الإسلام > القرآن > سور > سورة 16 النحل > الآية ١٠٥ من سورة النحل
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 90 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٠٥ من سورة النحل: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ثم أخبر تعالى أن رسوله ليس بمفتر ولا كذاب ; لأنه ( إنما يفتري الكذب ) على الله وعلى رسوله شرار الخلق ، ( الذين لا يؤمنون بآيات الله ) من الكفرة والملحدين المعروفين بالكذب عند الناس .
والرسول محمد - صلى الله عليه وسلم - كان أصدق الناس وأبرهم وأكملهم علما وعملا وإيمانا وإيقانا ، معروفا بالصدق في قومه ، لا يشك في ذلك أحد منهم بحيث لا يدعى بينهم إلا بالأمين محمد ; ولهذا لما سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان عن تلك المسائل التي سألها من صفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان فيما قال له : " أوكنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال ؟
قال : لا ، فقال : هرقل فما كان ليدع الكذب على الناس ويذهب فيكذب على الله - عز وجل - " .
قوله تعالى : إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله هذا جواب وصفهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بالافتراء .وأولئك هم الكاذبون هذا مبالغة في وصفهم بالكذب ; أي كل كذب قليل بالنسبة إلى كذبهم .
ويقال : كذب فلان ولا يقال إنه كاذب ; لأن الفعل قد يكون لازما وقد لا يكون لازما .
فأما النعت فيكون لازما ولهذا يقال : عصى آدم ربه فغوى ، ولا يقال : إنه عاص غاو .
فإذا قيل : كذب فلان فهو كاذب ، كان مبالغة في الوصف بالكذب ; قاله القشيري .
{ إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ } أي: إنما يصدر افتراء الكذب من { الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ } كالمعاندين لرسوله من بعد ما جاءتهم البينات، { وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ } أي: الكذب منحصر فيهم وعليهم أولى بأن يطلق من غيرهم.
وأما محمد صلى الله عليه وسلم المؤمن بآيات الله الخاضع لربه فمحال أن يكذب على الله ويتقول عليه ما لم يقل، فأعداؤه رموه بالكذب الذي هو وصفهم، فأظهر الله خزيهم وبين فضائحهم، فله تعالى الحمد.
فقال : ( إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون ) لا محمد صلى الله عليه وسلم .
فإن قيل : قد قال : " إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون " ، فما معنى قوله " وأولئك هم الكاذبون " ؟
قيل : " إنما يفتري الكذب " : إخبار عن فعلهم ، " هم الكاذبون " نعت لازم لهم ، كقول الرجل لغيره : كذبت وأنت كاذب ، أي : كذبت في هذا القول ، ومن عادتك الكذب .
أخبرنا أبو سعيد الشريحي ، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي ، أخبرنا أبو حفص عمر بن أحمد الجوهري ، أخبرنا جدي أبو بكر محمد بن عمر بن حفص ، حدثنا أبو بكر محمد بن الفرج الأزرق ، حدثنا سعيد بن عبد الحميد بن جعفر ، حدثنا يعلى بن الأشدق ، عن عبد الله بن جراد قال قلت : يا رسول الله المؤمن يزني؟
قال : قد يكون ذلك ، قال قلت : المؤمن يسرق؟
قال : قد يكون ذلك ، قلت المؤمن يكذب؟
قال : لا " .
قال الله : " إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله " .
(إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله) القرآن بقولهم هذا من قول البشر (وأولئك هم الكاذبون) والتأكيد بالتكرار، وإن وغيرهما رد لقولهم "" إنما أنت مفتر "".
إنما يختلق الكذبَ مَن لا يؤمن بالله وآياته، وأولئك هم الكاذبون في قولهم ذلك.
أما محمد صلى الله عليه وسلم المؤمن بربه الخاضع له فمحال أن يكذب على الله، ويقول عليه ما لم يقله.
ثم بين - سبحانه - أن افتراء الكذب لا يصدر عن المؤمنين فضلا عن الرسول الأمين ، وإنما يصدر عن الكافرين فقال - تعالى - : ( إِنَّمَا يَفْتَرِي الكذب ) أى : يختلقه ويخترعه ( الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ الله ) الدالة على وحدانيته وعلى وجوب إخلاص العبادة له ، وعلى صدق رسله ، وعلى صحة البعث يوم القيامة ، لأن عدم إيمانهم بذلك يجعلهم لا يخافون عقابا ، ولا يرجون ثوابا .
اعلم أن المراد من هذه الآية حكاية شبهة أخرى من شبهات منكري نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وذلك لأنهم كانوا يقولون إن محمداً إنما يذكر هذه القصص وهذه الكلمات لأنه يستفيدها من إنسان آخر ويتعلمها منه.
واختلفوا في هذا البشر الذي نسب المشركون النبي صلى الله عليه وسلم إلى التعلم منه قيل: هو عبد لبني عامر بن لؤي يقال له يعيش، وكان يقرأ الكتب، وقيل: عداس غلام عتبة بن ربيعة، وقيل: عبد لبني الحضرمي صاحب كتب، وكان اسمه جبرا، وكانت قريش تقول: عبد بني الحضرمي يعلم خديجة وخديجة تعلم محمداً، وقيل: كان بمكة نصراني أعجمي اللسان اسمه بلعام ويقال له أبو ميسرة يتكلم بالرومية وقيل: سلمان الفارسي، وبالجملة فلا فائدة في تعديد هذه الأسماء والحاصل أن القوم اتهموه بأنه يتعلم هذه الكلمات من غيره ثم إنه يظهرها من نفسه ويزعم أنه إنما عرفها بالوحي وهو كاذب فيه.
ثم إنه تعالى أجاب عنه بأن قال: ﴿ لّسَانُ الذي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وهذا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ ﴾ ومعنى الإلحاد في اللغة الميل يقال: لحد وألحد إذا مال عن القصد، ومنه يقال للعادل عن الحق ملحد.
وقرأ حمزة والكسائي: ﴿ يُلْحِدُونَ ﴾ بفتح الياء والحاء، والباقون بضم الياء وكسر الحاء قال الواحدي: والأولى ضم الياء لأنه لغة القرآن، والدليل عليه قوله: ﴿ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ ﴾ والإلحاد قد يكون بمعنى الإمالة، ومنه يقال: ألحدت له لحداً إذا حفرته في جانب القبر مائلاً عن الاستواء وقبر ملحد وملحود، ومنه الملحد لأنه أمال مذهبه عن الأديان كلها لم يمله عن دين إلى دين آخر وفسر الإلحاد في هذه الآية بالقولين: قال الفراء: يميلون من الميل، وقال الزجاج: يميلون من الإمالة، أي لسان الذين يميلون القول إليه أعجمي، وأما قوله: ﴿ أَعْجَمِىٌّ ﴾ فقال أبو الفتح الموصلي: تركيب ع ج م وضع في كلام العرب للإبهام والإخفاء، وضد البيان والإيضاح، ومنه قولهم: رجل أعجم وامرأة عجماء إذا كانا لا يفصحان، وعجم الذنب سمي بذلك لاستتاره واختفائه، والعجماء البهيمة لأنها لا توضح ما في نفسها، وسموا صلاتي الظهر والعصر عجماوين، لأن القراءة حاصلة فيهما بالسر لا بالجهر، فأما قولهم: أعجمت الكتاب فمعناه أزلت عجمته، وأفعلت قد يأتي والمراد منه السلب كقولهم: أشكيت فلاناً إذا أزلت ما يشكوه، فهذا هو الأصل في هذه الكلمة، ثم إن العرب تسمي كل من لا يعرف لغتهم ولا يتكلم بلسانهم أعجم وأعجمياً.
قال الفراء وأحمد بن يحيى: الأعجم الذي في لسانه عجمة وإن كان من العرب، والأعجمي والعجمي الذي أصله من العجم قال أبو علي الفارسي: الأعجم الذي لا يفصح سواء كان من العرب أو من العجم، ألا ترى أنهم قالوا: زيادة الأعجم لأنه كانت في لسانه عجمة مع أنه كان عربياً، وأما معنى العربي واشتقاقه فقد ذكرناه عند قوله: ﴿ الأعراب أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا ﴾ وقال الفراء والزجاج: في هذه الآية يقال عرب لسانه عرابة وعروبة هذا تفسير ألفاظ الآية.
وأما تقرير ووجه الجواب فاعلم أنه إنما يظهر إذا قلنا: القرآن إنما كان معجزاً لما فيه من الفصاحة العائدة إلى اللفظ وكأنه قيل: هب أنه يتعلم المعاني من ذلك الأعجمي إلا أن القرآن إنما كان معجزاً لما في ألفاظه من الفصاحة فبتقدير أن تكونوا صادقين في أن محمداً صلى الله عليه وسلم يتعلم تلك المعاني من ذلك الرجل إلا أنه لا يقدح ذلك في المقصود إذ القرآن إنما كان معجزاً لفصاحته وما ذكرتموه لا يقدح في ذلك المقصود، ولما ذكر الله تعالى هذا الجواب أردفه بالتهديد والوعيد، فقال: ﴿ إِنَّ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بآيات الله لاَ يَهْدِيهِمُ الله ﴾ أما تفسير أصحابنا لهذه الآية فظاهر، وقال القاضي: أقوى ما قيل في ذلك إنه لا يهديهم إلى طريق الجنة، ولذلك قال بعده: ﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ والمراد أنهم لما تركوا الإيمان بالله لا يهديهم الله إلى الجنة بل يسوقهم إلى النار، ثم إنه تعالى بين كونهم كذابين في ذلك القول فقال: ﴿ إِنَّمَا يَفْتَرِي الكذب الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بآيات الله وأولئك هُمُ الكاذبون ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: المقصود منه أنه تعالى بين في الآية السابقة أن الذي قالوه بتقدير أن يصح لم يقدح في المقصود، ثم إنه تعالى في هذه الآية أن الذي قالوه لم يصح وهم كذبوا فيه، والدليل على كونهم كاذبين في ذلك القول وجوه: الأول: أنهم لا يؤمنون بآيات الله وهم كافرون، ومتى كان الأمر كذلك كانوا أعداء للرسول صلى الله عليه وسلم وكلام العدا ضرب من الهذيان ولا شهادة لمتهم.
والثاني: أن أمر التعلم لا يتأتى في جلسة واحدة ولا يتم في الخفية، بل التعلم إنما يتم إذا اختلف المعلم إلى المتعلم أزمنة متطاولة ومدداً متباعدة، ولو كان الأمر كذلك لاشتهر فيما بين الخلق أن محمداً عليه السلام يتعلم العلوم من فلان وفلان.
الثالث: أن العلوم الموجودة في القرآن كثيرة وتعلمها لا يتأتى إلا إذا كان المعلم في غاية الفضل والتحقيق، فلو حصل فيهم إنسان بلغ في التعليم والتحقيق إلى هذا الحد لكان مشاراً إليه بالأصابع في التحقيق والتدقيق في الدنيا، فكيف يمكن تحصيل هذه العلوم العالية والمباحث النفيسة من عند فلان وفلان؟
واعلم أن الطعن في نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمثال هذه الكلمات الركيكة يدل على أن الحجة لرسول الله صلى الله عليه وسلم كانت ظاهرة باهرة، فإن الخصوم كانوا عاجزين عن الطعن فيها، ولأجل غاية عجزهم عدلوا إلى هذه الكلمات الركيكية.
المسألة الثانية: في هذه الآية دلالة قوية على أن الكذب من أكبر الكبائر وأفحش الفواحش والدليل عليه أن كلمة إنما للحصر، والمعنى: أن الكذب والفرية لا يقدم عليهما إلا من كان غير مؤمن بآيات الله تعالى، وإلا من كان كافراً وهذا تهديد في النهاية.
فإن قيل: قوله: ﴿ لاَ يُؤْمِنُونَ بآيات الله ﴾ فعل وقوله: ﴿ وأولئك هُمُ الكاذبون ﴾ اسم وعطف الجملة الإسمية على الجملة الفعلية قبيح فما السبب في حصوله ههنا؟
قلنا: الفعل قد يكون لازماً وقد يكون مفارقاً، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيات لَيَسْجُنُنَّهُ حتى حِينٍ ﴾ ذكره بلفظ الفعل، تنبيهاً على أن ذلك السجن لا يدوم.
وقال فرعون لموسى عليه السلام: ﴿ لَئِنِ اتخذت إلها غَيْرِى لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ المسجونين ﴾ ذكره بصيغة الاسم تنبيهاً على الدوام، وقال أصحابنا: إنه تعالى قال: ﴿ وعصى ءَادَمَ رَبَّهُ فغوى ﴾ ولا يجوز أن يقال إن آدم عاصٍ وغاوٍ، لأن صيغة الفعل لا تفيد الدوام، وصيغة الاسم تفيده.
إذا عرفت هذه المقدمة فنقول: قوله: ﴿ إِنَّمَا يَفْتَرِى الكذب الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بآيات الله ﴾ ذكر ذلك تنبيهاً على أن من أقدم على الكذب فكأنه دخل في الكفر، ثم قال: ﴿ وأولئك هُمُ الكاذبون ﴾ تنبيهاً على أن صفة الكذب فيهم ثابتة راسخة دائمة.
وهذا كما تقول: كذبت وأنت كاذب فيكون قولك وأنت كاذب زيادة في الوصف بالكذب.
ومعناه: أن عادتك أن تكون كاذباً.
المسألة الثانية: ظاهر الآية يدل على أن الكاذب المفتري الذي لا يؤمن بآيات الله والأمر كذلك، لأنه لا معنى للكفر إلا إنكار الإلهية ونبوة الأنبياء، وهذا الإنكار مشتمل على الكذب والافتراء.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له: هل يكذب المؤمن؟
قال: «لا» ثم قرأ هذه الآية، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَات الله ﴾ أي يعلم الله منهم أنهم لا يؤمنون ﴿ لاَ يهابهم الله ﴾ لا يلطف بهم؛ لأنهم من أهل الخذلان في الدنيا والعذاب في الآخرة، لا من أهل اللطف والثواب ﴿ إِنَّمَا يَفْتَرِى الْكَذِبَ ﴾ ردّ لقولهم ﴿ إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ ﴾ [النحل: 101] يعني: إنما يليق افتراء الكذب بمن لا يؤمن، لأنه لا يترقب عقاباً عليه ﴿ وَأُوْلئِكَ ﴾ إشارة إلى قريش ﴿ هُمُ الكاذبون ﴾ أي هم الذين لا يؤمنون فهم الكاذبون، أو إلى الذين لا يؤمنون.
أي أولئك هم الكاذبون على الحقيقة الكاملون في الكذب؛ لأنّ تكذيب آيات الله أعظم الكذب: أو أولئك هم الذين عادتهم الكذب لا يبالون به في كل شيء، لا تحجبهم عنه مروءة ولا دين.
أو أولئك هم الكاذبون في قولهم: ﴿ إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ ﴾ [النحل: 101] .
<div class="verse-tafsir"
﴿ إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ ﴾ لا يُصَدِّقُونَ أنَّها مِن عِنْدِ اللَّهِ.
﴿ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ ﴾ إلى الحَقِّ أوْ إلى سَبِيلِ النَّجاةِ.
وقِيلَ إلى الجَنَّةِ.
﴿ وَلَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ في الآخِرَةِ، هَدَّدَهم عَلى كُفْرِهِمْ بِالقُرْآنِ بَعْدَ ما أماطَ شُبْهَتَهم ورَدَّ طَعَنَهم فِيهِ، ثُمَّ قَلَبَ الأمْرَ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿ إنَّما يَفْتَرِي الكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ ﴾ لِأنَّهم لا يَخافُونَ عِقابًا يَرْدَعُهم عَنْهُ.
﴿ وَأُولَئِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى الَّذِينَ كَفَرُوا أوْ إلى قُرَيْشٍ.
﴿ هُمُ الكاذِبُونَ ﴾ أيِ الكاذِبُونَ عَلى الحَقِيقَةِ، أوِ الكامِلُونَ في الكَذِبِ لِأنَّ تَكْذِيبَ آياتِ اللَّهِ والطَّعْنَ فِيها بِهَذِهِ الخُرافاتِ أعْظَمُ الكَذِبِ، أوِ الَّذِينَ عادَتُهُمُ الكَذِبُ لا يَصْرِفُهم عَنْهُ دِينٌ ولا مُرُوءَةٌ، أوِ الكاذِبُونَ في قَوْلِهِمْ: ﴿ إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ ﴾ ، ﴿ إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
{إِنَّمَا يَفْتَرِى الكذب} على الله {الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بآيات الله} أي إنما يليق افتراء الكذب بمن لا يؤمن لأنه
النحل (١٠٥ _ ١٠٧)
لا يترقب عقاباً عليه وهو رد لقولهم إنما أنت مفتر {وَأُوْلئِكَ} إشارة إلى الذين لا يؤمنون أي وأولئك {هُمُ الكاذبون} على الحقيقة الكاملون في الكذب لأن تكذيب آيات الله أعظم الكذب أو وأولئك هم الكاذبون في قولهم إنما أنت مفتر جوزوا أن يكون
وقَوْلُهم سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّما يَفْتَرِي الكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ ﴾ تَمْهِيدٌ لِكَوْنِهِمْ هُمُ المُفْتَرِينَ وقَلَبَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ أنْ حَقَّقَ بِالبَيانِ البُرْهانِيِّ بَراءَةَ ساحَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنْ لَوْثِ الِافْتِراءِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ ﴾ إشارَةٌ إلى قُرَيْشٍ القائِلِينَ: إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ وهو تَصْرِيحٌ بَعْدَ التَّعْرِيضِ لِيَكُونَ كالوَشْمِ عَلَيْهِمْ، وهَذا الأُسْلُوبُ أبْلَغُ مِن أنْ يُقالَ: أنْتُمْ مَعْشَرَ قُرَيْشٍ مُفْتَرُونَ لِما أُشِيرَ إلَيْهِ، وإقامَةُ الدَّلِيلِ عَلى أنَّهم كَذَلِكَ وأنَّ مَن زَنُوهُ بِهِ لا يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِذَيْلِهِ نَشِبَ مِنهُ أيْ إنَّما يَلِيقُ افْتِراءُ الكَذِبِ بِمَن لا يُؤْمَنُ لِأنَّهُ لا يَتَرَقَّبُ عِقابًا عَلَيْهِ وقُرَيْشٌ كَذَلِكَ فَهُمُ الكاذِبُونَ أوْ إشارَةٌ إلى ( الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ) فَيَسْتَمِرُّ الكَلامُ عَلى وتِيرَةٍ واحِدَةٍ، والمَعْنى أنَّ الكاذِبَ بِالحَقِيقَةِ هَذا الكاذِبُ عَلى ما قَرَّرُوهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ( وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ) واللّامُ لِلْجِنْسِ وهو شَهادَةُ عَلَيْهِمْ بِالكَمالِ في الِافْتِراءِ، فالكَذِبُ في الحَقِيقَةِ مُقَيَّدٌ بِالكَذِبِ بِآياتِ اللَّهِ تَعالى، وأُطْلِقَ إشْعارًا بِأنْ لا كَذِبَ فَوْقَهُ لِيَكُونَ كالحُجَّةِ عَلى كَمالِ الِافْتِراءِ أوِ الكَذِبَ غَيْرُ مُقَيَّدٍ عَلى هَذا الوَجْهِ عَلى مَعْنى أنَّهُمُ الَّذِينَ عادَتْهُمُ الكَذِبُ فَلِذَلِكَ اجْتَرَءُوا عَلى تَكْذِيبِ آياتِ اللَّهِ تَعالى دَلالَةً عَلى أنَّ ذَلِكَ لا يَصْدُرُ إلّا مِمَّنْ لَهِجَ بِالكَذِبِ قِيلُهُ، ويَدُلُّ عَلى اعْتِبارِ هَذا المَعْنى التَّعْبِيرُ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ ولِذا عُطِفَتْ عَلى الفِعْلِيَّةِ، وفِيهِ قَلْبٌ حَسَنٌ وإشارَةٌ إلى أنَّ قُرَيْشًا لِما كانَ مِن عادَتِهِمُ الكَذِبُ أخَذُوا يُكَذِّبُونَ بِآياتِ اللَّهِ تَعالى ومَن أتى بِها، ثُمَّ لَمْ يَرْضَوْا بِذَلِكَ حَتّى نَسَبُوا مَن شَهِدُوا لَهُ بِالأمانَةِ والصِّدْقِ إلى الِافْتِراءِ.
ومَوْضِعُ الحُسْنِ الإيماءُ إلى سَبْقِ حالَتَيِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وقُرَيْشٍ أوِ الكَذِبُ مُقَيَّدٌ عَلى هَذا الوَجْهِ أيْضًا بِما نَسَبُوا إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الِافْتِراءِ، ( والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ) عَلى هَذا المُرادِ بِهِ قُرَيْشٌ مِن إقامَةِ الظّاهِرِ مَقامَ المُضْمَرِ، وإيثارُ المُضارِعِ عَلى الماضِي دَلالَةٌ عَلى اسْتِمْرارِ عَدَمِ إيمانِهِمْ وتَجَدُّدِهِ عَقِبَ نُزُولِ كُلِّ آيَةٍ واسْتِحْضارًا لِذَلِكَ وهَذا الوَجْهُ مَرْجُوحٌ بِالنِّسْبَةِ إلى السَّوابِقِ، وقَدْ ذَكَرَ هَذِهِ الأوْجُهَ صاحِبُ الكَشّافِ وقَدْ حَرَّرَها بِما ذَكَرَ المَوْلى المُدَقِّقُ في كَشْفِهِ، والحَصْرُ في سائِرِها غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، ولا اسْتِدْراكَ في الآيَةِ لا سِيَّما عَلى الأوَّلِ مِنها، وهي مِنَ الكَلامِ المُنْصِفِ في بَعْضِها.
وتَعَلُّقُها بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ حِكايَةٌ عَنْهُمْ: ﴿ إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ ﴾ لِأنَّها كَما سَمِعْتَ لِرَدِّهِ، وتَوْسِيطُ ما وسَّطَ لِما لا يَخْفى مِن شِدَّةِ اتِّصالِهِ بِالرَّدِّ الأوَّلِ <div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ أي: القرآن لاَ يَهْدِيهِمُ اللَّهُ أي: لا يوفقهم الله ولا يكرمهم لقلة رغبتهم في الإيمان.
ويقال: لا ينجيهم في الآخرة من النار وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ في الآخرة.
ثم قال: إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ أي إذا رأوا الآيات التي لا يقدر عليها إلاَّ الله كذبوا بها، وهؤلاء أكذب الكذبة.
مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ فعليهم غضب من الله على معنى التقديم.
ثم استثنى فقال: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ أي: أكره على الكفر، وتكلم بالكفر مكرهاً وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ يقول: قلبه معتقد عليه، وهو عمار بن ياسر، وأصحابه.
وذلك أن ناساً من أهل مكة آمنوا، فخرجوا مهاجرين، فأدركتهم قريش بالطريق فعذبوهم، فكفروا مكرهين، فنزلت هذه الآية فيهم.
وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد مثله.
وروي عن قتادة أنه قال: ذكر لنا أن عمار بن ياسر أخذه بنو المغيرة، فطرحوه في بئر ميمونة حتى أمسى، فقالوا له: اكفر بمحمد وأشرك بالله، فتابعهم على ذلك وقلبه كاره، فنزلت الآية.
وذكر أن النبيّ رأى عمار بن ياسر وهو يبكي، فجعل يمسح الدموع من عينيه، ويقول: «أخذني الكفار ولم يتركوني حتى نلت منك، وذكرت آلهتهم بخير» .
فقال: «كَيْفَ وَجَدْتَ قَلْبَكَ» ؟
قال: مطمئن بالإيمان.
فقال: «إنْ عَادُوا فَعُدْ» .
وقال مقاتل: أسلم جبر مولى ابن الحضرمي، فأخذه مولاه وعذبه حتى رجع إلى اليهودية، ثم رجع إلى هؤلاء النفر، فنزلت الآية إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ.
ثم بيّن حال الذين ثبتوا على الكفر فقال: وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً أي: فتح صدره بالقبول.
يعني: قبل الكفر طائعاً وهو عبد الله بن سعد بن أبي سرح ارتدّ ولحق بمكة فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ أي: شديد في الآخرة ذلِكَ العذاب بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا أي: اختاروا الدنيا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي أي: لا يرشد إلى دينه الْقَوْمَ الْكافِرِينَ مجازاة لهم.
<div class="verse-tafsir"
وأشباههم ممَّن كان يُؤْذَى في اللَّه سبحانه، فربَّما سامَحَ بعضُهم بما أراد الكَفَّارُ من القَوْل لِمَا أصابه من تَعْذيبِ الكفرة، فيروى: أنَّ عَمَّار بْنَ ياسِرٍ فعَلَ ذلك «١» ، فاستثناه الله في هذه الآية، وبقيَّة الرخْصَةِ عامَّة في الأمرْ بَعْده، ويروى أن عمَّار بنَ ياسر شكا إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ما صُنعَ به مِنَ العذاب، وما سَامَحَ به من القول، فقال له النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «كَيْفَ تَجِدُ قَلْبَكَ» قالَ:
أَجدُهُ مُطْمِئَناً بالإِيمَانِ، قَالَ: «فأجِبْهُمْ بِلِسَانِكَ فإِنَّهُ لا يَضُرُّكَ، وإِن عادُوا فَعُدْ» «٢» .
وقوله سبحانه: وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً معناه: انبسط إلى الكفر باختياره.
ت: وقد ذكر ع «٣» هنا نَبَذاً من مسائل الإكراه، تركت ذلك خشية التطويل، وإذ محلّ بسطها كتب الفقه.
ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (١٠٧) أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ (١٠٨) لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٠٩)
وقوله سبحانه: ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ ...
الآية: ذلِكَ إشارةٌ إِلى الغضب، والعَذَاب الذي تُوُعِّدَ به قبل هذه الآية، والضمير في أنهَمَ لَمِنْ شرح بالكُفَرُ صدْراً.
ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٠) يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١١١)
وقوله سبحانه: ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ...
الآية: قال ابنُ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أنَّهم يَقُولُونَ ﴾ يَعْنِي: قُرَيْشًا ﴿ إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ﴾ أيْ: آدَمِيٌّ، وما هو مِن عِنْدِ اللَّهِ.
وَفِيمَن أرادُوا بِهَذا البَشَرِ تِسْعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ كانَ لِبَنِي المُغِيرَةِ غُلامٌ يُقالُ لَهُ " يَعِيشُ " يَقْرَأُ التَّوْراةَ، فَقالُوا: مِنهُ يَتَعَلَّمُ مُحَمَّدٌ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقالَ عِكْرِمَةُ في رِوايَةٍ: كانَ هَذا الغُلامُ لِبَنِي عامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، وكانَ رُومِيًّا.
والثّانِي: أنَّهُ فَتًى كانَ بِمَكَّةَ يُسَمّى " بُلْعامُ " وكانَ نَصْرانِيًّا أعْجَمِيًّا، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ يُعَلِّمُهُ، فَلَمّا رَأى المُشْرِكُونَ دُخُولَهُ إلَيْهِ وخُرُوجَهُ، قالُوا ذَلِكَ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.
والثّالِثُ: أنَّهُ نَزَلَتْ في كاتِبٍ كانَ يَكْتُبُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ سَلَّمَ، فَيُمْلِي عَلَيْهِ " سَمِيعٌ عَلِيمٌ " فَيَكْتُبُ هو " عَزِيزٌ حَكِيمٌ " أوْ نَحْوَ هَذا، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ : " «أيَّ ذَلِكَ كَتَبْتَ فَهو كَذَلِكَ» "، فافْتَتَنَ، وقالَ: إنَّ مُحَمَّدًا يَكِلُ ذَلِكَ إلَيَّ فَأكْتُبُ ما شِئْتُ، رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ.
والرّابِعُ: أنَّهُ غُلامٌ أعْجَمِيٌّ لِامْرَأةٍ مِن قُرَيْشٍ يُقالُ لَهُ: " جابِرٌ "، وكانَ جابِرٌ يَأْتِي رَسُولَ اللَّهِ فَيَتَعَلَّمُ مِنهُ، فَقالَ المُشْرِكُونَ: إنَّما يَتَعَلَّمُ مُحَمَّدٌ مِن هَذا، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
والخامِسُ: أنَّهم عَنَوْا سَلْمانَ الفارِسِيَّ، قالَهُ الضَّحّاكُ؛ وفِيهِ بُعْدٌ مِن جِهَةِ أنَّ سَلْمانَ أسْلَمَ بِالمَدِينَةِ، وهَذِهِ [الآيَةُ] مَكِّيَّةٌ.
والسّادِسُ: أنَّهم عَنَوْا بِهِ رَجُلًا حَدّادًا كانَ يُقالُ " يَحَنَّسُ " النَّصْرانِيُّ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والسّابِعُ: أنَّهم عَنَوْا بِهِ غُلامًا لِعامِرِ بْنِ الحَضْرَمِيِّ، وكانَ يَهُودِيًّا أعْجَمِيًّا، واسْمُهُ " يَسارٌ " ويُكَنّى " أبا فَكِيهَةَ "، قالَهُ مُقاتِلٌ.
وقَدْ رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ نَحْوُ هَذا، إلّا أنَّهُ لَمْ يَقُلْ: إنَّهُ كانَ يَهُودِيًّا.
والثّامِنُ: أنَّهم عَنَوْا غُلامًا أعْجَمِيًّا اسْمُهُ " عايِشٌ "، وكانَ مَمْلُوكًا لِحُوَيْطِبٍ، وكانَ قَدْ أسْلَمَ، قالَهُ الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ.
والتّاسِعُ: أنَّهُما رَجُلانِ، قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمٍ الحَضْرَمِيُّ: كانَ لَنا عَبْدانِ مِن أهْلِ عَيْنِ التَّمْرِ، يُقالُ لِأحَدِهِما: " يَسارٌ " ولِلْآخَرِ " جَبْرٌ " وكانا يَصْنَعانِ السُّيُوفَ بِمَكَّةَ، ويَقْرَآنِ الإنْجِيلَ، فَرُبَّما مَرَّ بِهِما النَّبِيُّ وهُما يَقْرَآنِ، فَيَقِفُ يَسْتَمِعُ، فَقالَ المُشْرِكُونَ: إنَّما يَتَعَلَّمُ مِنهُما.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: فَعَلى هَذا القَوْلِ، يَكُونُ البَشَرُ واقِعًا عَلى اثْنَيْنِ، والبَشَرُ مِن أسْماءِ الأجْناسِ، يُعَبِّرُ عَنِ اثْنَيْنِ، كَما يُعَبِّرُ " أحَدٌ " عَنِ الِاثْنَيْنِ والجَمِيعِ، والمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيٌّ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ: " يُلْحِدُونَ " بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الحاءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " يَلْحَدُونَ " بِفَتْحِ الياءِ والحاءِ.
فَأمّا القِراءَةُ الأُولى، فَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " يُلْحِدُونَ " أيْ: يَمِيلُونَ إلَيْهِ، ويَزْعُمُونَ أنَّهُ يُعَلِّمُهُ، وأصْلُ الإلْحادِ المَيْلُ.
وقالَ الفَرّاءُ: " يُلْحِدُونَ " بِضَمِّ الياءِ: يَعْتَرِضُونَ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحادٍ بِظُلْمٍ ﴾ أيْ: بِاعْتِراضٍ، و" يَلْحِدُونَ " بِفَتْحِ الياءِ: يَمِيلُونَ.
وقالَ الزَّجّاجُ: يُلْحِدُونَ إلَيْهِ، أيْ: يُمِيلُونَ القَوْلَ فِيهِ أنَّهُ أعْجَمِيٌّ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لا يَكادُ عَوامُّ النّاسِ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ العَجَمِيِّ والأعْجَمِيِّ، والعَرَبِيِّ والأعْرابِيِّ، فالأعْجَمِيُّ: الَّذِي لا يُفْصِحُ وإنْ كانَ نازِلًا بِالبادِيَةِ، والعَجَمِيُّ: مَنسُوبٌ إلى العَجَمِ وإنْ كانَ فَصِيحًا، والأعْرابِيِّ: هو البَدَوِيُّ، والعَرَبِيُّ: مَنسُوبٌ إلى العَرَبِ وإنْ لَمْ يَكُنْ بَدَوِيًّا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهَذا لِسانٌ ﴾ يَعْنِي: القُرْآنَ، ﴿ عَرَبِيٌّ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: أنَّ صاحِبَهُ يَتَكَلَّمُ بِالعَرَبِيَّةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّما يَفْتَرِي الكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ ﴾ أيِ: الَّذِينَ إذا رَأوُا الآياتِ الَّتِي لا يَقْدِرُ عَلَيْها إلّا اللَّهُ، كَذَّبُوا بِها، ﴿ وَأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ ﴾ أيْ: أنَّ الكَذِبَ نَعْتٌ لازِمٌ لَهم، وعادَةٌ مِن عاداتِهِمْ، وهَذا رَدٌّ عَلَيْهِمْ إذْ قالُوا: ﴿ إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ ﴾ .
وهَذِهِ الآيَةُ مِن أبْلَغِ الزَّجْرِ عَنِ الكَذِبِ، لِأنَّهُ خُصَّ بِهِ مَن لا يُؤْمِنُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللهِ لا يَهْدِيهِمُ اللهِ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ ﴿ إنَّما يَفْتَرِي الكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللهِ وأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ ﴾ ﴿ مَن كَفَرَ بِاللهِ مَن بَعْدِ إيمانِهِ إلا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ ولَكِنْ مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مَن اللهِ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ ﴾ المَفْهُومُ مِنَ الوُجُودِ أنَّ الَّذِينَ لا يَهْدِيهِمُ اللهُ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِهِ، ولَكِنَّهُ قَدَّمَ في هَذا التَرْتِيبِ وأخَّرَ تَهَمُّمًا بِتَقْبِيحِ فِعْلِهِمْ والتَشْنِيعِ لِخِطابِهِمْ، وذَلِكَ كَقَوْلِهِ: ﴿ فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ ﴾ ، والمُرادُ ما ذَكَرْناهُ فَكَأنَّهُ قالَ: إنَّ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا لَمْ يَهْدِهِمُ اللهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّما يَفْتَرِي الكَذِبَ ﴾ بِمَعْنى: إنَّما يَكْذِبُ، وهَذِهِ مُقاوَمَةٌ لِلَّذِينِ قالُوا لِمُحَمَّدٍ : "إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ"، و"إنَّما" حاصِرَةٌ أبَدًا، لَكِنَّ حَصْرَها يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ المَعانِي الَّتِي تَقَعُ فِيها، فَقَدْ يَرْبُطُ المَعْنى أنْ يَكُونَ حَصْرُها حَقِيقِيًّا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّما اللهُ إلَهٌ واحِدٌ ﴾ ، وقَدْ يَقْتَضِي المَعْنى أنْ يَكُونَ حَصْرُها تَجُوُّزًا ومُبالَغَةً، كَقَوْلِكَ: "إنَّما الشُجاعُ عنتَرَةُ"، وهَكَذا هي في هَذِهِ الآيَةِ، قالَ الزَجّاجُ: يَفْتَرِي هَذا الصِنْفُ لَأنَّهم إذا رَأوُا الآياتِ الَّتِي لا يَقْدِرُ عَلَيْها إلّا اللهُ، كَذَّبُوا بِها، فَهَذا أفْحَشُ الكَذِبِ.
وكَرَّرَ المَعْنى في قَوْلِهِ: ﴿ وَأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ ﴾ لِفائِدَةِ إيقاعِ الصِفَةِ بِالكَذِبِ عَلَيْهِمْ، إذِ الصِفَةُ بِالشَيْءِ أبْلَغُ مِنَ الخَبَرِ بِهِ؛ لَأنَّ الصِفَةَ تَقْتَضِي الدَوامَ أكْثَرَ مِمّا يَقْتَضِيهِ الخَبَرُ، فَبَدَأ في هَذِهِ الآيَةِ بِالخَبَرِ ثُمَّ أكَّدَ بِالصِفَةِ، وقَدِ اعْتَرَضَ هَذا النَظَرَ مَكِّيٌّ، ولَيْسَ اعْتِراضُهُ بِالقَوِيِّ.
و"مَن" في قَوْلِهِ: ﴿ مَن كَفَرَ ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: "الكاذِبُونَ"، ولَمْ يُجِزِ الزَجّاجُ غَيْرَ هَذا الوَجْهِ؛ لَأنَّهُ رَأى الكَلامَ إلى آخَرَ الِاسْتِثْناءِ غَيْرَ تامٍّ، فَعَلَّقَهُ بِما قَبْلَهُ، والَّذِي أبى الزَجّاجُ سائِغٌ عَلى ما أُورِدُهُ الآنَ إنْ شاءَ اللهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا يَتَأيَّدُ بِما رُوِيَ مِن أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ وَأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ ﴾ يُرادُ بِهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ أبِي سَرْحٍ، ومَقِيسُ بْنُ صَبابَةَ وأشْباهُهُما مِمَّنْ كانَ آمَنَ بِرَسُولِ اللهِ ثُمَّ ارْتَدَّ، فَلَمّا بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أمْرَ الكاذِبِينَ بِأنَّهُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ الإيمانِ أخْرَجَ مِن هَذِهِ الصِفَةِ القَوْمَ المُؤْمِنِينَ المُعَذَّبِينَ بِمَكَّةَ، وهم بِلالٌ وعَمّارٌ وسُمَيَّةُ أُمُّهُ وخَبّابٌ وصُهَيْبٌ وأشْباهُهُمْ، وذَلِكَ أنَّ كُفّارَ مَكَّةَ كانُوا في صَدْرِ الإسْلامِ يُؤْذُونَ مِن أسْلَمَ مِن هَؤُلاءِ لِضَعْفِهِ، ويُعَذِّبُونَهم لِيَرْتَدُوا، فَرُبَّما سامَحَهم بَعْضُهم بِما أرادُوا مِنَ القَوْلِ، رُوِيَ أنَّ عَمّارَ بْنَ ياسِرٍ فَعَلَ ذَلِكَ فاسْتَثْناهُ اللهُ في هَذِهِ الآيَةِ، وبَقِيَتِ الرُخْصَةُ عامَّةٌ في الأمْرِ بَعْدَهُ.
ثُمَّ ابْتَدَأ الإخْبارَ بِأنَّ مِن شَرْح صَدْرًا بِالكُفْرِ فَعَلَيْهِمْ، وهَذا الضَمِيرُ عَلى مَعْنى "مَن" لا عَلى لَفْظِها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا مِنَ الِاعْتِراضِ أنَّ أمْرَ ابْنُ أبِي سَرْحٍ وأُولَئِكَ إنَّما كانَ ورَسُولَ اللهِ بِالمَدِينَةِ، والظاهِرُ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّها مَكِّيَّةٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "مَن" في قَوْلِهِ: ﴿ مَن كَفَرَ ﴾ ابْتِداءٌ، وقَوْلُهُ: ﴿ مَن شَرَحَ ﴾ تَخْصِيصٌ مِنهُ، ودَخَلَ الِاسْتِثْناءُ لِما ذَكَرْنا مِن إخْراجِ عَمّارٍ وشَبَهِهِ، ودَنا مِنَ الِاسْتِثْناءِ الأوَّلِ الِاسْتِدْراكُ بِلَكِنْ.
وقَوْلُهُ: "فَعَلَيْهِمْ" خَبَرٌ عن "مَنِ" الأولى والثانِيَةِ؛ إذْ هو واحِدٌ بِالمَعْنى؛ لَأنَّ الإخْبارَ في قَوْلِهِ إنَّما قَصَدَ بِهِ الصِنْفَ الشارِحَ بِالكُفْرِ، فَـ "صَدْرًا" نُصِبَ عَلى التَمْيِيزِ، وقَوْلُهُ: ﴿ شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا ﴾ مَعْناهُ: انْبَسَطَ إلى الكُفْرِ بِاخْتِيارِهِ، ويُرْوى «أنَّ عَمّارَ بْنَ ياسِرٍ شَكا إلى رَسُولِ اللهِ ما صُنِعَ بِهِ مِنَ العَذابِ، وما سامَعَ بِهِ مِنَ القَوْلِ، فَقالَ لَهُ: "كَيْفَ تَجِدُ قَلْبَكَ؟" قالَ: أجِدُهُ مُطْمَئِنًّا بِالإيمانِ، قالَ: "فَأجِبْهم بِلِسانِكَ فَإنَّهُ لا يَضُرُّكَ، وإنْ عادُوا فَعُدْ"،» ويَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الآيَةِ شَيْءٌ مِن مَسائِلِ الإكْراهِ، أمّا مَن عَذَّبَهُ كافِرٌ قادِرٌ عَلَيْهِ لِيَكْفُرَ بِلِسانِهِ، وكانَ العَذابُ يُؤَدِّي إلى قَتْلِهِ فَلَهُ الإجابَةُ بِاللِسانِ قَوْلًا واحِدًا فِيما أحْفَظُ، فَإنْ أرادَ مِنهُ الإجابَةَ بِفِعْلٍ كالسُجُودِ إلى صَنَمٍ ونَحْوَ ذَلِكَ فَفي هَذا اخْتِلافٌ فَقالَتْ فِرْقَةٌ هي الجُمْهُورُ: يُجِيبُ بِحَسْبِ التَقِيَّةِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: لا يُجِيبُ، ويُسَلِّمُ نَفْسَهُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنْ كانَ الصَنَمُ نَحْوَ القِبْلَةِ أجابَ، واعْتَقَدَ السُجُودَ لِلَّهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وما أحَراهُ أنْ يَسْجُدَ لِلَّهِ حِينَئِذٍ حَيْثُما تَوَجَّهَ، وهَذا مُباحٌ في السَفَرِ لِتَعَبِ النُزُولِ عَنِ الدابَّةِ في التَنَقُّلِ، فَكَيْفَ لِهَذا؟
واحْتَجَّتْ فِرْقَةٌ عَلى التَفْرِيقِ في المَنعِ بِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "ما مِن كَلامٍ يَدْرَأُ عَنِّي سَوْطَيْنِ مِن ذِي سُلْطانٍ إلّا كُنْتُ مُتَكَلِّمًا بِهِ"، فَقَصَرَ الرُخْصَةَ عَلى القَوْلِ دُونَ الفِعْلِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَيْسَ هَذا بِحُجَّةٍ، لَأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ جَعَلَ الكَلامَ مِثالًا وهو يُرِيدُ أنَّ الفِعْلَ في حُكْمِهِ، وَأمّا الإكْراهُ في البَيْعِ والطَلاقِ والعِتْقِ والفِطْرِ في رَمَضانَ وشُرْبِ الخَمْرِ ونَحْوَ هَذا مِنَ المَعاصِي الَّتِي بَيْنَ العَبْدِ واللهِ تَبارَكَ وتَعالى فَلا يَلْزَمُ المُكْرَهَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، قالَهُ مُطَرِّفٌ، ورَواهُ عن مالِكٍ، وقالَهُ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ وأصْبَغُ، ورَوَياهُ عَنِ ابْنِ القاسِمِ عن مالِكٍ، وفَرَّقَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما بَيْنَ ما مِنها قَوْلٌ كالعِتْقِ والطَلاقِ فَجَعَلَ فِيها التَقِيَّةَ، وقالَ: لا تَقِيَّةَ فِيما كانَ فِعْلًا كَشُرْبِ الخَمْرِ والفِطَرِ في رَمَضانَ، ولا يَحِلُّ فِعْلُها لِمُكْرَهٍ، وأمّا المَظْلُومُ فَيَضْغَطُ حَتّى يَبِيعَ مَتاعَهُ، فَذَلِكَ بَيْعٌ لا يَجُوزُ عَلَيْهِ، وهو أولى بِمَتاعِهِ يَأْخُذُهُ بِلا ثَمَنٍ، ويَبِيعُ المُشْتَرِي بِالثَمَنِ ذَلِكَ الظالِمَ، فَإنْ فاتَ المَتاعُ رَجَعَ بِثَمَنِهِ أو بِقِيمَتِهِ -بِالأكْثَرِ مِن ذَلِكَ- عَلى الظالِمِ إذا كانَ المُشْتَرِي غَيْرَ عالِمٍ بِظُلْمِهِ، قالَ مُطَرِّفٌ: ومَن كانَ مِنَ المُشْتَرِينَ يَعْلَمُ حالَ المُكْرَهِ فَإنَّهُ ضامِنٌ لِما ابْتاعَ مِن رَقِيقِهِ وعُرُوضِهِ كالغاصِبِ، وأمّا مَن لا يَعْلَمُ فَلا يَضْمَنُ العُرُوضَ والحَيَوانَ، وإنَّما يَضْمَنُ ما كانَ تَلَفُهُ بِسَبَبِهِ، مِثْلَ طَعامٍ أكْلَهُ، أو ثَوْبِ لَبِسَهُ، والغَلَّةُ -إذا عَلِمَ أو لَمْ يَعْلَمْ- لَيْسَتْ لَهُ بِحالٍ، هو لَها ضامِنٌ كالغاصِبِ، وقالَهُ أصْبَغُ وابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ: قالَ مُطَرِّفٌ: وكُلُّ ما أحْدَثَ المُبْتاعُ في ذَلِكَ مِن عِتْقٍ أو تَدْبِيرٍ أو تَحْبِيسٍ فَلا يَلْزَمُ المُكْرَهُ، ولَهُ أخْذُ مَتاعِهِ.
وأمّا الإكْراهُ عَلى قَتْلِ مُسْلِمٍ أو جَلْدِهِ وأخْذِ مالِهِ أو بَيْعِ مَتاعِهِ فَلا عُذْرَ فِيهِ، ولا اسْتِكْراهَ في رُكُوبِ مَعْصِيَةٍ تُنْتَهَكُ مِن أحَدٍ كالزِنى والقَتْلِ أو نَحْوَهُ، قالَ مُطَرِّفٌ، وأصْبَغُ، وابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ: لا يَفْعَلُ أحَدٌ ذَلِكَ وإنْ قُتِلَ إنْ لَمْ يَفْعَلْهُ، فَإنْ فَعَلَ فَهو آثِمٌ ويَلْزَمُهُ الحَدُّ والقَوَدُ، وقالَ مالِكٌ: القَيْدُ إكْراهٌ، والسَجْنُ إكْراهٌ، والوَعِيدُ المُخَوِّفُ إكْراهٌ وإنْ لَمْ يَقَعْ إذا تَحَقَّقَ ظُلْمُ ذَلِكَ المُتَعَدِّي وإنْفاذُهُ لِما يَتَوَعَّدُ، ويَعْتَبِرُ الإكْراهَ عِنْدِي بِحَسْبَ هِمَّةِ المُكْرَهِ وقَدْرِهِ في الدِينِ، وبِحَسْبِ قَدْرِ الشَيْءِ الَّذِي يُكْرَهُ عَلَيْهِ، فَقَدْ يَكُونُ الضَرْبُ إكْراهًا في شَيْءٍ دُونَ شَيْءٍ، فَلِهَذِهِ النَوازِلِ فَقْهُ الحالِ، وأمّا يَمِينُ المُكْرَهِ كَما قُلْنا فَهي غَيْرُ لازِمَةٍ، قالَ ابْنُ الماجَشُونُ: وسَواءٌ حَلَفَ فِيما هو لِلَّهِ تَبارَكَ وتَعالى طاعَةٌ أو مَعْصِيَةٌ إذا أُكْرِهَ عَلى اليَمِينِ، قالَهُ أصْبَغُ، وقالَ مُطَرِّفٌ: إنْ أُكْرِهَ عَلى اليَمِينِ فِيما هو لِلَّهِ تَعالى مَعْصِيَةٌ أو فِيما لَيْسَ في فِعْلِهِ طاعَةٌ ولا مَعْصِيَةٌ فاليَمِينُ فِيهِ ساقِطَةٌ، إنْ أُكْرِهْ عَلى اليَمِينِ فِيما هو طاعَةٌ مِثْلَ أنْ يَأْخُذَ الوالِي رَجُلًا فاسِقًا فَيُكْرِهُهُ أنْ يَحْلِفَ بِالطَلاقِ أنْ لا يَشْرَبَ خَمْرًا، أو لا يَفْسُقُ، أو لا يَغُشُّ في عَمَلِهِ، أوِ الوالِدُ يُحَلِّفُ ولَدَهُ في مِثْلِ هَذا تَأْدِيبًا لَهُ فَإنَّ اليَمِينَ تَلْزَمُ وإنْ كانَ المُكْرَهُ قَدْ أخْطَأ فِيما تَكَلَّفَ مِن ذَلِكَ، وقالَ بِهِ ابْنُ حَبِيبٍ.
وأمّا إنْ أُكْرِهَ رَجُلٌ عَلى أنْ يَحْلِفَ وإلّا أُخِذَ لَهُ مالٌ -كَأصْحابِ المَكْسِ، وظَلَمَةِ السُعاةِ، وأهْلِ الِاعْتِداءِ- فَقالَ مُطَرِّفٌ: لا تَقِيَّةَ في ذَلِكَ، وإنَّما يَدْرَأُ المَرْءُ بِيَمِينِهِ عن بَدَنِهِ لا عن مالِهِ، وقالَ ابْنُ الماجَشُونُ: لا يَحْنَثُ وإنْ دَرَأ عن مالِهِ ولَمْ يَخَفْ عَلى بَدَنِهِ.
وقالَ ابْنُ القاسِمِ: بِقَوْلِ مُطَرِّفٍ، ورَواهُ عن مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ، وقالَهُ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ، وأصْبَغُ، وابْنُ حَبِيبٍ.
قالَ مُطَرِّفٌ، وابْنُ الماجَشُونُ: وإنْ بَدْرَ الحالِفُ بِيَمِينِهِ لِلْوالِي الظالِمِ قَبْلَ أنْ يَسْألَهُ لِيَذُبَّ بِها عَمّا خافَ عَلَيْهِ مِن بَدَنِهِ ومالِهِ فَحَلَفَ لَهُ فَإنَّها تَلْزَمُهُ، قالَهُ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ وأصْبَغُ، وقالَ أيْضًا ابْنُ الماجَشُونُ فِيمَن أخَذَهُ ظالِمٌ فَحَلَفَ لَهُ بِالطَلاقِ البَتَّةَ مِن غَيْرِ أنْ يُحَلِّفَهُ وتَرَكَهُ وهو كاذِبٌ، وإنَّما حَلَفَ خَوْفًا مِن ضَرْبِهِ وقَتْلِهِ أو أخْذِ مالِهِ، فَإنْ كانَ إنَّما يَتَبَرَّعُ بِاليَمِينِ غَلَبَةَ خَوْفٍ ورَجاءَ النَجاةِ مِن ظُلْمِهِ فَقَدْ دَخَلَ في الإكْراهِ ولا شَيْءَ عَلَيْهِ، وإنْ لَمْ يَحْلِفْ عَلى رَجاءِ النَجاةِ فَهو حانِثٌ، وإذا اتَّهَمَ الوالِي أحَدًا بِفِعْلِ أمْرٍ فَقالَ لَهُ: لا بُدَّ مِن عُقُوبَتِكَ إلّا أنْ تَحْلِفَ لِي، فَإنْ كانَ ذَلِكَ الأمْرُ مِمّا لِذَلِكَ المُكْرَهِ فِعْلُهُ -إمّا أنْ يَكُونَ طاعَةً، وإمّا أنْ يَكُونَ لا طاعَةَ ولا مَعْصِيَةَ- فالتَقِيَّةُ في هَذا، وأمّا إنْ كانَ الأمْرُ مِمّا لا يَحِلُّ لَهُ فِعْلُهُ ويَكُونُ حَظْرَ الوالِي فِيهِ صَوابًا فَلا تَقِيَّةَ في اليَمِينِ، وهو حانِثٌ، قالَهُ مالِكٌ، وابْنُ الماجَشُونُ.
فَهَذِهِ نُبْذَةٌ مِن مَسائِلِ الإكْراهِ.
<div class="verse-tafsir"
هذا ردّ لقولهم: ﴿ إنما أنت مفتر ﴾ [سورة النحل: 101] بقلب ما زَعموه عليهم، كما كان قوله تعالى: ﴿ لسان الذي يلحدون إليه أعجمي ﴾ [سورة النحل: 103] جواباً عن قولهم: ﴿ إنما يعلمه بشر ﴾ [سورة النحل: 103].
فبعد أن نزّه القرآن عن أن يكون مفترى والمنزّل عليه عن أن يكون مفترياً ثني العنان لبيان من هو المفتري.
وهذا من طريقة القلب في الحال.
ووجه مناسبة ذكره هنا أن قولهم: إنما يعلمه بشر يستلزم تكذيب النبي في أن ما جاء به منزّل إليه من عند الله، فصاروا بهذا الاعتبار يؤكّدون بمضمونه قولَهم: إنّما أنت مفتر } يؤكّد أحد القولين القولَ الآخر، فلما رُدّ قولهم: ﴿ إنما أنت مفتر ﴾ بقوله: ﴿ بل أكثرهم لا يعلمون قل نزله روح القدس من ربك بالحق ﴾ [سورة النحل: 101 102].
ورُدّت مقالتهم الأخرى في صريحها بقوله ﴿ لسان الذي يلحدون إليه أعجمي ﴾ ، ورُدّ مضمونها هنا بقوله ﴿ إنما يفترى الكذب الذين لا يؤمنون ﴾ الآية، حاصلاً به ردّ نظيرها أعني قولهم ﴿ إنما أنت مفتر ﴾ بكلام أبلغ من كلامهم، لأنهم أتوا في قولهم ﴿ إنما أنت مفتر ﴾ بصيغة قصر هي أبلغ مما قالوه، لأن قولهم: ﴿ إنما أنت مفتر ﴾ قصر للمخاطب على صفة الافتراء الدائمة، إذ الجملة الاسمية تقتضي الثبات والدّوام، فردّ عليهم بصيغة تقصرهم على الافتراء المتكرّر المتجدّد، إذ المضارع يدلّ على التجدّد.
وأكّد فعل الافتراء بمفعوله الذي هو بمعنى المفعول المطلق لكونه آيلاً إليه المعنى.
وعُرّف ﴿ الكذب ﴾ بأداة تعريف الجنس الدّالة على تميّز ماهية الجنس واستحضارها، فإن تعريف اسم الجنس أقوى من تنكيره، كما تقدّم في قوله تعالى ﴿ الحمد لله رب العالمين ﴾ [سورة الفاتحة: 2].
وعبّر عن المقصور عليهم باسم الموصول دون أن يذكر ضميرهم، فيقال: إنما يفتري الكذب أنتم، ليفيد اشتهارهم بمضمون الصّلة، ولأن للصّلة أثراً في افترائهم، لما تفيده الموصولية من الإيماء إلى وجه بناء الخبر.
وعليه فإن من لا يؤمن بالدلائل الواضحة التي هي آيات صدق لا يسعه إلا الافتراء لترويج تكذيبه بالدلائل الواضحة.
وفي هذا كناية عن كون تكذيبهم بآيات الله عن مكابرة لا عن شبهة.
ثم أردفت جملة القصر بجملة قصرٍ أخرى بطريق ضمير الفصل وطريق تعريف المسند وهي جملة ﴿ وأولئك هم الكاذبون ﴾ .
وافتتحت باسم الإشارة، بعد إجراء وصف انتفاء الإيمان بآيات الله عنهم، لينبه على أن المشار إليهم جديرون بما يرد من الخبر بعد اسم الإشارة، وهو قصرهم على الكذب، لأن من لا يؤمن بآيات الله يتّخذ الكذب ديدناً له متجدّداً.
وجعل المسند في هذه الجملة معرّفاً باللام ليفيد أن جنس الكاذبين اتّحد بهم وصار منحصراً فيهم، أي الذين تَعرف أنهم طائفة الكاذبين هم هؤلاء.
وهذا يؤول إلى معنى قصر جنس المسند على المسند إليه، فيحصل قصران في هذه الجملة: قصر موصوف على صفة، وقصر تلك الصفة على ذلك الموصوف.
والقصران الأوّلان الحاصلان من قوله: ﴿ إنما يفتري ﴾ وقوله: ﴿ وأولئك هم ﴾ إضافيان، أي لا غيرهم الذي رموه بالافتراء وهو محاشًى منه، والثالث ﴿ أولئك هم الكاذبون ﴾ قصر حقيقي ادّعائي للمبالغة، إذ نزل بلوغ الجنس فيهم مبلغاً قوياً منزلة انحصاره فيهم.
واختير في الصّلة صيغة ﴿ لا يؤمنون ﴾ دون: لم يؤمنوا، لتكون على وزان ما عُرفوا به سابقاً في قوله: ﴿ الذين لا يؤمنون بآيات الله ﴾ ، ولما في المضارع من الدلالة على أنهم مستمرّون على انتفاء الإيمان لا يثبت لهم ضدّ ذلك.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أنَّهم يَقُولُونَ إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ﴾ اخْتُلِفَ في اسْمِ مَن أرادَهُ المُشْرِكُونَ فِيما ذَكَرُوهُ مِن تَعْلِيمِ رَسُولِ اللَّهِ عَلى أرْبَعَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ بِلْعامُ وكانَ قَيْنًا بِمَكَّةَ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ يَدْخُلُ عَلَيْهِ يُعَلِّمُهُ، فاتَّهَمَتْهُ قُرَيْشٌ أنَّهُ كانَ يَتَعَلَّمُ مِنهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: أنَّهُ كانَ عَبْدًا أعْجَمِيًّا لِامْرَأةٍ بِمَكَّةَ، يُقالُ لَهُ أبُو فَكِيهَةَ، كانَ يَغْشى رَسُولَ اللَّهِ فَيَقْرَأُ عَلَيْهِ ويَتَعَلَّمُ مِنهُ، فَقالُوا لِمَوْلاتِهِ احْبِسِيهِ فَحَبَسَتْهُ، وقالَتْ لَهُ: اكْنِسِ البَيْتَ وكُلْ كِناسَتَهُ، فَفَعَلَ وقالَ: واللَّهِ ما أكَلْتُ أطْيَبَ مِنهُ ولا أحْلى، وكانَ يَسْألُ مَوْلاتَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أنْ تَحْبِسَهُ فَلا تَفْعَلُ.
الثّالِثُ: أنَّهُما غُلامانِ لِبَنِي الحَضْرَمِيِّ، وكانا مِن أهْلِ عَيْنِ التَّمْرِ صَيْقَلَيْنِ يَعْمَلانِ السُّيُوفَ اسْمُ أحَدِهِما يَسارٌ، والآخَرُ جَبْرٌ، وكانا يَقْرَآنِ التَّوْراةَ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ رُبَّما جَلَسَ إلَيْهِما، قالَهُ حُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمٍ.
الرّابِعُ: أنَّهُ سَلْمانُ الفارِسِيُّ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
﴿ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيٌّ ﴾ في يُلْحِدُونَ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يَمِيلُونَ إلَيْهِ.
الثّانِي: يَعْتَرِضُونَ بِهِ، يَعْنِي أنَّ لِسانَ مَن نَسَبُوا رَسُولَ اللَّهِ إلى التَّعَلُّمِ مِنهُ أعْجَمِيٌّ.
﴿ وَهَذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ ﴾ يَعْنِي بِاللِّسانِ القُرْآنَ لِأنَّهُ يُقْرَأُ بِاللِّسانِ، والعَرَبُ تَقُولُ: هَذا لِسانُ فُلانٍ، تُرِيدُ كَلامَهُ، قالَ الشّاعِرُ: ؎ لِسانُ السُّوءِ تُهْدِيها إلَيْنا وخُنْتَ وما حَسِبْتُكَ أنْ تَخُونا <div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه بسند ضعيف، عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم قيناً بمكة اسمه بلعام، وكان عجمي اللسان فكان المشركون يرون رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل عليه ويخرج من عنده، فقالوا: إنما يعلمه بلعام فأنزل الله: ﴿ ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر...
﴾ الآية.
وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإيمان، عن ابن عباس في قوله: ﴿ إنما يعلمه بشر ﴾ قال: قالوا إنما يعلم محمداً عبدة بن الحضرمي- وهو صاحب الكتب- فقال الله: ﴿ لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين ﴾ .
وأخرج ابن جرير عن عكرمة قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرئ غلاماً لبني المغيرة أعجمياً، يقال له مقيس.
وأنزل الله: ﴿ ولقد نعلم أنهم يقولون...
﴾ الآية.
وأخرج آدم بن أبي إياس وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإيمان، عن مجاهد ﴿ ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر ﴾ قال: قول قريش: إنما يعلم محمداً بن الحضرمي وهو صاحب كتب ﴿ لسان الذي يلحدون إليه أعجمي ﴾ يتكلم بالرومية ﴿ وهذا لسان عربي مبين ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال: يقولون إنما يعلم محمداً عبدة بن الحضرمي كان يسمى مقيس.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن الضحاك في الآية قال: كانوا يقولون: إنما يعلمه سلمان الفارسي، وأنزل الله: ﴿ لسان الذي يلحدون إليه أعجمي ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب: إن الذي ذكر الله في كتابه أنه قال: ﴿ إنما يعلمه بشر ﴾ إنما افتتن من أنه كان يكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان يملي عليه سميع عليم، أو عزيز حكيم أو نحو ذلك من خواتيم الآية، ثم يشتغل عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول: «يا رسول الله، أعزيز حكيم أو سميع عليم؟
فيقول: أي ذلك كتبت فهو كذلك، فافتتن وقال: إن محمداً ليكل ذلك إلي فأكتب ما شئت» فهذا الذي ذكر لي سعيد بن المسيب من الحروف السبعة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا آذاه أهل مكة، دخل على عبد لبني الحضرمي يقال له: أبو يسر، كان نصرانياً وكان قد قرأ التوراة والإنجيل، فساءله وحدثه.
فلما رآه المشركون يدخل عليه قالوا: يعلمه أبو اليسر.
قال الله: ﴿ هذا لسان عربي مبين ﴾ ولسان أبي اليسر عجمي.
وأخرج ابن أبي حاتم عن معاوية بن صالح قال: ذكر الكذب عند أبي أمامة فقال: اللهم عفواً، أما تسمعون الله يقول: ﴿ إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون ﴾ .
وأخرج الخرائطي في مساوئ الأخلاق وابن عساكر في تاريخه، عن عبد الله بن جراد أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم: «هل يزني المؤمن؟
قال: قد يكون ذلك.
قال: هل يسرق المؤمن؟
قال: قد يكون ذلك.
قال: هل يكذب المؤمن؟
قال: لا.
ثم أتبعها نبي الله صلى الله عليه وسلم ﴿ إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون ﴾ » .
وأخرج الخطيب في تاريخه، عن عبد الله بن جراد قال: قال أبو الدرداء «يا رسول الله، هل يكذب المؤمن؟
قال: لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر من إذا حدث كذب» .
وأخرج ابن مردويه عن معاذ بن جبل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أخوف ما أخاف عليكم ثلاثاً: رجل آتاه الله القرآن، حتى إذا رأى بهجته وتردى الإسلام، أعاره الله ما شاء، اخترط سيفه، وضرب جاره، ورماه بالكفر.
قالوا: يا رسول الله، أيهما أولى بالكفر، الرامي أو المرمي به؟
قال: الرامي، وذو خليفة قبلكم آتاه الله سلطاناً فقال: من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، وكذب ما جعل الله خليفة حبه دون الخالق، ورجل استهوته الأحاديث كلما كذب كذبة وصلها بأطول منها، فذاك الذي يدرك الدجال فيتبعه» .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ ﴾ الآية.
قال الكلبي: نافح الله تعالى بهذه الآية عن رسول الله - - ودافع عنه حيث قالوا: تَقَوَّله واخترعه وأتى به من عند بشر وافتراه، فقال: ﴿ إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ ﴾ : المشركون، ثم سَمَّاهم الكاذبين، وحصر فيهم الكذب بقوله: ﴿ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ ﴾ ، وقال أبو إسحاق: أي إنما يفتري الكذب الذين إذا رأوا الآيات التي لا يقدر عليها إلا الله كذَّبُوا بها، فهؤلاء أكذبُ الكَذَبَةِ (١) - حين قيل له: (هل يَكْذِبُ المؤمن؟
قال: "لا"، ثم قرأ هذه الآية) [[جزء من حديث رواه عبد الله بن جراد، وطرفه: قلت: يا رسول الله، المؤمن يزني؟
== قال "قد يكون".
وقد أخرجه بنحوه الثعلبي 2/ 164 أ، والواحدي في "الوسيط" 2/ 446، والبغوي 5/ 45، وورد في "إحياء علوم الدين" 3/ 135، و"تفسير الرازي" 20/ 120، والخازن 3/ 136، قال الحافظ العراقي في "تخريج أحاديث الإحياء": أخرجه ابن عبد البر في "التمهيد" بسند ضعيف، ورواه ابن أبي الدنيا في "كتاب الصمت" (ص 243) مقتصرًا على الكذب، والسائل أبو الدرداء، والرواية التي أشار إليها العراقي أخرجها مالك عن صفوان بن سليم أنه قيل لرسول الله - -: أيكون المؤمن جبانًا ..
فقيل له: أيكون المؤمن كذابًا؟
فقال: "لا" موطأ مالك [شرح الزرقاني] باب ما جاء في الصدق 4/ 408، و"التمهيد" 16/ 253، وقال: لا أحفظ هذا الحديث مسندًا بهذا اللفظ من وجه ثابت، وأخرجها ابن أبي الدنيا في "الصمت" ص 248، عن ابن مسعود وسعد - - موقوفًا قالا: كل الخلال يطبع عليها المؤمن إلا الخيانة والكذب.
والحديث ضعيف.]].
وقال صاحب النظم في هذه الآية: أعلم الله أن الذي يفتري الكذب هو الذي لا يؤمن بآيات الله، ثم عطف على هذا قوله: ﴿ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ ﴾ وفائدة ذلك؛ أن قوله: ﴿ إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ ﴾ فِعْلٌ وليس بنعت، وقوله تعالى: ﴿ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ ﴾ نعتٌ، والفعل قد يكون لازمًا وقد لا يكون، والنعت (٢) ﴿ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ﴾ ، ولا يجوز أن يقال: إن آدم عاصٍ وغاوٍ؛ لأن النعت أبلغ من الفعل، ولهذا قال الله: ﴿ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ ﴾ أي أن هذا نعت لازم لهم وعادة من عاداتهم، لا فِعْلٌ يزول عن قريب، وهذا كما تقول: كذبت وأنت كاذب، فيكون قولك: أنت كاذب، زيادة في الوصف بالكذب (٣) (١) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 219، بنصه.
(٢) في (أ)، (د): (البعث).
(٣) ورد بنحوه مختصرًا في "تفسير البغوي" 5/ 45، و"الرازي" 20/ 119، و"القرطبي" 10/ 179.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِنَّ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بآيات الله لاَ يَهْدِيهِمُ الله ﴾ هذا في حق من علم الله منه أنه لا يؤمن كقوله: ﴿ إِنَّ الذين حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ [يونس: 96]، فاللفظ عام يراد به الخصوص، كقوله: ﴿ إِنَّ الذين كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ ﴾ [البقرة: 6]، وقال ابن عطية: المعنى إن الذين لا يهديهم الله لا يؤمنون بالله، ولكنه قدم في هذا الترتيب وأخر، تهكماً لتقبيح أفعالهم ﴿ إِنَّمَا يَفْتَرِي الكذب الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بآيات الله ﴾ ردّ على قولهم: إنما أنت مفتر؛ يعني: إنما يليق الكذب بمن لا يؤمن لأنه لا يخاف الله، وأما من يؤمن بالله فلا يكذب عليه ﴿ وأولئك هُمُ الكاذبون ﴾ الإشارة إلى الذين لا يؤمنون بالله: أي هم الذين عادتهم الكذب لأنهم لا يبالون بالوقوع في المعاصي، ويحتمل أن يكون المنسوب إليهم قولهم إنما أنت مفتر.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ بما ينزل ﴾ من الإنزال.
ابن كثير وأبو عمرو ﴿ يلحدون ﴾ بفتح الياء والحاء: حمزة وعلي وخلف.
﴿ فتنوا ﴾ مبنياً للفاعل: ابن عامر.
﴿ والخوف ﴾ بالنصب: عباس ﴿ إبراهام ﴾ هشام وما بعده والأخفش عن ابن ذكوان.
﴿ في ضيق ﴾ بالكسر: ابن كثير وكذلك في "النمل".
الآخرون بالفتح.
الوقوف: ﴿ مكان آية ﴾ لا لأن جواب "إذا" هو "قالوا" وقوله: ﴿ والله أعلم بما ينزل ﴾ جملة معترضة ﴿ مفتر ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ للمسلمين ﴾ ه ﴿ بشر ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ بآيات الله ﴾ لا لأن ما بعده خبر "إن" ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ بآيات الله ﴾ ج لاختلاف الجملتين مع العطف ﴿ الكاذبون ﴾ ه ﴿ غضب من الله ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتصال المعنى.
﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ على الآخرة ﴾ لا للعطف ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ وأبصارهم ﴾ ط لاختلاف الجملتين ﴿ الغافلون ﴾ ه ﴿ الخاسرون ﴾ ه ﴿ وصبروا ﴾ لا لأن "إن" الثانية تكرار الأولى لطول الكلام بصلته وخبرهما واحد ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ لا يظلمون ﴾ ه ﴿ يصنعون ﴾ ه ﴿ ظالمون ﴾ ه ﴿ طيباً ﴾ ص لعطف المتفقتين ﴿ تعبدون ﴾ ه ﴿ لغير الله به ﴾ ج ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ على الله الكذب ﴾ ط ﴿ لا يفلحون ﴾ ط، ه ﴿ قليل ﴾ ص لعطف المتفقتين ولا سيما إذا قدر لهم متاع ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ من قبل ﴾ ج لابتداء النفي مع العطف ﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ وأصلحوا ﴾ لا لما مر ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ حنيفاً ﴾ ط ﴿ من المشركين ﴾ ه لا لأن ﴿ شاكر ﴾ وصف آخر أو بدل من ﴿ حنيفاً ﴾ ﴿ لا نعمة ﴾ ط ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ حسنة ﴾ ط ﴿ الصالحين ﴾ ط ه لأن "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ حنيفاً ﴾ ط ه ﴿ المشركين ﴾ ط ه ﴿ اختلفوا فيه ﴾ ط ﴿ يختلفون ﴾ ه ﴿ أحسن ﴾ ط ﴿ بالمهتدين ﴾ ه ﴿ عوقبتم به ﴾ ط ﴿ للصابرين ﴾ ه ﴿ يمكرون ﴾ ه ﴿ محسنون ﴾ ه.
التفسير: هذا شروع في حكاية شبهات منكري نبوة محمد .
قال ابن عباس: كان إذا أنزلت آية فيها شدة ثم نزلت آية ألين منها قالت كفار قريش: إن محمداً يسخر من أصحابه يأمره اليوم بأمر وينهاهم عنه غداً وإنه لا يقول هذه الأشياء إلا من عند نفسه فنزل: ﴿ وإذا بدلنا ﴾ ومعنى التبديل رفع الشيء مع وضع غيره مكانه، وتبديل الآية رفعها بآية أخرى غيرها وهو نسخها بآية سواها.
﴿ والله أعلم بما ينزل ﴾ شيئاً فشيئاً على حسب المصالح مغلظاً ثم مخففاً أو بالعكس ﴿ بل أكثرهم لا يعلمون ﴾ فوائد النسخ والتبديل.
قال أبو مسلم: أراد تبديل آية مكان آية في الكتب المتقدمة مثل آية تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة.
وسائر العلماء أطبقوا على أن المراد بهذا التبديل النسخ.
ونقل عن الشافعي أن القرآن لا ينسخ بالسنة لأنه أخبر بتبديل مكان الآية.
وضعف بأنه لا يلزم من وجود التبديل بالآية نفي التبديل بغيرها كالسنة المتواترة إذ لا دلالة في الآية على الحصر، وقد مر مباحث النسخ مفصلة مستوفاة في سورة البقرة.
﴿ قل نزله ﴾ أي القرآن ﴿ روح القدس ﴾ هو جبرائيل والإضافة للمبالغة مثل "حاتم الجود".
والمراد الروح المقدس المطهر عن دنس المأثم ﴿ من ربك ﴾ صلة نزله أي ابتداء تنزيله من عنده.
وقوله: ﴿ بالحق ﴾ حال أي متلبساً بالحكمة والصواب.
﴿ ليثبت الذين آمنوا ﴾ كقوله: ﴿ وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً ﴾ فيقول كل من الناسخ والمنسوخ من عند ربنا وكل منهما في وقته خير وصلاح لأن الذي نزله حكيم لا يفعل إلا ما هو خير في أوانه وصواب بالنسبة إلى المكلف حين ما يكلف به.
﴿ وهدى وبشرى ﴾ معطوفان على محل ﴿ ليثبت ﴾ أي تثبيتاً لهم وإرشاداً وبشارة، وفيه تعريض بحصول أضداد هذه الخصال لغيرهم.
ثم حكى شبهة أخرى عنهم.
كانوا يقولون: إن محمداً يستفيد القصص والأخبار من إنسان آخر ويتعلمها منه.
واختلف في ذلك البشر فقيل كان غلاماً لحويطب بن عبد العزى قد أسلم وحسن إسلامه اسمه عائش ويعيش وكان صاحب كتب.
وقيل: هو جبر غلام رومي كان لعامر بن الحضرمي.
وقيل: عبدان جبر ويسار كانا يصنعان السيوف بمكة ويقرآن التوراة والإنجيل، وكان رسول الله إذا مر وقف عليهما يسمع ما يقرآن فقالوا يعلمانه.
وقيل: هو سلمان الفارسي.
ثم أجاب عن شبهتهم فقال مستأنفاً ﴿ لسان الذي ﴾ واللسان اللغة والمعنى لسان الرجل الذي ﴿ يلحدون ﴾ يميلون قولهم عن الاستقامة ﴿ إليه ﴾ لسان ﴿ أعجمي ﴾ غير بيّن ﴿ وهذا ﴾ القرآن ﴿ لسان عربي مبين ﴾ ذو بيان وفصاحة وقد مر في آخر "الأعراف" أن تركيب الإلحاد يدل على الإمالة ومنه الملحد لأنه أمال مذهبه عن الأديان كلها.
قال أبو الفتح الموصلي: تركيب ع ج م يدل على الإبهام والخفاء ضد البيان والإفصاح، ومنه "عجم الزبيب" لاستتاره وخفاته، والعجماء البهيمة، وصلاة الظهر والعصر عجماوان لأن القراءة فيهما سرية، وأعجمت الكتاب أي أزلت عجمته.
ثم إن العرب تسمي كل من لا يعرف لسانهم ولا يتكلم بلغتهم أعجمياً وقالوا: زياد الأعجم لأنه كان في لسانه عجمة مع أنه كان عربياً.
وحاصل الجواب هبوا أن محمداً يتعلم المعاني من ذلك الرجل إلا أنه لا يقدح في المقصود لأن القرآن بفصاحته اللفظية أيضاً معجز.
ولما ذكر جوابهم وبخهم وهددهم بقوله: ﴿ إن الذين لا يؤمنون بآيات الله لا يهديهم الله ﴾ يعني أن سبب عدم إيمانهم هو أن الله لا يهديهم كقوله: ﴿ ختم الله على قلوبهم ﴾ .
وفسره الإمام فخر الدين بأن الله لا يهديهم إلى طريق الجنة بل يسوقهم إلى النار.
وهذا التفسير يناسب أصول المعتزلة فلا أدري كيف مال إليه.
ثم لما بين أنهم ليسوا مظاهر اللطف وكان قد بنى الأمر في جوابهم على تسليم ما ادعى الخصم من أنه يتعلم من ذلك البشر، أراد أن يبين أن الذي قالوا غير صحيح ولا صادق في نفس الأمر فقال: ﴿ إنما يفتري الكذب ﴾ وفيه أيضاً رد لقولهم ﴿ إنما أنت مفتر ﴾ الافتراء ﴿ وأولئك ﴾ إشارة إلى قريش أو إلى الذين لا يؤمنون أي هم الذين لا يؤمنون فهم الكاذبون أي هم الكاذبون على الحقيقة الكاملون في الكذب، لأن تكذيب آيات الله أعظم الكذب، أو هم الذين من شأنهم الكذب وذلك هجيراهم لا يحجبهم عنه مروءة ولا دين، أو أولئك هم الكاذبون في قولهم: ﴿ إنما أنت مفتر ﴾ ومما يدل على كذبهم عقلاً أنهم أعداء له وكلام العدا ضرب من الهذيان ولا شهادة لمتهم.
وأيضاً إن أمر التعليم والتعلم لا يتم في مجلس واحد ولكنه يحتاج إلى أزمنة متمادية، ولو كان كذلك لاشتهر وانتشر.
وأيضاً إن العلوم الموجودة في القرآن كثيرة، والمعلم يجب أن يكون أعلى حالاً من المتعلم.
فلو كان مثل هذا العالم الذي يتعلم منه مثل النبي موجوداً في ذلك العصر لم يخف حاله ومال الناس إليه دون النبي.
قال بعض علماء المعاني: عطف الجملة الاسمية التي هي قوله: ﴿ وأولئك هم الكاذبون ﴾ على ما قبلها وهي فعلية، دالة على أن من أقدم على الكذب فإنه دخل في الكفر تنبيهاً على أن صفة الكفر فيهم ثابتة راسخة كما تقول: كذبت وأنت كاذب.
زيادة في الوصف بالكذب على سبيل الاستمرار والاعتياد.
ولا افتراء أعظم من إنكار الإلهية والنبوة.
روي أن النبي قيل له: هل يكذب المؤمن؟
قال: لا.
وقرأ هذه الآية.
ثم إنه من كمال عنايته أراد أن يفرق بين الكفر اللساني وحده وبين اللساني المنضم إليه القلبي فقال: ﴿ من كفر بالله ﴾ اختلف العلماء في إعرابه؛ فالأكثرون على أنه بدل إما من ﴿ الذين لا يؤمنون بآيات الله ﴾ وما بينهما اعتراض والمعنى إنما يفتري الكذب من كفر.
واستثنى منهم المكره فلم يدخل تحت حكم الافتراء، ثم قال: ﴿ ولكن من شرح بالكفر صدراً ﴾ أي طاب منه نفساً واعتقده ﴿ فعليهم غضب ﴾ وإما من المبتدأ الذي هو ﴿ أولئك ﴾ أو من الخبر الذي هو ﴿ الكاذبون ﴾ .
وقيل: منصوب على الذم أي أخص وأعني من كفر.
وجوّز بعضهم أن تكون "من" شرطية والجواب محذوف لأن جواب من شرح دال عليه كأنه قيل: من كفر فعليه غضب إلا من أكره ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب.
وإنما صح استثناء المكره من الكافر مع أنه ليس بكافر لأنه ظهر منه بعد الإيمان ما مثله يظهر من الكافر طوعاً فلهذه المشاكلة صح الاستثناء.
قال ابن عباس: نزلت في عمار بن ياسر، وذلك أن المشركين أخذوه وأباه ياسراً وأمه سمية وصهيباً وبلالاً وخباباً وسالماً فعذوبهم.
فأما سمية فإنها ربطت بين بعيرين ووجيء قبلها بحربة وقيل لها إنك أسلمت من أجل الرجال وقتلت وقتل زوجها ياسر وهما أول قتيلين في الإسلام.
وأما عمار فإنه أعطاهم ما أرادوا بلسانه مكرهاً فأخبر رسول الله بأن عماراً كفر فقال: كلا إن عماراً ملىء إيماناً من قرنه إلى قدمه واختلط الإيمان بلحمه ودمه.
فأتى عمار رسول الله وهو يبكي فجعل رسول الله يمسح عينيه وقال : "إن عادوا لك فعد لهم بما قلت." فمن هنا حكم العلماء بأن الإكراه يجوّز التلفظ بكلمة الكفر.
وحدّ الإكراه أن يعذبه بعذاب لا طاقة له به كالتخويف بالقتل والضرب الشديد وسائر الإيلامات القوية.
وأجمعوا على أن قلبه عند ذلك يجب أن يكون متبرئاً عن الرضا بالكفر وأن يقتصر على التعريض ما أمكن مثل أن يقول: إن محمداً كذاب يعني عند الكفار.
أو يعني به محمداً آخر، أو يذكره على نية الاستفهام بمعنى الإنكار.
وإذا أعجله من أكرهه عن إحضار هذه النية أو لأنه لما عظم خوفه زال عن قلبه ذكر هذه النية كان ملوماً وعفو الله متوقع.
ولو ضيق المكره عليه حتى صرح بالكفر من غير تورية وطلب منه أن يقول لا أريد بقلبي سوى ما أذكره بلساني فههنا يتعين إما الكذب وإما توريط النفس للعذاب.
فمن الناس من قال: يباح له الكذب حينئذ.
ومنهم من قال: ليس له ذلك.
واختاره القاضي لأن الكذب إنما يقبح لكونه كذباً فوجب أن يقبح على كل حال.
ولو خرج الكذب عن القبح لرعاية بعض المصالح لم يمتنع أن يفعل الله الكذب لمصلحة ما فلا يبقى وثوق بوعده وبوعيده.
وللإكره مراتب منها: أن يجب الفعل المكره عليه كما لو أكرهه على شرب الخمر وأكل الميتة لما فيه من صون النفس مع عدم إضرار بالغير ولا إهانة لحق الله.
ومنها أن يصير الفعل مباحاً لا واجباً كما لو أكره على التلفظ بكلمة الكفر لما روي أن بلالاً صبر على العذاب وكان يقول: أحد أحد حتى ملوه وتركوه ولم يقل رسول الله بئسما فعلت بل عظمه، ولأن في ترك التقية والصبر على القتل أو التعذيب إعزازاً للإسلام.
ومنها أنه لا يجب ولا يباح بل يحرم كما إذا أكره على قتل إنسان أو على قطع عضو من أعضائه فههنا يبقى الفعل على الحرمة الأصلية.
وحينئذ لو قتل فللعلماء قولان: أحدهما لا يلزم القصاص وبه قال أبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه لأنه قتل دفعاً عن نفسه فأشبه قتل الصائل، ولأنه كالآلة للمكره ولذلك وجب القصاص على المكره وثانيهما - وبه قال أحمد والشافعي في أصح قوليه - أن عليه القصاص لأنه قتله عدواناً لاستبقاء نفسه فصار كما لو قتل المضطر إنساناً فأكله.
ومن الأفعال ما لا يمكن الإكراه عليه وهو الزنا لأن الإكراه يوجب الخوف الشديد وذلك يمنع من انتشار الآلة، فلو دخل الزنا في الوجود علم أنه وقع بالاختيار لا بالإكراه.
والأصح أن الإكراه فيه متصوّر، وأن الحد يسقط حينئذ، وعن أبي حنيفة أنه إن أكرهه السلطان لم يجب الحد، وإن أكرهه بعض الرعية وجب.
قال بعض الأصوليين: في قوله: ﴿ وقلبه مطمئن بالإيمان ﴾ دلالة على أن محل الإيمان هو القلب فهو إما الاعتقاد إن كان الإيمان معرفة، وإما كلام النفس إن كان تصديقاً.
وانتصاب ﴿ صدراً ﴾ على التمييز وأصله.
ولكن من شرح بالكفر صدره.
فعدل إلى النصب للمبالغة ولبناء الكلام على الإبهام ثم التفسير.
قوله: ﴿ ذلك بأنهم ﴾ أي ذلك الارتداد بسبب أنهم رجحوا ﴿ الدنيا على الآخرة ﴾ ولأجل أنه ما هداهم إلى الإيمان ولم يعصمهم عن الكفر.
وقال جار الله: ذلك الوعيد والغضب والعذاب بسبب استحقاقهم خذلان الله بكفرهم.
وهذا البحث وكذا بحث الطبع والختم والخلاف في تفسيره بين الأشاعرة والمعتزلة قد مر في أول سورة البقرة وفي غيرها فلا حاجة إلى الإعادة.
﴿ وأولئك هم الغافلون ﴾ أي الكاملون في الغفلة إذ غفلوا عن تدبر العواقب ﴿ لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون ﴾ وقال في أوائل سورة هود ﴿ هم الأخسرون ﴾ لأن أولئك صدوا عن سبيل الله وصدوا غيرهم فضلوا وأضلوا لذلك ضوعف لهم العذاب فهم الأخسرون، وهؤلاء صدوا بأنفسهم فهم الخاسرون.
ويمكن أن يقال: إن ما قبل الفواصل في تلك السورة لم يعتمد على ألف قبلها مثل "يبصرون" "يفترون".
وفي هذه السورة اعتمدت على الألف مثل "الكافرين" الكاذبون" فجاء في كل سورة على ما يناسبها.
ولما ذكر حال من أكره أتبعه حال من هاجر من بعد ما فتن.
قال جار الله: معنى ﴿ ثم إن ربك ﴾ تباعد حال هؤلاء من حال عمار وأصحابه.
ومعنى ﴿ إن ربك لهم ﴾ أنه لهم لا عليهم فينصرهم ولا يخذلهم.
ويحتمل أن يكون الجار متعلقاً بالخبر على نية التأخير.
وتكرير "إن" لطول الكلام.
من قرأ ﴿ من بعد ما فتنوا ﴾ بفتح الفاء مبنياً للفال فوجهه أن فتن وافتتن بمعنى واحد والمراد أن أولئك الضعفاء لما ذكروا كلمة الكفر على سبيل التقية فكأنهم فتنوا أنفسهم لأن الرخصة في إظهار كلمة الكفر ما نزلت بعد، أو أراد أن أكابر المشركين الذين آذوا فقراء المسلمين لو تابوا وهاجروا وصبروا فإن الله يقبل توبتهم، ومعنى "ثم" على هذا التفسير ظاهر.
ومن قرأ بضم الفاء مبنياً للمفعول فالمراد أن المستضعفين المعذبين الذين حملهم أقوياء المشركين على الردة والرجوع عن الإيمان إن هاجروا وجاهدوا وصبروا فإن الله يغفر لهم تكلمهم بكلمة الكفر.
وقال الحسن: هؤلاء الذين هاجروا من المؤمنين كانوا بمكة فعرضت لهم فتنة فارتدوا وشكوا في الرسول ثم أسلموا وهاجروا فنزلت الآية فيهم.
فمعنى "ثم" تبعيد حالة الغفران والرحمة عن حالة الارتداد والشك في أمر الرسول إلا أنه بكرمه يغفر لهم إذا تابوا.
وقيل: نزلت في عبد الله بن أبي سرح ارتد، فلما كان يوم الفتح أمر النبي بقتله فاستجار له عثمان فأجاره رسول الله ، ثم إنه أسلم وحسن إسلامه.
وهذه الرواية إنما تصح لو جعلنا الآية مدنية.
ومثله ما روي عن قتادة أنه لما أنزل الله أن أهل مكة لا يقبل منهم إسلام حتى يهاجروا كتب بها أهل المدينة إلى أصحابهم من أهل مكة، فلما جاءهم ذلك خرجوا فلحقهم المشركون فردوهم فنزلت: ﴿ ألم، أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ﴾ فكتبوا بها إليهم فتبايعوا بينهم على أن يخرجوا فإن لحق بهم المشركون من أهل مكة قاتلوهم حتى ينجوا أو يلحقوا بالله، فأدركهم المشركون فقاتلوهم، فمنهم من قتل ومنهم من نجا فأنزلت هذه الآية.
والضمير في قوله: ﴿ من بعدها ﴾ يرجع إلى الأفعال المذكورة من الهجرة والجهاد والصبر.
فالحاصل أن الآية إما نازلة فيمن عذب فلم يرتد ومع ذلك هاجر وجاهد، وإما نازلة فيمن أظهر الكفر تقية فبين أن حاله إذا هاجر وجاهد وصبر كحال من لم يكن كذلك، وإما نازلة فيمن ارتد ثم تاب وقام بما يجب القيام به فوعده الله المغفرة والرحمة.
قال الزجاج ﴿ يوم تأتي ﴾ منصوب بقوله: ﴿ رحيم ﴾ أو بإضمار "اذكر" أو "ذكرهم وأنذرهم" ومعنى الآية ظاهر إلا أن في قوله: ﴿ عن نفسها ﴾ إشكالاً من حيث إضافته النفس إلى ضمير النفس.
وأجيب بأن المراد بالنفس الأولى جملة بدن الحي، وبالنفس الثانية الذات فكأنه قيل: يوم يأتي كل إنسان يجادل عن ذاته لا يهمه شأن غيره.
ومعنى المجادلة عنها الاعتذار عنها كقولهم ﴿ هؤلاء أضلونا ﴾ ﴿ ما كنا مشركين ﴾ ونحو ذلك.
عن بعضهم: تزفر جهنم زفرة لا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا جثا لركبتيه يقول: يا رب نفسي حتى إن إبراهيم الخليل يفعل ذلك.
ثم أوعد الكفار بآفات الدنيا أيضاً فقال: ﴿ وضرب الله مثلاً قرية ﴾ يحتمل أن تكون مقدرة وأن تكون معينة موجودة إما مكة أو غيرها.
وذهب كثير من المفسرين إلى أنها مكة والأقرب أنها غيرها لأن مثل مكة يكون غير مكة فضربها الله مثلاً لمكة إنذاراً من مثل عاقبتها.
قال العقلاء: ثلاثة ليس لها نهاية: الأمن والصحة والكفاية.
فوصف الله تلك القرية بالأمن ثم بالاطمئنان إشارة إلى أن هواء ذلك البلد لاعتداله ملائم لأمزجة أهله حتى اطمأنوا واستقروا ولم يحوجوا إلى الانتقال طلباً للصحة.
ثم قال: ﴿ يأتيها رزقها رغداً من كل مكان ﴾ دلالة على حصول الكفاف لهم بأيسر وجه.
قال الكشاف: الأنعم جمع نعمة على ترك الاعتداد بالتاء كدرع وأدرع، أو جمع نعم كبؤس وأبؤس.
قلت: لعله حمله على ذلك طلب الضبط وإلا فلا حاجة إلى هذا التكلف.
وكذا أطلق الأكثرون أن جمع "فعلة" يجيء على "أفعل".
قيل: إنما ذكر جمع القلة تنبيهاً بالأدنى على الأعلى، يعني أن كفران النعمة القليلة يوجب العذاب فكيف بكفران النعم الكثيرة العظيمة.
وهذا مثل لأهل مكة كانوا في الأمن والطمأنينة والخصب ثم أنعم الله عليهم بالنعمة العظيمة - وهو محمد - فكفروا بها وبالغوا في إيذائه فسلط الله عليهم البلاء.
عذبهم بالجوع سبع سنين حتى أكلوا الجيف والعظام والعلهز والفرو، وكان النبي يبعث إليهم السرايا فيغيرون عليهم.
نقل أن ابن الراوندي قال لابن الأعرابي الأديب: هل يذاق اللباس؟
قال ابن الأعرابي: لا بأس أيها النسناس هب أن محمداً ما كان نبياً أما كان عربياً؟
كأنه طعن في الآية أن المناسب هو أن لو قيل: "فكساها الله لباس الجوع" أو "فأذاقها الله طعم الجوع" فردّ عليه ابن الأعرابي.
والذي أجاب به علماء البيان أن هذا من تجريد الاستعارة، وذلك أنه استعار اللباس لما غشي الإنسان من بعض الحوادث كالجوع والخوف لاشتماله عليه اشتمال اللباس على اللابس، ثم ذكر الوصف ملائماً للمستعار له وهو الجوع والخوف، لأن إطلاق الذوق على إدراك الجوع والخوف جرى عندهم مجرى الحقيقة فيقولون: ذاق فلان البؤس والضر وأذاقه غيره.
فكانت الاستعارة مجردة.
ولو قال: "فكساها" كانت مرشحة، وقد سلف منا تقرير هذا الاصطلاح في المقدمة التاسعة من مقدمات الكتاب.
وترشيح الاستعارة وإن كان مستحسناً من جهة المبالغة إلا أن للتجريد ترجيحاً من حيث إنه روعي جانب المستعار له فازداد الكلام وضوحاً.
وقيل: إن أصل الذوق بالفم ثم قد يستعار فيوضع موضع التعرّف والاختبار فتقول: أناظر فلاناً فأذوق ما عنده.
ومن يذق الدنيا فإني طعمتها *** وسيق إلينا عذبها وعذابها فمعنى ذقت لباس الجوع والخوف على فلان تعرفت ما ظهر عليه من الضمور وشحوبة اللون وتغير الحال وكسوف البال.
ففحوى الآية عرفها الله أثر لباس الجوع.
وقيل: حمل اللباس على المماسة والتقدير فأذاقها الله مساس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون.
قال ابن عباس: يريد بفعلهم بالنبي من التكذيب والهم بقتله والإخراج من مكة.
قال الفراء: كل الصفات أجريت على القرية إلا قوله: ﴿ يصنعون ﴾ تنبيهاً على أن المراد في الحقيقة أهلها.
ولما ذكر المثل ذكر الممثل فقال: ﴿ ولقد جاءهم ﴾ يعني أهل مكة ﴿ رسول منهم ﴾ من أنفسهم يعرفونه بأصله ونسبه ﴿ فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ﴾ متلبسون بالظلم.
قال ابن عباس: يعني بالعذاب الجوع الذي كان بمكة.
وقيل: القتل يوم بدر.
وقيل: إن قول ابن عباس أولى.
والمراد أن ذلك الجوع بسبب كفركم فاتركوا الكفر.
﴿ فكلوا مما رزقكم الله ﴾ من الغنائم.
فأكل الغنائم مسبب عن ترك الكفر فلذلك وصله بالفاء.
وقال الكلبي: إن رؤساء مكة كلموا رسول الله حين جهدوا وقالوا: عاديت الرجال فما بال النساء والصبيان؟
وكانت الميرة قد قطعت عنهم بإذن رسول الله فأذن في الحمل فحمل الطعام إليهم فذلك قوله: ﴿ فكلوا ﴾ .
ورجح قول ابن عباس بأنه قال بعد ذلك: ﴿ إنما حرم عليكم الميتة ﴾ فالمراد أنكم لما آمنتم وتركتم الكفر فكلوا الحلال الطيب - وهو الغنيمة - واتركوا الخبائث - وهو الميتة والدم - أو أنه أعاد تحريم هذه الأشياء في "البقرة" وفي "المائدة" و "الأنعام" وفي هذه السورة قطعاً للأعذار وإزالة للشبهة، ثم زيف طريقة الكفار في الزيادة على هذه المحرمات كالبحيرة والسائبة، وفي النقصان عنها كتحليل الميتة والدم فقال: ﴿ ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب ﴾ قال الكسائي والزجاج "ما" مصدرية وانتصاب ﴿ الكذب ﴾ بـ ﴿ لا تقولوا ﴾ أي ولا تقولوا الكذب لأجل وصف ألسنتكم.
وقوله: ﴿ هذا حلال وهذا حرام ﴾ بدل من الكذب ولك أن تنصب ﴿ الكذب ﴾ بـ ﴿ تصف ﴾ وتجعل "ما" مصدرية أيضاً أي ولا تقولوا هذا حلال وهذا حرام لوصف ألسنتكم الكذب.
ومعناه لا تحرموا ولا تحللوا لأجل قول تنطق به ألسنتكم من غير حجة ودليل.
ويجوز أن تكون "ما" موصولة أي ولا تقولوا للذي تصف ألسنتكم الكذب فيه هذا حلال وهذا حرام، فحذف لفظ فيه لكونه معلوماً.
وقوله: ﴿ تصف ألسنتكم الكذب ﴾ من فصيح الكلام وبلغيه كأن ماهية الكذب مجهولة وكلامهم يكشف عن حقيقته نظيره قوله: "وجهه يصف الجمال وعينه تصف السحر".
واللام في قوله: ﴿ لتفتروا ﴾ لام العاقبة لا الغرض.
والمقصود من ذكره بيان أنه كذب على الله فإن قوله: ﴿ لما تصف ألسنتكم الكذب ﴾ لم يكن فيه هذا البيان.
ثم أوعد المفترين بقوله: ﴿ إن الذين يفترون ﴾ الآية.
وقوله: ﴿ متاع ﴾ قال الزجاج: أي متاعهم.
وعن ابن عباس: أراد أن متاع كل الدنيا قليل.
والمعنى أن منفعتهم فيما هم عليه من أفعال الجاهلية، أو أن نعيم الدنيا كلها يزول عنهم عما قريب ويبقى العقاب الدائم الأليم.
ثم خص محرمات اليهود بالذكر فقال: ﴿ وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل ﴾ يعني في سورة الأنعام عند قوله: ﴿ وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ﴾ {الأنعام: 146] ثم قال: ﴿ وما ظلمناهم ﴾ كقوله هناك: ﴿ ذلك جزيناهم ببغيهم ﴾ .
ثم بين أن الافتراء على الله ومخالفة أمره لا يمنعهم من التوبة وحصول المغفرة والرحمة.
وقوله: ﴿ بجهالة ﴾ في موضع الحال أي عملوا السوء جاهلين غير عارفين بالله وبعقابه أو غير متأملين في وخامة عاقبته لغلبة الشهوة عليهم.
﴿ إن ربك من بعدها ﴾ من بعد تلك السيئة أو التوبة أو الجهالة.
ولما بالغ في إبطال مذاهب المشركين وفي الجواب عن شبههم ومطاعنهم وكان إبراهيم رئيس الموحدين وقدوة أكابر النبيين ذكره الله في آخر هذه السورة قائلاً: ﴿ إن إبراهيم كان أمة ﴾ أي هو وحده أمة من الأمم لكماله في جميع صفات الخير: ليس على الله بمستنكر *** أن يجمع العالم في واحد وعن مجاهد: كان مؤمناً وحده والناس كلهم كفار فلهذا قيل: إنه أمة.
وكان رسول الله يقول في زيد بن عمرو بن نفيل: يبعثه الله أمة وحده.
وعن شهر بن حوشب: لم يكن زمن إلا وفيه أربعة عشر يدفع بهم الله عن أهل الأرض إلا زمن إبراهيم فإنه وحده.
وقيل: أمة بمعنى مأموم أي يؤمه الناس ليأخذوا منه أفعال الخير أو بمعنى مؤتم به كقوله: ﴿ إني جاعلك للناس إماماً ﴾ وقيل: إنه من باب إطلاق المسبب على السبب لأنه حصل لأمته الامتياز عمن سواهم ﴿ قانتاً لله ﴾ قائماً بما يأمره الله.
وعن ابن عباس: مطيعاً لله ﴿ حنيفاً ﴾ مائلاً إلى ملة الإسلام ميلاً لا يزول عنه.
وقال ابن عباس: المراد أنه أول من اختتن وأقام مناسك الحج وضحى.
﴿ ولم يك من المشركين ﴾ قط لا في الصغر ولا في الكبر ﴿ شاكراً لأنعمه ﴾ وإن كانت قليلة فضلاً عن النعم الكثيرة.
يروى أنه كان لا يتغدّى إلا مع ضيف فلم يجد ذات يوم ضيفاً فأخلا غداءه فإذا هو بفوج من الملائكة في صورة البشر فدعاهم إلى الطعام فخيلوا له أن بهم جذاماً فقال: الآن وجبت مؤاكلتكم شكراً لله على أنه عافاني وابتلاكم ﴿ اجتباه ﴾ اختصه واصطفاه للنبوّة ﴿ وهداه إلى صراط مستقيم ﴾ إلى ملة الإسلام ﴿ وآتيناه في الدنيا حسنة ﴾ عن قتادة: هي أن الله حببه إلى أهل الأديان كلها.
وقيل: الأموال والأولاد.
وقيل قول المصلي منا "كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم".
﴿ وإنه في الآخرة لمن الصالحين ﴾ في أعلى مقاماتهم من الجنة تحقيقاً لدعائه ﴿ وألحقني بالصالحين ﴾ .
قال في الكشاف: معنى "ثم" في قوله: ﴿ ثم أوحينا إليك ﴾ تبعيد هذا النعت من بين سائر النعوت التي أثنى الله بها على إبراهيم، ليعلم أن أجل ما أوتي خليل الله اتباع نبينا ملته في الأصول من التوحيد والمعاد وغيرهما كاختيار يوم الجمعة للفراغ وترك العمل.
قال أهل النظم: كان لسائل أن يسأل: لم اختار اليهود السبت مع أن إبراهيم كان اختار الجمعة؟
فأجاب الله بقوله: ﴿ إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه ﴾ فاختاره بعضهم للفراغ واختار بعضهم الجمعة.
روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أنه قال: أمرهم موسى بالجمعة وقال تفرغوا في كل سبعة أيام يوماً واحداً فأبوا أن يقبلوا ذلك وقالوا: لا نريد إلا اليوم الذي فرغ الله فيه من الخلق وهو يوم السبت.
فجعل عليهم السبت وشدد عليهم.
ثم جاءهم عيسى بالجمعة أيضاً فقالت النصارى: لا نريد أن يكون عيدهم بعد عيدنا فاتخذوا الأحد.
وروى أبو هريرة عن النبي : "إن الله كتب يوم الجمعة على من كان قبلنا فاختلفوا فيه وهدانا الله له فالناس لنا تبع اليهود غداً والنصارى بعد غدٍ" وقال صاحب الكشاف: السبت مصدر سبت اليهود إذا عظمت سبتها.
والمعنى ﴿ إنما جعل ﴾ وبال ﴿ السبت ﴾ وهو المسخ ﴿ على الذين اختلفوا فيه ﴾ واختلافهم فيه أنهم أحلوا الصيد فيه تارة وحرموه تارة، وكان الواجب عليهم أن يتفقوا في تحريمه على كلمة واحدة.
وضعف القول الأول بأن اليهود متفقون على تعيين يوم السبت للفراغة.
ويمكن أن يقال: لعل فيهم من اختار الجمعة في قديم الدهر ثم وقع الاختلاف.
سؤال: النصارى يقولون: إن يوم الأحد مبتدأ الخلق، والتكوين على ما اتفق عليه أهل الملل أنه خلق العالم في ستة أيام أوّلها الأحد فجعله عيداً معقول.
واليهود قالت: إن يوم السبت هو اليوم الذي قد فرغ الله فيه من الأعمال فنحن نوافق ربنا.
فما وجه جعل الجمعة عيداً؟
والجواب بعد التعبد هو أن يوم الجمعة يوم التمام والكمال وذلك يوجب الفرح والسرور فجعله عيداً أولى.
ثم أوعد اليهود بقوله: ﴿ وإن ربك ليحكم ﴾ الخ.
ولما أمر محمداً باتباع إبراهيم بين وجه المتابعة فقال: ﴿ ادع إلى سبيل ربك ﴾ الآية.
وفيه أن طريقة إبراهيم في الدعوة كانت هكذا.
وتقرير ذلك أن الداعي إلى مذهب ونحلة لا بد أن يكون قوله مبنياً على حجة وهي إما أن تكون يقينية قطعية مبرأة من شائبة احتمال النقيض، وإما أن تكون مفيدة للظن القوي والإقناع التام وإلا لم يكن ملتفتاً إليها في العلوم، وقد يكون الجدال والخصام غالباً على المدعو فيحتاج حينئذ إلى إلزامه وإفحامه بدليل مركب من مقدمات مشهورة مسلمة عند الجمهور، أو مقدمات مسلمة عند الخصم.
فقوله: ﴿ بالحكمة ﴾ إشارة إلى استعمال الحجج القطعية المفيدة لليقين، والمكالمة بهذا الطريق إنما تكون مع الطالبين البالغين في الاستعداد إلى درجة الكمال.
وقوله: ﴿ والموعظة الحسنة ﴾ إشارة إلى استعمال الدلائل الإقناعية الموقعة للتصديق بمقدمات مقبولة، وأهل هذه المكالمة أقوام انحطت درجتهم عن درجة الطائفة الأولى إلا أنهم باقون على الفطرة الأصلية طاهرون عن دنس الشغب وكدورات الجدال وهم عامة الخلق.
وليس للدعوة إلا هذان الطريقان، ولكن الداعي قد يضطر مع الخصم الألد إلى استعمال الحجج الملزمة المفحمة كما قلنا فلهذا السبب عطف على الدعوة قوله: ﴿ وجادلهم بالتي ﴾ أي بالطريقة ﴿ التي هي أحسن ﴾ فكان طريق الجدال لم يكن سلوكه مقصوداً بالذات وإنما اضطر الداعي إليه لأجل كون الخصم مشاغباً.
وإنما استحسن هذا الطريق لكون الداعي محقاً وغرضه صحيحاً.
فإن كان مبطلاً وأراد تغليط السامع لم يكن جداله حسناً ويسمى دليله مغالظة.
هكذا ينبغي أن يتصوّر تفسير هذه الآية فإن كلام المفسرين الظاهريين فيه غير مضبوط.
وجوّز في الكشاف أن يريد القرآن أي ادعهم بالكتاب الذي هو حكمة وموعظة حسنة وجادلهم بأحسن طرق المجادلة من الرفق واللين من غير فظاظة ولا تعنيف.
ولما حث على الدعوة بالطرق المذكورة بين أن الهداية والرشد ليس إلى النبي وإنما ذلك إلى الله فقال: ﴿ إن ربك هو أعلم ﴾ الآية.
أي هو العالم بضلال النفوس واهتدائها وكدورتها وبمن جعل الدعوة سبباً لسعادتها أو واسطة لشقائها.
ثم إن الدعوة تتضمن تكليف المدعوّين بالرجوع عن الدين المألوف، والفطام منه شديد وربما تنجر المقاولة إلى المقاتلة، فحينئذ أمر الداعي وأتباعه برعاية العدل والإنصاف في حال القتال قائلاً ﴿ وإن عاقبتم ﴾ أي إن رغبتم في استيفاء القصاص إن وقع قتل فاقنعوا بالمثل ولا تزيدوا عليه.
والآية عامة وقد يخصصها رواة أسباب النزول بقصة حمزة قالوا: إن المشركون مثلوا بالمسلمين يوم أحد بقروا بطونهم وقطعوا مذاكيرهم، ما تركوا أحداً غير ممثول به إلا حنظلة بن الراهب.
فوقف رسول الله على حمزة وقد مثل به.
وروي فرآه مبقور البطن فقال: أما والذي أحلف به إن أظفرني الله بهم لأمثلن بسبعين مكانك فنزلت فكفر عن يمينه وكف عما أراده.
قاله ابن عباس في رواية عطاء وأبيّ بن كعب.
ومن هذا ذهبوا إلى أن خواتيم سورة النحل مدنية.
ولا خلاف في تحريم المثلة، وقد وردت الأخبار بالنهي عنها حتى بالكلب العقور، وقيل: نزلت حين كان المسلمون قد أمروا بالقتال مع من يقاتلهم ولا يبدأوا بالقتال فهو كقوله: ﴿ وقاتلوا في سبيل الذين يقاتلونكم ﴾ أمر الله أن يعاقبوا بمثل ما يصيبهم من العقوبة ولا يزيدوا.
وقال مجاهد والنخعي وابن سيرين: إنه نهى المظلوم عن استيفاء الزيادة من الظالم.
وفي قوله: ﴿ إن عاقبتم ﴾ رمز إلى أن الأولى له أن لا يفعل كقول الطبيب للمريض: إن كنت تأكل الفاكهة فكل التفاح.
ثم انتقل من التعريض إلى بعض التصريح قائلاً.
﴿ ولئن صبرتم لهو خير ﴾ أي صبركم خير لكم.
فوضع المظهر موضع المضمر ثناء من الله عليهم أو وصفاً لهم بالصفة التي تحصل لهم أو جنس الصبر خير ﴿ للصابرين ﴾ من جنسهم.
ثم صرح كل التصريح فقال: ﴿ واصبر ﴾ ثم ذكر ما يفيد سهولة الصبر على النفس فقال: ﴿ وما صبرك إلا بالله ﴾ أي بتوفيقه وتثبيته وربطه على قلبه وهذا سبب كلي مفيد للصبر.
وأما السبب الجزئي القريب فذلك قوله: ﴿ ولا تحزن عليهم ولا تك ﴾ وذلك أن إقدام الإنسان على الانتقام لا يكون إلا عند هيجان الغضب وإنه لا يهيج إلا عند فوات نفع.
وأشار إليه بقوله: ﴿ ولا تحزن عليهم ﴾ قيل: أي على قتلى أحد.
وقيل: على الكافرين كقوله: ﴿ فلا تأس على القوم الكافرين ﴾ وإلا حين توقع مكروه في المستقبل وأشار إلى ذلك بقوله: ﴿ ولا تك في ضيق ﴾ من قرأ بكسر الضاد فظاهر وهو من الكلام المقلوب الذي يشجع عليه أمن الإلباس، لأن الضيق وصف فهو يكون في الإنسان ولا يكون الإنسان فيه.
وفيه لطيفة أخرى وهي أن الضيق إذا عظم وقوي صار كالشيء المحيط به من جميع الجوانب، ومن قرأ بفتحها فإما على أنه مصدر أيضاً أو على أنه مخفف ضيق فمعناه في أمر ضيق، وإنما لم يقل "ولا تكن" بالنون كما في آخر النمل موافقة لما قبله ﴿ ولم يك من المشركين ﴾ ولأن الحزن ههنا أكثر بناء على أنها وردت في قتل حمزة فبولغ بالحذف في النهي عن الحزن.
ثم ختم السورة بآية جامعة لجميع المأمورات والمنهيات فقال: ﴿ إن الله مع الذين اتقوا ﴾ المعاصي كلها ﴿ والذين هم محسنون ﴾ في الطاعات بأن يعبدوا الله مخلصين عن شوائب الرياء: وقيل: ﴿ إن الله مع الذين اتقوا ﴾ استيفاء الزيادة ﴿ والذين هم محسنون ﴾ في ترك أصل الانتقام.
فإن أردت أن أكون معك بالنصر والتأييد فكن من المتقين ومن المحسنين، وفيه أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجب أن يكون بالرفق واللين مرتبة مرتبة.
وقيل: الذين اتقوا إشارة إلى التعظيم لأمر الله، والذين هم محسنون إشارة إلى الشفقة على خلق الله ومنه قال بعض المشايخ: كمال الطريق صدق مع الحق وخلق مع الخلق.
واحتضر هرم بن حبان فقيل له: أوص.
فقال: إنما الوصية من المال ولا مال لي أوصيكم بخواتيم سورة النحل.
التأويل: ﴿ وإذا بدلنا آية ﴾ إنه يعالج بدواء القرآن أمراض القلوب في كل وقت بنوع آخر على حسب ما يعلمه من المصالح فلذلك قال: ﴿ والله أعلم بما ينزل ﴾ ﴿ وبشرى للمسلمين ﴾ الذين استسلموا للطبيب ومعالجته حتى صارت قلوبهم سليمة.
﴿ إنما يعلمه بشر ﴾ ففيه إنكار أن طب القلوب وعلاجها من شأن البشر بنظر العقل لأنه مبني على معرفة الأمراض وكميتها وكيفيتها، ومعرفة الأدوية وخواصها وكيفية استعمالها، ومعرفة الأمزجة واختلاف أحوالها، وأن القلوب بيد الله يقلبها هو كيف يشاء فيضيق عن معالجتها نطاق عقول البشر ولهذا قال إبراهيم : ﴿ وإذا مرضت فهو يشفين ﴾ اللَّهم إلا إذا علم بتعليم الله كقوله: ﴿ وعلمك ما لم تكن تعلم ﴾ ومع هذا كان يقول نحن نحكم بالظاهر ﴿ يلحدون إليه أعجمي ﴾ هو الذي لا يفهم من كلام الله أسراره وحقائقه والعربي ضده كما قال: ﴿ فإنما يسرناه بلسانك ﴾ ﴿ إنما يفتري الكذب ﴾ لأن الافتراء من شأن النفس الأمارة الكافرة التي لا تؤمن بآيات الله.
﴿ وأولئك هم الكاذبون ﴾ أي هم الذين استمروا على الكذب لأن المؤمن قد يكذب في بعض الأحوال إلا أنه لا يصر على ذلك، وهكذا في جميع المعاصي ولهذا لا يخرج من الإيمان بالكلية ولكن ينقص الكذب إيمانه ويرجع بالتوبة إلى أصله.
قال النبي : "ما يزال العبد يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً" .
﴿ من كفر بالله من بعد إيمانه ﴾ إشارة إلى المريد المرتد بنسيم روائح نفحات الحق بمشام قلبه عند هبوبه، واصطكاك أهوية عوالم الباطن، وانخراق سحب حجب البشرية فلمع له برق أضاءت به آفاق سماء القلب وأشرقت أرض النفس، فآمن بحقية الطلب واحتمال التعب فاستوقد نار الشوق والمحبة، فما أضاءت ما حوله وبذل في الاجتهاد جده وحوله هبت نكباء النكبات فصدئت مرآة قلبه، وذهب الله بنوره وانخمدت نار الطلب وآل المشؤوم إلى طبعه ﴿ إلا من أكره ﴾ على مباشرة فعل أو قول يخالف الطريقة من معاملات أهل الطبيعة فيوافقهم فيها في الظاهر ويخالفهم بالباطن حتى يخلص من شؤم صحبتهم ﴿ استحبوا ﴾ اختاروا محبة الدنيا وشهواتها على محبة الله ﴿ وإن الله لا يهدي ﴾ إلى حضرته ﴿ القوم الكافرين ﴾ بنعمته ﴿ وأولئك هم الغافلون ﴾ عما أعدّ الله لعباده الصالحين.
﴿ هم الخاسرون ﴾ لأن الإغضاء عن العبودية يورث خسران القلوب عن مواهب الربوبية ﴿ ثم إن ربك للذين هاجروا ﴾ نفوسهم وهواهم ﴿ من بعد ما فتنوا ﴾ بمخالفة أوامر الحق ونواهيه ﴿ ثم جاهدوا ﴾ النفوس بسيوف الرياضات ﴿ وصبروا ﴾ على تزكيتها وتحليتها متمسكين بذيل إرادة الشيخ ﴿ يوم تأتي ﴾ أرباب النفوس ﴿ تجادل على نفسها ﴾ على قدر بقاء وجودها دفعاً لمضارّها وجذباً لمنافعها حتى إن كل نبي يقول نفسي نفسي إلا محمداً فإنه فانٍ بالكلية عن نفسه باقٍ ببقاء ربه فيقول: أمتي أمتي لأنه مغفور ذنب وجوده المتقدم في الدنيا والمتأخر في الآخرة بما فتح الله له ليلة المعراج إذ واجهه بخطاب "سلام عليك أيها النبي" ففني عن وجوده بالسلام وبقي بوجوده بالرحمة، فكان رحمة مهداة ببركاته إلى الناس كافة، ولكن رفع الذلة من تلك الضيافة وجب لمتابعيه فلهذا قال: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.
يعني الذين صلحوا لبذل الوجود في طلب المقصود ﴿ قرية ﴾ هي قرية شخص الإنسان ﴿ كانت آمنة ﴾ أي آهلة وهو الروح الإنساني ﴿ مطمئنة ﴾ بذكر الله ﴿ يأتيها رزقها ﴾ من المواهب ﴿ من كل مكان ﴾ روحاني وجسماني ﴿ فكفرت ﴾ النفس الأمارة ﴿ فأذاقها الله لباس الجوع ﴾ وهو انقطاع مواد التوفيق فأكلوا من جيفة الدنيا وميتة المستلذات ﴿ والخوف ﴾ وهو خوف الانقطاع عن الله ﴿ ولقد جاءهم رسول ﴾ الوارد بالرباني فما تخلقوا بأخلاقه ﴿ وكلوا مما رزقكم الله ﴾ من أنوار الشريعة وأسرار الطريقة ﴿ هذا حلال وهذا حرام ﴾ على عادة أهل الإباحة ﴿ وعلى الذين هادوا ﴾ أي تابوا ﴿ حرمنا ﴾ من موانع الوصول ﴿ ما قصصنا عليك ﴾ في بدوّ نبوتك حتى كنت محترزاً عن صحبة خديجة وتنحيت إلى حراء أسبوعاً أو أسبوعين.
﴿ وما ظلمناهم ﴾ بتحريم ذلك عليهم بل أنعمنا به عليهم ﴿ ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ﴾ بالإعراض عنا بعد الإقبال علينا ﴿ ولم يك من المشركين ﴾ ممن له شركة مع الله في الوجود ﴿ اتبع ملة إبراهيم ﴾ في الظاهر حتى يتبعك هو في الباطن ولهذا ذهب إلى ربه ماشياً ﴿ إني ذاهب إلى ربي ﴾ وأسري بمحمد راكباً ﴿ سبحان الذي أسرى بعبده ﴾ فهو خليل وأنت حبيب، اتبعت الخليل في الدنيا فيتبعك الخليل في الآخرة "الناس محتاجون إلى شفاعتي يوم القيامة حتى إبراهيم ".
﴿ وإن عاقبتهم ﴾ النفس الأمارة ﴿ فعاقبوا ﴾ أي بالغوا في عقابها بالفطام عن مألوفاتها ﴿ بمثل ما عوقبتم به ﴾ من الانقطاع عن مواد التوفيق والمواهب.
﴿ ولئن صبرتم ﴾ على معاقبتهم ﴿ لهو خير ﴾ لأن عقاب الحبيب على قدر عقاب العدو وأعدى عدوّك نفسك التي بين جنبيك.
﴿ واصبر ﴾ على معاقبة النفس ومخالفة الهوى.
﴿ وما صبرك إلا بالله ﴾ لأن الصبر من صفات الله ولا يقدر أحد أن يتصف بصفاته إلا به بأن يتجلى بتلك الصفة له.
﴿ ولا تحزن ﴾ على النفس وجنودها عند المعاقبة فإن فيها صلاح حالهم ومآلهم.
﴿ ولا تك في ضيق مما يمكرون ﴾ فإن مكرهم يندفع بمعونة الله عند الفرار إليه والله أعلم.
قوله - عزّ وجلّ -: ﴿ فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْآنَ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ ٱلرَّجِيمِ ﴾ .
وقال في آية أخرى: ﴿ وَإِماَّ يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ وَقُلْ رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ ٱلشَّياطِينِ ﴾ الآية [المؤمنون: 97].
فيجب أن يتعوذ من همزاته على ما أمر رسولَه، أو عند نزغ الشيطان على ما ذكر، لكنه إذا تعوذ منه - تعوذ من همزاته ونزغاته.
فإن قيل: كيف خصّ قراءة القرآن بالتعوذ منه دون غيره من الأذكار، والعبادات، والأعمال الصالحة؟
قيل: قد يتعوذ منه دون غَيره - أيضاً - في غيره من العبادات والأذكار؛ بقولهم: "بسم الله"؛ إذ لا يفتتح شيء إلا به؛ فذلك تعوذهم منه، لكن التعوذ في هذا تعوذٌ بكناية، والتعوذ في قراءة القرآن بالتصريح؛ وذلك أنه حجة وبرهان؛ فطعن الأعداء فيما هو حجة في نفسه أكثر من الأفعال التي فعلوها؛ ألا ترى أنه كان يلقنهم - أعني الشيطان [و] أولياءه - أنه سحر، وأنه: أساطير الأوّلين، وأنه إنما يعلمه بشر، ونحوه.
وقوله: ﴿ وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىۤ أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَٰدِلُوكُمْ ﴾ : كانوا يطلبون الطعن في القرآن؛ لأنه حجّة وبرهان، ولم يشتغلوا في طعن فعل من الأفعال أو ذكر من الأذكار؛ فعلى ذلك يجوز أن يكون التعوذ منه - فيما هو حجة - بالتصريح، وفي غيره بكناية، والله أعلم.
ثم في هذه الآية، وفي غيرها من قوله: ﴿ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاةِ فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ ﴾ ، وقوله: ﴿ فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْآنَ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ ٱلرَّجِيمِ ﴾ - لم يفهم أهلها منها على ظاهر المخرج؛ ولكن فهموا على مخرج الحكمة؛ لأن ظاهر المخرج أن يفهم التعوذ بعد فراغه من القراءة، وكذلك يفهم من الأمر بالقيام إلى الصلاة الوضوء بعد القيام إليه، ثم [لم] يفهموا - في هذا ونحوه - هذا؛ ولكن فهموا: إذا أردت قراءة القرآن فاستعذ بالله، وكذلك فهموا من قوله: ﴿ إِذَا قُمْتُمْ ﴾ أي: إذا أردتم القيام إلى الصلاة ﴿ فٱغْسِلُواْ ﴾ ، ولم يفهموا كل قيام؛ إنما فهموا قياماً دون قيام، أي: إذا [أردتم] القيام إلى الصلاة وأنتم محدثون، وفهموا من قوله: ﴿ فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ ، وفهموا من قوله: ﴿ فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَٱنْتَشِرُواْ ﴾ ، وكذلك فهموا من قوله: ﴿ فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَّنَاسِكَكُمْ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ ﴾ - الفراغ منها؛ دلّ أن الخطاب لا يوجب المراد والفهم على ظاهر المخرج؛ ولكن على مخرج الحكمة والمعنى.
وأصل التعوذ هو الاعتصام بالله من وساوس عدوه وكيده.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ .
قال بعضهم: ليس له سبيل على الذين آمنوا.
وقال بعضهم: السلطان: الحجّة، أي: ليس له حجة على الذين آمنوا.
وقال بعضهم: أي ليس له ملك على الذين آمنوا - ملك القهر والغلبة - إنما ملكه على الذين يتولونه، لكن ليس له ملك القهر على الذين يتولّونه أيضاً؛ إنما يتبعونه ويطيعونه بإشارات منه طوعاً؛ فدلّ أن تأويل الملك لا يصح في السلطان، ويكون تأويله السبيل أو الحجّة.
ثم يحتمل قوله: ﴿ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ - بالقرآن؛ لأنه ذكر على أثر ذكر القرآن، ويحتمل: الذين آمنوا بربهم، وهما واحد في الحاصل؛ ﴿ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ ﴾ : حجته أو سبيله على الذين يتخذونه وليّاً، فيطيعونه في كل أمره وجميع إشاراته وما يلقي إليهم، وأصله: ليس له سلطان على الذين آمنوا بربهم.
﴿ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ .
في جميع أحوالهم وساعاتهم؛ أي: لا سلطان له ولا سبيل على من آمن به وتوكل عليه.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَٱلَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ ﴾ .
[يحتمل قوله: ﴿ بِهِ مُشْرِكُونَ ﴾ ].
إبليس يتبعونه ويعدلون بربهم، ويحتمل ﴿ بِهِ مُشْرِكُونَ ﴾ : بربهم، والتوكل: هو الاعتماد به، وتفويض الأمر إليه في كل حال: السراء والضراء في وقت الضيق والسّعة؛ فذلك التوكل به.
وقوله - عز وجلّ -: ﴿ وَإِذَا بَدَّلْنَآ آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ...
﴾ .
الآية تحتمل وجهين: أحدهما: ما قاله أهل التأويل على التناسخ أن يبدّل آية مكان آية، وهو على تبديل حكم آية بحكم آية أخرى، لا على رفع عينها.
والثاني: قوله: ﴿ وَإِذَا بَدَّلْنَآ آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ ﴾ ، أي: بدّلنا حجّة بعد حجة، وآية بعد آية لرسالته.
﴿ قَالُوۤاْ إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍ ﴾ كلما أتاهم حجة على أثر حجة، وآية بعد آية يقولون: إنما أنت مفتر.
ينسبون إليه الافتراء: أنه افترى، وكذلك كان عادتهم المعاندة والمكابرة؛ كقوله: ﴿ وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَٰتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ ﴾ ، وكقوله: ﴿ مَا يَأْتِيهِمْ مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِمْ مُّحْدَثٍ إِلاَّ ٱسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ ﴾ ، ونحوه من الآيات.
كلما أتى بهم حجة وآية بعد آية كانوا يستقبلونه بالتكذيب لها، ونسبة رسول الله إلى الافتراء من نفسه؛ ويزداد لهم بذلك كفراً، وهو ما قال: ﴿ وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَىٰ رِجْسِهِمْ ﴾ : أخبر أنه كان يزداد لأهل الإيمان بما ينزل عليهم من سورة إيماناً، ويزداد لأهل الشرك رجساً وكفراً إلى كفرهم مثل هذا.
ولو كان يحتمل أن يكون حرف (إذا) مكان (لو) - لكان أقرب، ويكون تأويله: ولو أنزلنا حجة بعد حجة وآية على أثر آية جديدة - فما آمنوا؛ كقوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلْمَوْتَىٰ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُوۤاْ ﴾ ، وكقوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ...
﴾ الآية [الرعد: 31]، أي: لو أن هذا القرآن - قرآن سيرت به الجبال أو كلم به الموتى - فما آمنوا به؛ لعنادهم؛ فعلى ذلك: الأول قد يحتمل قوله: ﴿ وَإِذَا بَدَّلْنَآ آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ ﴾ بالسؤال مكان آية ﴿ قَالُوۤاْ إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍ ﴾ .
وقوْله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ ﴾ .
يحتمل قوله: [ ﴿ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ ﴾ به صلاحهم وغير صلاحهم، أو أن يكون]: ﴿ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ ﴾ من تثبيت قلوب الذين آمنوا؛ كقوله: ﴿ لِيُثَبِّتَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ ، أو أن يكون ﴿ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ ﴾ : جبريل على رسوله؛ جواباً لقولهم: ﴿ إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍ ﴾ ، وكقوله: ﴿ قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ ٱلْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ ﴾ ، أي: ليس بمفتر؛ ولكن نزله جبريل من ربّه.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ ٱلْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ ، أي: بالحق الذي عليهم، أو بالحق الذي لبعضهم على بعض.
والحق في الأقوال: هو الصدق، وفي الأفعال: صواب ورشد، وفي الأحكام: عدل وإصابة، والحق: هو الشيء الذي يحمد عليه فاعله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لِيُثَبِّتَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَهُدًى ﴾ .
هذا تفسير قوله: ﴿ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً ﴾ ؛ لأنه أخبر أنه: ليثبت الذين آمنوا؛ فذكر من زيادة الإيمان - هو التثبيت - الّذي ذكر هاهنا - قوله: ﴿ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً ﴾ ، وذكر قوله: ﴿ إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍ ﴾ - مقابل قوله: ﴿ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَىٰ رِجْسِهِمْ ﴾ ؛ ليعلم أن الزيادة التي ذكر في سورة التوبة - هي ما ذكر هاهنا من التثبيت والطمأنينة ونحوه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ ﴾ .
أي: هدى من الجهالات والشبهات التي كانت تعرض لهم، أو من الضّلالة، وبشرى للمسلمين.
وقال: في آية أخرى: ﴿ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ليعلم أن الإيمان والإسلام واحد.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ﴾ .
هم لم يقولوا إنما يعلمه بشر؛ ولكن كانوا ينصُّون واحداً فلاناً، لكن الخبر من الله على ذكر البشر؛ ألا ترى أنه أخبر أن ﴿ لِّسَانُ ٱلَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ ﴾ .
دلّ أن البشر - الذي أخبر عنهم أنهم يقولون: إنه يعلمه - كان منصوصاً عليه مشاراً إليه؛ حيث قال: لسان هذا أعجمي، ولسان النبي عربي؛ فكيف فهم هذا عن هذا، وهذا من هذا، ولسان هذا غير لسان هذا؟!
وما قاله أهل التأويل: أنه كان يجلس إلى غلام يقال له كذا، وهو يهودي يقرأ التوراة؛ فيستمع إلى قراءته، وكان يعلمه الإسلام حتى أسلم، فعند ذلك قالت له قريش: ﴿ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ﴾ ، ولو كان ما ذكروا أنه كان يعلمه الإسلام فأسلم؛ فلقائلٍ أن يقول: كيف فهم ذلك الرجل منه لسان رسول الله ولسانه غير لسانه؟!
على ما أخبر؛ لكن يحتمل أن يكون ذلك في القرآن؛ حيث قالوا: ﴿ إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍ ﴾ ، ثم يقولون: ﴿ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ﴾ ؛ فيقول - والله أعلم -: إنه كيف علمه هذا القرآن، وهو لا يفهم من لسانه إلا يسيراً منه؛ فأنتم لسانكم عربي لا تقدرون أن تأتوا بمثله، ولا بسورة من مثلها، ولا بآية؛ فكيف قدر على مثله من لا يفهم لسانه، ولا كان ذلك بلسانه؟!
يخرج ذلك على الاحتجاج عليهم.
وبعد، فإن في قولهم ظاهر التناقض؛ لأنهم قالوا: ﴿ إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍ ﴾ ، ثم قالوا: ﴿ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ﴾ ، فالذي علمه غيره ليس بمفتر؛ إنما يكون الافتراء من ذات نفسه فهو ظاهر التناقض.
وقوله: ﴿ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ ﴾ .
يحتمل: مبين ما لهم وما عليهم، أو مبين للحقوق التي لله عليهم وما لبعضهم على بعض، أو مبين: أي بين أنه من عند الله نزل؛ ليس بمفترى.
وهذه الآية ترد على الباطنيّة قولهم؛ لأنّهم يقولون: إن رسول الله هو الذي ألف هذا القرآن بلسانه، ولم ينزله الله عليه بهذا اللسان؛ فلو كان على ما ذكروا ما كان لأولئك ادعاء ما ادعوا على رسول الله من الافتراء.
قوله: ﴿ يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ ﴾ .
قال بعضهم: يميلون إليه، وهو قول أبي عوسجة والقتبي؛ قالوا: الإلحاد: الميل، وكذلك سمّي اللّحد لحداً؛ لميله إلى ناحية القبرِ.
وقال الكسائي: هو من الركون إليه، أي: يركنون.
قوله - عزّ وجلّ -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ لاَ يَهْدِيهِمُ ٱللَّهُ ﴾ .
قال الحسن: إنه - والله - من كذب بآيات الله فهو ليس بمهتد عند الله.
[و] قال أبو بكر: لا يهديهم الله بتكذيبهم الآيات.
فهو كله خيال على كل من يشكل ويخفي أن من كذب بآيات الله فهو غير مهتد من يظن هذا، وقول أبي بكر - أيضاً - من يتوهم أن من كذب بآيات الله أنه يهديه - هذا فاسد، خيال كله، وأصله عندنا قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ ﴾ \[؛ لعنادهم ومكابرتهم؛ لأنهم كانوا يعاندون بآيات الله ويكابرونها، ويكذبون مع علمهم أنها آيات، وأنها حق أو قال ذلك في قوم علم أنهم لا يؤمنون\] ويموتون عليه؛ فمن علم منه أنه لا يؤمن لا يهديه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا يَفْتَرِي ٱلْكَذِبَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ ﴾ .
لا الذين يؤمنون بها ويصدقونها.
﴿ وَأُوْلـٰئِكَ ﴾ .
الذين كذبوها.
﴿ هُمُ ٱلْكَاذِبُونَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
ليس محمد كاذبًا فيما جاء به من ربه، إنما يختلق الكذب الذين لا يصدقون بآيات الله؛ لأنهم لا يخافون عذابًا، ولا يرجون ثوابًا، وأولئك المتصفون بالكفر هم الكاذبون؛ لأن الكذب عادتهم التي اعتادوا عليها.
<div class="verse-tafsir" id="91.3vBMm"