير وعطاء والسدي أن المراد به النجاشي وقومه الذين قدموا من الحبشة على رسول لله وآمنوا به ولم يرد جميع النصارى مع ظهور عداوتهم للمسلمين.
وقال آخرون: مذهب اليهود أنه يجب عليهم ايصال الشر الى من يخالفهم في الدين بأي طريق كان، بالقتل أو بغصب الماء أو بوجوه المكايد والحيل، وليس النصارى مذهبهم ذلك بل الايذاء في دينهم حرام وهذا هو وجه التفاوت بالعداوة والمودة، وقد أكد ذلك بوصف العداوة والمودّة بالأشد والأقرب.
وفي الآية من الفائدة أن التمرد والمعصية عادة لهم ففرغ قلبك يا محمد ولا تبال بمكرهم ولا تحزن على كيدهم.
ثم ذكر سبب ذالك التفاوت فقال ﴿ ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً ﴾ القس والقسيس اسم لرئيس النصارى في العلم والدين وكأنه من القس وهو تتبع الشيء وطلبه.
قال قطرب: هو العالم بلغة الروم وهذا مما وقع فيه الوفاق بين اللغتين.
وقال عروة بن الزبير: ضيعت النصارى الإنجيل وأدخلت فيه ما ليس منه وبقي واحد من علمائهم على الحق والدين يسمى قسيساً، فمن كان على هديه ودينه فهو قسيس.
والرهبان جمع راهب كركبان وفرسان في راكب وفارس.
وقيل: إنه واحد وجمعه رهابين كقربان وقرابين ولكن النظام يأباه.
وأصله من الرهبة بمعنى الخوف من الله ، وإنما صارت الرهبانية ممدوحة في مقابلة قساوة اليهود وغلظتهم وإلا فهي مذمومة في نفسها لقوله ﴿ ورهبانية ابتدعوها ﴾ ولقوله "لا رهبانية في الإسلام" وههنا نكتة هي أن كفر النصارى حيث إنهم ينازعون في الإلهيات والنبوات جميعاً أغلظ في الحقيقة من كفر اليهود لأنهم لا ينازعون إلا في النبوات إلا بعضهم القائلين بأن عزيراً ابن الله.
ثم إن النصارى لما يشتد حرصهم على طلب الدنيا وعلى الحياة وأقبلوا على العلم والبراءة من الكبر خصهم الله بالمدح وذم اليهود حيث قال ﴿ ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ﴾ ﴿ غلت أيديهم ﴾ فتبين صحة قوله "حب الدنيا رأس كل خطيئة" قال ابن عباس: كان رسول الله خاف على أصحابه من المشركين فبعث جعفر بن أبي طالب وابن مسعود في رهط من أصحابه الى النجاشي وقال: أنه ملك صالح لا يظلم ولا يظلم عنده أحد فاخرجوا اليه حتى يجعل الله للمسلمين فرجاً.
فلما وردوا عليه أكرمهم وقال لهم: هل تعرفون شيئاً مما أنزل عليكم؟
قالوا: نعم.
فقرؤا وحوله القسيسون والرهبان فكلما قرؤا آية انحدرت دموعهم مما عرفوا من الحق.
وقال آخرون: قدم جعفر بن أبي طالب من الحبشة هو وأصحابه ومعهم سبعون رجلاً بعثهم النجاشي وفداً الى الرسول عليهم ثياب الصوف؛ اثنان وستون من الحبشة وثمانية من من أهل الشأم وهم بحيرا الراهب وأبرهة وغيرهما، فقرأ عليهم رسول الله سورة يس إلى آخرها فبكوا وآمنوا فنزلت والخطاب في ﴿ ترى ﴾ لكل راء.
وقد وضع الفيض الذي هو مسبب الامتلاء موضع الامتلاء وأصله تمتلىء من الدمع حتى تفيض لأن الفيض بعد الامتلاء، ويحتمل أن يكون الدمع مصدر دمعت عينه وقصدت المبالغة في وصفهم بالبكاء كأنّ الأعين تفيض بأنفسها.
ومعنى ﴿ مما عرفوا من الحق ﴾ أي مما نزل على محمد وهو الحق فـ"من" الأولى لابتداء الغاية على أن فيض الدمع نشأ من معرفة الحق، والثانية للبيان ويحتمل التبعيض يعني أنهم عرفوا بعض الحق فأبكاهم فكيف لو عرفوا كله وأحاطوا بالسنة؟
﴿ ربنا آمنا ﴾ المراد إنشاء الايمان لا الإخبار عنه ﴿ فاكتبنا مع الشاهدين ﴾ مع أمة محمد وقد مر مثله في آل عمران.
﴿ وما لنا ﴾ إنكار واستبعاد لانتفاء الإيمان مع حصول موجبه وهو الطمع في إنعام الله عليهم بإدخالهم دار ثوابه مع الصالحين.
قالوا ذلك في أنفسهم أو فيما بينهم أو في جواب قومهم حين رجعوا إليهم ولاموهم.
ومحل ﴿ لا نؤمن ﴾ نصب على الحال نحو: مالك قائماً.
والعامل فيه معنى الفعل أي ما نصنع غير المؤمنين.
وهو العامل أيضاً في ﴿ ونطمع ﴾ لكن مقيداً بالحال الأولى لأنك لو حذفتها وقلت: وما لنا ونطمع لا حلت، ويحتمل أن يكون ﴿ ونطمع ﴾ حالاً من ﴿ لا نؤمن ﴾ كأنهم أنكروا أن لا يوحدوا الله وهم يطمعون في الثواب وأن يكون عطفاً على ﴿ لا نؤمن ﴾ أي ما لنا نجمع بين التثليث وبين الطمع، أو ما لنا لا نجمع بين الإيمان وبين الطمع ﴿ فأثابهم الله بما قالوا ﴾ ظاهره يدل على إنهم إنما استحقوا الثواب بمجرد القول، ولكن فيما سبق من وصفهم بمعرفة الحق ما يدل على خلوص عقيدتهم فلا جرم لما انضاف إليه القول كل الإيمان.
ويحتمل أن يكون مأخوذاً من قولك: هذا قول فلان أي اعتقاده ومذهبه.
وروى عطاء عن ابن عباس أن المراد بما سألوا من قولهم فاكتبنا مع الشاهدين.
قال أهل السنة: فيه دليل على أن المعرفة مع الإقرار توجب حصول الثواب، وصاحب الكبيرة له المعرفة والإقرار فلا بد أن يؤل حاله إلى هذا الثواب.
والمعتزلة سلموا أن الإقرار مع المعرفة يوجب الثواب ولكن بشرط عدم الإحباط.
التأويل: لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل مع ذرات ذرّيات آدم ﴿ وأرسلنا إليهم رسلاً ﴾ بالأجساد في عالم الشهادة، ومن الواردات الروحانية في عالم الغيب ﴿ فريقاً كذبوا ﴾ يعني الإلهامات والواردات ﴿ وفريقاً ﴾ يقتلون في عالم الحس ﴿ لقد كفر الذين قالوا ﴾ النصارى أرادوا أن يسلكوا طريق الحق بقدم العقل فتاهوا في أودية الشبهات، وأمة محمد سلكوا الطريق بأقدام جذبات الأولوهية على وفق المتابعة الجبيبية فأسقط عنهم براهين الوصال كلفة الاستدلال، ولهذا كان الشبلي يغسل كتبه بالماء ويقول: نعم الدليل أنت.
ولكن الاشتغال بالدليل بعد الوصول الى المدلول محال فتحقق لهم أن عيسى بعد التزكية والتحلية صار قابلاً للفيض الإلهي فكان يخلق ما يخلق ويفعل ما يفعل بإذن الله، كما أن المرايا المحرقة تحرق بما قبلت من فيض الشمس ﴿ إنه من يشرك بالله ﴾ ظاهراً ﴿ فقد حرم الله عليه الجنة ﴾ ومن يشرك به باطناً حرم عليه القربة على لسان داود وعيسى ابن مريم.
هذا سر الخلافة فإن الأنسان الكامل المستحق للخلافة قبوله قبول الحق ورده رد الحق ﴿ لا يتناهون عن منكر ﴾ سمى العصيان منكراً لأنه يوجب النكرة كما سمى الطاعة معروفاً لأنها توجب المعرفة ﴿ ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً ﴾ .
يعني أن تعارف الأرواح يُوجب ائتلاف الأشباح، فالنصارى ببركة علمائهم وعبادهم وصفاء قلوبهم وخضوعهم ثبت لهم القرابة والمودة من أهل الإيمان وعرفوا الحق الذي سمعوه في الازل يوم الميثاق، فآمنوا وذلك جزاء المحسنين الذين يعبدون الله ويشاهدونه بلوائح المعرفة وطوالع المحبة فالإحسان أن تعبد الله كأنك تراه.
<div class="verse-tafsir"