الإسلام > القرآن > تفسير > زاد المسير > سورة 16 النحل > الآيات ١٠٣-١٠٥
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 5 دقيقة قراءةقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أنَّهم يَقُولُونَ ﴾ يَعْنِي: قُرَيْشًا ﴿ إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ﴾ أيْ: آدَمِيٌّ، وما هو مِن عِنْدِ اللَّهِ.
وَفِيمَن أرادُوا بِهَذا البَشَرِ تِسْعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ كانَ لِبَنِي المُغِيرَةِ غُلامٌ يُقالُ لَهُ " يَعِيشُ " يَقْرَأُ التَّوْراةَ، فَقالُوا: مِنهُ يَتَعَلَّمُ مُحَمَّدٌ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقالَ عِكْرِمَةُ في رِوايَةٍ: كانَ هَذا الغُلامُ لِبَنِي عامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، وكانَ رُومِيًّا.
والثّانِي: أنَّهُ فَتًى كانَ بِمَكَّةَ يُسَمّى " بُلْعامُ " وكانَ نَصْرانِيًّا أعْجَمِيًّا، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ يُعَلِّمُهُ، فَلَمّا رَأى المُشْرِكُونَ دُخُولَهُ إلَيْهِ وخُرُوجَهُ، قالُوا ذَلِكَ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.
والثّالِثُ: أنَّهُ نَزَلَتْ في كاتِبٍ كانَ يَكْتُبُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ سَلَّمَ، فَيُمْلِي عَلَيْهِ " سَمِيعٌ عَلِيمٌ " فَيَكْتُبُ هو " عَزِيزٌ حَكِيمٌ " أوْ نَحْوَ هَذا، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ : " «أيَّ ذَلِكَ كَتَبْتَ فَهو كَذَلِكَ» "، فافْتَتَنَ، وقالَ: إنَّ مُحَمَّدًا يَكِلُ ذَلِكَ إلَيَّ فَأكْتُبُ ما شِئْتُ، رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ.
والرّابِعُ: أنَّهُ غُلامٌ أعْجَمِيٌّ لِامْرَأةٍ مِن قُرَيْشٍ يُقالُ لَهُ: " جابِرٌ "، وكانَ جابِرٌ يَأْتِي رَسُولَ اللَّهِ فَيَتَعَلَّمُ مِنهُ، فَقالَ المُشْرِكُونَ: إنَّما يَتَعَلَّمُ مُحَمَّدٌ مِن هَذا، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
والخامِسُ: أنَّهم عَنَوْا سَلْمانَ الفارِسِيَّ، قالَهُ الضَّحّاكُ؛ وفِيهِ بُعْدٌ مِن جِهَةِ أنَّ سَلْمانَ أسْلَمَ بِالمَدِينَةِ، وهَذِهِ [الآيَةُ] مَكِّيَّةٌ.
والسّادِسُ: أنَّهم عَنَوْا بِهِ رَجُلًا حَدّادًا كانَ يُقالُ " يَحَنَّسُ " النَّصْرانِيُّ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والسّابِعُ: أنَّهم عَنَوْا بِهِ غُلامًا لِعامِرِ بْنِ الحَضْرَمِيِّ، وكانَ يَهُودِيًّا أعْجَمِيًّا، واسْمُهُ " يَسارٌ " ويُكَنّى " أبا فَكِيهَةَ "، قالَهُ مُقاتِلٌ.
وقَدْ رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ نَحْوُ هَذا، إلّا أنَّهُ لَمْ يَقُلْ: إنَّهُ كانَ يَهُودِيًّا.
والثّامِنُ: أنَّهم عَنَوْا غُلامًا أعْجَمِيًّا اسْمُهُ " عايِشٌ "، وكانَ مَمْلُوكًا لِحُوَيْطِبٍ، وكانَ قَدْ أسْلَمَ، قالَهُ الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ.
والتّاسِعُ: أنَّهُما رَجُلانِ، قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمٍ الحَضْرَمِيُّ: كانَ لَنا عَبْدانِ مِن أهْلِ عَيْنِ التَّمْرِ، يُقالُ لِأحَدِهِما: " يَسارٌ " ولِلْآخَرِ " جَبْرٌ " وكانا يَصْنَعانِ السُّيُوفَ بِمَكَّةَ، ويَقْرَآنِ الإنْجِيلَ، فَرُبَّما مَرَّ بِهِما النَّبِيُّ وهُما يَقْرَآنِ، فَيَقِفُ يَسْتَمِعُ، فَقالَ المُشْرِكُونَ: إنَّما يَتَعَلَّمُ مِنهُما.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: فَعَلى هَذا القَوْلِ، يَكُونُ البَشَرُ واقِعًا عَلى اثْنَيْنِ، والبَشَرُ مِن أسْماءِ الأجْناسِ، يُعَبِّرُ عَنِ اثْنَيْنِ، كَما يُعَبِّرُ " أحَدٌ " عَنِ الِاثْنَيْنِ والجَمِيعِ، والمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيٌّ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ: " يُلْحِدُونَ " بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الحاءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " يَلْحَدُونَ " بِفَتْحِ الياءِ والحاءِ.
فَأمّا القِراءَةُ الأُولى، فَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " يُلْحِدُونَ " أيْ: يَمِيلُونَ إلَيْهِ، ويَزْعُمُونَ أنَّهُ يُعَلِّمُهُ، وأصْلُ الإلْحادِ المَيْلُ.
وقالَ الفَرّاءُ: " يُلْحِدُونَ " بِضَمِّ الياءِ: يَعْتَرِضُونَ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحادٍ بِظُلْمٍ ﴾ أيْ: بِاعْتِراضٍ، و" يَلْحِدُونَ " بِفَتْحِ الياءِ: يَمِيلُونَ.
وقالَ الزَّجّاجُ: يُلْحِدُونَ إلَيْهِ، أيْ: يُمِيلُونَ القَوْلَ فِيهِ أنَّهُ أعْجَمِيٌّ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لا يَكادُ عَوامُّ النّاسِ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ العَجَمِيِّ والأعْجَمِيِّ، والعَرَبِيِّ والأعْرابِيِّ، فالأعْجَمِيُّ: الَّذِي لا يُفْصِحُ وإنْ كانَ نازِلًا بِالبادِيَةِ، والعَجَمِيُّ: مَنسُوبٌ إلى العَجَمِ وإنْ كانَ فَصِيحًا، والأعْرابِيِّ: هو البَدَوِيُّ، والعَرَبِيُّ: مَنسُوبٌ إلى العَرَبِ وإنْ لَمْ يَكُنْ بَدَوِيًّا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهَذا لِسانٌ ﴾ يَعْنِي: القُرْآنَ، ﴿ عَرَبِيٌّ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: أنَّ صاحِبَهُ يَتَكَلَّمُ بِالعَرَبِيَّةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّما يَفْتَرِي الكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ ﴾ أيِ: الَّذِينَ إذا رَأوُا الآياتِ الَّتِي لا يَقْدِرُ عَلَيْها إلّا اللَّهُ، كَذَّبُوا بِها، ﴿ وَأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ ﴾ أيْ: أنَّ الكَذِبَ نَعْتٌ لازِمٌ لَهم، وعادَةٌ مِن عاداتِهِمْ، وهَذا رَدٌّ عَلَيْهِمْ إذْ قالُوا: ﴿ إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ ﴾ .
وهَذِهِ الآيَةُ مِن أبْلَغِ الزَّجْرِ عَنِ الكَذِبِ، لِأنَّهُ خُصَّ بِهِ مَن لا يُؤْمِنُ.
<div class="verse-tafsir"