الآية ١٠٦ من سورة النحل

الإسلام > القرآن > سور > سورة 16 النحل > الآية ١٠٦ من سورة النحل

مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ إِيمَـٰنِهِۦٓ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُۥ مُطْمَئِنٌّۢ بِٱلْإِيمَـٰنِ وَلَـٰكِن مَّن شَرَحَ بِٱلْكُفْرِ صَدْرًۭا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌۭ ١٠٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 152 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٠٦ من سورة النحل: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٠٦ من سورة النحل عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

أخبر تعالى عمن كفر به بعد الإيمان والتبصر ، وشرح صدره بالكفر واطمأن به : أنه قد غضب عليه ؛ لعلمهم بالإيمان ثم عدولهم عنه ، وأن لهم عذابا عظيما في الدار الآخرة ; لأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة ، فأقدموا على ما أقدموا عليه من الردة لأجل الدنيا ، ولم يهد الله قلوبهم ويثبتهم على الدين الحق ، فطبع على قلوبهم فلا يعقلون بها شيئا ينفعهم وختم على سمعهم وأبصارهم فلا ينتفعون بها ، ولا أغنت عنهم شيئا ، فهم غافلون عما يراد بهم .

( لا جرم ) أي : لا بد ولا عجب أن من هذه صفته ، ( أنهم في الآخرة هم الخاسرون ) أي : الذين خسروا أنفسهم وأهاليهم يوم القيامة .

وأما قوله : ( إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ) فهو استثناء ممن كفر بلسانه ووافق المشركين بلفظه مكرها لما ناله من ضرب وأذى ، وقلبه يأبى ما يقول ، وهو مطمئن بالإيمان بالله ورسوله .

وقد روى العوفي عن ابن عباس : أن هذه الآية نزلت في عمار بن ياسر حين عذبه المشركون حتى يكفر بمحمد - صلى الله عليه وسلم - فوافقهم على ذلك مكرها وجاء معتذرا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأنزل الله هذه الآية .

وهكذا قال الشعبي ، وأبو مالك وقتادة .

وقال ابن جرير : حدثنا ابن عبد الأعلى ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن عبد الكريم الجزري ، عن أبي عبيدة [ بن ] محمد بن عمار بن ياسر قال : أخذ المشركون عمار بن ياسر فعذبوه حتى قاربهم في بعض ما أرادوا ، فشكا ذلك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " كيف تجد قلبك ؟

" قال : مطمئنا بالإيمان قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " إن عادوا فعد " .

ورواه البيهقي بأبسط من ذلك ، وفيه أنه سب النبي - صلى الله عليه وسلم - وذكر آلهتهم بخير ، وأنه قال : يا رسول الله ، ما تركت حتى سببتك وذكرت آلهتهم بخير .

قال : " كيف تجد قلبك ؟

" قال : مطمئنا بالإيمان .

فقال : " إن عادوا فعد " .

وفي ذلك أنزل الله : ( إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ) .

ولهذا اتفق العلماء على أنه يجوز أن يوالي المكره على الكفر ؛ إبقاء لمهجته ، ويجوز له أن يستقتل ، كما كان بلال - رضي الله عنه - يأبى عليهم ذلك وهم يفعلون به الأفاعيل ، حتى أنهم ليضعون الصخرة العظيمة على صدره في شدة الحر ، ويأمرونه أن يشرك بالله فيأبى عليهم وهو يقول : أحد ، أحد .

ويقول : والله لو أعلم كلمة هي أغيظ لكم منها لقلتها - رضي الله عنه وأرضاه - .

وكذلك حبيب بن زيد الأنصاري لما قال له مسيلمة الكذاب : أتشهد أن محمدا رسول الله ؟

فيقول : نعم .

فيقول : أتشهد أني رسول الله ؟

فيقول : لا أسمع .

فلم يزل يقطعه إربا إربا وهو ثابت على ذلك .

وقال الإمام أحمد : حدثنا إسماعيل ، حدثنا أيوب ، عن عكرمة ، أن عليا - رضي الله عنه - حرق ناسا ارتدوا عن الإسلام ، فبلغ ذلك ابن عباس فقال : لم أكن لأحرقهم بالنار ، إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " لا تعذبوا بعذاب الله " .

وكنت قاتلهم بقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " من بدل دينه فاقتلوه " فبلغ ذلك عليا فقال : ويح أم ابن عباس .

رواه البخاري .

وقال الإمام أحمد أيضا : حدثنا عبد الرزاق ، أنبأنا معمر ، عن أيوب ، عن حميد بن هلال العدوي ، عن أبي بردة قال : قدم على أبي موسى معاذ بن جبل باليمن ، فإذا رجل عنده ، قال : ما هذا ؟

قال رجل كان يهوديا فأسلم ، ثم تهود ، ونحن نريده على الإسلام منذ - قال : أحسب - شهرين فقال : والله لا أقعد حتى تضربوا عنقه ، فضربت عنقه .

فقال : قضى الله ورسوله أن من رجع عن دينه فاقتلوه - أو قال : من بدل دينه فاقتلوه .

وهذه القصة في الصحيحين بلفظ آخر .

والأفضل والأولى أن يثبت المسلم على دينه ، ولو أفضى إلى قتله ، كما قال الحافظ ابن عساكر في ترجمة عبد الله بن حذافة السهمي أحد الصحابة : أنه أسرته الروم ، فجاءوا به إلى ملكهم ، فقال له : تنصر وأنا أشركك في ملكي وأزوجك ابنتي ، فقال له : لو أعطيتني جميع ما تملك وجميع ما تملكه العرب ، على أن أرجع عن دين محمد طرفة عين ما فعلت !

فقال : إذا أقتلك ، قال : أنت وذاك ، فأمر به فصلب ، وأمر الرماة فرموه قريبا من يديه ورجليه ، وهو يعرض عليه دين النصرانية ، فيأبى ثم أمر به فأنزل ، ثم أمر بقدر - وفي رواية ببقرة من نحاس - فأحميت ، وجاء بأسير من المسلمين فألقاه وهو ينظر ، فإذا هو عظام تلوح ، وعرض عليه فأبى ، فأمر به أن يلقى فيها ، فرفع في البكرة ليلقى فيها ، فبكى فطمع فيه ودعاه فقال له : إني إنما بكيت لأن نفسي إنما هي نفس واحدة ، تلقى في هذه القدر الساعة في الله ، فأحببت أن يكون لي بعدد كل شعرة في جسدي نفس تعذب هذا العذاب في الله .

وفي بعض الروايات : أنه سجنه ومنع عنه الطعام والشراب أياما ، ثم أرسل إليه بخمر ولحم خنزير ، فلم يقربه ، ثم استدعاه فقال : ما منعك أن تأكل ؟

فقال : أما إنه قد حل لي ، ولكن لم أكن لأشمتك في ، فقال له الملك : فقبل رأسي وأنا أطلقك ، فقال : وتطلق معي جميع أسارى المسلمين ؟

قال : نعم .

فقبل رأسه ، فأطلقه وأطلق معه جميع أسارى المسلمين عنده ، فلما رجع قال عمر بن الخطاب : حق على كل مسلم أن يقبل رأس عبد الله بن حذافة ، وأنا أبدأ ، فقام فقبل رأسه .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

اختلف أهل العربية في العامل في " مَنْ" من قوله ( مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ ) ومن قوله ( وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا ) ، فقال بعض نحويي البصرة: صار قوله ( فَعَلَيْهِمْ) خبرًا لقوله ( وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا ) ، وقوله ( مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ ) فأخبر لهم بخبر واحد، وكان ذلك يدلّ على المعنى.

وقال بعض نحويي الكوفة: إنما هذان جزءان اجتمعا، أحدهما منعقد بالآخر، فجوابهما واحد كقول القائل: من يأتنا فمن يحسن نكرمه، بمعنى: من يحسن ممن يأتنا نكرمه.

قال : وكذلك كلّ جزاءين اجتمعا الثاني منعقد بالأوّل، فالجواب لهما واحد .

وقال آخر من أهل البصرة: بل قوله ( مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ ) مرفوع بالردّ على الذين في قوله إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ومعنى الكلام عنده: إنما يفتري الكذب من كفر بالله من بعد إيمانه، إلا من أكره من هؤلاء وقلبه مطمئنّ بالإيمان ، وهذا قول لا وجه له .

وذلك أن معنى الكلام لو كان كما قال قائل هذا القول، لكان الله تعالى ذكره قد أخرج ممن افترى الكذب في هذه الآية الذين وُلدوا على الكفر وأقاموا عليه ، ولم يؤمنوا قطّ، وخصّ به الذين قد كانوا آمنوا في حال، ثم راجعوا الكفر بعد الإيمان ، والتنـزيل يدلّ على أنه لم يخصص بذلك هؤلاء دون سائر المشركين الذين كانوا على الشرك مقيمين، وذلك أنه تعالى أخبر خبر قوم منهم أضافوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم افتراء الكذب، فقال: وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَـزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ وكذّب جميع المشركين بافترائهم على الله وأخبر أنهم أحق بهذه الصفة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ ، ولو كان الذين عنوا بهذه الآية هم الذين كفروا بالله من بعد إيمانهم، وجب أن يكون القائلون لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، إنما أنت مفتر حين بدّل الله آية مكان آية، كانوا هم الذين كفروا بالله بعد الإيمان خاصة دون غيرهم من سائر المشركين ، لأن هذه في سياق الخبر عنهم، وذلك قول إن قاله قائل ، فبين فساده مع خروجه عن تأويل جميع أهل العلم بالتأويل.

والصواب من القول في ذلك عندي أن الرافع لمن الأولى والثانية، قوله ( فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ ) والعرب تفعل ذلك في حروف الجزاء إذا استأنفت أحدهما على آخر.

وذكر أن هذه الآية نـزلت في عمار بن ياسر وقوم كانوا أسلموا ففتنهم المشركون عن دينهم، فثبت على الإسلام بعضهم ، وافتتن بعض.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمى، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ( مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ ) ...

إلى آخر الآية ، وذلك أن المشركين أصابوا عمار بن ياسر فعذّبوه، ثم تركوه، فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فحدّثه بالذي لقي من قريش ، والذي قال: فأنـزل الله تعالى ذكره عذره ( مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ ) ...

إلى قوله ( وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) .

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ ) قال: ذُكِر لنا أنها نـزلت في عمار بن ياسر، أخذه بنو المغيرة فغطوه في بئر ميمون وقالوا: اكفر بمحمد ، فتابعهم على ذلك وقلبه كاره، فأنـزل لله تعالى ذكره ( إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا ) : أي من أتى الكفر على اختيار واستحباب، ( فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) .

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن عبد الكريم الجزري ، عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر، قال: أخذ المشركون عمار بن ياسر، فعذّبوه حتى باراهم في بعض ما أرادوا فشكا ذلك إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: كَيْفَ تَجدُ قَلْبَكَ؟

قال: مطمئنا بالإيمان.

قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: " فإنْ عادُوا فَعُدْ".

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، عن حصين، عن أبي مالك، في قوله ( إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ ) قال: نـزلت في عمار بن ياسر.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن الشعبي ، قال: لما عذّب الأعبد أعطوهم ما سألوا إلا خباب بن الأرت، كانوا يضجعونه على الرضف فلم يستقلوا منه شيئا.

فتأويل الكلام إذن: من كفر بالله من بعد إيمانه، إلا من أكره على الكفر ، فنطق بكلمة الكفر بلسانه وقلبه مطمئنّ بالإيمان، موقن بحقيقته ، صحيح عليه عزمه ، غير مفسوح الصدر بالكفر ، لكن من شرح بالكفر صدرا فاختاره وآثره على الإيمان ، وباح به طائعا، فعليهم غضب من الله ، ولهم عذاب عظيم.

وبنحو الذي قلنا في ذلك ورد الخبر ، عن ابن عباس.

حدثني عليّ بن داود، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس قوله ( إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ ) فأخبر الله سبحانه أنه من كفر من بعد إيمانه، فعليه غضب من الله وله عذاب عظيم ، فأما من أكره فتكلم به لسانه وخالفه قلبه بالإيمان لينجو بذلك من عدوّه، فلا حرج عليه، لأن الله سبحانه إنما يأخذ العباد بما عقدت عليه قلوبهم.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيمفيه إحدى عشر مسألة :الأولى : قوله تعالى : من كفر بالله هذا متصل بقوله - تعالى - : ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها فكان مبالغة في الوصف بالكذب ; لأن معناه لا ترتدوا عن بيعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - .

أي من كفر من بعد إيمانه وارتد فعليه غضب الله .

قال الكلبي : نزلت في عبد الله بن أبي سرح ومقيس بن صبابة وعبد الله بن خطل ، وقيس بن الوليد بن المغيرة ، كفروا بعد إيمانهم .

وقال الزجاج : من كفر بالله من بعد إيمانه بدل ممن يفتري الكذب ; أي إنما يفتري الكذب من كفر بالله من بعد إيمانه ; لأنه رأى الكلام إلى آخر الاستثناء غير تام فعلقه بما قبله .

وقال الأخفش : " من " ابتداء وخبره محذوف ، اكتفي منه بخبر من الثانية ; كقولك : من يأتنا من يحسن نكرمه .الثانية : قوله تعالى : إلا من أكره هذه الآية نزلت في عمار بن ياسر ، في قول أهل التفسير ; لأنه قارب بعض ما ندبوه إليه .

قال ابن عباس : أخذه المشركون وأخذوا أباه وأمه [ ص: 164 ] سمية وصهيبا وبلالا وخبابا وسالما فعذبوهم ، وربطت سمية بين بعيرين ووجئ قبلها بحربة ، وقيل لها إنك أسلمت من أجل الرجال ; فقتلت وقتل زوجها ياسر ، وهما أول قتيلين في الإسلام .

وأما عمار فأعطاهم ما أرادوا بلسانه مكرها ، فشكا ذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : كيف تجد قلبك ؟

قال : مطمئن بالإيمان .

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : فإن عادوا فعد .

وروى منصور بن المعتمر عن مجاهد قال : أول شهيدة في الإسلام أم عمار ، قتلها أبو جهل ، وأول شهيد من الرجال مهجع مولى عمر .

وروى منصور أيضا عن مجاهد قال : أول من أظهر الإسلام سبعة : رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر ، وبلال ، وخباب ، وصهيب ، وعمار ، وسمية أم عمار .

فأما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فمنعه أبو طالب ، وأما أبو بكر فمنعه قومه ، وأخذوا الآخرين فألبسوهم أدرع الحديد ، ثم صهروهم في الشمس حتى بلغ منهم الجهد كل مبلغ من حر الحديد والشمس ، فلما كان من العشي أتاهم أبو جهل ومعه حربة ، فجعل يسبهم ويوبخهم ، وأتى سمية فجعل يسبها ويرفث ، ثم طعن فرجها حتى خرجت الحربة من فمها فقتلها ; - رضي الله عنها - .

قال : وقال الآخرون ما سئلوا إلا بلالا فإنه هانت عليه نفسه في الله ، فجعلوا يعذبونه ويقولون له : ارجع عن دينك ، وهو يقول أحد أحد ; حتى ملوه ، ثم كتفوه وجعلوا في عنقه حبلا من ليف ، ودفعوه إلى صبيانهم يلعبون به بين أخشبي مكة حتى ملوه وتركوه ، قال فقال عمار : كلنا تكلم بالذي قالوا - لولا أن الله تداركنا - غير بلال فإنه هانت عليه نفسه في الله ، فهان على قومه حتى ملوه وتركوه .

والصحيح أن أبا بكر اشترى بلالا فأعتقه .

وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد أن ناسا من أهل مكة آمنوا ، فكتب إليهم بعض أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة : أن هاجروا إلينا ، فإنا لا نراكم منا حتى تهاجروا إلينا ، فخرجوا يريدون المدينة حتى أدركتهم قريش بالطريق ، ففتنوهم فكفروا مكرهين ، ففيهم نزلت هذه الآية .

ذكر الروايتين عن مجاهد إسماعيل بن إسحاق .

وروى الترمذي عن عائشة قالت قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ما خير عمار بين أمرين إلا اختار أرشدهما هذا حديث حسن غريب .

وروي عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن الجنة تشتاق إلى ثلاثة علي وعمار [ ص: 165 ] وسليمان بن ربيعة .

قال الترمذي : هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث الحسن بن صالح .الثالثة : لما سمح الله - عز وجل - بالكفر به وهو أصل الشريعة عند الإكراه ولم يؤاخذ به ، حمل العلماء عليه فروع الشريعة كلها ، فإذا وقع الإكراه عليها لم يؤاخذ به ولم يترتب عليه حكم ; وبه جاء الأثر المشهور عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه الحديث .

والخبر وإن لم يصح سنده فإن معناه صحيح باتفاق من العلماء ; قاله القاضي أبو بكر بن العربي .

وذكر أبو محمد عبد الحق أن إسناده صحيح قال : وقد ذكره أبو بكر الأصيلي في الفوائد وابن المنذر في كتاب الإقناع .الرابعة : أجمع أهل العلم على أن من أكره على الكفر حتى خشي على نفسه القتل ، أنه لا إثم عليه إن كفر وقلبه مطمئن بالإيمان ، ولا تبين منه زوجته ولا يحكم عليه بحكم الكفر ; هذا قول مالك والكوفيين والشافعي ; غير محمد بن الحسن فإنه قال : إذا أظهر الشرك كان مرتدا في الظاهر ، وفيما بينه وبين الله - تعالى - على الإسلام ، وتبين منه امرأته ولا يصلى عليه إن مات ، ولا يرث أباه إن مات مسلما .

وهذا قول يرده الكتاب والسنة ، قال الله - تعالى - : إلا من أكره الآية .

وقال : إلا أن تتقوا منهم تقاة وقال : إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض الآية .

وقال : إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان الآية .

فعذر الله المستضعفين الذين يمتنعون من ترك ما أمر الله به ، والمكره لا يكون إلا مستضعفا غير ممتنع من فعل ما أمر به ; قاله البخاري .الخامسة : ذهبت طائفة من العلماء إلى أن الرخصة إنما جاءت في القول ، وأما في الفعل فلا رخصة فيه ، مثل أن يكرهوا على السجود لغير الله أو الصلاة لغير القبلة ، أو قتل مسلم أو ضربه أو أكل ماله ، أو الزنا وشرب الخمر وأكل الربا ; يروى هذا عن الحسن البصري ، [ ص: 166 ] - رضي الله عنه - .

وهو قول الأوزاعي وسحنون من علمائنا .

وقال محمد بن الحسن : إذا قيل للأسير : اسجد لهذا الصنم وإلا قتلتك .

فقال : إن كان الصنم مقابل القبلة فليسجد ويكون نيته لله - تعالى - ، وإن كان لغير القبلة فلا يسجد وإن قتلوه .

والصحيح أنه يسجد وإن كان لغير القبلة ، وما أحراه بالسجود حينئذ ; ففي الصحيح عن ابن عمر قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي وهو مقبل من مكة إلى المدينة على راحلته حيث كان وجهه ، قال : وفيه نزلت فأينما تولوا فثم وجه الله في رواية : ويوتر عليها ، غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة .

فإذا كان هذا مباحا في السفر في حالة الأمن لتعب النزول عن الدابة للتنفل فكيف بهذا .

واحتج من قصر الرخصة على القول بقول ابن مسعود : ما من كلام يدرأ عني سوطين من ذي سلطان إلا كنت متكلما به .

فقصر الرخصة على القول ولم يذكر الفعل ، وهذا لا حجة فيه ; لأنه يحتمل أن يجعل للكلام مثالا وهو يريد أن الفعل في حكمه .

وقالت طائفة : الإكراه في الفعل والقول سواء إذا أسر الإيمان .

روي ذلك عن عمر بن الخطاب ومكحول ، وهو قول مالك وطائفة من أهل العراق .

روى ابن القاسم عن مالك أن من أكره على شرب الخمر وترك الصلاة أو الإفطار في رمضان ، أن الإثم عنه مرفوع .السادسة : أجمع العلماء على أن من أكره على قتل غيره أنه لا يجوز له الإقدام على قتله ولا انتهاك حرمته بجلد أو غيره ، ويصبر على البلاء الذي نزل به ، ولا يحل له أن يفدي نفسه بغيره ، ويسأل الله العافية في الدنيا والآخرة .واختلف في الزنا ، فقال مطرف وأصبغ وابن عبد الحكم وابن الماجشون : لا يفعل أحد ذلك ، وإن قتل لم يفعله ، فإن فعله فهو آثم ويلزمه الحد ; وبه قال أبو ثور والحسن .

قال ابن العربي : الصحيح أنه يجوز الإقدام على الزنا ولا حد عليه ، خلافا لمن ألزمه ذلك ; لأنه رأى أنها شهوة خلقية لا يتصور الإكراه عليها ، وغفل عن السبب في باعث الشهوة وهو الإلجاء [ ص: 167 ] إلى ذلك ، وهو الذي أسقط حكمه ، وإنما يجب الحد على شهوة بعث عليها سبب اختياري ، فقاس الشيء على ضده ، فلم يحل بصواب من عنده .

وقال ابن خويز منداد في أحكامه : اختلف أصحابنا متى أكره الرجل على الزنا ; فقال بعضهم : عليه الحد ; لأنه إنما يفعل ذلك باختياره .

وقال بعضهم : لا حد عليه .

قال ابن خويز منداد : وهو الصحيح .

وقال أبو حنيفة : إن أكرهه غير السلطان حد ، وإن أكرهه السلطان فالقياس أن يحد ، ولكن أستحسن ألا يحد .

وخالفه صاحباه فقالا : لا حد عليه في الوجهين ، ولم يراعوا الانتشار ، وقالوا : متى علم أنه يتخلص من القتل بفعل الزنا جاز أن ينتشر .

قال ابن المنذر : لا حد عليه ، ولا فرق بين السلطان في ذلك وغير السلطان .السابعة : اختلف العلماء في طلاق المكره وعتاقه ; فقال الشافعي وأصحابه : لا يلزمه شيء .

وذكر ابن وهب عن عمر وعلي وابن عباس أنهم كانوا لا يرون طلاقه شيئا .

وذكره ابن المنذر عن ابن الزبير وابن عمر وابن عباس وعطاء وطاوس والحسن وشريح والقاسم وسالم ومالك والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور .

وأجازت طائفة طلاقه ; روي ذلك عن الشعبي والنخعي وأبي قلابة والزهري وقتادة ، وهو قول الكوفيين .

قال أبو حنيفة : طلاق المكره يلزم ; لأنه لم يعدم فيه أكثر من الرضا ، وليس وجوده بشرط في الطلاق كالهازل .

وهذا قياس باطل ; فإن الهازل قاصد إلى إيقاع الطلاق راض به ، والمكره غير راض ولا نية له في الطلاق ، وقد قال - عليه السلام - : إنما الأعمال بالنيات .

وفي البخاري : وقال ابن عباس فيمن يكرهه اللصوص فيطلق : ليس بشيء ; وبه قال ابن عمر وابن الزبير والشعبي والحسن .

وقال الشعبي : إن أكرهه اللصوص فليس بطلاق ، وإن أكرهه السلطان فهو طلاق .

وفسره ابن عيينة فقال : إن اللص يقدم على قتله والسلطان لا يقتله .الثامنة : وأما بيع المكره والمضغوط فله حالتان .

الأولى : أن يبيع ماله في حق وجب عليه ; فذلك ماض سائغ لا رجوع فيه عند الفقهاء ; لأنه يلزمه أداء الحق إلى ربه من غير المبيع ، فلما لم يفعل ذلك كان بيعه اختيارا منه فلزمه .

وأما بيع المكره ظلما أو قهرا فذلك بيع لا يجوز عليه .

وهو أولى بمتاعه يأخذه بلا ثمن ، ويتبع المشتري بالثمن ذلك الظالم ; فإن فات المتاع رجع بثمنه أو بقيمته بالأكثر من ذلك على الظالم إذا كان المشتري غير عالم بظلمه .

قال مطرف : ومن كان من المشترين يعلم حال المكره فإنه ضامن لما ابتاع من رقيقه وعروضه [ ص: 168 ] كالغاصب ، وكلما أحدث المبتاع في ذلك من عتق أو تدبير أو تحبيس فلا يلزم المكره ، وله أخذ متاعه .

قالسحنون : أجمع أصحابنا وأهل العراق على أن بيع المكره على الظلم والجور لا يجوز .

وقال الأبهري : إنه إجماع .التاسعة : وأما نكاح المكره ; فقال سحنون : أجمع أصحابنا على إبطال نكاح المكره والمكرهة ، وقالوا : لا يجوز المقام عليه ، لأنه لم ينعقد .

قال محمد بن سحنون : وأجاز أهل العراق نكاح المكره ، وقالوا : لو أكره على أن ينكح امرأة بعشرة آلاف درهم ، وصداق مثلها ألف درهم ، أن النكاح جائز وتلزمه الألف ويبطل الفضل .

قال محمد : فكما أبطلوا الزائد على الألف فكذلك يلزمهم إبطال النكاح بالإكراه .

وقولهم خلاف السنة الثابتة في حديث خنساء بنت خذام الأنصارية ، ولأمره - صلى الله عليه وسلم - بالاستئمار في أبضاعهن ، وقد تقدم ، فلا معنى لقولهم .العاشرة : فإن وطئها المكره على النكاح غير مكره على الوطء والرضا بالنكاح لزمه النكاح عندنا على المسمى من الصداق ودرئ عنه الحد .

وإن قال : وطئتها على غير رضا مني بالنكاح فعليه الحد والصداق المسمى ; لأنه مدع لإبطال الصداق المسمى ، وتحد المرأة إن أقدمت وهي عالمة أنه مكره على النكاح .

وأما المكرهة على النكاح وعلى الوطء فلا حد عليها ولها الصداق ، ويحد الواطئ ; فاعلمه .

قاله سحنون .الحادية عشرة : إذا استكرهت المرأة على الزنا فلا حد عليها ; لقوله إلا من أكره وقوله - عليه السلام - : إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه .

ولقول الله - تعالى - : فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم يريد الفتيات .

وبهذا المعنى حكم عمر في الوليدة التي استكرهها العبد فلم يحدها .

والعلماء متفقون على أنه لا حد على امرأة مستكرهة .

وقال مالك : إذا وجدت المرأة حاملا وليس لها زوج فقالت استكرهت فلا يقبل ذلك منها وعليها الحد ، إلا أن تكون لها بينة أو جاءت تدمي على أنها أوتيت ، أو ما أشبه ذلك .

واحتج بحديث عمر بن الخطاب أنه قال : الرجم في كتاب الله حق على من زنى من [ ص: 169 ] الرجال والنساء إذا أحصن إذا قامت البينة ، أو كان الحبل أو الاعتراف .

قال ابن المنذر : وبالقول الأول أقول .الثانية عشرة : واختلفوا في وجوب الصداق للمستكرهة ; فقال عطاء والزهري : لها صداق مثلها ; وهو قول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور .

وقال الثوري : إذا أقيم الحد على الذي زنى بها بطل الصداق .

وروي ذلك عن الشعبي ، وبه قال أصحاب مالك وأصحاب الرأي .

قال ابن المنذر : القول الأول صحيح .الثالثة عشرة : إذا أكره الإنسان على إسلام أهله لما لم يحل أسلمها ، ولم يقتل نفسه دونها ولا احتمل أذية في تخليصها .

والأصل في ذلك ما خرجه البخاري عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : هاجر إبراهيم - عليه السلام - بسارة ودخل بها قرية فيها ملك من الملوك أو جبار من الجبابرة فأرسل إليه أن أرسل بها إلي فأرسل بها فقام إليها فقامت تتوضأ وتصلي فقالت اللهم إن كنت آمنت بك وبرسولك فلا تسلط علي هذا الكافر فغط حتى ركض برجله .

ودل هذا الحديث أيضا على أن سارة لما لم يكن عليها ملامة ، فكذلك لا يكون على المستكرهة ملامة ، ولا حد فيما هو أكبر من الخلوة .

والله أعلم .الرابعة عشرة : وأما يمين المكره فغير لازمة .

عند مالك والشافعي وأبي ثور وأكثر العلماء .

قال ابن الماجشون : وسواء حلف فيما هو طاعة لله أو فيما هو معصية إذ أكره على اليمين ; وقاله أصبغ .

وقال مطرف : إن أكره على اليمين فيما هو لله معصية أو ليس في فعله طاعة ولا معصية فاليمين فيه ساقطة ، وإن أكره على اليمين فيما هو طاعة مثل أن يأخذ الوالي رجلا فاسقا فيكرهه أن يحلف بالطلاق لا يشرب خمرا ، أو لا يفسق ولا يغش في عمله ، أو الوالد يحلف ولده تأديبا له فإن اليمين تلزم ; وإن كان المكره قد أخطأ فيما يكلف من ذلك .

وقال به ابن حبيب .

وقال أبو حنيفة ومن اتبعه من الكوفيين : إنه إن حلف ألا يفعل ففعل حنث ، قالوا : لأن المكره له أن يوري في يمينه كلها ، فلما لم يور ولا ذهبت نيته إلى خلاف ما أكره عليه فقد قصد إلى اليمين .

احتج الأولون بأن قالوا : إذا أكره عليها فنيته مخالفة لقوله ; لأنه كاره لما حلف عليه .الخامسة عشرة : قال ابن العربي : ومن غريب الأمر أن علماءنا اختلفوا في الإكراه على الحنث هل يقع به أم لا ; وهذه مسألة عراقية سرت لنا منهم ، لا كانت هذه المسألة ولا كانوا !

[ ص: 170 ] وأي فرق يا معشر أصحابنا بين الإكراه على اليمين في أنها لا تلزم وبين الحنث في أنه لا يقع !

فاتقوا الله وراجعوا بصائركم ، ولا تغتروا بهذه الرواية فإنها وصمة في الدراية .السادسة عشرة : إذا أكره الرجل على أن يحلف وإلا أخذ له مال كأصحاب المكس وظلمة السعاة وأهل الاعتداء ; فقال مالك : لا تقية له في ذلك ، وإنما يدرأ المرء بيمينه عن بدنه لا ماله .

وقال ابن الماجشون : لا يحنث وإن درأ عن ماله ولم يخف على بدنه .

وقال ابن القاسم بقول مطرف ، ورواه عن مالك ، وقاله ابن عبد الحكم وأصبغ .قلت : قول ابن الماجشون صحيح ; لأن المدافعة عن المال كالمدافعة عن النفس ; وهو قول الحسن وقتادة وسيأتي .

وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام وقال : كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه .

وروى أبو هريرة قال : جاء رجل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسول الله ، أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي ؟

قال : فلا تعطه مالك .

قال : أرأيت إن قاتلني ؟

قال : قاتله قال : أرأيت إن قتلني ؟

قال : فأنت شهيد قال : أرأيت إن قتلته ؟

قال : هو في النار خرجه مسلم .

وقد مضى الكلام فيه .

وقال مطرف وابن الماجشون : وإن بدر الحالف بيمينه للوالي الظالم قبل أن يسألها ليذب بها عما خاف عليه من ماله وبدنه فحلف له فإنها تلزمه .

وقاله ابن عبد الحكم وأصبغ .

وقال أيضا ابن الماجشون فيمن أخذه ظالم فحلف له بالطلاق ألبتة من غير أن يحلفه وتركه وهو كاذب ، وإنما حلف خوفا من ضربه وقتله وأخذ ماله : فإن كان إنما تبرع باليمين غلبة خوف ورجاء النجاة من ظلمه فقد دخل في الإكراه ولا شيء عليه ، وإن لم يحلف على رجاء النجاة فهو حانث .السابعة عشرة : قال المحققون من العلماء : إذا تلفظ المكره بالكفر فلا يجوز له أن يجريه على لسانه إلا مجرى المعاريض ; فإن في المعاريض لمندوحة عن الكذب .

ومتى لم يكن كذلك كان كافرا ; لأن المعاريض لا سلطان للإكراه عليها .

مثاله - أن يقال له : اكفر [ ص: 171 ] بالله فيقول باللاهي ; فيزيد الياء .

وكذلك إذا قيل له : اكفر بالنبي فيقول هو كافر بالنبي ، مشددا وهو المكان المرتفع من الأرض .

ويطلق على ما يعمل من الخوص شبه المائدة فيقصد أحدهما بقلبه ويبرأ من الكفر ويبرأ من إثمه .

فإن قيل له : اكفر بالنبيء ( مهموزا ) فيقول هو كافر بالنبيء يريد بالمخبر ، أي مخبر كان كطليحة ومسيلمة الكذاب .

أو يريد به النبيء الذي قال فيه الشاعر :فأصبح رتما دقاق الحصى مكان النبيء من الكاثبالثامنة عشرة : أجمع العلماء على أن من أكره على الكفر فاختار القتل أنه أعظم أجرا عند الله ممن اختار الرخصة .

واختلفوا فيمن أكره على غير القتل من فعل ما لا يحل له ; فقال أصحاب مالك : الأخذ بالشدة في ذلك واختيار القتل والضرب أفضل عند الله من الأخذ بالرخصة ، ذكره ابن حبيب وسحنون .

وذكر ابن سحنون عن أهل العراق أنه إذا تهدد بقتل أو قطع أو ضرب يخاف منه التلف فله أن يفعل ما أكره عليه من شرب خمر أو أكل خنزير ; فإن لم يفعل حتى قتل خفنا أن يكون آثما لأنه كالمضطر .

وروى خباب بن الأرت قال : شكونا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة فقلت : ألا تستنصر لنا ألا تدعو لنا ؟

فقال : قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه فما يصده ذلك عن دينه والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون .

فوصفه - صلى الله عليه وسلم - هذا عن الأمم السالفة على جهة المدح لهم والصبر على المكروه في ذات الله ، وأنهم لم يكفروا في الظاهر وتبطنوا الإيمان ليدفعوا العذاب عن أنفسهم .

وهذه حجة من آثر الضرب والقتل والهوان على الرخصة والمقام بدار الجنان .

وسيأتي لهذا مزيد بيان في سورة [ الأخدود ] إن شاء الله - تعالى - .

وذكر أبو بكر محمد بن محمد بن الفرج البغدادي قال : حدثنا شريح بن يونس عن إسماعيل بن إبراهيم عن يونس بن عبيد عن الحسن أن عيونا لمسيلمة أخذوا رجلين من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - فذهبوا بهما إلى مسيلمة ، فقال لأحدهما : أتشهد أن محمدا رسول الله ؟

قال نعم .

قال .

: أتشهد أني رسول الله ؟

قال نعم .

فخلى عنه .

وقال للآخر : أتشهد أن محمدا رسول الله ؟

قال نعم .

قال : وتشهد أني رسول الله ؟

قال : أنا أصم لا أسمع ; فقدمه وضرب عنقه .

فجاء هذا إلى [ ص: 172 ] النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : هلكت ، قال : وما أهلكك ؟

فذكر الحديث ، قال : أما صاحبك فأخذ بالثقة وأما أنت فأخذت بالرخصة على ما أنت عليه الساعة قال : أشهد أنك رسول الله .

قال أنت على ما أنت عليه .

الرخصة فيمن حلفه سلطان ظالم على نفسه أو على أن يدله على رجل أو مال رجل ; فقال الحسن : إذا خاف عليه وعلى ماله فليحلف ولا يكفر يمينه ; وهو قول قتادة إذا حلف على نفسه أو مال نفسه .

وقد تقدم ما للعلماء في هذا .

وذكر موسى بن معاوية أن أبا سعيد بن أشرس صاحب مالك استحلفه السلطان بتونس على رجل أراد السلطان قتله أنه ما آواه ، ولا يعلم له موضعا ; قال : فحلف له ابن أشرس ; وابن أشرس يومئذ قد علم موضعه وآواه ، فحلفه بالطلاق ثلاثا ، فحلف له ابن أشرس ، ثم قال لامرأته : اعتزلي فاعتزلته ; ثم ركب ابن أشرس حتى قدم على البهلول بن راشد القيروان ، فأخبره بالخبر ; فقال له البهلول : قال مالك إنك حانث .

فقال ابن أشرس : وأنا سمعت مالكا يقول ذلك ، وإنما أردت الرخصة أو كلاما هذا معناه ; فقال له البهلول بن راشد : قال الحسن البصري إنه لا حنث عليك .

قال : فرجع ابن أشرس إلى زوجته وأخذ بقول الحسن .

وذكر عبد الملك بن حبيب قال : حدثني معبد عن المسيب بن شريك عن أبي شيبة قال : سألت أنس بن مالك عن الرجل يؤخذ بالرجل ، هل ترى أن يحلف ليقيه بيمينه ؟

فقال نعم ; ولأن أحلف سبعين يمينا وأحنث أحب إلي أن أدل على مسلم .

وقال إدريس بن يحيى كان الوليد بن عبد الملك يأمر جواسيس يتجسسون الخلق يأتونه بالأخبار ، قال : فجلس رجل منهم في حلقة رجاء بن حيوة فسمع بعضهم يقع في الوليد ، فرفع ذلك إليه فقال : يا رجاء !

أذكر بالسوء في مجلسك ولم تغير !

فقال : ما كان ذلك يا أمير المؤمنين ; فقال له الوليد : قل آلله الذي لا إله إلا هو ، قال : آلله الذي لا إله إلا هو ، فأمر الوليد بالجاسوس فضربه سبعين سوطا ، فكان يلقى رجاء فيقول : يا رجاء ، بك يستقى المطر ، وسبعون سوطا في ظهري !

فيقول رجاء : سبعون سوطا في ظهرك خير لك من أن يقتل رجل مسلم .التاسعة عشرة : واختلف العلماء في حد الإكراه ; فروي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه قال : ليس الرجل آمن على نفسه إذا أخفته أو أوثقته أو ضربته .

وقال ابن مسعود : ما كلام يدرأ عني سوطين إلا كنت متكلما به .

وقال الحسن : التقية جائزة للمؤمن إلى يوم القيامة ، إلا أن الله - تبارك وتعالى - ليس يجعل في القتل تقية .

وقال النخعي : القيد إكراه ، والسجن إكراه .

[ ص: 173 ] وهذا قول مالك ، إلا أنه قال : والوعيد المخوف إكراه وإن لم يقع إذا تحقق ظلم ذلك المعتدي وإنفاذه لما يتوعد به ، وليس عند مالك وأصحابه في الضرب والسجن توقيت ، إنما هو ما كان يؤلم من الضرب ، وما كان من سجن يدخل منه الضيق على المكره .

وإكراه السلطان وغيره عند مالك إكراه .

وتناقض الكوفيون فلم يجعلوا السجن والقيد إكراها ما يدل على أن الإكراه يكون من غير تلف نفس .

وذهب مالك إلى أن من أكره على يمين بوعيد أو سجن أو ضرب أنه يحلف ، ولا حنث عليه ; وهو قول الشافعي وأحمد وأبي ثور وأكثر العلماء .الموفية عشرين : ومن هذا الباب ما ثبت إن من المعاريض لمندوحة عن الكذب .

وروى الأعمش عن إبراهيم النخعي أنه قال : لا بأس إذا بلغ الرجل عنك شيء أن تقول : والله ، إن الله يعلم ما قلت فيك من ذلك من شيء .

قال عبد الملك بن حبيب : معناه أن الله يعلم أن الذي قلت ، وهو في ظاهره انتفاء من القول ، ولا حنث على من قال ذلك في يمينه ولا كذب عليه في كلامه .

وقال النخعي : كان لهم كلام من ألغاز الأيمان يدرءون به عن أنفسهم ، لا يرون ذلك من الكذب ولا يخشون فيه الحنث .

قالعبد الملك : وكانوا يسمون ذلك المعاريض من الكلام ، إذا كان ذلك في غير مكر ولا خديعة في حق .

وقال الأعمش : كان إبراهيم النخعي إذا أتاه أحد يكره الخروج إليه جلس في مسجد بيته وقال لجاريته : قولي له هو والله في المسجد .

وروى مغيرة عن إبراهيم أنه كان يجيز للرجل من البعث إذا عرضوا على أميرهم أن يقول : والله ما أهتدي إلا ما سدد لي غيري ، ولا أركب إلا ما حملني غيري ; ونحو هذا من الكلام .

قال عبد الملك : يعني بقوله ( غيري ) الله - تعالى - ، هو مسدده وهو يحمله ; فلم يكونوا يرون على الرجل في هذا حنثا في يمينه ، ولا كذبا في كلامه ، وكانوا يكرهون أن يقال هذا في خديعة وظلم وجحدان حق فمن اجترأ وفعل أثم في خديعته ولم تجب عليه كفارة في يمينه .الحادية والعشرون : قوله تعالى : ولكن من شرح بالكفر صدرا أي وسعه لقبول الكفر ، ولا يقدر أحد على ذلك إلا الله ; فهو يرد على القدرية .

وصدرا نصب على المفعول .فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم وهو عذاب جهنم .ذلك

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يخبر تعالى عن شناعة حال { مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ } فعمى بعد ما أبصر ورجع إلى الضلال بعد ما اهتدى، وشرح صدره بالكفر راضيا به مطمئنا أن لهم الغضب الشديد من الرب الرحيم الذي إذا غضب لم يقم لغضبه شيء وغضب عليهم كل شيء، { وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } أي: في غاية الشدة مع أنه دائم أبدا.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره ) قال ابن عباس : نزلت هذه الآية في عمار ، وذلك أن المشركين أخذوه ، وأباه ياسرا ، وأمه سمية ، وصهيبا ، وبلالا وخبابا ، وسالما ، فعذبوهم ، فأما سمية : فإنها ربطت بين بعيرين ووجئ قبلها بحربة فقتلت ، وقتل زوجها ياسر ، وهما أول قتيلين قتلا في الإسلام ، وأما عمار : فإنه أعطاهم ما أرادوا بلسانه مكرها .

قال قتادة : أخذ بنو المغيرة عمارا وغطوه في بئر ميمون ، وقالوا له : اكفر بمحمد ، فتابعهم على ذلك ، وقلبه كاره ، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن عمارا كفر فقال : كلا إن عمارا ملئ إيمانا من قرنه إلى قدمه ، واختلط الإيمان بلحمه ودمه ، فأتى عمار رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبكي ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما وراءك؟

قال : شر يا رسول الله ، نلت منك وذكرت آلهتهم قال : كيف وجدت قلبك ، قال مطمئنا بالإيمان ، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يمسح عينيه وقال : إن عادوا لك فعد لهم بما قلت ، فنزلت هذه الآية .

قال مجاهد : نزلت في ناس من أهل مكة ، آمنوا فكتب إليهم بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : أن هاجروا ، فإنا لا نراكم منا حتى تهاجروا إلينا ، فخرجوا يريدون المدينة ، فأدركتهم قريش في الطريق فكفروا كارهين .

وقال مقاتل : نزلت في جبر ، مولى عامر بن الحضرمي ، أكرهه سيده على الكفر فكفر مكرها .

( وقلبه مطمئن بالإيمان ) ثم أسلم مولى جبر وحسن إسلامه وهاجر جبر مع سيده ، ( ولكن من شرح بالكفر صدرا ) أي : فتح صدره للكفر بالقبول واختاره ، ( فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم ) وأجمع العلماء على : أن من أكره على كلمة الكفر ، يجوز له أن يقول بلسانه ، وإذا قال بلسانه غير معتقد لا يكون كفرا ، وإن أبى أن يقول حتى يقتل كان أفضل .

واختلف أهل العلم في طلاق المكره .

فذهب أكثرهم إلى أنه لا يقع .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره» على التلفظ بالكفر فتلفظ به «وقلبه مطمئن بالإيمان» ومن مبتدأ أو شرطية والخبر أو الجواب لهم وعيد شديد دل على هذا «ولكن من شرح بالكفر صدرا» له أي فتحه ووسعه بمعنى طابت به نفسه «فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إنما يفتري الكذب مَن نطق بكلمة الكفر وارتدَّ بعد إيمانه، فعليهم غضب من الله، إلا مَن أُرغم على النطق بالكفر، فنطق به خوفًا من الهلاك وقلبه ثابت على الإيمان، فلا لوم عليه، لكن من نطق بالكفر واطمأن قلبه إليه، فعليهم غضب شديد من الله، ولهم عذاب عظيم؛ وذلك بسبب إيثارهم الدنيا وزينتها، وتفضيلهم إياها على الآخرة وثوابها، وأن الله لا يهدي الكافرين، ولا يوفقهم للحق والصواب.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ذكر المفسرون فى سبب نزول قوله - تعالى - : ( مَن كَفَرَ بالله مِن بَعْدِ إيمَانِهِ .

.

.

) روايات منها قول الآلوسى : " روى أن قريشا أكرهوا عمارا وأبويه : ياسرا ، وسمية ، على الارتداد فأبوا ، فربطوا سمية بين بعيرين .

.

.

ثم قتلوها وقتلوا ياسرا ، وهما أول شهيدين فى الإِسلام .

وأما عمار فأعطاهم بلسانه ما أكرهوه عليه ، فقيل يارسول الله : إن عمارا قد كفر .

فقال صلى الله عليه وسلم : " كلا ، إن عمارا ملئ إيمانا من قرنه إلى قدمه ، واختلط الإِيمان بلحمه ودمه " .فأتى عمار رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبكى ، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح عينيه وقال له : " مالك ، إن عادوا فعد لهم بما قلت " .

وفى رواية أنه قال له : " كيف تجد قلبك؟

قال مطمئن بالإِيمان قال صلى الله عليه وسلم إن عادوا فعد " .

فنزلت هذه الآية " .ثم قال الآلوسى : والآية دليل على جواز التكلم بكلمة الكفر عند الإِكراه ، وإن كان الأفضل أن يتجنب عن ذلك إعزازا للدين ولو تيقن القتل ، كما فعل ياسر وسمية ، وليس ذلك من إلقاء النفس إلى التهلكة ، بل هو كالقتل فى الغزو كما صرحوا به .و " من " فى قوله ( مَن كَفَرَ بالله ) مبتدأ أو شرطية ، والخبر أو جواب الشرط محذوف والتقدير : فعليه غضب من الله ، أو فله عذاب شديد ، ويدل عليهما قوله - تعالى - بعد ذلك : ( ولكن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً ) .والمعنى : من كفر بالله - تعالى - من بعد إيمانه بوحدانيته - سبحانه - وبصدق رسوله صلى الله عليه وسلم فإنه بسبب هذا الكفر يكون قد ضل ضلالا بعيدا ، يستحق من أجله العذاب المهين .وقوله : ( إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالإيمان ) استثناء متصل من الجملة السابقة أى : إلا من أكره على النطق بكلمة الكفر ، والحال أن قلبه مطمئن بالإِيمان ، ثابت عليه ، متمكن منه .

.

فإنه فى هذه الحالة لا يكون ممن يستحقون عقوبة المرتد .قال بعض العلماء : وأما قوله : ( إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالإيمان ) فهو استثناء متصل من " مَنْ " لأن الكفر أعم من أن يكون اعتقادا فقط ، أو قولا فقط ، أو اعتقادا وقولا .

.

.

وأصل الاطمئنان سكون بعد انزعاج ، والمراد به هنا : السكون والثبات على الإِيمان بعد الانزعاج الحاصل بسبب الإِكراه .

.

.وقوله : ( ولكن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ الله وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) بيان لسوء مصير من استحب الكفر على الإِيمان باختياره ورضاه .و " من " فى قوله ( من شرح ) شرطية ، وجوابها ( فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ الله ) .أى : حكم من تلفظ بكلمة الكفر مكرها أنه لا يعتبر مرتدا ، ولكن حكم من طابت نفوسهم بالكفر ، وانشرحت له صدورهم ، واعتقدوا صحته ، أنهم عليهم من الله - تعالى - غضب شديد لا يعلم مقداره إلا هو ، ولهم يوم القيامة عذاب عظيم الهول ، يتناسب مع عظيم جرمهم .هذا ، وقد ذكر الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية جملة من الأخبار التى حكت ما تعرض له المسلمون الأولون من فتن وآلام .

فقال ما ملخصه : ولهذا اتفق العلماء على أن المكره على الكفر يجوز له أن يوالى إبقاء لمهجته ، ويجوز له أن يأبى كما كان بلال - رضى الله عنه - يأبى عليهم ذلك ، وهم يفعلون به الأفاعيل ، حتى إنهم ليضعون الصخرة العظيمة على صدره فى شدة الحر ويأمرونه بالشرك بالله ، فيأبى عليهم وهو يقول : أحد ، أحد ، ويقول : والله لو أعلم كلمة هى أغيظ لكم منها لقلتها .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما عظم تهديد الكافرين ذكر في هذه الآية تفصيلاً في بيان من يكفر بلسانه لا بقلبه، ومن يكفر بلسانه وقلبه معاً، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قوله: ﴿ مَن كَفَرَ بالله مِن بَعْدِ إيمانه ﴾ مبتدأ خبره غير مذكور، فلهذا السبب اختلف المفسرون وذكروا فيه وجوهاً: الأول: أن يكون قوله: ﴿ مَن كَفَرَ ﴾ بدلاً من قوله: ﴿ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بآيات الله ﴾ والتقدير: إنما يفتري من كفر بالله من بعد إيمانه، واستثنى منهم المكره فلم يدخل تحت حكم الافتراء، وعلى هذا التقدير: فقوله: ﴿ وَأُوْلئِكَ هُمُ الكاذبون ﴾ اعتراض وقع بين البدل والمبدل منه.

الثاني: يجوز أيضاً أن يكون بدلاً من الخبر الذي هو الكاذبون، والتقدير: وأولئك هم من كفر بالله من بعد إيمانه، والثالث: يجوز أن ينتصب على الذم، والتقدير: وأولئك هم الكاذبون، أعني من كفر بالله من بعد إيمانه وهو أحسن الوجوه عندي وأبعدها عن التعسف، والرابع: أن يكون قوله: ﴿ مَن كَفَرَ بالله مِن بَعْدِ إيمانه ﴾ شرطاً مبتدأ ويحذف جوابه، لأن جواب الشرط المذكور بعده يدل على جوابه كأنه قيل: من كفر بالله من بعد إيمانه فعليهم غضب من الله إلا من أكره: ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب من الله.

المسألة الثانية: أجمعوا على أنه لا يجب عليه التكلم بالكفر يدل عليه وجوه: أحدها: أنا روينا أن بلالاً صبر على ذلك العذاب، وكان يقول: أحد أحد.

روي ناساً من أهل مكة فتنوا فارتدوا عن الإسلام بعد دخولهم فيه، وكان فيهم من أكره فأجرى كلمة الكفر على لسانه، مع أنه كان بقلبه مصراً على الإيمان، منهم: عمار، وأبواه ياسر وسمية، وصهيب، وبلال، وخباب، وسالم، عذبوا، فأما سمية فقيل: ربطت بين بعيرين ووخزت في قبلها بحربة وقالوا: إنك أسلمت من أجل الرجال وقتلت، وقتل ياسر وهما أول قتيلين قتلاً في الإسلام، وأما عمار فقد أعطاهم ما أرادوا بلسانه مكرهاً، فقيل: يا رسول الله إن عماراً كفر، فقال: كلا إن عماراً مليء إيماناً من فرقه إلى قدمه واختلط الإيمان بلحمه ودمه، فأتى عمار رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبكي فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح عينيه ويقول: ما لك إن عادوا لك فعد لهم بما قلت ومنهم جبر مولى الحضرمي أكرهه سيده فكفر، ثم أسلم مولاه وأسلم وحسن إسلامهما وهاجرا.

المسألة الثالثة: قوله: ﴿ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ ﴾ ليس باستثناء، لأن المكره ليس بكافر فلا يصح استثناؤه من الكافر، لكن المكره لما ظهر منه بعد الإيمان ما مثله يظهر من الكافر طوعاً صح هذا الاستثناء لهذه المشاكلة.

المسألة الرابعة: يجب هاهنا بيان الإكراه الذي عنده يجوز التلفظ بكلمة الكفر، وهو أن يعذبه بعذاب لا طاقة له به، مثل التخويف بالقتل، ومثل الضرب الشديد والإيلامات القوية.

قال مجاهد: أول من أظهر الإسلام سبعة، رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر، وخباب، وصهيب، وبلال، وعمار، وسمية.

أما الرسول عليه السلام فمنعه أبو طالب، وأما أبو بكر فمنعه قومه، وأخذ الآخرون وألبسوا دروع الحديد، ثم أجلسوا في الشمس فبلغ منهم الجهد بحر الحديد والشمس، وأتاهم أبو جهل يشتمهم ويوبخهم ويشتم سمية، ثم طعن الحربة في فرجها.

وقال الآخرون: ما نالوا منهم غير بلال فإنهم جعلوا يعذبونه فيقول: أحد أحد، حتى ملوا فكتفوه وجعلوا في عنقه حبلاً من ليف ودفعوه إلى صبيانهم يلعبون به حتى ملوه فتركوه.

قال عمار: كلنا تكلم بالذي أرادوا غير بلال، فهانت عليه نفسه فتركوه.

قال خباب: لقد أوقدوا لي ناراً ما أطفأها إلا ودك ظهري.

المسألة الخامسة: أجمعوا على أن عند ذكر كلمة الكفر يجب عليه أن يبرئ قلبه من الرضا به وأن يقتصر على التعريضات مثل أن يقول: إن محمداً كذاب، ويعني عند الكفار أو يعني به محمداً آخر أو يذكره على نية الاستفهام بمعنى الإنكار وهاهنا بحثان: البحث الأول: أنه إذا أعجله من أكرهه عن إحضار هذه النية أو لأنه لما عظم خوفه زال عن قلبه ذكر هذه النية كان ملوماً وعفو الله متوقع.

البحث الثاني: لو ضيق المكره الأمر عليه وشرح له كل أقسام التعريضات وطلب منه أن يصرح بأنه ما أراد شيئاً منها، وما أراد إلا ذلك المعنى، فهاهنا يتعين إما التزام الكذب، وإما تعريض النفس للقتل.

فمن الناس من قال: يباح له الكذب هنا، ومنهم من يقول: ليس له ذلك وهو الذي اختاره القاضي.

قال: لأن الكذب إنما يقبح لكونه كذباً، فوجب أن يقبح على كل حال، ولو جاز أن يخرج عن القبيح لرعاية بعض المصالح لم يمنع أن يفعل الله الكذب لرعاية بعض المصالح وحينئذ لا يبقى وثوق بوعد الله تعالى ولا بوعيده لاحتمال أنه فعل ذلك الكذب لرعاية بعض المصالح التي لا يعرفها إلا الله تعالى.

المسألة السادسة: أجمعوا على أنه لا يجب عليه التكلم بكلمة الكفر، ويدل عليه وجوه: أحدها: أنا روينا أن بلالاً صبر على ذلك العذاب، وكان يقول: أحد أحد، ولم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم: بئس ما صنعت بل عظمه عليه، فدل ذلك على أنه لا يجب التكلم بكلمة الكفر.

وثانيها: ما روي أن مسيلمة الكذاب أخذ رجلين فقال لأحدهما: ما تقول في محمد؟

فقال رسول الله، فقال: ما تقول في؟

قال أنت أيضاً، فخلاه وقال للآخر: ما تقول في محمد؟

قال رسول الله، قال: ما تقول في؟

قال: أنا أصم فأعاد عليه ثلاثاً فأعاد جوابه فقتله، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أما الأول فقد أخذ برخصة الله، وأما الثاني فقد صدع بالحق، فهنيئاً له وجه الاستدلال بهذا الخبر من وجهين: الأول: أنه سمى التلفظ بكلمة الكفر رخصة.

والثاني: أنه عظم حال من أمسك عنه حتى قتل.

وثالثها: أن بذل النفس في تقرير الحق أشق، فوجب أن يكون أكثر ثواباً لقوله عليه السلام: «أفضل العبادات أحمزها» أي أشقها.

ورابعها: أن الذي أمسك عن كلمة الكفر طهر قلبه ولسانه عن الكفر.

أما الذي تلفظ بها فهب أن قلبه طاهر عنه إلا أن لسانه في الظاهر قد تلطخ بتلك الكلمة الخبيثة، فوجب أن يكون حال الأول أفضل، والله أعلم.

المسألة السابعة: اعلم أن للإكراه مراتب.

المرتبة الأولى: أن يجب الفعل المكره عليه مثل ما إذا أكرهه على شرب الخمر وأكل الخنزير وأكل الميتة فإذا أكرهه عليه بالسيف فهاهنا يجب الأكل، وذلك لأن صون الروح عن الفوات واجب، ولا سبيل إليه في هذه الصورة إلا بهذا الأكل، وليس في هذا الأكل ضرر على حيوان ولا فيه إهانة لحق الله تعالى، فوجب أن يجب لقوله تعالى: ﴿ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة  ﴾ .

المرتبة الثانية: أن يصير ذلك الفعل مباحاً ولا يصير واجباً، ومثاله ما إذا أكرهه على التلفظ بكلمة الكفر فهاهنا يباح له ولكنه لا يجب كما قررناه.

المرتبة الثالثة: أن لا يجب ولا يباح بل يحرم، وهذا مثل ما إذا أكرهه إنسان على قتل إنسان آخر أو على قطع عضو من أعضائه فهاهنا يبقى الفعل على الحرمة الأصلية، وهل يسقط القصاص عن المكره أم لا؟

قال الشافعي رحمه الله: في أحد قوليه يجب القصاص ويدل عليه وجهان.

الأول: أنه قتله عمداً عدواناً فيجب عليه القصاص لقوله تعالى: ﴿ يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص فِي القتلى  ﴾ .

والثاني: أجمعنا على أن المكره إذا قصد قتله فإنه يحل له أن يدفعه عن نفسه ولو بالقتل، فلما كان توهم إقدامه على القتل يوجب إهدار دمه، فلأن يكون عند صدور القتل منه حقيقة يصير دمه مهدراً كان أولى، والله أعلم.

المسألة الثامنة: من الأفعال ما يقبل الإكراه عليه كالقتل والتكلم بكلمة الكفر، ومنه ما لا يقبل الإكراه عليه قيل: وهو الزنا.

لأن الإكراه يوجب الخوف الشديد وذلك يمنع من انتشار الآلة، فحيث دخل الزنا في الوجود علم أنه وقع بالاختيار لا على سبيل الإكراه.

المسألة التاسعة: قال الشافعي رحمه الله: طلاق المكره لا يقع، وقال أبو حنيفة رحمه الله: يقع، وحجة الشافعي رحمه الله: قوله: ﴿ لا إِكْرَاهَ فِي الدين ﴾ ولا يمكن أن يكون المراد نفي ذاته لأن ذاته موجودة فوجب حمله على نفي آثاره، والمعنى: أنه لا أثر له ولا عبرة به، وأيضاً قوله عليه السلام: رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه وأيضاً قوله عليه السلام: «لا طلاق في إغلاق» أي إكراه فإن قالوا: طلقها فتدخل تحت قوله: ﴿ فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ  ﴾ فالجواب لما تعارضت الدلائل، وجب أن يبقى ما كان على ما كان على ما هو قولنا، والله أعلم.

المسألة العاشرة: قوله: ﴿ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالإيمان ﴾ يدل على أن محل الإيمان هو القلب والذي محله القلب إما الاعتقاد، وإما كلام النفس، فوجب أن يكون الإيمان عبارة إما عن المعرفة وإما عن التصديق بكلام النفس، والله أعلم.

ثم قال تعالى: ﴿ ولكن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا ﴾ أي فتحه ووسعه لقبول الكفر وانتصب صدراً على أنه مفعول لشرح، والتقدير: ولكن من شرح بالكفر صدره، وحذف الضمير لأنه لا يشكل بصدر غيره إذ البشر لا يقدر على شرح صدر غيره فهو نكرة يراد بها المعرفة.

ثم قال: ﴿ فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مّنَ الله ﴾ والمعنى أنه تعالى حكم عليهم بالعذاب ثم وصف ذلك العذاب فقال: ﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ ذلك بِأَنَّهُمُ استحبوا الحياة الدنيا على الأخرة ﴾ أي رجحوا الدنيا على الآخرة، والمعنى: أن ذلك الارتداد وذلك الإقدام على الكفر لأجل أنه تعالى ما هداهم إلى الإيمان وما عصمهم عن الكفر.

قال القاضي: المراد أن الله لا يهديهم إلى الجنة فيقال له هذا ضعيف، لأن قوله: ﴿ وَأَنَّ الله لاَ يَهْدِى القوم الكافرين ﴾ معطوف على قوله: ﴿ ذلك بِأَنَّهُمُ استحبوا الحياة الدنيا على الأخرة ﴾ فوجب أن يكون قوله: ﴿ وَأَنَّ الله لاَ يَهْدِى القوم الكافرين ﴾ علة وسبباً موجباً لإقدامهم على ذلك الارتداد، وعدم الهداية يوم القيامة إلى الجنة ليس سبباً لذلك الارتداد، ولا علة له بل مسبباً عنه ومعلولاً له فبطل هذا التأويل، ثم أكد بيان أنه تعالى صرفهم عن الإيمان فقال: ﴿ أولئك الذين طَبَعَ الله على قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وأبصارهم ﴾ قال القاضي: الطبع ليس يمنع من الإيمان ويدل عليه وجوه: الأول: أنه تعالى ذكر ذلك في معرض الذم لهم، ولو كانوا عاجزين عن الإيمان به لما استحقوا الذم بتركه.

والثاني: أنه تعالى أشرك بين السمع والبصر وبين القلب في هذا الطبع ومعلوم من حال السمع والبصر أن مع فقدهما قد يصح أن يكون مؤمناً فضلاً عن طبع يلحقهما في القلب.

والثالث: وصفهم بالغفلة.

ومن منع من الشيء لا يوصف بأنه غافل عنه، فثبت أن المراد بهذا الطبع السمة والعلامة التي يخلقها في القلب، وقد ذكرنا في سورة البقرة معنى الطبع والختم، وأقول هذه الكلمات مع التقريرات الكثيرة، ومع الجوابات القوية مذكورة في أول سورة البقرة وفي سائر الآيات فلا فائدة في الإعادة.

ثم قال تعالى: ﴿ وأولئك هُمُ الغافلون ﴾ قال ابن عباس: أي عما يراد بهم في الآخرة.

ثم قال: ﴿ لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الأخرة هُمُ الخاسرون ﴾ واعلم أن الموجب لهذا الخسران هو أن الله تعالى وصفهم في الآيات المتقدمة بصفات ستة.

الصفة الأولى: أنهم استوجبوا غضب الله.

والصفة الثانية: أنهم استحقوا العذاب الأليم.

والصفة الثالثة: أنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة.

والصفة الرابعة: أنه تعالى حرمهم من الهداية.

والصفة الخامسة: أنه تعالى طبع على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم.

والصفة السادسة: أنه جعلهم من الغافلين عما يراد بهم من العذاب الشديد يوم القيامة فلا جرم لا يسعون في دفعها، فثبت أنه حصل في حقهم هذه الصفات الستة التي كل واحد منها من أعظم الأحوال المانعة عن الفوز بالخيرات والسعادات، ومعلوم أنه تعالى إنما أدخل الإنسان الدنيا ليكون كالتاجر الذي يشتري بطاعاته سعادات الآخرة، فإذا حصلت هذه الموانع العظيمة عظم خسرانه، فلهذا السبب قال: ﴿ لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الأخرة هُمُ الخاسرون ﴾ أي هم الخاسرون لا غيرهم، والمقصود التنبيه على عظم خسرانهم، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ مَن كَفَرَ ﴾ بدل من الذين لا يؤمنون بآيات الله، على أن يجعل ﴿ وَأُوْلئِكَ هُمُ الكاذبون ﴾ [النحل: 105] اعتراضاً بين البدل والمبدل منه.

والمعنى: إنما يفتري الكذب من كفر بالله من بعد إيمانه واستثنى منهم المكره فلم يدخل تحت حكم الافتراء، ثم قال: ﴿ ولكن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا ﴾ أي طاب به نفساً واعتقده ﴿ فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مّنَ الله ﴾ ويجوز أن يكون بدلاً من المبتدأ الذي هو ﴿ أولئك ﴾ على: ومن كفر بالله من بعد إيمانه هم الكاذبون.

أو من الخبر الذي هو الكاذبون، على: وأولئك هم من كفر بالله من بعد إيمانه.

ويجوز أن ينتصب على الذمّ.

وقد جوّزوا أن يكون ﴿ مَن كَفَرَ بالله ﴾ شرطاً مبتدأ، ويحذف جوابه؛ لأن جواب ﴿ مَّن شَرَحَ ﴾ دال عليه، كأنه قيل: من كفر بالله فعليهم غضب، إلا من أكره، ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب، روي أنّ ناساً من أهل مكة فتنوا فارتدوا عن الإسلام بعد دخولهم فيه، وكان فيهم من أكره فأجرى كلمة الكفر على لسانه وهو معتقد للإيمان، منهم عمار، وأبواه- ياسر وسمية- وصهيب، وبلال، وخباب، وسالم: عذبوا، فأمّا سمية فقد ربطت بين بعيرين ووجيء في قبلها بحربة، وقالوا: إنك أسلمت من أجل الرجال فقتلت، وقتل ياسر وهما أول قتيلين في الإسلام، وأما عمار فقد أعطاهم ما أرادوا بلسانه مُكرهاً.

فقيل يا رسول الله، إن عماراً كفر، فقال: «كلا، إنّ عماراً مليء إيماناً من قرنه إلى قدمه، واختلط الإيمان بلحمه ودمه» فأتى عمار رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبكي، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يمسح عينيه وقال: «مالكا إن عادوا لك فعد لهم بما قلت» ومنهم جبر مولى الحضرمي.

أكرهه سيده فكفر ثم أسلم مولاه وأسلم، وحسن إسلامهما، وهاجرا فإن قلت: أي الأمرين أفضل، أفعل عمار أم فعل أبويه؟

قلت: بل فعل أبويه؛ لأنّ في ترك التقية والصبر على القتل إعزازاً للإسلام.

وقد روي: أنّ مسيلمة أخذ رجلين فقال لأحدهما: ما تقول في محمد؟

قال: رسول الله.

قال: فما تقول فيّ؟

قال أنت أيضاً، فخلاه.

وقال للآخر: ما تقول في محمد؟

قال: رسول الله.

قال: فما تقول فيّ؟

قال أنا أصمّ.

فأعاد عليه ثلاثاً، فأعاد جوابه، فقتله، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أما الأوّل فقد أخذ برخصة الله.

وأمّا الثاني فقد صدع بالحق فهنيئاً له» ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى الوعيد، وأنّ الغضب والعذاب يلحقانهم بسبب استحبابهم الدنيا على الآخرة، واستحقاقهم خذلان الله بكفرهم ﴿ وأولئك هُمُ الغافلون ﴾ الكاملون في الغفلة الذين لا أحد أغفل منهم؛ لأنّ الغفلة عن تدبر العواقب هي غاية الغفلة ومنتهاها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ ﴾ بَدَلٌ مِنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، أوْ مِن (أُولَئِكَ) أوْ مِنَ ﴿ الكاذِبُونَ ﴾ ، أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ بِالذَّمِّ وأنْ تَكُونَ مِن شُرْطِيَّةً مَحْذُوفَةَ الجَوابِ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ إلا مَن أُكْرِهَ ﴾ عَلى الِافْتِراءِ أوْ كَلِمَةِ الكُفْرِ، اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ لِأنَّ الكُفْرَ لُغَةً يَعُمُّ القَوْلَ والعَقْدَ كالإيمانِ.

﴿ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ ﴾ لَمْ تَتَغَيَّرْ عَقِيدَتُهُ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الإيمانَ هو التَّصْدِيقُ بِالقَلْبِ.

﴿ وَلَكِنْ مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا ﴾ اعْتَقَدَهُ وطابَ بِهِ نَفْسًا.

﴿ فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ ﴾ إذْ لا أعْظَمَ مِن جُرْمِهِ.

رُوِيَ « (أنَّ قُرَيْشًا أكْرَهُوا عَمّارًا وأبَوَيْهِ ياسِرًا وسُمَيَّةَ عَلى الِارْتِدادِ، فَرَبَطُوا سُمَيَّةَ بَيْنَ بَعِيرَيْنِ وجِيءَ بِحَرْبَةٍ في قُبُلِها وقالُوا: إنَّكِ أسْلَمْتِ مِن أجْلِ الرِّجالِ فَقُتِلَتْ، وقَتَلُوا ياسِرًا وهُما أوَّلُ قَتِيلَيْنِ في الإسْلامِ، وأعْطاهم عَمّارٌ بِلِسانِهِ ما أرادُوا مُكْرَهًا فَقِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ عَمّارًا كَفَرَ فَقالَ: كَلّا إنَّ عَمّارًا مُلِئَ إيمانًا مِن قَرْنِهِ إلى قَدَمِهِ، واخْتَلَطَ الإيمانُ بِلَحْمِهِ ودَمِهِ، فَأتى عَمّارٌ رَسُولَ اللَّهِ  وهو يَبْكِي، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ  يَمْسَحُ عَيْنَيْهِ ويَقُولُ: ما لَكَ إنْ عادُوا لَكَ فَعُدْ لَهم بِما قُلْتَ)» .

وهو دَلِيلٌ عَلى جَوازِ التَّكَلُّمِ بِالكُفْرِ عِنْدَ الإكْراهِ وإنْ كانَ الأفْضَلَ أنْ يَتَجَنَّبَ عَنْهُ إعْزازًا لِلدِّينِ كَما فَعَلَهُ أبَواهُ لِما رُوِيَ « (أنَّ مُسَيْلِمَةَ أخَذَ رَجُلَيْنِ فَقالَ لِأحَدِهِما: ما تَقُولُ في مُحَمَّدٍ ؟

قالَ: رَسُولُ اللَّهِ  قالَ: فَما تَقُولُ فِيَّ فَقالَ: أنْتَ أيْضًا فَخَلّاهُ، وقالَ لِلْآخَرِ ما تَقُولُ في مُحَمَّدٍ قالَ: رَسُولُ اللَّهِ  ؟

قالَ فَما تَقُولُ فِيَّ ؟

قالَ: أنا أصَمُّ، فَأعادَ عَلَيْهِ ثَلاثًا فَأعادَ جَوابَهُ فَقَتَلَهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ  فَقالَ: أمّا الأوَّلُ فَقَدْ أخَذَ بِرُخْصَةِ اللَّهِ، وأمّا الثّانِي فَقَدْ صَدَعَ بِالحَقِّ فَهَنِيئًا لَهُ) .» <div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{مَن كَفَرَ بالله مِن بَعْدِ إيمانه} شرطاً مبتدأ أو حذف جوابه لأن جواب من شرح دال عليه كأنه قيل من كفر بالله فعليهم غضب {إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالإيمان} ساكن به {ولكن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا} أي طاب به نفساً واعتقده {فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ الله وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} وأن يكون بدلاً من الذين لا يؤمنون بآيات الله على أن يجعل وأولئك هم الكاذبون اعتراضاً بين البدل والمبدل منه والمعنى إنما يفتري الكذب من كفر بالله من بعد إيمانه واستثنى منهم المكره فلم يدخل تحت حكم الإفتراء ثم قال ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب من الله وأن يكون بدلاً من المبتدأ الذي هو أولئك أي ومن كفر بالله من بعد إيمانه هم الكاذبون أو من الخبر الذي هو الكاذبون أي وأولئك هم من كفر بالله من بعد ايمانه وأن ينتصب على الذم رُوى أنَّ ناساً من أهل مكة فتنوا فارتدوا وكان فيهم من أكره فأجرى كلمة الكفر على لسانه وهو معتقد للإيمان منهم عمار وأما أبواه ياسر

وسمية فقد قتلاوهما أول قتيلين في الإسلام فقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم إن عماراً كفر فقال كلا إن عماراً ملىء إيماناً من قرنة إلى قدمه واختلط الايمان لحمه ودمه فأتى عمار رسول الله صلى عليه وسلم وهو يبكى فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح عينيه وقال مالك إن عادوا لك فعدهم بما قلت وما فعل أبو عمار أفضل لأن في الصبر على القتل إعزازاً للإسلام

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ مَن كَفَرَ بِاللَّهِ ﴾ أيْ بِكَلِمَةِ الكُفْرِ ﴿ مِن بَعْدِ إيمانِهِ ﴾ بِهِ تَعالى.

وهَذا بِحَسَبِ الظّاهِرِ ابْتِداءُ كَلامٍ لِبَيانِ حالِ مَن كَفَرَ بِآياتِ اللَّهِ تَعالى بَعْدَ ما آمَنَ بِها بَعْدَ بَيانِ حالِ مَن لَمْ يُؤْمِن بِها رَأْسًا (ومَن) مَوْصُولَةٌ مَحَلُّها الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ «فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ» الآتِي عَلَيْهِ وحَذْفُ مِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرٌ في الكَلامِ، وجُوِّزَ أيْضًا الرَّفْعُ وكَذا النَّصْبُ عَلى القَطْعِ لِقَصْدِ الذَّمِّ أيْ هم أوْ أذُمُّ مَن كَفَرَ والقَطْعُ لِلذَّمِّ والمَدْحِ وإنْ تُعُورِفَ في النَّعْتِ، (ومَن) لا يُوصَفُ بِها لَكِنْ لا مانِعَ مِنَ اعْتِبارِهِ في غَيْرِهِ كالبَدَلِ وقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ سِيبَوَيْهِ.

نَعَمْ قالَ أبُو حَيّانَ: إنَّ النَّصْبَ عَلى الذَّمِّ بَعِيدٌ.

وأجازَ الحَوْفِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ كَوْنَها بَدَلًا مِن ﴿ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَهُما.

واعْتَرَضَهُ أبُو حَيّانَ وغَيْرُهُ بِأنَّهُ يَقْتَضِي أنْ لا يَفْتَرِيَ الكَذِبَ إلّا مَن كَفَرَ بَعْدَ إيمانِهِ والوُجُودُ يَقْتَضِي أنَّ مَن يَفْتَرِي الكَذِبَ هو الَّذِي لا يُؤْمِنُ مُطْلَقًا وهم أكْثَرُ المُفْتَرِينَ.

وأيْضًا البَدَلُ هو المَقْصُودُ والآيَةُ سِيقَتْ لِلرَّدِّ عَلى قُرَيْشٍ وهم كُفّارٌ أصْلِيُّونَ.

ووَجَّهَ ذَلِكَ الطَّيِّبِيُّ بِأنْ يُرادَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِن بَعْدِ إيمانِهِ ﴾ مِن بَعْدِ تَمَكُّنِهِ مِنهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى ﴾ وذَكَرَ أنَّ فِيهِ تَرْشِيحًا لِطَرِيقِ الِاسْتِدْراجِ وتَحْسِيرًا لَهم عَلى ما فاتَهم مِنَ التَّصْدِيقِ وما اقْتَرَفُوهُ مِن نِسْبَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى الِافْتِراءِ وفِيهِ كَما في الكَشْفِ أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ إلا مَن أُكْرِهَ ﴾ لا يُساعِدُ عَلَيْهِ، وحَمْلُ التَّمَكُّنِ مِنهُ عَلى ما هو أعَمُّ مِنَ التَّمَكُّنِ في إحْداثِهِ وبَقائِهِ لا يَخْفى ما فِيهِ.

وقالَ المُدَقِّقُ: الأوْلى في التَّوْجِيهِ أنْ يُجْعَلَ المَعْنى مَن وجَدَ الكُفْرَ فِيما بَيْنَهم تَغْيِيرًا عَلى الِارْتِدادِ أيْضًا وأنَّ مَن وجَدَ فِيهِمْ هَذِهِ الخَصْلَةَ لا يَبْعُدُ مِنهُ الِافْتِراءُ ويُجْعَلُ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إلى أنْ يَنْعى عَلَيْهِمْ ما كانُوا يَفْعَلُونَهُ مَعَ المُؤْمِنِينَ مِنَ المُثْلَةِ ويُدْمِجُ فِيهِ الرُّخْصَةَ بِإجْراءِ كَلِمَةِ الكُفْرِ عَلى اللِّسانِ عَلى سَبِيلِ الإكْراهِ وتَفاوُتِ ما بَيْنَ صاحِبِ العَزِيمَةِ والرُّخْصَةِ، ولا يَخْفى ما فِيهِ أيْضًا وأنَّهُ غَيْرُ مُلائِمٍ لِسَبَبِ النُّزُولِ، وقالَ الخَفاجِيُّ: لَكَ أنْ تَقُولَ: الأقْرَبُ أنْ يَبْقى الكَلامُ عَلى ظاهِرِهِ مِن غَيْرِ تَكَلُّفٍ وأنَّ هَذا تَكْذِيبٌ لَهم عَلى أبْلَغِ وجْهٍ كَما يُقالُ لِمَن قالَ: إنَّ الشَّمْسَ غَيْرُ طالِعَةٍ في يَوْمِ صاحَ هَذا لَيْسَ بِكَذِبٍ لِأنَّ الكَذِبَ يَصْدُرُ فِيما قَدْ تَقْبَلُهُ العُقُولُ ويَكُونُ هَذا عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ المُرادُ في ﴿ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ ﴾ لا يَهْدِيهِمْ إلى الحَقِّ فاللَّهُ تَعالى لَمّا لَمْ يَهْدِهِمْ إلى الحَقِّ والصِّدْقِ وخَتَمَ عَلى حَواسِّهِمْ نَزَلُوا مَنزِلَةَ مَن لَمْ يَعْرِفْهُ حَتّى يُساعِدَهُ لِسانُهُ عَلى النُّطْقِ بِهِ فَقُبْحُ إنْكارِهِمْ لَهُ أجَلُّ مِن أنْ يُسَمّى كَذِبًا وإنَّما يُكَذِّبُ مَن تَعَمَّدَ ذَلِكَ ونَطَقَ بِهِ مَرَّةً، فَتَكُونُ الآيَةُ الأُولى لِلرَّدِّ عَلى قُرَيْشٍ صَرِيحًا والأُخْرى دَلالَةٌ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ انْتَهى، ولَعَمْرِي إنَّهُ نِهايَةٌ في التَّكَلُّفِ، ومِثْلُ هَذا الإبْدالِ الإبْدالُ مِن ( أُولَئِكَ ) والإبْدالُ مِنَ ( الكاذِبُونَ ) وقَدْ جَوَّزَهُما الزَّمَخْشَرِيُّ أيْضًا وجَوَّزَ الحَوْفِيُّ الأخِيرَ أيْضًا ولَمْ يُجَوِّزِ الزَّجّاجُ غَيْرَهُ.

وجَوَّزَ غَيْرُ واحِدٍ كَوْنَ ( مَن ) شَرْطِيَّةً مَرْفُوعَةَ المَحَلِّ عَلى الِابْتِداءِ واسْتَظْهَرَهُ في البَحْرِ والجَوابُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ الآتِي عَلَيْهِ كَما سَمِعْتَ في الوَجْهِ الأوَّلِ، والكَلامُ في خَبَرِ مَنِ الشَّرْطِيَّةِ مَشْهُورٌ، وظاهِرُ صَنِيعُ الزَّمَخْشَرِيِّ اخْتِيارُ الإبْدالِ وهو عِنْدِي غَرِيبٌ مِنهُ.

وفي الكَشْفِ أنَّ كَوْنَ ( مَن ) شَرْطِيَّةً مُبْتَدَأً وجْهٌ ظاهِرُ السَّدادِ إلّا أنَّ الَّذِي حَمَلَ جارُ اللَّهِ عَلى إيثارِ كَوْنِ ( مَن ) بَدَلًا طَلَبُ المُلاءَمَةِ بَيْنَ أجْزاءِ النَّظْمِ الكَرِيمِ لا أنْ يَكُونَ ابْتِداءَ بَيانِ حُكْمٍ، ولا يَخْفى ما في هَذا العُذْرِ مِنَ الوَهَنِ، والظّاهِرُ أنَّ اسْتِثْناءَ ﴿ مَن أُكْرِهَ ﴾ أيْ عَلى التَّلَفُّظِ بِالكُفْرِ بِأمْرٍ يَخافُ مِنهُ عَلى نَفْسِهِ أوْ عُضْوٍ مِن أعْضائِهِ- مِن كُفْرٍ- اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ لِأنَّ الكُفْرَ التَّلَفُّظُ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ سَواءٌ طابَقَ الِاعْتِقادَ أوْ لا.

قالَ الرّاغِبُ: يُقالُ كَفَرَ فُلانٌ إذا اعْتَقَدَ الكُفْرَ ويُقالُ إذا أظْهَرَ الكُفْرَ وإنْ لَمْ يَعْتَقِدْ، فَيَدْخُلُ هَذا المُسْتَثْنى في المُسْتَثْنى مِنهُ المَذْكُورِ، وقِيلَ: مُسْتَثْنى مِنَ الخَبَرِ الجَوابُ المُقَدَّرُ، وقِيلَ: مُسْتَثْنى مُقَدَّمٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿ فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ ﴾ ولَيْسَ بِذاكَ، والمُرادُ إخْراجُهُ مِن حُكْمِ الغَضَبِ والعَذابُ أوِ الذَّمُّ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ ﴾ حالٌ مِنَ المُسْتَثْنى، والعامِلُ- كَما في إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ- هو الكُفْرُ الواقِعُ بِالإكْراهِ لا نَفْسَ الإكْراهِ لِأنَّ مُقارَنَةَ اطْمِئْنانِ القَلْبِ بِالإيمانِ لِلْإكْراهِ لا تُجْدِي نَفْعًا وإنَّما المُجْدِي مُقارَنَتُهُ لِلْكُفْرِ الواقِعِ بِهِ أيْ إلّا مَن كَفَرَ بِإكْراهٍ أوْ إلّا مَن أُكْرِهَ فَكَفَرَ والحالُ أنَّ قَلْبَهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ لَمْ تَتَغَيَّرْ عَقِيدَتُهُ، وأصْلُ مَعْنى الِاطْمِئْنانِ سُكُونٌ بَعْدَ انْزِعاجٍ، والمُرادُ هُنا السُّكُونُ والثَّباتُ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ بَعْدَ إزْعاجِ الإكْراهِ، وإنَّما لَمْ يُصَرِّحْ بِذَلِكَ العامِلِ إيماءً إلى أنَّهُ لَيْسَ بِكُفْرٍ حَقِيقَةً.

واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الإيمانَ هو التَّصْدِيقُ بِالقَلْبِ والإقْرارُ لَيْسَ رُكْنًا فِيهِ كَما قِيلَ.

واعْتُرِضَ بِأنَّ مَن جَعَلَهُ رُكْنًا لَمْ يُرِدْ أنَّهُ رُكْنٌ حَقِيقِيٌّ لا يَسْقُطُ أصْلًا بَلْ أنَّهُ دالٌّ عَلى الحَقِيقَةِ الَّتِي هي التَّصْدِيقُ إذْ لا يُمْكِنُ الِاطِّلاعُ عَلَيْها فَلا يَضُرُّهُ عِنْدَ سُقُوطِهِ لِنَحْوِ الإكْراهِ والعَجْزِ فَتَأمَّلْ.

﴿ ولَكِنْ مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا ﴾ أيِ اعْتَقَدَهُ وطابَ بِهِ نَفْسًا (وصَدْرًا) عَلى مَعْنى صَدْرِهِ إذِ البَشَرُ في عَجْزٍ عَنْ شَرْحِ صَدْرِ غَيْرِهِ، ونَصْبُهُ- كَما قالَ الإمامُ- عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ- لِشَرَحَ- وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَهُ عَلى التَّمْيِيزِ، (ومَن) إمّا شَرْطِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ لَكِنْ إذا جُعِلَتْ شَرْطِيَّةً- قالَ أبُو حَيّانَ - لا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ قَبْلَها لِأنَّ لَكِنْ لا تَلِيها الجُمَلُ الشَّرْطِيَّةُ، والتَّقْدِيرُ هُنا ولَكِنْ هم مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا أيْ مِنهم ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ولَكِنْ مَتى تَسْتَرْفِدُ القَوْمُ أرْفِدُ.

أيْ ولَكِنْ أنا مَتى تَسْتَرْفِدُ إلَخْ.

وتُعِقِّبَ بِأنَّهُ تَقْدِيرٌ غَيْرُ لازِمٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ ﴾ جَوابُ الشَّرْطِ عَلى تَقْدِيرِ شَرْطِيَّةِ ( مَن ) وهي عَلى التَّقْدِيرَيْنِ مُبْتَدَأٌ وهَذا خَبَرُها عَلى تَقْدِيرِ المَوْصُولِيَّةِ وكَذا عَلى تَقْدِيرِ الشَّرْطِيَّةِ في رَأْيٍ والخِلافُ مَشْهُورٌ، وجَعَلَهُ بَعْضُهم خَبَرًا لِمَن هَذِهِ ولِمَنِ الأُولى لِلِاتِّحادِ في المَعْنى إذِ المُرادُ- بِمَن كَفَرَ- الصِّنْفُ الشّارِحُ بِالكُفْرِ صَدْرًا.

وتَعَقَّبَهُ في البَحْرِ بِأنَّ هاهُنا جُمْلَتَيْنِ شَرْطِيَّتَيْنِ وقَدْ فَصَلَ بَيْنَهُما بِأداةِ الِاسْتِدْراكِ فَلا بُدَّ لِكُلِّ واحِدَةٍ مِنهُما مِن جَوابٍ عَلى حِدَةٍ فَتَقْدِيرُ الحَذْفِ أحْرى في صِناعَةِ الإعْرابِ.

وقَدْ ضَعَّفُوا مَذْهَبَ أبِي الحَسَنِ في ادِّعائِهِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ ﴾ وقَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ ﴾ جَوابٌ- لِأمّا- ولِأنَّ هَذا وهُما أداتا شَرْطٍ تَلِي إحْداهُما الأُخْرى، ويَبْعُدُ بِهَذا عِنْدِي جَعْلُهُ خَبَرًا لَهُما عَلى تَقْدِيرِ المَوْصُولِيَّةِ والِاسْتِدْراكُ مِنَ الإكْراهِ عَلى ما قِيلَ ووُجِّهَ بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ إلا مَن أُكْرِهَ ﴾ يُوهِمُ أنَّ المُكْرَهَ مُطْلَقًا مُسْتَثْنًى مِمّا تَقَدَّمَ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ ﴾ لا يَنْفِي ذَلِكَ الوَهْمَ فاحْتِيجَ إلى الِاسْتِدْراكِ لِدَفْعِهِ وفِيهِ بَحْثٌ ظاهِرٌ، وقِيلَ: المُرادُ مُجَرَّدُ التَّأْكِيدِ كَما في نَحْوِ ذَلِكَ: لَوْ جاءَ زَيْدٌ لَأكْرَمْتُكَ لَكِنَّهُ لَمْ يَجِئْ.

وأنْتَ تَعْلَمُ ما في ذَلِكَ فَتَأمَّلْ جِدًّا، وتَنْوِينُ ﴿ غَضَبٌ ﴾ لِلتَّعْظِيمِ أيْ غَضَبٌ عَظِيمٌ لا يَكْتَنِهُ كُنْهُهُ كائِنٌ ﴿ مِنَ اللَّهِ ﴾ جَلَّ جَلالُهُ ﴿ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ ﴾ لِعَظَمِ جُرْمِهِمْ فَجُوِّزُوا مِن جِنْسِ عَمَلِهِمْ، وفي اخْتِيارِ الِاسْمِ الجَلِيلِ مِن تَرْبِيَةِ المَهابَةِ وتَقْوِيَةِ تَعْظِيمِ العَذابِ ما فِيهِ، والجَمْعُ في الضَّمِيرَيْنِ المَجْرُورَيْنِ لِمُراعاةِ جانِبِ المَعْنى كَما أنَّ الإفْرادَ في المُسْتَكِنِّ في الصِّلَةِ لِرِعايَةِ جانِبِ اللَّفْظِ.

رُوِيَ «أنَّ قُرَيْشًا أكْرَهُوا عَمّارًا وأبَوَيْهِ ياسِرًا وسُمَيَّةَ عَلى الِارْتِدادِ فَأبَوْا فَرَبَطُوا سُمَيَّةَ بَيْنَ بَعِيرَيْنِ وجِيءَ بِحَرْبَةٍ في قِبَلِها وقالُوا إنَّما أسْلَمْتِ مِن أجْلِ الرِّجالِ فَقَتَلُوها وقَتَلُوا ياسِرًا وهُما أوَّلُ قَتِيلَيْنِ في الإسْلامِ، وأمّا عَمّارٌ فَأعْطاهم بِلِسانِهِ ما أكْرَهُوهُ عَلَيْهِ فَقِيلَ يا رَسُولَ اللَّهِ إنْ عَمّارًا كَفَرَ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: كَلّا إنَّ عَمّارًا مُلِئَ إيمانًا مِن قَرْنِهِ إلى قَدَمِهِ واخْتَلَطَ الإيمانُ بِلَحْمِهِ ودَمِهِ فَأتى عَمّارٌ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهو يَبْكِي فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَمْسَحُ عَيْنَيْهِ وقالَ: ما لَكَ إنْ عادُوا فَعُدْ لَهم بِما قُلْتَ، وفي رِوايَةٍ أنَّهم أخَذُوهُ فَلَمْ يَتْرُكُوهُ حَتّى سَبَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وذَكَرَ آلِهَتَهم بِخَيْرٍ ثُمَّ تَرَكُوهُ فَلَمّا أتى رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ما وراءَكَ؟

قالَ: شَرٌّ ما تُرِكْتُ حَتّى نِلْتُ مِنكَ وذَكَرْتُ آلِهَتَهم بِخَيْرٍ قالَ: كَيْفَ تَجِدُ قَلْبَكَ؟

قالَ: مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: إنْ عادُوا فَعُدْ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» وكَأنَّ الأمْرَ بِالعَوْدِ في الرِّوايَةِ الأُولى لِلتَّرْخِيصِ بِناءً عَلى ما قالَ النَّسَفِيُّ إنَّهُ أدْنى مَراتِبِهِ وكَذا الأمْرُ في الرِّوايَةِ الثّانِيَةِ إنِ اعْتُبِرَ مُقَيَّدًا بِما قُيِّدَ بِهِ في الرِّوايَةِ الأُولى، وأمّا إنِ اعْتُبِرَ مُقَيَّدًا بِطُمَأْنِينَةِ القَلْبِ كَما في الهِدايَةِ أيْ عُدْ إلى جَعْلِها نُصْبَ عَيْنَيْكِ واثْبُتْ عَلَيْها فالأمْرُ لِلْوُجُوبِ، والآيَةُ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ التَّكَلُّمِ بِكَلِمَةِ الكُفْرِ عِنْدَ الإكْراهِ وإنْ كانَ الأفْضَلُ أنْ يَتَجَنَّبَ عَنْ ذَلِكَ إعْزازًا لِلدِّينِ ولَوْ تَيَقَّنَ القَتْلَ كَما فَعَلَ ياسِرٌ وسُمَيَّةُ ولَيْسَ ذَلِكَ مِن إلْقاءِ النَّفْسِ إلى التَّهْلُكَةِ بَلْ هو كالقَتْلِ في الغَزْوِ كَما صَرَّحُوا بِهِ.

وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ الحَسَنِ وعَبْدِ الرّازِقِ في تَفْسِيرِهِ عَنْ مَعْمَرٍ «أنَّ مُسَيْلِمَةً أخَذَ رَجُلَيْنِ فَقالَ لِأحَدِهِما: ما تَقُولُ في مُحَمَّدٍ؟

قالَ: رَسُولُ اللَّهِ قالَ: فَما تَقُولُ فِيَّ؟

فَقالَ: أنْتَ أيْضًا فَخَلّاهُ وقالَ لِلْآخَرِ: ما تَقُولُ في مُحَمَّدٍ؟

قالَ: رَسُولُ اللَّهِ قالَ: فَما تَقُولُ فِيَّ؟

فَقالَ: أنا أصَمُّ فَأعادَ عَلَيْهِ ثَلاثًا فَأعادَ ذَلِكَ في جَوابِهِ فَقَتَلَهُ فَبَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ خَبَرُهُما فَقالَ: أمّا الأوَّلُ فَقَدْ أخَذَ بِرُخْصَةِ اللَّهِ تَعالى.

وأمّا الثّانِي فَقَدْ صَدَعَ بِالحَقِّ فَهَنِيئًا لَهُ».

وفِي أحْكامِ الجَصّاصِ أنَّهُ يَجِبُ عَلى المُكْرَهِ عَلى الكُفْرِ إخْطارُ أنَّهُ لا يُرِيدُهُ فَإنْ لَمْ يَخْطُرْ بِبالِهِ ذَلِكَ كَفَرَ.

وفِي شَرْحِ المِنهاجِ لِابْنِ حَجَرٍ لا تُوجَدُ رِدَّةُ مَكْرَهٍ عَلى مُكَفَّرٍ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ لِلْآيَةِ، وكَذا إنْ تَجَرَّدَ قَلْبُهُ عَنْهُما فِيما يَتَّجِهُ تَرْجِيحُهُ لِإطْلاقِهِمْ أنَّ المُكْرَهَ لا يَلْزَمُهُ التَّوْرِيَةُ فافْهَمْ، وقالَ القاضِي: يَجِبُ عَلى المُكْرَهِ تَعْرِيضُ النَّفْسِ لِلْقَتْلِ ولا يُباحُ لَهُ التَّلَفُّظُ بِالكُفْرِ لِأنَّهُ كَذِبٌ وهو قَبِيحٌ لِذاتِهِ فَيُقَبَّحُ عَلى كُلِّ حالٍ ولَوْ جازَ أنْ يَخْرُجَ عَنِ القُبْحِ لِرِعايَةِ بَعْضِ المَصالِحِ لَمْ يَمْتَنِعْ أنْ يَفْعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ الكَذِبَ لَها وحِينَئِذٍ لا يَبْقى وُثُوقٌ بِوَعْدِهِ تَعالى ووَعِيدِهِ لِاحْتِمالِ أنَّهُ سُبْحانَهُ فَعَلَ الكَذِبَ لِرِعايَةِ المَصْلَحَةِ الَّتِي لا يَعْلَمُها إلّا هُوَ، ورَدُّهُ ظاهِرٌ.

وهَذا الخِلافُ فِيما إذا تَعَيَّنَ عَلى المُكْرَهِ إمّا التِزامُ الكَذِبِ وإمّا تَعْرِيضُ النَّفْسِ لِلتَّلَفِ وإلّا فَمَتى أمْكَنَهُ نَحْوُ التَّعْرِيضِ أوْ إخْراجِ الكَلامِ عَلى نِيَّةِ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ تَعْرِيضُ النَّفْسِ لِذَلِكَ إجْماعًا.

واسْتُدِلَّ بِإباحَةِ التَّلَفُّظِ بِالكُفْرِ عِنْدَ الإكْراهِ عَلى إباحَةِ سائِرِ المَعاصِي عِنْدَهُ أيْضًا وفِيهِ بَحْثٌ، فَقَدْ ذَكَرَ الإمامُ أنَّ مِنَ المَعاصِي ما يَجِبُ فِعْلُهُ عِنْدَ الإكْراهِ كَشُرْبِ الخَمْرِ وأكْلِ المَيْتَةِ ولَحْمِ الخِنْزِيرِ فَإنَّ حِفْظَ النَّفْسِ عَنِ الفَواتِ واجِبٌ فَحَيْثُ تَعَيَّنَ الأكْلُ سَبِيلًا ولا ضَرَرَ فِيهِ لِحَيَوانٍ ولا إهانَةٍ لِحَقِّ اللَّهِ تَعالى وجَبَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ ﴾ ومِنها ما يَحْرُمُ كَقَتْلِ إنْسانٍ مُحْتَرَمٍ أوْ قَطْعِ عُضْوٍ مِن أعْضائِهِ وفي وُجُوبِ القَصّاصِ عَلى المُكْرَهِ قَوْلانِ لِلشّافِعِيِّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ، وذَكَرَ أنَّ مِنَ الأفْعالِ ما لا يَقْبَلُ الإكْراهَ ومَثَّلَ بِالزِّنا لِأنَّ الإكْراهَ يُوجِبُ الخَوْفَ الشَّدِيدَ وذَلِكَ يَمْنَعُ مِنِ انْتِشارِ الآلَةِ فَحَيْثُ دَلَّ الزِّنا في الوُجُودِ عَلِمْنا أنَّهُ وقَعَ بِالِاخْتِيارِ لا عَلى سَبِيلِ الإكْراهِ، وتَمامُ الكَلامِ في هَذا المَقامِ يُطْلَبُ مِن مَحَلِّهِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ أي: القرآن لاَ يَهْدِيهِمُ اللَّهُ أي: لا يوفقهم الله ولا يكرمهم لقلة رغبتهم في الإيمان.

ويقال: لا ينجيهم في الآخرة من النار وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ في الآخرة.

ثم قال: إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ أي إذا رأوا الآيات التي لا يقدر عليها إلاَّ الله كذبوا بها، وهؤلاء أكذب الكذبة.

مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ فعليهم غضب من الله على معنى التقديم.

ثم استثنى فقال: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ أي: أكره على الكفر، وتكلم بالكفر مكرهاً وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ يقول: قلبه معتقد عليه، وهو عمار بن ياسر، وأصحابه.

وذلك أن ناساً من أهل مكة آمنوا، فخرجوا مهاجرين، فأدركتهم قريش بالطريق فعذبوهم، فكفروا مكرهين، فنزلت هذه الآية فيهم.

وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد مثله.

وروي عن قتادة أنه قال: ذكر لنا أن عمار بن ياسر أخذه بنو المغيرة، فطرحوه في بئر ميمونة حتى أمسى، فقالوا له: اكفر بمحمد وأشرك بالله، فتابعهم على ذلك وقلبه كاره، فنزلت الآية.

وذكر أن النبيّ  رأى عمار بن ياسر وهو يبكي، فجعل يمسح الدموع من عينيه، ويقول: «أخذني الكفار ولم يتركوني حتى نلت منك، وذكرت آلهتهم بخير» .

فقال: «كَيْفَ وَجَدْتَ قَلْبَكَ» ؟

قال: مطمئن بالإيمان.

فقال: «إنْ عَادُوا فَعُدْ» .

وقال مقاتل: أسلم جبر مولى ابن الحضرمي، فأخذه مولاه وعذبه حتى رجع إلى اليهودية، ثم رجع إلى هؤلاء النفر، فنزلت الآية إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ.

ثم بيّن حال الذين ثبتوا على الكفر فقال: وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً أي: فتح صدره بالقبول.

يعني: قبل الكفر طائعاً وهو عبد الله بن سعد بن أبي سرح ارتدّ ولحق بمكة فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ أي: شديد في الآخرة ذلِكَ العذاب بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا أي: اختاروا الدنيا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي أي: لا يرشد إلى دينه الْقَوْمَ الْكافِرِينَ مجازاة لهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وأشباههم ممَّن كان يُؤْذَى في اللَّه سبحانه، فربَّما سامَحَ بعضُهم بما أراد الكَفَّارُ من القَوْل لِمَا أصابه من تَعْذيبِ الكفرة، فيروى: أنَّ عَمَّار بْنَ ياسِرٍ فعَلَ ذلك «١» ، فاستثناه الله في هذه الآية، وبقيَّة الرخْصَةِ عامَّة في الأمرْ بَعْده، ويروى أن عمَّار بنَ ياسر شكا إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ما صُنعَ به مِنَ العذاب، وما سَامَحَ به من القول، فقال له النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «كَيْفَ تَجِدُ قَلْبَكَ» قالَ:

أَجدُهُ مُطْمِئَناً بالإِيمَانِ، قَالَ: «فأجِبْهُمْ بِلِسَانِكَ فإِنَّهُ لا يَضُرُّكَ، وإِن عادُوا فَعُدْ» «٢» .

وقوله سبحانه: وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً معناه: انبسط إلى الكفر باختياره.

ت: وقد ذكر ع «٣» هنا نَبَذاً من مسائل الإكراه، تركت ذلك خشية التطويل، وإذ محلّ بسطها كتب الفقه.

ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (١٠٧) أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ (١٠٨) لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٠٩)

وقوله سبحانه: ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ ...

الآية: ذلِكَ إشارةٌ إِلى الغضب، والعَذَاب الذي تُوُعِّدَ به قبل هذه الآية، والضمير في أنهَمَ لَمِنْ شرح بالكُفَرُ صدْراً.

ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٠) يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١١١)

وقوله سبحانه: ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ...

الآية: قال ابنُ

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مَن بَعْدِ إيمانِهِ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أبِي سَرْحٍ القُرَشِيُّ، ومِقْيَسِ بْنِ صُبابَةَ، وعَبْدِ اللهِ بْنِ أنَسِ بْنِ خَطَلٍ، وطُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقَ، وقَيْسِ بْنِ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وقَيْسِ بْنِ الفاكِهِ المَخْزُومِيِّ.

فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا مَن أُكْرِهَ ﴾ فاخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ نَزَلَ في عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ، أخَذَهُ المُشْرِكُونَ فَعَذَّبُوهُ، فَأعْطاهم ما أرادُوا بِلِسانِهِ، رَواهُ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّهُ لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ.

.

.

.

﴾ إلى آخِرِ الآيَتَيْنِ اللَّتَيْنِ في سُورَةِ النِّساءِ [٩٦، ٩٧] كَتَبَ بِها المُسْلِمُونَ الَّذِينَ بِالمَدِينَةِ إلى مَن كانَ بِمَكَّةَ، فَخَرَجَ ناسٌ مِمَّنْ أقَرَّ بِالإسْلامِ، فاتَّبَعَهُمُ المُشْرِكُونَ فَأدْرَكُوهم، حَتّى أعْطَوُا الفِتْنَةَ، فَنَزَلَ ﴿ إلا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ ﴾ رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: أنَّهُ نَزَلَ في عَيّاشِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ، كانَ قَدْ هاجَرَ فَحَلَفَتْ أُمُّهُ ألّا تَسْتَظِلَّ ولا تَشْبَعَ مِن طَعامٍ حَتّى يَرْجِعَ، فَرَجَعَ إلَيْها، فَأكْرَهَهُ المُشْرِكُونَ حَتّى أعْطاهم بَعْضَ ما يُرِيدُونَ، قالَهُ ابْنُ سِيرِينَ.

والرّابِعُ: أنَّهُ نَزَلَ في جَبْرٍ غُلامِ ابْنِ الحَضْرَمِيِّ، كانَ يَهُودِيًّا فَأسْلَمَ فَضَرَبَهُ سَيِّدُهُ حَتّى رَجَعَ إلى اليَهُودِيَّةِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ وَلَكِنْ مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا ﴾ فَقالَ مُقاتِلٌ: هم النَّفَرُ المُسَمَّوْنَ في أوَّلِ الآيَةِ.

فَأمّا التَّفْسِيرُ، فاخْتَلَفَ النُّحاةُ في قَوْلِهِ: ﴿ مَن كَفَرَ ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿ وَلَكِنْ مَن شَرَحَ ﴾ فَقالَ الكُوفِيُّونَ: جَوابُهُما جَمِيعًا في قَوْلِهِ: ﴿ فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ ﴾ فَقالَ البَصْرِيُّونَ: بَلْ قَوْلُهُ: ﴿ مَن كَفَرَ ﴾ مَرْفُوعٌ بِالرَّدِّ عَلى ﴿ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ .

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرُ ﴿ مَن كَفَرَ ﴾ مَحْذُوفًا، لِوُضُوحِ مَعْناهُ، تَقْدِيرُهُ: مَن كَفَرَ بِاللَّهِ، فاللَّهُ عَلَيْهِ غَضْبانُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ ﴾ أيْ: ساكِنٌ إلَيْهِ راضٍ بِهِ.

﴿ وَلَكِنْ مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا ﴾ قالَ قَتادَةُ: مَن أتاهُ بِإيثارٍ واخْتِيارٍ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَن فَتَحَ لَهُ صَدْرَهُ بِالقَبُولِ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المَعْنى: مَن تابَعَتْهُ نَفْسُهُ، وانْبَسَطَ إلى ذَلِكَ، يُقالُ: ما يَنْشَرِحُ صَدْرِي بِذَلِكَ، أيْ: ما يَطِيبُ.

وجاءَ قَوْلُهُ: ﴿ فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ ﴾ عَلى مَعْنى الجَمِيعِ، لِأنَّ " مَن " تَقَعُ عَلى الجَمِيعِ.

* فَصْلٌ الإكْراهُ عَلى كَلِمَةِ الكُفْرِ يُبِيحُ النُّطْقَ بِها.

وَفِي الإكْراهِ المُبِيحِ لِذَلِكَ عَنْ أحْمَدَ رِوايَتانِ: إحْداهُما: أنَّهُ يَخافُ عَلى نَفْسِهِ أوْ عَلى بَعْضِ أعْضائِهِ التَّلَفَ إنْ لَمْ يَفْعَلْ ما أُمِرَ بِهِ.

والثّانِيَةُ: أنَّ التَّخْوِيفَ لا يَكُونُ إكْراهًا حَتّى يُنالَ بِعَذابٍ.

وإذْ ثَبَتَ جَوازُ " التَّقِيَّةِ " فالأفْضَلُ ألّا يَفْعَلَ، نَصَّ عَلَيْهِ أحْمَدُ، في أسِيرٍ خُيِّرَ بَيْنَ القَتْلِ وَشُرْبِ الخَمْرِ، فَقالَ: إنْ صَبَرَ عَلى القَتْلِ فَلَهُ الشَّرَفُ، وإنْ لَمْ يَصْبِرْ فَلَهُ الرُّخْصَةُ، فَظاهِرُ هَذا، الجَوازُ.

ورَوى عَنْهُ الأثْرَمُ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ التَّقِيَّةِ في شُرْبِ الخَمْرِ فَقالَ: إنَّما التَّقِيَّةُ في القَوْلِ.

فَظاهِرُ هَذا أنَّهُ لا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ، فَأمّا إذا أُكْرِهَ عَلى الزِّنا، لَمْ يَجُزْ لَهُ الفِعْلُ، ولَمْ يَصِحَّ إكْراهُهُ، نَصَّ عَلَيْهِ أحْمَدُ.

فَإنْ أُكْرِهَ عَلى الطَّلاقِ، لَمْ يَقَعْ طَلاقُهُ، نَصَّ عَلَيْهِ أحْمَدُ، وهو قَوْلُ مالِكٍ، والشّافِعِيِّ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: يَقَعُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الحَياةَ الدُّنْيا ﴾ في المُشارِ إلَيْهِ بِذَلِكَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الغَضَبُ والعَذابُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

الثّانِي: أنَّهُ شَرْحُ الصَّدْرِ لِلْكُفْرِ.

و " اسْتَحَبُّوا " بِمَعْنى: أحَبُّوا الدُّنْيا واخْتارُوها عَلى الآخِرَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنَّ اللَّهَ ﴾ أيْ: وبِأنَّ اللَّهَ لا يُرِيدُ هِدايَتَهم.

وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ شَرْحُهُ [البَقَرَةِ:٧، والنِّساءِ:١٥٥، والمائِدَةِ:٦٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَأُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: الغافِلُونَ عَمّا يُرادُ بِهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: عَنِ الآخِرَةِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا جَرَمَ ﴾ قَدْ شَرَحْناها في (هُودٍ:٢٢) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ فِيمَن كانَ يُفْتَنُ بِمَكَّةَ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ  ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّ قَوْمًا مِنَ المُسْلِمِينَ خَرَجُوا لِلْهِجْرَةِ، فَلِحَقَهُمُ المُشْرِكُونَ فَأعْطَوْهُمُ الفِتْنَةَ فَنَزَلَ فِيهِمْ ﴿ وَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ فَإذا أُوذِيَ في اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ  ﴾ ، فَكَتَبَ المُسْلِمُونَ إلَيْهِمْ بِذَلِكَ، فَخَرَجُوا، وأدْرَكَهُمُ المُشْرِكُونَ فَقاتَلُوهم حَتّى مَن نَجا، وقُتِلَ مَن قُتِلَ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أبِي سَرْحٍ، كانَ الشَّيْطانُ قَدْ أزَلَّهُ حَتّى لَحِقَ بِالكُفّارِ، فَأمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ  أنْ يُقْتَلَ يَوْمَ الفَتْحِ، فاسْتَجارَ لَهُ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، فَأجارَهُ رَسُولُ اللَّهِ  ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وفِيهِ بُعْدٌ، لِأنَّ المُشارَ إلَيْهِ وإنْ كانَ [قَدْ] عادَ إلى الإسْلامِ، فَإنَّ الهِجْرَةَ انْقَطَعَتْ بِالفَتْحِ.

والرّابِعُ: أنَّها نَزَلَتْ في عَيّاشِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ، وأبِي جَنْدَلِ بْنِ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، وعَبْدِ اللهِ بْنِ أُسَيْدٍ الثَّقَفِيِّ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا ﴾ فَقَرَأ الأكْثَرُونَ: " فُتِنُوا " بِضَمِّ الفاءِ وكَسْرِ التّاءِ، عَلى مَعْنى: مِن بَعْدِ ما فَتَنَهُمُ المُشْرِكُونَ عَنْ دِينِهِمْ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فُتِنُوا بِمَعْنى: عُذِّبُوا.

وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عامِرٍ: " فَتَنُوا " بِفَتْحِ الفاءِ والتّاءِ، عَلى مَعْنى: مِن بَعْدِ ما فَتَنُوا النّاسَ عَنْ دِينِ اللَّهِ، يُشِيرُ إلى مَن أسْلَمَ مِنَ المُشْرِكِينَ.

وقالَ أبُو عَلِيٍّ: مِن بَعْدِ ما فَتَنُوا أنْفُسَهم بِإظْهارِ ما أظْهَرُوا لِلتَّقِيَّةِ، لِأنَّ الرُّخْصَةَ لَمْ تَكُنْ نَزَلَتْ بَعْدُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ جاهَدُوا ﴾ أيْ: قاتَلُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ  ﴿ وَصَبَرُوا ﴾ عَلى الدِّينِ والجِهادِ.

﴿ إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها ﴾ في المَكْنِيِّ عَنْها أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: الفِتْنَةُ، وهو مَذْهَبُ مُقاتِلٍ.

والثّانِي: الفِعْلَةُ الَّتِي فَعَلُوها، قالَهُ الزَّجّاجُ.

والثّالِثُ: المُجاهَدَةُ، والمُهاجَرَةُ، والصَّبْرُ.

والرّابِعُ: المُهاجَرَةُ.

ذَكَرَهُما واللَّذَيْنِ قَبْلَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ تَأْتِي ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ عَلى أحَدِ شَيْئَيْنِ، إمّا عَلى مَعْنى: إنَّ رَبَّكَ لَغَفُورٌ يَوْمَ تَأْتِي، وإمّا عَلى مَعْنى: اذْكُرْ يَوْمَ تَأْتِي.

ومَعْنى ﴿ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها ﴾ أيْ: عَنْها.

والمُرادُ: أنَّ كُلَّ إنْسانٍ يُجادِلُ عَنْ نَفْسِهِ.

وقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ قالَ لِكَعْبِ الأحْبارِ: يا كَعْبُ خَوِّفْنا، فَقالَ: إنَّ لِجَهَنَّمَ زَفْرَةً ما يَبْقى مَلَكٌ مُقَرَّبٌ ولا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ إلّا وقَعَ جاثِيًا عَلى رُكْبَتَيْهِ، حَتّى إنَّ إبْراهِيمَ خَلِيلَ الرَّحْمَنِ لَيُدْلِي بِالخُلَّةِ فَيَقُولُ: " يا رَبِّ أنا خَلِيلُكَ إبْراهِيمُ، لا أسْألُكَ إلّا نَفْسِي "، وإنَّ تَصْدِيقَ ذَلِكَ في كِتابِ اللَّهِ ﴿ يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها ﴾ .

وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى الجِدالِ في (هُودٍ:٣٢) .

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللهِ لا يَهْدِيهِمُ اللهِ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ ﴿ إنَّما يَفْتَرِي الكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللهِ وأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ ﴾ ﴿ مَن كَفَرَ بِاللهِ مَن بَعْدِ إيمانِهِ إلا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ ولَكِنْ مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مَن اللهِ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ ﴾ المَفْهُومُ مِنَ الوُجُودِ أنَّ الَّذِينَ لا يَهْدِيهِمُ اللهُ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِهِ، ولَكِنَّهُ قَدَّمَ في هَذا التَرْتِيبِ وأخَّرَ تَهَمُّمًا بِتَقْبِيحِ فِعْلِهِمْ والتَشْنِيعِ لِخِطابِهِمْ، وذَلِكَ كَقَوْلِهِ: ﴿ فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ  ﴾ ، والمُرادُ ما ذَكَرْناهُ فَكَأنَّهُ قالَ: إنَّ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا لَمْ يَهْدِهِمُ اللهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّما يَفْتَرِي الكَذِبَ ﴾ بِمَعْنى: إنَّما يَكْذِبُ، وهَذِهِ مُقاوَمَةٌ لِلَّذِينِ قالُوا لِمُحَمَّدٍ  : "إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ"، و"إنَّما" حاصِرَةٌ أبَدًا، لَكِنَّ حَصْرَها يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ المَعانِي الَّتِي تَقَعُ فِيها، فَقَدْ يَرْبُطُ المَعْنى أنْ يَكُونَ حَصْرُها حَقِيقِيًّا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّما اللهُ إلَهٌ واحِدٌ  ﴾ ، وقَدْ يَقْتَضِي المَعْنى أنْ يَكُونَ حَصْرُها تَجُوُّزًا ومُبالَغَةً، كَقَوْلِكَ: "إنَّما الشُجاعُ عنتَرَةُ"، وهَكَذا هي في هَذِهِ الآيَةِ، قالَ الزَجّاجُ: يَفْتَرِي هَذا الصِنْفُ لَأنَّهم إذا رَأوُا الآياتِ الَّتِي لا يَقْدِرُ عَلَيْها إلّا اللهُ، كَذَّبُوا بِها، فَهَذا أفْحَشُ الكَذِبِ.

وكَرَّرَ المَعْنى في قَوْلِهِ: ﴿ وَأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ ﴾ لِفائِدَةِ إيقاعِ الصِفَةِ بِالكَذِبِ عَلَيْهِمْ، إذِ الصِفَةُ بِالشَيْءِ أبْلَغُ مِنَ الخَبَرِ بِهِ؛ لَأنَّ الصِفَةَ تَقْتَضِي الدَوامَ أكْثَرَ مِمّا يَقْتَضِيهِ الخَبَرُ، فَبَدَأ في هَذِهِ الآيَةِ بِالخَبَرِ ثُمَّ أكَّدَ بِالصِفَةِ، وقَدِ اعْتَرَضَ هَذا النَظَرَ مَكِّيٌّ، ولَيْسَ اعْتِراضُهُ بِالقَوِيِّ.

و"مَن" في قَوْلِهِ: ﴿ مَن كَفَرَ ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: "الكاذِبُونَ"، ولَمْ يُجِزِ الزَجّاجُ غَيْرَ هَذا الوَجْهِ؛ لَأنَّهُ رَأى الكَلامَ إلى آخَرَ الِاسْتِثْناءِ غَيْرَ تامٍّ، فَعَلَّقَهُ بِما قَبْلَهُ، والَّذِي أبى الزَجّاجُ سائِغٌ عَلى ما أُورِدُهُ الآنَ إنْ شاءَ اللهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا يَتَأيَّدُ بِما رُوِيَ مِن أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ وَأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ ﴾ يُرادُ بِهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ أبِي سَرْحٍ، ومَقِيسُ بْنُ صَبابَةَ وأشْباهُهُما مِمَّنْ كانَ آمَنَ بِرَسُولِ اللهِ ثُمَّ ارْتَدَّ، فَلَمّا بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أمْرَ الكاذِبِينَ بِأنَّهُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ الإيمانِ أخْرَجَ مِن هَذِهِ الصِفَةِ القَوْمَ المُؤْمِنِينَ المُعَذَّبِينَ بِمَكَّةَ، وهم بِلالٌ وعَمّارٌ وسُمَيَّةُ أُمُّهُ وخَبّابٌ وصُهَيْبٌ وأشْباهُهُمْ، وذَلِكَ أنَّ كُفّارَ مَكَّةَ كانُوا في صَدْرِ الإسْلامِ يُؤْذُونَ مِن أسْلَمَ مِن هَؤُلاءِ لِضَعْفِهِ، ويُعَذِّبُونَهم لِيَرْتَدُوا، فَرُبَّما سامَحَهم بَعْضُهم بِما أرادُوا مِنَ القَوْلِ، رُوِيَ أنَّ عَمّارَ بْنَ ياسِرٍ فَعَلَ ذَلِكَ فاسْتَثْناهُ اللهُ في هَذِهِ الآيَةِ، وبَقِيَتِ الرُخْصَةُ عامَّةٌ في الأمْرِ بَعْدَهُ.

ثُمَّ ابْتَدَأ الإخْبارَ بِأنَّ مِن شَرْح صَدْرًا بِالكُفْرِ فَعَلَيْهِمْ، وهَذا الضَمِيرُ عَلى مَعْنى "مَن" لا عَلى لَفْظِها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا مِنَ الِاعْتِراضِ أنَّ أمْرَ ابْنُ أبِي سَرْحٍ وأُولَئِكَ إنَّما كانَ ورَسُولَ اللهِ  بِالمَدِينَةِ، والظاهِرُ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّها مَكِّيَّةٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "مَن" في قَوْلِهِ: ﴿ مَن كَفَرَ ﴾ ابْتِداءٌ، وقَوْلُهُ: ﴿ مَن شَرَحَ ﴾ تَخْصِيصٌ مِنهُ، ودَخَلَ الِاسْتِثْناءُ لِما ذَكَرْنا مِن إخْراجِ عَمّارٍ وشَبَهِهِ، ودَنا مِنَ الِاسْتِثْناءِ الأوَّلِ الِاسْتِدْراكُ بِلَكِنْ.

وقَوْلُهُ: "فَعَلَيْهِمْ" خَبَرٌ عن "مَنِ" الأولى والثانِيَةِ؛ إذْ هو واحِدٌ بِالمَعْنى؛ لَأنَّ الإخْبارَ في قَوْلِهِ إنَّما قَصَدَ بِهِ الصِنْفَ الشارِحَ بِالكُفْرِ، فَـ "صَدْرًا" نُصِبَ عَلى التَمْيِيزِ، وقَوْلُهُ: ﴿ شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا ﴾ مَعْناهُ: انْبَسَطَ إلى الكُفْرِ بِاخْتِيارِهِ، ويُرْوى «أنَّ عَمّارَ بْنَ ياسِرٍ شَكا إلى رَسُولِ اللهِ  ما صُنِعَ بِهِ مِنَ العَذابِ، وما سامَعَ بِهِ مِنَ القَوْلِ، فَقالَ لَهُ: "كَيْفَ تَجِدُ قَلْبَكَ؟" قالَ: أجِدُهُ مُطْمَئِنًّا بِالإيمانِ، قالَ: "فَأجِبْهم بِلِسانِكَ فَإنَّهُ لا يَضُرُّكَ، وإنْ عادُوا فَعُدْ"،» ويَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الآيَةِ شَيْءٌ مِن مَسائِلِ الإكْراهِ، أمّا مَن عَذَّبَهُ كافِرٌ قادِرٌ عَلَيْهِ لِيَكْفُرَ بِلِسانِهِ، وكانَ العَذابُ يُؤَدِّي إلى قَتْلِهِ فَلَهُ الإجابَةُ بِاللِسانِ قَوْلًا واحِدًا فِيما أحْفَظُ، فَإنْ أرادَ مِنهُ الإجابَةَ بِفِعْلٍ كالسُجُودِ إلى صَنَمٍ ونَحْوَ ذَلِكَ فَفي هَذا اخْتِلافٌ فَقالَتْ فِرْقَةٌ هي الجُمْهُورُ: يُجِيبُ بِحَسْبِ التَقِيَّةِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: لا يُجِيبُ، ويُسَلِّمُ نَفْسَهُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنْ كانَ الصَنَمُ نَحْوَ القِبْلَةِ أجابَ، واعْتَقَدَ السُجُودَ لِلَّهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وما أحَراهُ أنْ يَسْجُدَ لِلَّهِ حِينَئِذٍ حَيْثُما تَوَجَّهَ، وهَذا مُباحٌ في السَفَرِ لِتَعَبِ النُزُولِ عَنِ الدابَّةِ في التَنَقُّلِ، فَكَيْفَ لِهَذا؟

واحْتَجَّتْ فِرْقَةٌ عَلى التَفْرِيقِ في المَنعِ بِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "ما مِن كَلامٍ يَدْرَأُ عَنِّي سَوْطَيْنِ مِن ذِي سُلْطانٍ إلّا كُنْتُ مُتَكَلِّمًا بِهِ"، فَقَصَرَ الرُخْصَةَ عَلى القَوْلِ دُونَ الفِعْلِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَيْسَ هَذا بِحُجَّةٍ، لَأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ جَعَلَ الكَلامَ مِثالًا وهو يُرِيدُ أنَّ الفِعْلَ في حُكْمِهِ، وَأمّا الإكْراهُ في البَيْعِ والطَلاقِ والعِتْقِ والفِطْرِ في رَمَضانَ وشُرْبِ الخَمْرِ ونَحْوَ هَذا مِنَ المَعاصِي الَّتِي بَيْنَ العَبْدِ واللهِ تَبارَكَ وتَعالى فَلا يَلْزَمُ المُكْرَهَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، قالَهُ مُطَرِّفٌ، ورَواهُ عن مالِكٍ، وقالَهُ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ وأصْبَغُ، ورَوَياهُ عَنِ ابْنِ القاسِمِ عن مالِكٍ، وفَرَّقَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما بَيْنَ ما مِنها قَوْلٌ كالعِتْقِ والطَلاقِ فَجَعَلَ فِيها التَقِيَّةَ، وقالَ: لا تَقِيَّةَ فِيما كانَ فِعْلًا كَشُرْبِ الخَمْرِ والفِطَرِ في رَمَضانَ، ولا يَحِلُّ فِعْلُها لِمُكْرَهٍ، وأمّا المَظْلُومُ فَيَضْغَطُ حَتّى يَبِيعَ مَتاعَهُ، فَذَلِكَ بَيْعٌ لا يَجُوزُ عَلَيْهِ، وهو أولى بِمَتاعِهِ يَأْخُذُهُ بِلا ثَمَنٍ، ويَبِيعُ المُشْتَرِي بِالثَمَنِ ذَلِكَ الظالِمَ، فَإنْ فاتَ المَتاعُ رَجَعَ بِثَمَنِهِ أو بِقِيمَتِهِ -بِالأكْثَرِ مِن ذَلِكَ- عَلى الظالِمِ إذا كانَ المُشْتَرِي غَيْرَ عالِمٍ بِظُلْمِهِ، قالَ مُطَرِّفٌ: ومَن كانَ مِنَ المُشْتَرِينَ يَعْلَمُ حالَ المُكْرَهِ فَإنَّهُ ضامِنٌ لِما ابْتاعَ مِن رَقِيقِهِ وعُرُوضِهِ كالغاصِبِ، وأمّا مَن لا يَعْلَمُ فَلا يَضْمَنُ العُرُوضَ والحَيَوانَ، وإنَّما يَضْمَنُ ما كانَ تَلَفُهُ بِسَبَبِهِ، مِثْلَ طَعامٍ أكْلَهُ، أو ثَوْبِ لَبِسَهُ، والغَلَّةُ -إذا عَلِمَ أو لَمْ يَعْلَمْ- لَيْسَتْ لَهُ بِحالٍ، هو لَها ضامِنٌ كالغاصِبِ، وقالَهُ أصْبَغُ وابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ: قالَ مُطَرِّفٌ: وكُلُّ ما أحْدَثَ المُبْتاعُ في ذَلِكَ مِن عِتْقٍ أو تَدْبِيرٍ أو تَحْبِيسٍ فَلا يَلْزَمُ المُكْرَهُ، ولَهُ أخْذُ مَتاعِهِ.

وأمّا الإكْراهُ عَلى قَتْلِ مُسْلِمٍ أو جَلْدِهِ وأخْذِ مالِهِ أو بَيْعِ مَتاعِهِ فَلا عُذْرَ فِيهِ، ولا اسْتِكْراهَ في رُكُوبِ مَعْصِيَةٍ تُنْتَهَكُ مِن أحَدٍ كالزِنى والقَتْلِ أو نَحْوَهُ، قالَ مُطَرِّفٌ، وأصْبَغُ، وابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ: لا يَفْعَلُ أحَدٌ ذَلِكَ وإنْ قُتِلَ إنْ لَمْ يَفْعَلْهُ، فَإنْ فَعَلَ فَهو آثِمٌ ويَلْزَمُهُ الحَدُّ والقَوَدُ، وقالَ مالِكٌ: القَيْدُ إكْراهٌ، والسَجْنُ إكْراهٌ، والوَعِيدُ المُخَوِّفُ إكْراهٌ وإنْ لَمْ يَقَعْ إذا تَحَقَّقَ ظُلْمُ ذَلِكَ المُتَعَدِّي وإنْفاذُهُ لِما يَتَوَعَّدُ، ويَعْتَبِرُ الإكْراهَ عِنْدِي بِحَسْبَ هِمَّةِ المُكْرَهِ وقَدْرِهِ في الدِينِ، وبِحَسْبِ قَدْرِ الشَيْءِ الَّذِي يُكْرَهُ عَلَيْهِ، فَقَدْ يَكُونُ الضَرْبُ إكْراهًا في شَيْءٍ دُونَ شَيْءٍ، فَلِهَذِهِ النَوازِلِ فَقْهُ الحالِ، وأمّا يَمِينُ المُكْرَهِ كَما قُلْنا فَهي غَيْرُ لازِمَةٍ، قالَ ابْنُ الماجَشُونُ: وسَواءٌ حَلَفَ فِيما هو لِلَّهِ تَبارَكَ وتَعالى طاعَةٌ أو مَعْصِيَةٌ إذا أُكْرِهَ عَلى اليَمِينِ، قالَهُ أصْبَغُ، وقالَ مُطَرِّفٌ: إنْ أُكْرِهَ عَلى اليَمِينِ فِيما هو لِلَّهِ تَعالى مَعْصِيَةٌ أو فِيما لَيْسَ في فِعْلِهِ طاعَةٌ ولا مَعْصِيَةٌ فاليَمِينُ فِيهِ ساقِطَةٌ، إنْ أُكْرِهْ عَلى اليَمِينِ فِيما هو طاعَةٌ مِثْلَ أنْ يَأْخُذَ الوالِي رَجُلًا فاسِقًا فَيُكْرِهُهُ أنْ يَحْلِفَ بِالطَلاقِ أنْ لا يَشْرَبَ خَمْرًا، أو لا يَفْسُقُ، أو لا يَغُشُّ في عَمَلِهِ، أوِ الوالِدُ يُحَلِّفُ ولَدَهُ في مِثْلِ هَذا تَأْدِيبًا لَهُ فَإنَّ اليَمِينَ تَلْزَمُ وإنْ كانَ المُكْرَهُ قَدْ أخْطَأ فِيما تَكَلَّفَ مِن ذَلِكَ، وقالَ بِهِ ابْنُ حَبِيبٍ.

وأمّا إنْ أُكْرِهَ رَجُلٌ عَلى أنْ يَحْلِفَ وإلّا أُخِذَ لَهُ مالٌ -كَأصْحابِ المَكْسِ، وظَلَمَةِ السُعاةِ، وأهْلِ الِاعْتِداءِ- فَقالَ مُطَرِّفٌ: لا تَقِيَّةَ في ذَلِكَ، وإنَّما يَدْرَأُ المَرْءُ بِيَمِينِهِ عن بَدَنِهِ لا عن مالِهِ، وقالَ ابْنُ الماجَشُونُ: لا يَحْنَثُ وإنْ دَرَأ عن مالِهِ ولَمْ يَخَفْ عَلى بَدَنِهِ.

وقالَ ابْنُ القاسِمِ: بِقَوْلِ مُطَرِّفٍ، ورَواهُ عن مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ، وقالَهُ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ، وأصْبَغُ، وابْنُ حَبِيبٍ.

قالَ مُطَرِّفٌ، وابْنُ الماجَشُونُ: وإنْ بَدْرَ الحالِفُ بِيَمِينِهِ لِلْوالِي الظالِمِ قَبْلَ أنْ يَسْألَهُ لِيَذُبَّ بِها عَمّا خافَ عَلَيْهِ مِن بَدَنِهِ ومالِهِ فَحَلَفَ لَهُ فَإنَّها تَلْزَمُهُ، قالَهُ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ وأصْبَغُ، وقالَ أيْضًا ابْنُ الماجَشُونُ فِيمَن أخَذَهُ ظالِمٌ فَحَلَفَ لَهُ بِالطَلاقِ البَتَّةَ مِن غَيْرِ أنْ يُحَلِّفَهُ وتَرَكَهُ وهو كاذِبٌ، وإنَّما حَلَفَ خَوْفًا مِن ضَرْبِهِ وقَتْلِهِ أو أخْذِ مالِهِ، فَإنْ كانَ إنَّما يَتَبَرَّعُ بِاليَمِينِ غَلَبَةَ خَوْفٍ ورَجاءَ النَجاةِ مِن ظُلْمِهِ فَقَدْ دَخَلَ في الإكْراهِ ولا شَيْءَ عَلَيْهِ، وإنْ لَمْ يَحْلِفْ عَلى رَجاءِ النَجاةِ فَهو حانِثٌ، وإذا اتَّهَمَ الوالِي أحَدًا بِفِعْلِ أمْرٍ فَقالَ لَهُ: لا بُدَّ مِن عُقُوبَتِكَ إلّا أنْ تَحْلِفَ لِي، فَإنْ كانَ ذَلِكَ الأمْرُ مِمّا لِذَلِكَ المُكْرَهِ فِعْلُهُ -إمّا أنْ يَكُونَ طاعَةً، وإمّا أنْ يَكُونَ لا طاعَةَ ولا مَعْصِيَةَ- فالتَقِيَّةُ في هَذا، وأمّا إنْ كانَ الأمْرُ مِمّا لا يَحِلُّ لَهُ فِعْلُهُ ويَكُونُ حَظْرَ الوالِي فِيهِ صَوابًا فَلا تَقِيَّةَ في اليَمِينِ، وهو حانِثٌ، قالَهُ مالِكٌ، وابْنُ الماجَشُونُ.

فَهَذِهِ نُبْذَةٌ مِن مَسائِلِ الإكْراهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لما سبق التّحذير من نقض عهد الله الذي عاهدوه، وأن لا يغرّهم ما لأمّة المشركين من السّعة والرُبُو، والتحذير من زَلل القدم بعد ثبوتها، وبشروا بالوعد بحياة طيبة، وجزاء أعمالهم الصالحة من الإشارة إلى التّمسك بالقرآن والاهتداء به، وأن لا تغرّهم شُبه المشركين وفتونهم في تكذيب القرآن، عقب ذلك بالوعيد على الكفر بعد الإيمان، فالكلام استئناف ابتدائي.

ومناسبة الانتقال أن المشركين كانوا يحاولون فتنة الراغبين في الإسلام والذين أسلموا، فلذلك ردّ عليهم بقوله: ﴿ قل نزّله روح القدس ﴾ إلى قوله: ﴿ ليثبّت الذين آمنوا ﴾ [سورة النحل: 102]، وكانوا يقولون: ﴿ إنما يعلمه بشر ﴾ [سورة النحل: 103] فردّ عليهم بقوله: ﴿ لسان الذي يلحدون إليه أعجمي ﴾ [سورة النحل: 103].

وكان الغلام الذي عنوه بقولهم إنما يعلمه بشر } قد أسلم ثم فتنهُ المشركون فكفر، وهو جَبر مولى عامر بن الحَضرمي.

وكانوا راودوا نفراً من المسلمين على الارتداد، منهم: بلال، وخَبّاب بن الأرتّ، وياسر، وسُميّةُ أبَوَا عمار بن ياسر، وعمّارٌ ابنهما، فثبتوا على الإسلام.

وفتنوا عماراً فأظهر لهم الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان.

وفتنوا نفراً آخرين فكفروا، وذُكر منهم الحارث بن ربيعة بن الأسود، وأبو قيس بن الوليد بن المغيرة، وعلي بن أمية بن خلف، والعاصي بن منبّه بن الحجّاج، وأحسب أن هؤلاء هم الذين نزل فيهم قوله تعالى: على أن مضمون من كفر بالله من بعد إيمانه } مقابل لمضمون ﴿ من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن ﴾ [سورة النحل: 97]، فحصل الترهيب بعد الترغيب، كما ابتدئ بالتحذير تحفّظاً على الصالح من الفساد، ثم أعيد الكلام بإصلاح الذين اعتراهم الفساد، وفُتح باب الرخصة للمحَافظين على صلاحهم بقدر الإمكان.

واعلم أن الآية إن كانت تشير إلى نفَر كفروا بعد إسلامهم كانت مَن } موصولة وهي مبتدأ والخبر ﴿ فعليهم غضب من الله ﴾ .

وقرن الخبر بالفاء لأن في المبتدإ شبهاً بأداة الشرط.

وقد يعامل الموصول معاملة الشرط، ووقع في القرآن في غير موضع.

ومنه قوله تعالى: ﴿ إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنّم ﴾ [سورة البروج: 10]، وقوله تعالى: ﴿ والذين يكنزون الذهب والفضة ﴾ إلى قوله ﴿ فبشّرهم بعذاب أليم ﴾ في سورة براءة (34).

وقيل إن فريقاً كفروا بعد إسلامهم، كما رُوي في شأن جبر غلام ابن الحَضرمي.

وهذا الوجه أليق بقوله تعالى: ﴿ أولئك الذين طبع الله على قلوبهم ﴾ [سورة النحل: 108] الآية.

وإن كان ذلك لم يقع فالآية مجرّد تحذير للمسلمين من العود إلى الكفر، ولذلك تكون ﴿ مَن ﴾ شرطية، والشرط غير مراد به معيّن بل هو تحذير، أي مَن يَكْفروا بالله، لأن الماضي في الشرط ينقلب إلى معنى المضارع، ويكون قوله: ﴿ فعليهم غضب من الله ﴾ جواباً.

والتّحذير حاصل على كلا المعنيين.

وأما قوله: ﴿ إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ﴾ فهو ترخيص ومعذرة لِمَا صدر من عمار بن ياسر وأمثالِه إذا اشتدّ عليهم عذاب من فتنوهم.

وقوله: ﴿ إلا من أكره ﴾ استثناء من عموم ﴿ من كفر ﴾ لئلا يقع حكم الشرط عليه، أي إلا مَن أكرهه المشركون على الكفر، أي على إظهاره فأظهره بالقول لكنه لم يتغير اعتقاده.

وهذا فريق رخّص الله لهم ذلك كما سيأتي.

ومصحّح الاستثناء هو أن الذي قال قول الكفّار قد كفر بلفظه.

والاستدراك بقوله: ﴿ ولكن من شرح بالكفر صدراً ﴾ استدراك على الاستثناء، وهو احتراس من أن يفهم من الاستثناء أن المكره مرخّص له أن ينسلخ عن الإيمان من قلبه.

و ﴿ من شرح ﴾ معطوف ب ﴿ لكن ﴾ على ﴿ من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ﴾ ، لأنه في معنى المنفي لوقوعه عقب الاستثناء من المثبت، فحرف واختير فعليهم غضب} دون نحو: فقد غضب الله عليهم، لما تدلّ عليه الجملة الاسمية من الدوام والثبات، أي غضب لا مغفرة معه.

وتقديم الخبر المجرور على المبتدإ للاهتمام بأمرهم، فقدّم ما يدلّ عليهم، ولتصحيح الإتيان بالمبتدإ نكرة حين قصد بالتّنكير التعظيم، أي غضب عظيم، فاكتفي بالتنكير عن الصفة.

وأما تقديم ﴿ لهم ﴾ على ﴿ عذاب عظيم ﴾ فللاهتمام.

والإكراه: الإلجاء إلى فعل ما يُكْرَه فِعلُه.

وإنما يكون ذلك بفعل شيء تضيق عن تحمّله طاقة الإنسان من إيلام بالغ أو سجن أو قيد أو نحوه.

وقد رخّصت هذه الآية للمكره على إظهار الكفر أن يظهره بشيء من مظاهره التي يطلق عليها أنها كفر في عرف الناس من قول أو فعل.

وقد أجمع علماء الإسلام على الأخذ بذلك في أقوال الكفر، فقالوا: فمن أكره على الكفر غير جارية عليه أحكام الكفر، لأن الإكراه قرينة على أن كفره تقية ومصانعة بعد أن كان مسلماً.

وقد رخّص الله ذلك رفقاً بعباده واعتباراً للأشياء بغاياتها ومقاصدها.

وفي الحديث: أن ذلك وقع لعمار بن ياسر، وأنه ذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فصوّبه وقال له: «وإن عادوا لك فعُد».

وأجمع على ذلك العلماء.

وشذّ محمد بن الحسن فأجرى على هذا التظاهر بالكفر حكمَ الكفّار في الظاهر كالمرتدّ فيستتاب عن المِكنة منه.

وسوّى جمهور العلماء بين أقوال الكفر وأفعاله كالسجود للصنم.

وقالت طائفة: إن الإكراه على أفعال الكفر لا يبيحها.

ونُسب إلى الأوزاعي وسحنون والحسن البصري، وهي تفرقة غير واضحة.

وقد ناط الله الرخصة باطمئنان القلب بالإيمان وغفر ما سوّل القلب.

وإذا كان الإكراه موجب الرخصة في إظهار الكفر فهو في غير الكفر من المعاصي أولى كشرب الخمر والزنا، وفي رفع أسباب المؤاخذة في غير الاعتداء على الغير كالإكراه على الطلاق أو البيع.

وأما في الاهتداء على الناس من ترتّب الغُرْم فبين مراتب الإكراه ومراتب الاعتداء المكره عليه تفاوت، وأعلاها الإكراه على قتل نفس.

وهذا يظهر أنه لا يبيح الإقدام على القتل لأن التوعّد قد لا يتحقق وتفوت نفس القتيل.

على أن أنواعاً من الاعتداء قد يُجعل الإكراه ذريعة إلى ارتكابها بتواطوء بين المكرِه والمكرَه.

ولهذا كان للمكره بالكسر جانب من النظر في حمل التبعة عليه.

وهذه الآية لم تتعرّض لغير مؤاخذة الله تعالى في حقّه المحض وما دون ذلك فهو مجال الاجتهاد.

والخلاف في طلاق المكره معلوم، والتفاصيل والتفاريع مذكورة في كتب الفروع وبعض التفاسير.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ ﴾ ذَكَرَ الكَلْبِيُّ أنَّها نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي سَرْحٍ ومِقْيَسِ بْنِ صَبابَةَ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَطَلٍ وقَيْسِ بْنِ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ إلا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ ﴾ قالَ الكَلْبِيُّ: نَزَلَ ذَلِكَ في عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ وأبَوَيْهِ ياسِرٍ وسُمَيَّةَ وبِلالٍ وصُهَيْبٍ وخَبّابٍ، أظْهَرُوا الكُفْرَ بِالإكْراهِ وقُلُوبُهم مُطْمَئِنَّةٌ بِالإيمانِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَلَكِنْ مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا ﴾ وهم مِن تَقَدَّمَ ذِكْرُهم، فَإذا أُكْرِهَ عَلى الكُفْرِ فَأظْهَرَهُ بِلِسانِهِ وهو مُعْتَقِدٌ الإيمانَ بِقَلْبِهِ لِيَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ بِما أظْهَرَ، ويَحْفَظَ دِينَهُ بِما أضْمَرَ فَهو عَلى إيمانِهِ، ولَوْ لَمْ يُضْمِرْهُ لَكانَ كافِرًا.

وَقالَ بَعْضُ المُتَكَلِّمِينَ: إنَّما يَجُوزُ لِلْمُكْرَهِ إظْهارُ الكُفْرِ عَلَّ وجْهَ التَّعْرِيضِ دُونَ التَّصْرِيحِ الباتِّ.

لِقُبْحِ التَّصْرِيحِ بِالتَّكْذِيبِ وخَطَرِهِ في العُرْفِ والشَّرْعِ، كَقَوْلِهِ إنَّ مُحَمَّدًا كاذِبٌ في اعْتِقادِكم، أوْ يُشِيرُ لِغَيْرِهِ مِمَّنْ يُوافِقُ اسْمُهُ لِاسْمِهِ إذا عَرَفَ مِنهُ الكَذِبَ، وهَذا لَعَمْرِي أوْلى الأمْرَيْنِ، ولَمْ يَصِرِ المُكْرَهُ بِالتَّصْرِيحِ كافِرًا.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس قال: «لما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يهاجر إلى المدينة، قال لأصحابه: تفرقوا عني، فمن كانت به قوة فليتأخر إلى آخر الليل، ومن لم تكن به قوة فليذهب في أول الليل، فإذا سمعتم بي قد استقرت بي الأرض، فالحقوا بي.

فأصبح بلال المؤذن وخباب وعمار وجارية من قريش كانت أسلمت، فأصبحوا بمكة فأخذهم المشركون وأبو جهل، فعرضوا على بلال أن يكفر فأبى، فجعلوا يضعون درعاً من حديد في الشمس ثم يلبسونها إياه، فإذا ألبسوها إياه قال: أحد..

أحد..

وأما خباب، فجعلوا يجرونه في الشوك، وأما عمار فقال لهم كلمة أعجبتهم تقيةً، وأما الجارية، فوتد لها أبو جهل أربعة أوتاد ثم مدها فأدخل الحربة في قلبها حتى قتلها، ثم خلوا عن بلال وخباب وعمار، فلحقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه بالذي كان من أمرهم، واشتد على عمار الذي كان تكلم به.

فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف كان قلبك حين قلت الذي قلت: أكان منشرحاً بالذي قلت أم لا؟

قال: لا.

قال: وأنزل الله: ﴿ إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ﴾ » .

وأخرج عبد الرزاق وابن سعد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه، والبيهقي في الدلائل من طريق أبي عبيدة بن محمد بن عمار، عن أبيه قال: «أخذ المشركون عمار بن ياسر فلم يتركوه حتى سب النبي صلى الله عليه وسلم وذكر آلهتهم.

بخير، ثم تركوه فلما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: شر ما تركت حتى نلت منك وذكرت آلهتهم بخير قال: كيف تجد قلبك؟

قال: مطمئن بالايمان.

قال: إن عادوا فعد.

فنزلت ﴿ إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ﴾ » .

وأخرج ابن سعد عن محمد بن سيرين: «إن النبي لقي عماراً وهو يبكي، فجعل يمسح عن عينيه ويقول: أخذك الكفار فغطوك في الماء فقلت كذا وكذا...

فإن عادوا فقل ذلك لهم» .

وأخرج ابن سعد عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر في قوله: ﴿ إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ﴾ قال: ذلك عمار بن ياسر، وفي قوله: ﴿ ولكن من شرح بالكفر صدراً ﴾ قال: ذاك عبد الله بن أبي سرح.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر، عن أبي مالك في قوله: ﴿ إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ﴾ قال: نزلت في عمار بن ياسر.

وأخرج ابن أبي شيبة عن الحكم ﴿ إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ﴾ قال: نزلت في عمار.

وأخرج ابن جرير عن السدي، أن عبد الله بن أبي سرح أسلم ثم ارتد فلحق بالمشركين، ووشى بعمار وخباب عند ابن الحضرمي، أو ابن عبد الدار فأخذوهما وعذبوهما حتى كفرا، فنزلت ﴿ إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ﴾ .

وأخرج مسدد في مسنده وابن المنذر وابن مردويه، عن أبي المتوكل الناجي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عمار بن ياسر إلى بئر للمشركين يستقي منها، وحولها ثلاث صفوف يحرسونها، فاستقى في قربة ثم أقبل، فأخذوه فأرادوه على أن يتكلم بكلمة الكفر، فأنزلت هذه الآية فيه ﴿ إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن عساكر عن قتادة قال: ذكر لنا أن هذه الآية ﴿ إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ﴾ نزلت في عمار بن ياسر، أخذه بنو المغيرة فغطوه في بئر وقالوا: اكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم.

فاتبعهم على ذلك وقلبه كاره فنزلت.

وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن سيرين قال: نزلت هذه الآية ﴿ إلا من أكره ﴾ في عياش بن أبي ربيعة.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد قال: نزلت هذه الآية في أناس من أهل مكة آمنوا، فكتب إليهم بعض الصحابة بالمدينة: أن هاجروا فإنا لا نرى أنكم منا حتى تهاجروا إلينا، فخرجوا يريدون المدينة فأدركتهم قريش في الطريق ففتنوهم، فكفروا مكرهين، ففيهم نزلت هذه الآية.

وأخرج ابن سعد عن عمر بن الحكم قال: كان عمار بن ياسر يعذب حتى لا يدري ما يقول، وكان صهيب يعذب حتى لا يدري ما يقول، وكان أبو فكيهة يعذب حتى لا يدري ما يقول، وبلال وعامر وابن فهيرة وقوم من المسلمين، وفيهم نزلت هذه الآية ﴿ ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه من طريق علي، عن ابن عباس في قوله: ﴿ من كفر بالله ﴾ الآية، قال: أخبر الله سبحانه أن ﴿ من كفر بالله من بعد إيمانه ﴾ فعليه غضب من الله وله عذاب عظيم، فأما من أكره، فتكلم بلسانه وخالفه قلبه بالإيمان لينجو بذلك من عدوه، فلا حرج عليه، لأن الله سبحانه إنما يؤاخذ العباد بما عقدت عليه قلوبهم.

وأخرج ابن جرير عن عكرمة والحسن البصري قالا في سورة النحل ﴿ من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم ﴾ ثم نسخ واستثنى من ذلك فقال: ﴿ ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم ﴾ وهو عبد الله بن أبي سرح الذي كان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأزله الشيطان فلحق بالكفار، فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم أن يقتل يوم فتح مكة، فاستجار له أبو بكر وعمر وعثمان بن عفان فأجاره النبي صلى الله عليه وسلم.

وأخرج ابن مردويه من طريق عكرمة عن ابن عباس مثله.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن قتادة في قوله: ﴿ إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا...

﴾ الآية، قال: ذكر لنا أنه لما أنزل الله أن أهل مكة لا يقبل منهم إسلام حتى يهاجروا، كتب بها أهل المدينة إلى أصحابهم من أهل مكة فخرجوا فأدركهم المشركون فردوهم، فأنزل الله: ﴿ الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ﴾ [ العنكبوت: 1-2] فكتب بهذا أهل المدينة إلى أهل مكة، فلما جاءهم ذلك تبايعوا على أن يخرجوا، فإن لحق بهم المشركون من أهل مكة قاتلوهم حتى ينجوا أو يلحقوا بالله، فخرجوا فأدركهم المشركون فقاتلوهم، فمنهم من قتل ومنهم من نجا.

فأنزل الله: ﴿ ثم إن ربك للذين هاجروا...

﴾ الآية.

وأخرج عبد بن حميد عن الشعبي نحوه.

وأخرج ابن مردويه والبيهقي في سننه، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نزلت هذه الآية فيمن كان يفتن من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ﴾ .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان قوم من أهل مكة قد أسلموا وكانوا يستخفون بالإسلام، فنزلت فيهم ﴿ ثم إن ربك للذين هاجروا...

﴾ الآية، فكتبوا إليهم بذلك أن الله قد جعل لكم مخرجاً فاخرجوا.

فأدركهم المشركون فقاتلوهم حتى نجا من نجا وقتل من قتل.

وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن رضي الله عنه، «أن عيوناً لمسيلمة أخذوا رجلين من المسلمين فأتوه بهما، فقال لأحدهما: أتشهد أن محمداً رسول الله؟

قال: نعم.

قال: أتشهد أني رسول الله؟

فأهوى إلى أذنيه فقال: إني أَصَمّ.

فأمر به فقتل.

وقال للآخر: أتشهد أن محمداً رسول الله؟

قال: نعم.

قال: أتشهد أني رسول الله؟

قال: نعم.

فأرسله...

فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال: أما صاحبك فمضى على إيمانه، وأما أنت فأخِذْتَ الرخصة» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ﴾ قال: نزلت في عياش بن أبي ربيعة، أحد بني مخزوم، وكان أخا أبي جهل لأمه، وكان يضربه سوطاً وراحلته سوطاً.

وأخرج ابن جرير عن أبي إسحاق في قوله: ﴿ ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ﴾ قال: نزلت هذه الآية في عمار بن ياسر وعياش بن أبي ربيعة والوليد بن أبي ربيعة والوليد بن الوليد رضي الله عنهم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ ﴾ الآية.

أكثر المفسرين على أن الآية نزلت في عمار بن ياسر؛ أخذه المشركون فلم يتركوه حتى سَبَّ النبيّ -  - وذكر آلهتم بخير ثم تركوه، فلما أتى رسول الله -  - قال: "ما وراءك؟

قال: شَرٌّ يا رسول الله، ما تُرِكتُ حتى نِلتُ مِنْك، وذكرتُ آلهتم بخير.

قال: كيف تجد قلبك؟

قال: مطمئنًا بالإيمان.

قال: إن عادوا لك فعد لهم بما قلت" (١) واختلفوا في محل (مَنْ) مِن الإعراب، فقال الأخفش: هو ابتداء، وخبره محذوف مكتفى منه بخبر (مَنْ) الثانية في قوله: ﴿ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا ﴾ (٢) (٣) (٤) ﴿ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ ﴾ ثم استثنى فقال: ﴿ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ ﴾ : على الكفر، يكفر بلسانه وقلبه مطمئن (٥) (٦) (٧) (٨) ﴿ فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ ﴾ خبر قوله: ﴿ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا ﴾ ، أي: فتحه ووسعه لقبول (٩) (١٠) (١١) (١٢) (١) أخرجه ابن سعد 3/ 249 بنصه، وعبد الرزاق 2/ 360، بنحوه، والطبري 14/ 181، بنحوه عن ابن عباس من طريق العوفي ضعيفة، وأخرجه بنحوه عن قتادة وأبي مالك وغيرهما، والحاكم 2/ 357 بنصه، وصححه وقال: على شرط الشيخين، والبيهقي: المرتد/المكره على الردة (8/ 208) بنصه، وورد بنحوه في "تفسير السمرقندي" 2/ 252، وهود الهواري 2/ 390، والثعلبي 2/ 164 ب، عن ابن عباس، والطوسي 6/ 428، وانظر: "أسباب النزول" للواحدي ص 288، عن ابن عباس، و"تفسير البغوي" 5/ 45، عن ابن عباس، والزمخشري 2/ 345، و"تفسير القرطبي" 10/ 180، عن ابن عباس، والخازن 3/ 136، وابن كثير 2/ 647، عن ابن عباس، و"الدر المنثور" 4/ 248، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه.

(٢) "معاني القرآن للأخفش" 2/ 608، بمعناه، وانظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 164 ب، بنحوه بلا نسبة.

(٣) ورد بنصه في "تفسير الطبري" 14/ 180، والثعلبي 2/ 164 ب، والطوسي 6/ 428، ومعناه: من يحسن ممن يأتينا نكرمه.

(٤) وتقديره: إنما يفتري الكذب من كفر بالله من بعد إيمانه، وقد رده الطبري، وقال: هذا قول لا وجه له، وحجته أن ذلك يقتضي تخصيص وصف افتراء الكذب بمن آمن ثم ارتد دون من نشأ على الكفر أصلاً، ودلل على ذلك أن الآية جاءت في سياق الرد على الذين نسبوا الكذب والافتراء إلى رسول الله -  - في الآية السابقة، وهم الكفار الأصليون.

انظر: "تفسير الطبري" 14/ 181.

(٥) في (أ)، (د) زيادة (واو): (ومطمئن).

(٦) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 219، بتصرف يسير.

(٧) في (أ)، (د): (أن).

(٨) أخرجه الطبري 14/ 182 بنصه من طريق ابن أبي طلحة صحيحة، والبيهقي: المرتد/ المكره على الردة (8/ 209) بنصه، و"الدر المنثور" 4/ 250، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.

(٩) في (أ)، (د): (لقول)، والمثبت من (ش)، (ع) أصح.

(١٠) ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 165 أ، بنحوه، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 46، و"تفسير القرطبي" 10/ 182.

(١١) وهذا القول هو قول جمهور العلماء خلافًا للحنفية، وقد ذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 165 أ، ونسبه أيضًا إلى بعض الصحابة ومالك والأوزاعي، انظر: بسط المسألة في "تفسير الجصاص" 3/ 192، و"المحلى" 8/ 331، و"تفسير ابن العربي" 3/ 1180، و"المجموع" 17/ 65، و"المغني" 10/ 350، و"تفسير القرطبي" 10/ 184، و"رفع الحرج في الشريعة الإسلامية" ص 246، و"الإكراه وأثره في التصرفات الشرعية" ص 196، و"عوارض الأهلية عند الأصوليين" ص 496.

(١٢) ذكره الثعلبي 2/ 164 ب، بنحوه.

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ مَن كَفَرَ بالله ﴾ الآية: من شرطية في موضع رفع بالابتداء، وكذلك من في قوله من شرح، لأنه تخصيص من الأول، وقوله: ﴿ فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ ﴾ : جواب على الأولى والثانية، لأنهم بمعنى واحد أو يكون جواباً للثانية، وجواب الأولى محذوف يدل عليه جواب الثانية، وقيل: من كفر بدل من الذين لا يؤمنون أو من المبتدأ في قوله أولئك هم الكاذبون، أو من الخبر ﴿ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ ﴾ استثنى من قوله من كفر، وذلك أن قوماً ارتدوا عن الإسلام، فنزلت فيهم الآية، وكان فيهم من أكره على الكفر فنطق بكلمة الكفر، وهو يعتقد الإيمان منهم عمار بن ياسر، وصهيب، وبلال فعذرهم الله.

روي أن عمار بن ياسر شكى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما صنع به من العذاب وما تسامح به من القول، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كيف تجد قلبك؟

قال أجده مطمئناً بالإيمان، قال فأجبهم بلسانك، فإنه لا يضرك» وهذا الحكم في من أكره بالنطق على الكفر، وأما الإكراه على فعل هو كفر كالسجود للصنم فاختلف هل تجوز الإجابة إليه أم لا؟

فأجازه الجمهور، ومنعه قوم وكذلك قال مالك: لا يلزم المكره يمين ولا طلاق ولا عتق ولا شيء فيما بينه وبين الله، ويلزمه ما كان من حقوق الناس، ولا تجوز الإجابة إليه كالإكراه على قتل أحد أو أخذ ماله.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ بما ينزل ﴾ من الإنزال.

ابن كثير وأبو عمرو ﴿ يلحدون ﴾ بفتح الياء والحاء: حمزة وعلي وخلف.

﴿ فتنوا ﴾ مبنياً للفاعل: ابن عامر.

﴿ والخوف ﴾ بالنصب: عباس ﴿ إبراهام ﴾ هشام وما بعده والأخفش عن ابن ذكوان.

﴿ في ضيق ﴾ بالكسر: ابن كثير وكذلك في "النمل".

الآخرون بالفتح.

الوقوف: ﴿ مكان آية ﴾ لا لأن جواب "إذا" هو "قالوا" وقوله: ﴿ والله أعلم بما ينزل ﴾ جملة معترضة ﴿ مفتر ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ للمسلمين ﴾ ه ﴿ بشر ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ بآيات الله ﴾ لا لأن ما بعده خبر "إن" ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ بآيات الله ﴾ ج لاختلاف الجملتين مع العطف ﴿ الكاذبون ﴾ ه ﴿ غضب من الله ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتصال المعنى.

﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ على الآخرة ﴾ لا للعطف ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ وأبصارهم ﴾ ط لاختلاف الجملتين ﴿ الغافلون ﴾ ه ﴿ الخاسرون ﴾ ه ﴿ وصبروا ﴾ لا لأن "إن" الثانية تكرار الأولى لطول الكلام بصلته وخبرهما واحد ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ لا يظلمون ﴾ ه ﴿ يصنعون ﴾ ه ﴿ ظالمون ﴾ ه ﴿ طيباً ﴾ ص لعطف المتفقتين ﴿ تعبدون ﴾ ه ﴿ لغير الله به ﴾ ج ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ على الله الكذب ﴾ ط ﴿ لا يفلحون ﴾ ط، ه ﴿ قليل ﴾ ص لعطف المتفقتين ولا سيما إذا قدر لهم متاع ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ من قبل ﴾ ج لابتداء النفي مع العطف ﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ وأصلحوا ﴾ لا لما مر ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ حنيفاً ﴾ ط ﴿ من المشركين ﴾ ه لا لأن ﴿ شاكر ﴾ وصف آخر أو بدل من ﴿ حنيفاً ﴾ ﴿ لا نعمة ﴾ ط ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ حسنة ﴾ ط ﴿ الصالحين ﴾ ط ه لأن "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ حنيفاً ﴾ ط ه ﴿ المشركين ﴾ ط ه ﴿ اختلفوا فيه ﴾ ط ﴿ يختلفون ﴾ ه ﴿ أحسن ﴾ ط ﴿ بالمهتدين ﴾ ه ﴿ عوقبتم به ﴾ ط ﴿ للصابرين ﴾ ه ﴿ يمكرون ﴾ ه ﴿ محسنون ﴾ ه.

التفسير: هذا شروع في حكاية شبهات منكري نبوة محمد  .

قال ابن عباس: كان إذا أنزلت آية فيها شدة ثم نزلت آية ألين منها قالت كفار قريش: إن محمداً يسخر من أصحابه يأمره اليوم بأمر وينهاهم عنه غداً وإنه لا يقول هذه الأشياء إلا من عند نفسه فنزل: ﴿ وإذا بدلنا ﴾ ومعنى التبديل رفع الشيء مع وضع غيره مكانه، وتبديل الآية رفعها بآية أخرى غيرها وهو نسخها بآية سواها.

﴿ والله أعلم بما ينزل ﴾ شيئاً فشيئاً على حسب المصالح مغلظاً ثم مخففاً أو بالعكس ﴿ بل أكثرهم لا يعلمون ﴾ فوائد النسخ والتبديل.

قال أبو مسلم: أراد تبديل آية مكان آية في الكتب المتقدمة مثل آية تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة.

وسائر العلماء أطبقوا على أن المراد بهذا التبديل النسخ.

ونقل عن الشافعي أن القرآن لا ينسخ بالسنة لأنه  أخبر بتبديل مكان الآية.

وضعف بأنه لا يلزم من وجود التبديل بالآية نفي التبديل بغيرها كالسنة المتواترة إذ لا دلالة في الآية على الحصر، وقد مر مباحث النسخ مفصلة مستوفاة في سورة البقرة.

﴿ قل نزله ﴾ أي القرآن ﴿ روح القدس ﴾ هو جبرائيل والإضافة للمبالغة مثل "حاتم الجود".

والمراد الروح المقدس المطهر عن دنس المأثم ﴿ من ربك ﴾ صلة نزله أي ابتداء تنزيله من عنده.

وقوله: ﴿ بالحق ﴾ حال أي متلبساً بالحكمة والصواب.

﴿ ليثبت الذين آمنوا ﴾ كقوله: ﴿ وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً  ﴾ فيقول كل من الناسخ والمنسوخ من عند ربنا وكل منهما في وقته خير وصلاح لأن الذي نزله حكيم لا يفعل إلا ما هو خير في أوانه وصواب بالنسبة إلى المكلف حين ما يكلف به.

﴿ وهدى وبشرى ﴾ معطوفان على محل ﴿ ليثبت ﴾ أي تثبيتاً لهم وإرشاداً وبشارة، وفيه تعريض بحصول أضداد هذه الخصال لغيرهم.

ثم حكى شبهة أخرى عنهم.

كانوا يقولون: إن محمداً يستفيد القصص والأخبار من إنسان آخر ويتعلمها منه.

واختلف في ذلك البشر فقيل كان غلاماً لحويطب بن عبد العزى قد أسلم وحسن إسلامه اسمه عائش ويعيش وكان صاحب كتب.

وقيل: هو جبر غلام رومي كان لعامر بن الحضرمي.

وقيل: عبدان جبر ويسار كانا يصنعان السيوف بمكة ويقرآن التوراة والإنجيل، وكان رسول الله  إذا مر وقف عليهما يسمع ما يقرآن فقالوا يعلمانه.

وقيل: هو سلمان الفارسي.

ثم أجاب عن شبهتهم فقال مستأنفاً ﴿ لسان الذي ﴾ واللسان اللغة والمعنى لسان الرجل الذي ﴿ يلحدون ﴾ يميلون قولهم عن الاستقامة ﴿ إليه ﴾ لسان ﴿ أعجمي ﴾ غير بيّن ﴿ وهذا ﴾ القرآن ﴿ لسان عربي مبين ﴾ ذو بيان وفصاحة وقد مر في آخر "الأعراف" أن تركيب الإلحاد يدل على الإمالة ومنه الملحد لأنه أمال مذهبه عن الأديان كلها.

قال أبو الفتح الموصلي: تركيب ع ج م يدل على الإبهام والخفاء ضد البيان والإفصاح، ومنه "عجم الزبيب" لاستتاره وخفاته، والعجماء البهيمة، وصلاة الظهر والعصر عجماوان لأن القراءة فيهما سرية، وأعجمت الكتاب أي أزلت عجمته.

ثم إن العرب تسمي كل من لا يعرف لسانهم ولا يتكلم بلغتهم أعجمياً وقالوا: زياد الأعجم لأنه كان في لسانه عجمة مع أنه كان عربياً.

وحاصل الجواب هبوا أن محمداً يتعلم المعاني من ذلك الرجل إلا أنه لا يقدح في المقصود لأن القرآن بفصاحته اللفظية أيضاً معجز.

ولما ذكر جوابهم وبخهم وهددهم بقوله: ﴿ إن الذين لا يؤمنون بآيات الله لا يهديهم الله ﴾ يعني أن سبب عدم إيمانهم هو أن الله لا يهديهم كقوله: ﴿ ختم الله على قلوبهم  ﴾ .

وفسره الإمام فخر الدين بأن الله لا يهديهم إلى طريق الجنة بل يسوقهم إلى النار.

وهذا التفسير يناسب أصول المعتزلة فلا أدري كيف مال إليه.

ثم لما بين أنهم ليسوا مظاهر اللطف وكان قد بنى الأمر في جوابهم على تسليم ما ادعى الخصم من أنه يتعلم من ذلك البشر، أراد أن يبين أن الذي قالوا غير صحيح ولا صادق في نفس الأمر فقال: ﴿ إنما يفتري الكذب ﴾ وفيه أيضاً رد لقولهم ﴿ إنما أنت مفتر ﴾ الافتراء ﴿ وأولئك ﴾ إشارة إلى قريش أو إلى الذين لا يؤمنون أي هم الذين لا يؤمنون فهم الكاذبون أي هم الكاذبون على الحقيقة الكاملون في الكذب، لأن تكذيب آيات الله أعظم الكذب، أو هم الذين من شأنهم الكذب وذلك هجيراهم لا يحجبهم عنه مروءة ولا دين، أو أولئك هم الكاذبون في قولهم: ﴿ إنما أنت مفتر  ﴾ ومما يدل على كذبهم عقلاً أنهم أعداء له وكلام العدا ضرب من الهذيان ولا شهادة لمتهم.

وأيضاً إن أمر التعليم والتعلم لا يتم في مجلس واحد ولكنه يحتاج إلى أزمنة متمادية، ولو كان كذلك لاشتهر وانتشر.

وأيضاً إن العلوم الموجودة في القرآن كثيرة، والمعلم يجب أن يكون أعلى حالاً من المتعلم.

فلو كان مثل هذا العالم الذي يتعلم منه مثل النبي  موجوداً في ذلك العصر لم يخف حاله ومال الناس إليه دون النبي.

قال بعض علماء المعاني: عطف الجملة الاسمية التي هي قوله: ﴿ وأولئك هم الكاذبون ﴾ على ما قبلها وهي فعلية، دالة على أن من أقدم على الكذب فإنه دخل في الكفر تنبيهاً على أن صفة الكفر فيهم ثابتة راسخة كما تقول: كذبت وأنت كاذب.

زيادة في الوصف بالكذب على سبيل الاستمرار والاعتياد.

ولا افتراء أعظم من إنكار الإلهية والنبوة.

روي أن النبي  قيل له: هل يكذب المؤمن؟

قال: لا.

وقرأ هذه الآية.

ثم إنه  من كمال عنايته أراد أن يفرق بين الكفر اللساني وحده وبين اللساني المنضم إليه القلبي فقال: ﴿ من كفر بالله ﴾ اختلف العلماء في إعرابه؛ فالأكثرون على أنه بدل إما من ﴿ الذين لا يؤمنون بآيات الله ﴾ وما بينهما اعتراض والمعنى إنما يفتري الكذب من كفر.

واستثنى منهم المكره فلم يدخل تحت حكم الافتراء، ثم قال: ﴿ ولكن من شرح بالكفر صدراً ﴾ أي طاب منه نفساً واعتقده ﴿ فعليهم غضب ﴾ وإما من المبتدأ الذي هو ﴿ أولئك ﴾ أو من الخبر الذي هو ﴿ الكاذبون ﴾ .

وقيل: منصوب على الذم أي أخص وأعني من كفر.

وجوّز بعضهم أن تكون "من" شرطية والجواب محذوف لأن جواب من شرح دال عليه كأنه قيل: من كفر فعليه غضب إلا من أكره ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب.

وإنما صح استثناء المكره من الكافر مع أنه ليس بكافر لأنه ظهر منه بعد الإيمان ما مثله يظهر من الكافر طوعاً فلهذه المشاكلة صح الاستثناء.

قال ابن عباس: نزلت في عمار بن ياسر، وذلك أن المشركين أخذوه وأباه ياسراً وأمه سمية وصهيباً وبلالاً وخباباً وسالماً فعذوبهم.

فأما سمية فإنها ربطت بين بعيرين ووجيء قبلها بحربة وقيل لها إنك أسلمت من أجل الرجال وقتلت وقتل زوجها ياسر وهما أول قتيلين في الإسلام.

وأما عمار فإنه أعطاهم ما أرادوا بلسانه مكرهاً فأخبر رسول الله  بأن عماراً كفر فقال: كلا إن عماراً ملىء إيماناً من قرنه إلى قدمه واختلط الإيمان بلحمه ودمه.

فأتى عمار رسول الله  وهو يبكي فجعل رسول الله  يمسح عينيه وقال  : "إن عادوا لك فعد لهم بما قلت." فمن هنا حكم العلماء بأن الإكراه يجوّز التلفظ بكلمة الكفر.

وحدّ الإكراه أن يعذبه بعذاب لا طاقة له به كالتخويف بالقتل والضرب الشديد وسائر الإيلامات القوية.

وأجمعوا على أن قلبه عند ذلك يجب أن يكون متبرئاً عن الرضا بالكفر وأن يقتصر على التعريض ما أمكن مثل أن يقول: إن محمداً كذاب يعني عند الكفار.

أو يعني به محمداً آخر، أو يذكره على نية الاستفهام بمعنى الإنكار.

وإذا أعجله من أكرهه عن إحضار هذه النية أو لأنه لما عظم خوفه زال عن قلبه ذكر هذه النية كان ملوماً وعفو الله متوقع.

ولو ضيق المكره عليه حتى صرح بالكفر من غير تورية وطلب منه أن يقول لا أريد بقلبي سوى ما أذكره بلساني فههنا يتعين إما الكذب وإما توريط النفس للعذاب.

فمن الناس من قال: يباح له الكذب حينئذ.

ومنهم من قال: ليس له ذلك.

واختاره القاضي لأن الكذب إنما يقبح لكونه كذباً فوجب أن يقبح على كل حال.

ولو خرج الكذب عن القبح لرعاية بعض المصالح لم يمتنع أن يفعل الله الكذب لمصلحة ما فلا يبقى وثوق بوعده وبوعيده.

وللإكره مراتب منها: أن يجب الفعل المكره عليه كما لو أكرهه على شرب الخمر وأكل الميتة لما فيه من صون النفس مع عدم إضرار بالغير ولا إهانة لحق الله.

ومنها أن يصير الفعل مباحاً لا واجباً كما لو أكره على التلفظ بكلمة الكفر لما روي أن بلالاً صبر على العذاب وكان يقول: أحد أحد حتى ملوه وتركوه ولم يقل رسول الله  بئسما فعلت بل عظمه، ولأن في ترك التقية والصبر على القتل أو التعذيب إعزازاً للإسلام.

ومنها أنه لا يجب ولا يباح بل يحرم كما إذا أكره على قتل إنسان أو على قطع عضو من أعضائه فههنا يبقى الفعل على الحرمة الأصلية.

وحينئذ لو قتل فللعلماء قولان: أحدهما لا يلزم القصاص وبه قال أبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه لأنه قتل دفعاً عن نفسه فأشبه قتل الصائل، ولأنه كالآلة للمكره ولذلك وجب القصاص على المكره وثانيهما - وبه قال أحمد والشافعي في أصح قوليه - أن عليه القصاص لأنه قتله عدواناً لاستبقاء نفسه فصار كما لو قتل المضطر إنساناً فأكله.

ومن الأفعال ما لا يمكن الإكراه عليه وهو الزنا لأن الإكراه يوجب الخوف الشديد وذلك يمنع من انتشار الآلة، فلو دخل الزنا في الوجود علم أنه وقع بالاختيار لا بالإكراه.

والأصح أن الإكراه فيه متصوّر، وأن الحد يسقط حينئذ، وعن أبي حنيفة أنه إن أكرهه السلطان لم يجب الحد، وإن أكرهه بعض الرعية وجب.

قال بعض الأصوليين: في قوله: ﴿ وقلبه مطمئن بالإيمان ﴾ دلالة على أن محل الإيمان هو القلب فهو إما الاعتقاد إن كان الإيمان معرفة، وإما كلام النفس إن كان تصديقاً.

وانتصاب ﴿ صدراً ﴾ على التمييز وأصله.

ولكن من شرح بالكفر صدره.

فعدل إلى النصب للمبالغة ولبناء الكلام على الإبهام ثم التفسير.

قوله: ﴿ ذلك بأنهم ﴾ أي ذلك الارتداد بسبب أنهم رجحوا ﴿ الدنيا على الآخرة ﴾ ولأجل أنه  ما هداهم إلى الإيمان ولم يعصمهم عن الكفر.

وقال جار الله: ذلك الوعيد والغضب والعذاب بسبب استحقاقهم خذلان الله بكفرهم.

وهذا البحث وكذا بحث الطبع والختم والخلاف في تفسيره بين الأشاعرة والمعتزلة قد مر في أول سورة البقرة وفي غيرها فلا حاجة إلى الإعادة.

﴿ وأولئك هم الغافلون ﴾ أي الكاملون في الغفلة إذ غفلوا عن تدبر العواقب ﴿ لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون ﴾ وقال في أوائل سورة هود ﴿ هم الأخسرون  ﴾ لأن أولئك صدوا عن سبيل الله وصدوا غيرهم فضلوا وأضلوا لذلك ضوعف لهم العذاب فهم الأخسرون، وهؤلاء صدوا بأنفسهم فهم الخاسرون.

ويمكن أن يقال: إن ما قبل الفواصل في تلك السورة لم يعتمد على ألف قبلها مثل "يبصرون" "يفترون".

وفي هذه السورة اعتمدت على الألف مثل "الكافرين" الكاذبون" فجاء في كل سورة على ما يناسبها.

ولما ذكر حال من أكره أتبعه حال من هاجر من بعد ما فتن.

قال جار الله: معنى ﴿ ثم إن ربك ﴾ تباعد حال هؤلاء من حال عمار وأصحابه.

ومعنى ﴿ إن ربك لهم ﴾ أنه لهم لا عليهم فينصرهم ولا يخذلهم.

ويحتمل أن يكون الجار متعلقاً بالخبر على نية التأخير.

وتكرير "إن" لطول الكلام.

من قرأ ﴿ من بعد ما فتنوا ﴾ بفتح الفاء مبنياً للفال فوجهه أن فتن وافتتن بمعنى واحد والمراد أن أولئك الضعفاء لما ذكروا كلمة الكفر على سبيل التقية فكأنهم فتنوا أنفسهم لأن الرخصة في إظهار كلمة الكفر ما نزلت بعد، أو أراد أن أكابر المشركين الذين آذوا فقراء المسلمين لو تابوا وهاجروا وصبروا فإن الله يقبل توبتهم، ومعنى "ثم" على هذا التفسير ظاهر.

ومن قرأ بضم الفاء مبنياً للمفعول فالمراد أن المستضعفين المعذبين الذين حملهم أقوياء المشركين على الردة والرجوع عن الإيمان إن هاجروا وجاهدوا وصبروا فإن الله يغفر لهم تكلمهم بكلمة الكفر.

وقال الحسن: هؤلاء الذين هاجروا من المؤمنين كانوا بمكة فعرضت لهم فتنة فارتدوا وشكوا في الرسول ثم أسلموا وهاجروا فنزلت الآية فيهم.

فمعنى "ثم" تبعيد حالة الغفران والرحمة عن حالة الارتداد والشك في أمر الرسول إلا أنه  بكرمه يغفر لهم إذا تابوا.

وقيل: نزلت في عبد الله بن أبي سرح ارتد، فلما كان يوم الفتح أمر النبي  بقتله فاستجار له عثمان فأجاره رسول الله  ، ثم إنه أسلم وحسن إسلامه.

وهذه الرواية إنما تصح لو جعلنا الآية مدنية.

ومثله ما روي عن قتادة أنه لما أنزل الله أن أهل مكة لا يقبل منهم إسلام حتى يهاجروا كتب بها أهل المدينة إلى أصحابهم من أهل مكة، فلما جاءهم ذلك خرجوا فلحقهم المشركون فردوهم فنزلت: ﴿ ألم، أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون  ﴾ فكتبوا بها إليهم فتبايعوا بينهم على أن يخرجوا فإن لحق بهم المشركون من أهل مكة قاتلوهم حتى ينجوا أو يلحقوا بالله، فأدركهم المشركون فقاتلوهم، فمنهم من قتل ومنهم من نجا فأنزلت هذه الآية.

والضمير في قوله: ﴿ من بعدها ﴾ يرجع إلى الأفعال المذكورة من الهجرة والجهاد والصبر.

فالحاصل أن الآية إما نازلة فيمن عذب فلم يرتد ومع ذلك هاجر وجاهد، وإما نازلة فيمن أظهر الكفر تقية فبين  أن حاله إذا هاجر وجاهد وصبر كحال من لم يكن كذلك، وإما نازلة فيمن ارتد ثم تاب وقام بما يجب القيام به فوعده الله المغفرة والرحمة.

قال الزجاج ﴿ يوم تأتي ﴾ منصوب بقوله: ﴿ رحيم ﴾ أو بإضمار "اذكر" أو "ذكرهم وأنذرهم" ومعنى الآية ظاهر إلا أن في قوله: ﴿ عن نفسها ﴾ إشكالاً من حيث إضافته النفس إلى ضمير النفس.

وأجيب بأن المراد بالنفس الأولى جملة بدن الحي، وبالنفس الثانية الذات فكأنه قيل: يوم يأتي كل إنسان يجادل عن ذاته لا يهمه شأن غيره.

ومعنى المجادلة عنها الاعتذار عنها كقولهم ﴿ هؤلاء أضلونا  ﴾ ﴿ ما كنا مشركين  ﴾ ونحو ذلك.

عن بعضهم: تزفر جهنم زفرة لا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا جثا لركبتيه يقول: يا رب نفسي حتى إن إبراهيم الخليل  يفعل ذلك.

ثم أوعد الكفار بآفات الدنيا أيضاً فقال: ﴿ وضرب الله مثلاً قرية ﴾ يحتمل أن تكون مقدرة وأن تكون معينة موجودة إما مكة أو غيرها.

وذهب كثير من المفسرين إلى أنها مكة والأقرب أنها غيرها لأن مثل مكة يكون غير مكة فضربها الله مثلاً لمكة إنذاراً من مثل عاقبتها.

قال العقلاء: ثلاثة ليس لها نهاية: الأمن والصحة والكفاية.

فوصف الله  تلك القرية بالأمن ثم بالاطمئنان إشارة إلى أن هواء ذلك البلد لاعتداله ملائم لأمزجة أهله حتى اطمأنوا واستقروا ولم يحوجوا إلى الانتقال طلباً للصحة.

ثم قال: ﴿ يأتيها رزقها رغداً من كل مكان ﴾ دلالة على حصول الكفاف لهم بأيسر وجه.

قال الكشاف: الأنعم جمع نعمة على ترك الاعتداد بالتاء كدرع وأدرع، أو جمع نعم كبؤس وأبؤس.

قلت: لعله حمله على ذلك طلب الضبط وإلا فلا حاجة إلى هذا التكلف.

وكذا أطلق الأكثرون أن جمع "فعلة" يجيء على "أفعل".

قيل: إنما ذكر جمع القلة تنبيهاً بالأدنى على الأعلى، يعني أن كفران النعمة القليلة يوجب العذاب فكيف بكفران النعم الكثيرة العظيمة.

وهذا مثل لأهل مكة كانوا في الأمن والطمأنينة والخصب ثم أنعم الله عليهم بالنعمة العظيمة - وهو محمد  - فكفروا بها وبالغوا في إيذائه فسلط الله عليهم البلاء.

عذبهم بالجوع سبع سنين حتى أكلوا الجيف والعظام والعلهز والفرو، وكان النبي  يبعث إليهم السرايا فيغيرون عليهم.

نقل أن ابن الراوندي قال لابن الأعرابي الأديب: هل يذاق اللباس؟

قال ابن الأعرابي: لا بأس أيها النسناس هب أن محمداً  ما كان نبياً أما كان عربياً؟

كأنه طعن في الآية أن المناسب هو أن لو قيل: "فكساها الله لباس الجوع" أو "فأذاقها الله طعم الجوع" فردّ عليه ابن الأعرابي.

والذي أجاب به علماء البيان أن هذا من تجريد الاستعارة، وذلك أنه استعار اللباس لما غشي الإنسان من بعض الحوادث كالجوع والخوف لاشتماله عليه اشتمال اللباس على اللابس، ثم ذكر الوصف ملائماً للمستعار له وهو الجوع والخوف، لأن إطلاق الذوق على إدراك الجوع والخوف جرى عندهم مجرى الحقيقة فيقولون: ذاق فلان البؤس والضر وأذاقه غيره.

فكانت الاستعارة مجردة.

ولو قال: "فكساها" كانت مرشحة، وقد سلف منا تقرير هذا الاصطلاح في المقدمة التاسعة من مقدمات الكتاب.

وترشيح الاستعارة وإن كان مستحسناً من جهة المبالغة إلا أن للتجريد ترجيحاً من حيث إنه روعي جانب المستعار له فازداد الكلام وضوحاً.

وقيل: إن أصل الذوق بالفم ثم قد يستعار فيوضع موضع التعرّف والاختبار فتقول: أناظر فلاناً فأذوق ما عنده.

ومن يذق الدنيا فإني طعمتها *** وسيق إلينا عذبها وعذابها فمعنى ذقت لباس الجوع والخوف على فلان تعرفت ما ظهر عليه من الضمور وشحوبة اللون وتغير الحال وكسوف البال.

ففحوى الآية عرفها الله أثر لباس الجوع.

وقيل: حمل اللباس على المماسة والتقدير فأذاقها الله مساس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون.

قال ابن عباس: يريد بفعلهم بالنبي  من التكذيب والهم بقتله والإخراج من مكة.

قال الفراء: كل الصفات أجريت على القرية إلا قوله: ﴿ يصنعون ﴾ تنبيهاً على أن المراد في الحقيقة أهلها.

ولما ذكر المثل ذكر الممثل فقال: ﴿ ولقد جاءهم ﴾ يعني أهل مكة ﴿ رسول منهم ﴾ من أنفسهم يعرفونه بأصله ونسبه ﴿ فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ﴾ متلبسون بالظلم.

قال ابن عباس: يعني بالعذاب الجوع الذي كان بمكة.

وقيل: القتل يوم بدر.

وقيل: إن قول ابن عباس أولى.

والمراد أن ذلك الجوع بسبب كفركم فاتركوا الكفر.

﴿ فكلوا مما رزقكم الله ﴾ من الغنائم.

فأكل الغنائم مسبب عن ترك الكفر فلذلك وصله بالفاء.

وقال الكلبي: إن رؤساء مكة كلموا رسول الله  حين جهدوا وقالوا: عاديت الرجال فما بال النساء والصبيان؟

وكانت الميرة قد قطعت عنهم بإذن رسول الله  فأذن في الحمل فحمل الطعام إليهم فذلك قوله: ﴿ فكلوا ﴾ .

ورجح قول ابن عباس بأنه  قال بعد ذلك: ﴿ إنما حرم عليكم الميتة ﴾ فالمراد أنكم لما آمنتم وتركتم الكفر فكلوا الحلال الطيب - وهو الغنيمة - واتركوا الخبائث - وهو الميتة والدم - أو أنه  أعاد تحريم هذه الأشياء في "البقرة" وفي "المائدة" و "الأنعام" وفي هذه السورة قطعاً للأعذار وإزالة للشبهة، ثم زيف طريقة الكفار في الزيادة على هذه المحرمات كالبحيرة والسائبة، وفي النقصان عنها كتحليل الميتة والدم فقال: ﴿ ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب ﴾ قال الكسائي والزجاج "ما" مصدرية وانتصاب ﴿ الكذب ﴾ بـ ﴿ لا تقولوا ﴾ أي ولا تقولوا الكذب لأجل وصف ألسنتكم.

وقوله: ﴿ هذا حلال وهذا حرام ﴾ بدل من الكذب ولك أن تنصب ﴿ الكذب ﴾ بـ ﴿ تصف ﴾ وتجعل "ما" مصدرية أيضاً أي ولا تقولوا هذا حلال وهذا حرام لوصف ألسنتكم الكذب.

ومعناه لا تحرموا ولا تحللوا لأجل قول تنطق به ألسنتكم من غير حجة ودليل.

ويجوز أن تكون "ما" موصولة أي ولا تقولوا للذي تصف ألسنتكم الكذب فيه هذا حلال وهذا حرام، فحذف لفظ فيه لكونه معلوماً.

وقوله: ﴿ تصف ألسنتكم الكذب ﴾ من فصيح الكلام وبلغيه كأن ماهية الكذب مجهولة وكلامهم يكشف عن حقيقته نظيره قوله: "وجهه يصف الجمال وعينه تصف السحر".

واللام في قوله: ﴿ لتفتروا ﴾ لام العاقبة لا الغرض.

والمقصود من ذكره بيان أنه كذب على الله فإن قوله: ﴿ لما تصف ألسنتكم الكذب ﴾ لم يكن فيه هذا البيان.

ثم أوعد المفترين بقوله: ﴿ إن الذين يفترون ﴾ الآية.

وقوله: ﴿ متاع ﴾ قال الزجاج: أي متاعهم.

وعن ابن عباس: أراد أن متاع كل الدنيا قليل.

والمعنى أن منفعتهم فيما هم عليه من أفعال الجاهلية، أو أن نعيم الدنيا كلها يزول عنهم عما قريب ويبقى العقاب الدائم الأليم.

ثم خص محرمات اليهود بالذكر فقال: ﴿ وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل ﴾ يعني في سورة الأنعام عند قوله: ﴿ وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ﴾ {الأنعام: 146] ثم قال: ﴿ وما ظلمناهم ﴾ كقوله هناك: ﴿ ذلك جزيناهم ببغيهم  ﴾ .

ثم بين أن الافتراء على الله ومخالفة أمره لا يمنعهم من التوبة وحصول المغفرة والرحمة.

وقوله: ﴿ بجهالة ﴾ في موضع الحال أي عملوا السوء جاهلين غير عارفين بالله وبعقابه أو غير متأملين في وخامة عاقبته لغلبة الشهوة عليهم.

﴿ إن ربك من بعدها ﴾ من بعد تلك السيئة أو التوبة أو الجهالة.

ولما بالغ في إبطال مذاهب المشركين وفي الجواب عن شبههم ومطاعنهم وكان إبراهيم  رئيس الموحدين وقدوة أكابر النبيين ذكره الله  في آخر هذه السورة قائلاً: ﴿ إن إبراهيم كان أمة ﴾ أي هو وحده أمة من الأمم لكماله في جميع صفات الخير: ليس على الله بمستنكر *** أن يجمع العالم في واحد وعن مجاهد: كان مؤمناً وحده والناس كلهم كفار فلهذا قيل: إنه أمة.

وكان رسول الله  يقول في زيد بن عمرو بن نفيل: يبعثه الله أمة وحده.

وعن شهر بن حوشب: لم يكن زمن إلا وفيه أربعة عشر يدفع بهم الله عن أهل الأرض إلا زمن إبراهيم فإنه وحده.

وقيل: أمة بمعنى مأموم أي يؤمه الناس ليأخذوا منه أفعال الخير أو بمعنى مؤتم به كقوله: ﴿ إني جاعلك للناس إماماً  ﴾ وقيل: إنه من باب إطلاق المسبب على السبب لأنه حصل لأمته الامتياز عمن سواهم ﴿ قانتاً لله ﴾ قائماً بما يأمره الله.

وعن ابن عباس: مطيعاً لله ﴿ حنيفاً ﴾ مائلاً إلى ملة الإسلام ميلاً لا يزول عنه.

وقال ابن عباس: المراد أنه أول من اختتن وأقام مناسك الحج وضحى.

﴿ ولم يك من المشركين ﴾ قط لا في الصغر ولا في الكبر ﴿ شاكراً لأنعمه ﴾ وإن كانت قليلة فضلاً عن النعم الكثيرة.

يروى أنه كان لا يتغدّى إلا مع ضيف فلم يجد ذات يوم ضيفاً فأخلا غداءه فإذا هو بفوج من الملائكة في صورة البشر فدعاهم إلى الطعام فخيلوا له أن بهم جذاماً فقال: الآن وجبت مؤاكلتكم شكراً لله على أنه عافاني وابتلاكم ﴿ اجتباه ﴾ اختصه واصطفاه للنبوّة ﴿ وهداه إلى صراط مستقيم ﴾ إلى ملة الإسلام ﴿ وآتيناه في الدنيا حسنة ﴾ عن قتادة: هي أن الله  حببه إلى أهل الأديان كلها.

وقيل: الأموال والأولاد.

وقيل قول المصلي منا "كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم".

﴿ وإنه في الآخرة لمن الصالحين ﴾ في أعلى مقاماتهم من الجنة تحقيقاً لدعائه ﴿ وألحقني بالصالحين  ﴾ .

قال في الكشاف: معنى "ثم" في قوله: ﴿ ثم أوحينا إليك ﴾ تبعيد هذا النعت من بين سائر النعوت التي أثنى الله بها على إبراهيم، ليعلم أن أجل ما أوتي خليل الله اتباع نبينا ملته في الأصول من التوحيد والمعاد وغيرهما كاختيار يوم الجمعة للفراغ وترك العمل.

قال أهل النظم: كان لسائل أن يسأل: لم اختار اليهود السبت مع أن إبراهيم كان اختار الجمعة؟

فأجاب الله  بقوله: ﴿ إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه ﴾ فاختاره بعضهم للفراغ واختار بعضهم الجمعة.

روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أنه قال: أمرهم موسى بالجمعة وقال تفرغوا في كل سبعة أيام يوماً واحداً فأبوا أن يقبلوا ذلك وقالوا: لا نريد إلا اليوم الذي فرغ الله فيه من الخلق وهو يوم السبت.

فجعل عليهم السبت وشدد عليهم.

ثم جاءهم عيسى بالجمعة أيضاً فقالت النصارى: لا نريد أن يكون عيدهم بعد عيدنا فاتخذوا الأحد.

وروى أبو هريرة عن النبي  : "إن الله كتب يوم الجمعة على من كان قبلنا فاختلفوا فيه وهدانا الله له فالناس لنا تبع اليهود غداً والنصارى بعد غدٍ" وقال صاحب الكشاف: السبت مصدر سبت اليهود إذا عظمت سبتها.

والمعنى ﴿ إنما جعل ﴾ وبال ﴿ السبت ﴾ وهو المسخ ﴿ على الذين اختلفوا فيه ﴾ واختلافهم فيه أنهم أحلوا الصيد فيه تارة وحرموه تارة، وكان الواجب عليهم أن يتفقوا في تحريمه على كلمة واحدة.

وضعف القول الأول بأن اليهود متفقون على تعيين يوم السبت للفراغة.

ويمكن أن يقال: لعل فيهم من اختار الجمعة في قديم الدهر ثم وقع الاختلاف.

سؤال: النصارى يقولون: إن يوم الأحد مبتدأ الخلق، والتكوين على ما اتفق عليه أهل الملل أنه  خلق العالم في ستة أيام أوّلها الأحد فجعله عيداً معقول.

واليهود قالت: إن يوم السبت هو اليوم الذي قد فرغ الله فيه من الأعمال فنحن نوافق ربنا.

فما وجه جعل الجمعة عيداً؟

والجواب بعد التعبد هو أن يوم الجمعة يوم التمام والكمال وذلك يوجب الفرح والسرور فجعله عيداً أولى.

ثم أوعد اليهود بقوله: ﴿ وإن ربك ليحكم ﴾ الخ.

ولما أمر محمداً باتباع إبراهيم  بين وجه المتابعة فقال: ﴿ ادع إلى سبيل ربك ﴾ الآية.

وفيه أن طريقة إبراهيم  في الدعوة كانت هكذا.

وتقرير ذلك أن الداعي إلى مذهب ونحلة لا بد أن يكون قوله مبنياً على حجة وهي إما أن تكون يقينية قطعية مبرأة من شائبة احتمال النقيض، وإما أن تكون مفيدة للظن القوي والإقناع التام وإلا لم يكن ملتفتاً إليها في العلوم، وقد يكون الجدال والخصام غالباً على المدعو فيحتاج حينئذ إلى إلزامه وإفحامه بدليل مركب من مقدمات مشهورة مسلمة عند الجمهور، أو مقدمات مسلمة عند الخصم.

فقوله: ﴿ بالحكمة ﴾ إشارة إلى استعمال الحجج القطعية المفيدة لليقين، والمكالمة بهذا الطريق إنما تكون مع الطالبين البالغين في الاستعداد إلى درجة الكمال.

وقوله: ﴿ والموعظة الحسنة ﴾ إشارة إلى استعمال الدلائل الإقناعية الموقعة للتصديق بمقدمات مقبولة، وأهل هذه المكالمة أقوام انحطت درجتهم عن درجة الطائفة الأولى إلا أنهم باقون على الفطرة الأصلية طاهرون عن دنس الشغب وكدورات الجدال وهم عامة الخلق.

وليس للدعوة إلا هذان الطريقان، ولكن الداعي قد يضطر مع الخصم الألد إلى استعمال الحجج الملزمة المفحمة كما قلنا فلهذا السبب عطف على الدعوة قوله: ﴿ وجادلهم بالتي ﴾ أي بالطريقة ﴿ التي هي أحسن ﴾ فكان طريق الجدال لم يكن سلوكه مقصوداً بالذات وإنما اضطر الداعي إليه لأجل كون الخصم مشاغباً.

وإنما استحسن هذا الطريق لكون الداعي محقاً وغرضه صحيحاً.

فإن كان مبطلاً وأراد تغليط السامع لم يكن جداله حسناً ويسمى دليله مغالظة.

هكذا ينبغي أن يتصوّر تفسير هذه الآية فإن كلام المفسرين الظاهريين فيه غير مضبوط.

وجوّز في الكشاف أن يريد القرآن أي ادعهم بالكتاب الذي هو حكمة وموعظة حسنة وجادلهم بأحسن طرق المجادلة من الرفق واللين من غير فظاظة ولا تعنيف.

ولما حث على الدعوة بالطرق المذكورة بين أن الهداية والرشد ليس إلى النبي وإنما ذلك إلى الله  فقال: ﴿ إن ربك هو أعلم ﴾ الآية.

أي هو العالم بضلال النفوس واهتدائها وكدورتها وبمن جعل الدعوة سبباً لسعادتها أو واسطة لشقائها.

ثم إن الدعوة تتضمن تكليف المدعوّين بالرجوع عن الدين المألوف، والفطام منه شديد وربما تنجر المقاولة إلى المقاتلة، فحينئذ أمر الداعي وأتباعه برعاية العدل والإنصاف في حال القتال قائلاً ﴿ وإن عاقبتم ﴾ أي إن رغبتم في استيفاء القصاص إن وقع قتل فاقنعوا بالمثل ولا تزيدوا عليه.

والآية عامة وقد يخصصها رواة أسباب النزول بقصة حمزة قالوا: إن المشركون مثلوا بالمسلمين يوم أحد بقروا بطونهم وقطعوا مذاكيرهم، ما تركوا أحداً غير ممثول به إلا حنظلة بن الراهب.

فوقف رسول الله  على حمزة وقد مثل به.

وروي فرآه مبقور البطن فقال: أما والذي أحلف به إن أظفرني الله بهم لأمثلن بسبعين مكانك فنزلت فكفر عن يمينه وكف عما أراده.

قاله ابن عباس في رواية عطاء وأبيّ بن كعب.

ومن هذا ذهبوا إلى أن خواتيم سورة النحل مدنية.

ولا خلاف في تحريم المثلة، وقد وردت الأخبار بالنهي عنها حتى بالكلب العقور، وقيل: نزلت حين كان المسلمون قد أمروا بالقتال مع من يقاتلهم ولا يبدأوا بالقتال فهو كقوله: ﴿ وقاتلوا في سبيل الذين يقاتلونكم  ﴾ أمر الله  أن يعاقبوا بمثل ما يصيبهم من العقوبة ولا يزيدوا.

وقال مجاهد والنخعي وابن سيرين: إنه نهى المظلوم عن استيفاء الزيادة من الظالم.

وفي قوله: ﴿ إن عاقبتم ﴾ رمز إلى أن الأولى له أن لا يفعل كقول الطبيب للمريض: إن كنت تأكل الفاكهة فكل التفاح.

ثم انتقل من التعريض إلى بعض التصريح قائلاً.

﴿ ولئن صبرتم لهو خير ﴾ أي صبركم خير لكم.

فوضع المظهر موضع المضمر ثناء من الله عليهم أو وصفاً لهم بالصفة التي تحصل لهم أو جنس الصبر خير ﴿ للصابرين ﴾ من جنسهم.

ثم صرح كل التصريح فقال: ﴿ واصبر ﴾ ثم ذكر ما يفيد سهولة الصبر على النفس فقال: ﴿ وما صبرك إلا بالله ﴾ أي بتوفيقه وتثبيته وربطه على قلبه وهذا سبب كلي مفيد للصبر.

وأما السبب الجزئي القريب فذلك قوله: ﴿ ولا تحزن عليهم ولا تك ﴾ وذلك أن إقدام الإنسان على الانتقام لا يكون إلا عند هيجان الغضب وإنه لا يهيج إلا عند فوات نفع.

وأشار إليه بقوله: ﴿ ولا تحزن عليهم ﴾ قيل: أي على قتلى أحد.

وقيل: على الكافرين كقوله: ﴿ فلا تأس على القوم الكافرين  ﴾ وإلا حين توقع مكروه في المستقبل وأشار إلى ذلك بقوله: ﴿ ولا تك في ضيق ﴾ من قرأ بكسر الضاد فظاهر وهو من الكلام المقلوب الذي يشجع عليه أمن الإلباس، لأن الضيق وصف فهو يكون في الإنسان ولا يكون الإنسان فيه.

وفيه لطيفة أخرى وهي أن الضيق إذا عظم وقوي صار كالشيء المحيط به من جميع الجوانب، ومن قرأ بفتحها فإما على أنه مصدر أيضاً أو على أنه مخفف ضيق فمعناه في أمر ضيق، وإنما لم يقل "ولا تكن" بالنون كما في آخر النمل موافقة لما قبله ﴿ ولم يك من المشركين ﴾ ولأن الحزن ههنا أكثر بناء على أنها وردت في قتل حمزة فبولغ بالحذف في النهي عن الحزن.

ثم ختم السورة بآية جامعة لجميع المأمورات والمنهيات فقال: ﴿ إن الله مع الذين اتقوا ﴾ المعاصي كلها ﴿ والذين هم محسنون ﴾ في الطاعات بأن يعبدوا الله مخلصين عن شوائب الرياء: وقيل: ﴿ إن الله مع الذين اتقوا ﴾ استيفاء الزيادة ﴿ والذين هم محسنون ﴾ في ترك أصل الانتقام.

فإن أردت أن أكون معك بالنصر والتأييد فكن من المتقين ومن المحسنين، وفيه أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجب أن يكون بالرفق واللين مرتبة مرتبة.

وقيل: الذين اتقوا إشارة إلى التعظيم لأمر الله، والذين هم محسنون إشارة إلى الشفقة على خلق الله ومنه قال بعض المشايخ: كمال الطريق صدق مع الحق وخلق مع الخلق.

واحتضر هرم بن حبان فقيل له: أوص.

فقال: إنما الوصية من المال ولا مال لي أوصيكم بخواتيم سورة النحل.

التأويل: ﴿ وإذا بدلنا آية ﴾ إنه  يعالج بدواء القرآن أمراض القلوب في كل وقت بنوع آخر على حسب ما يعلمه من المصالح فلذلك قال: ﴿ والله أعلم بما ينزل ﴾ ﴿ وبشرى للمسلمين ﴾ الذين استسلموا للطبيب ومعالجته حتى صارت قلوبهم سليمة.

﴿ إنما يعلمه بشر ﴾ ففيه إنكار أن طب القلوب وعلاجها من شأن البشر بنظر العقل لأنه مبني على معرفة الأمراض وكميتها وكيفيتها، ومعرفة الأدوية وخواصها وكيفية استعمالها، ومعرفة الأمزجة واختلاف أحوالها، وأن القلوب بيد الله يقلبها هو كيف يشاء فيضيق عن معالجتها نطاق عقول البشر ولهذا قال إبراهيم  : ﴿ وإذا مرضت فهو يشفين  ﴾ اللَّهم إلا إذا علم بتعليم الله كقوله: ﴿ وعلمك ما لم تكن تعلم  ﴾ ومع هذا كان يقول نحن نحكم بالظاهر ﴿ يلحدون إليه أعجمي ﴾ هو الذي لا يفهم من كلام الله أسراره وحقائقه والعربي ضده كما قال: ﴿ فإنما يسرناه بلسانك  ﴾ ﴿ إنما يفتري الكذب ﴾ لأن الافتراء من شأن النفس الأمارة الكافرة التي لا تؤمن بآيات الله.

﴿ وأولئك هم الكاذبون ﴾ أي هم الذين استمروا على الكذب لأن المؤمن قد يكذب في بعض الأحوال إلا أنه لا يصر على ذلك، وهكذا في جميع المعاصي ولهذا لا يخرج من الإيمان بالكلية ولكن ينقص الكذب إيمانه ويرجع بالتوبة إلى أصله.

قال النبي  : "ما يزال العبد يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً" .

﴿ من كفر بالله من بعد إيمانه ﴾ إشارة إلى المريد المرتد بنسيم روائح نفحات الحق بمشام قلبه عند هبوبه، واصطكاك أهوية عوالم الباطن، وانخراق سحب حجب البشرية فلمع له برق أضاءت به آفاق سماء القلب وأشرقت أرض النفس، فآمن بحقية الطلب واحتمال التعب فاستوقد نار الشوق والمحبة، فما أضاءت ما حوله وبذل في الاجتهاد جده وحوله هبت نكباء النكبات فصدئت مرآة قلبه، وذهب الله بنوره وانخمدت نار الطلب وآل المشؤوم إلى طبعه ﴿ إلا من أكره ﴾ على مباشرة فعل أو قول يخالف الطريقة من معاملات أهل الطبيعة فيوافقهم فيها في الظاهر ويخالفهم بالباطن حتى يخلص من شؤم صحبتهم ﴿ استحبوا ﴾ اختاروا محبة الدنيا وشهواتها على محبة الله ﴿ وإن الله لا يهدي ﴾ إلى حضرته ﴿ القوم الكافرين ﴾ بنعمته ﴿ وأولئك هم الغافلون ﴾ عما أعدّ الله لعباده الصالحين.

﴿ هم الخاسرون ﴾ لأن الإغضاء عن العبودية يورث خسران القلوب عن مواهب الربوبية ﴿ ثم إن ربك للذين هاجروا ﴾ نفوسهم وهواهم ﴿ من بعد ما فتنوا ﴾ بمخالفة أوامر الحق ونواهيه ﴿ ثم جاهدوا ﴾ النفوس بسيوف الرياضات ﴿ وصبروا ﴾ على تزكيتها وتحليتها متمسكين بذيل إرادة الشيخ ﴿ يوم تأتي ﴾ أرباب النفوس ﴿ تجادل على نفسها ﴾ على قدر بقاء وجودها دفعاً لمضارّها وجذباً لمنافعها حتى إن كل نبي يقول نفسي نفسي إلا محمداً  فإنه فانٍ بالكلية عن نفسه باقٍ ببقاء ربه فيقول: أمتي أمتي لأنه مغفور ذنب وجوده المتقدم في الدنيا والمتأخر في الآخرة بما فتح الله له ليلة المعراج إذ واجهه بخطاب "سلام عليك أيها النبي" ففني عن وجوده بالسلام وبقي بوجوده بالرحمة، فكان رحمة مهداة ببركاته إلى الناس كافة، ولكن رفع الذلة من تلك الضيافة وجب لمتابعيه فلهذا قال: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.

يعني الذين صلحوا لبذل الوجود في طلب المقصود ﴿ قرية ﴾ هي قرية شخص الإنسان ﴿ كانت آمنة ﴾ أي آهلة وهو الروح الإنساني ﴿ مطمئنة ﴾ بذكر الله ﴿ يأتيها رزقها ﴾ من المواهب ﴿ من كل مكان ﴾ روحاني وجسماني ﴿ فكفرت ﴾ النفس الأمارة ﴿ فأذاقها الله لباس الجوع ﴾ وهو انقطاع مواد التوفيق فأكلوا من جيفة الدنيا وميتة المستلذات ﴿ والخوف ﴾ وهو خوف الانقطاع عن الله ﴿ ولقد جاءهم رسول ﴾ الوارد بالرباني فما تخلقوا بأخلاقه ﴿ وكلوا مما رزقكم الله ﴾ من أنوار الشريعة وأسرار الطريقة ﴿ هذا حلال وهذا حرام ﴾ على عادة أهل الإباحة ﴿ وعلى الذين هادوا ﴾ أي تابوا ﴿ حرمنا ﴾ من موانع الوصول ﴿ ما قصصنا عليك ﴾ في بدوّ نبوتك حتى كنت محترزاً عن صحبة خديجة وتنحيت إلى حراء أسبوعاً أو أسبوعين.

﴿ وما ظلمناهم ﴾ بتحريم ذلك عليهم بل أنعمنا به عليهم ﴿ ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ﴾ بالإعراض عنا بعد الإقبال علينا ﴿ ولم يك من المشركين ﴾ ممن له شركة مع الله في الوجود ﴿ اتبع ملة إبراهيم ﴾ في الظاهر حتى يتبعك هو في الباطن ولهذا ذهب إلى ربه ماشياً ﴿ إني ذاهب إلى ربي  ﴾ وأسري بمحمد راكباً ﴿ سبحان الذي أسرى بعبده  ﴾ فهو خليل وأنت حبيب، اتبعت الخليل في الدنيا فيتبعك الخليل في الآخرة "الناس محتاجون إلى شفاعتي يوم القيامة حتى إبراهيم  ".

﴿ وإن عاقبتهم ﴾ النفس الأمارة ﴿ فعاقبوا ﴾ أي بالغوا في عقابها بالفطام عن مألوفاتها ﴿ بمثل ما عوقبتم به ﴾ من الانقطاع عن مواد التوفيق والمواهب.

﴿ ولئن صبرتم ﴾ على معاقبتهم ﴿ لهو خير ﴾ لأن عقاب الحبيب على قدر عقاب العدو وأعدى عدوّك نفسك التي بين جنبيك.

﴿ واصبر ﴾ على معاقبة النفس ومخالفة الهوى.

﴿ وما صبرك إلا بالله ﴾ لأن الصبر من صفات الله ولا يقدر أحد أن يتصف بصفاته إلا به بأن يتجلى بتلك الصفة له.

﴿ ولا تحزن ﴾ على النفس وجنودها عند المعاقبة فإن فيها صلاح حالهم ومآلهم.

﴿ ولا تك في ضيق مما يمكرون ﴾ فإن مكرهم يندفع بمعونة الله عند الفرار إليه والله أعلم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عزّ وجلّ -: ﴿ مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِٱلإِيمَانِ ﴾ .

قوله: ﴿ مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ ﴾ يحتمل وجهين - حيث ذكر من كفر بالله -: أحدهما: كفر بالله في زعم المكره؛ لأنه أكرهه به ففي زعمه كافر بالله؛ لطلبه ذلك منه، وهو كقوله: ﴿ فَرَاغَ إِلَىٰ آلِهَتِهِمْ  ﴾ : في زعمهم؛ لأنهم لم يكونوا آلهة، وكقوله: ﴿ وَٱنظُرْ إِلَىٰ إِلَـٰهِكَ  ﴾ : سماه إلهاً؛ لأنه - في زعم السامري - إله.

والثاني: من كفر بالله شارحاً صدره بالكفر - هو الكافر به حقّاً، وأما من أظهر الكفر بلسانه بالإكراه، وقلبه معتقد بالإيمان على ما كان مطمئنّاً به - فهو ليس بكافر.

وأصله: أن من اعتقد مذهباً [أو ديناً] أن يعتقده بخصال ثلاث: إحداها: يقلد آخر؛ لما رآه أبصرَ وآخذ وأعلم فيه، وهو لا يبلغ ذلك، فيقلده؛ لفضل بصره وعلمه فيه ورأيه.

والثانية: يعتقد للشبهة؛ لما يتراءى عنده أنه الحق؛ فيعتقده لذلك للشبهة التي ذكرنا.

والثالثة: [يعتقد لما] يتضح له الحق فيعتقده.

فلهذه الوجوه الثلاثة يعتقد من يعتقد ديناً أو مذهباً، فأما أن يعتقد الإنسان مذهباً مجانا على الجزاف فلا؛ فكأن إظهار كفر هذا لإكراه من أكرهه لم يصر كافراً.

وأصله أن الإيمان والكفر إنما يكونان بالاختيار؛ فإن الإكراه يزيل اختيار من كفر؛ لذلك يبقى على الإيمان على ما كان؛ لما لم يوجد منه اختيار الكفر.

فإن قيل: أليس أمرنا أن نقاتل أهل الكفر؛ ليسلموا، وذلك إسلام بإكراه؟!

وعلى ذلك نطق الكتاب، وهو قوله: ﴿ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ  ﴾ ، وقال رسول الله  : "أمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لا إِلَهَ إِلا الله" ، ثم إذا أسلم لخوف السيف - كان إسلامه إسلاماً في الظاهر ما يمنع كذلك أنه إذا أكره على الكفر، فأجرى كلمة الكفر على لسانه - كان كفره كفراً في الظاهر؛ فيحكم بكفره كما حكم في الإسلام على الإكراه؛ فما الفرق فيه؟!

قيل: إن ذلك كان يجيء إلا أن الله -  - أعفى عباده عن ذلك؛ فأبقاهم على الإيمان وحكمه، وإن أظهروا بلسانهم كلام الكفر بعد أن تكون قلوبهم مطمئنة بذلك؛ فضلاً منه ونعمة، وإلا: القياس أن يحكم بحكم الكفر إذا تكلم بكلام الكفر، وأمّا الطلاق والعتاق والنكاح ونحوه، وهو ظاهر على ما تكلم به، عامل واقع؛ لأن الطلاق والعتاق ونحوهما ممّا يتعلق بالكلام نفسه لا بغيره، فهو - وإن أكره على ذلك - فهو مختار للتكلم به، قاصد له؛ لأن المكره لو أحب أن يستعمل لسانه بالتكلم بما ذكر ما قدر عليه؛ دل أنه على الاختيار يتكلم، وأما البيع والشراء ونحوه لم يتعلق بالكلام نفسه؛ إذ قد يكون بالأخذ والتسليم دون التكلم به؛ لذلك عمل الإكراه في إبطاله كما أبقاهم على الإيمان وحكمه، وإن أظهر بلسانه كلام الكفر بعد أن يكون قلبه مطمئنّاً بذلك، وعلى ذلك ما روي عن نبيّ الله  حيث قال: "رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ ومَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْه" ؛ وذلك في الكفر ليس في غيره؛ لأن الإكراه على الكفر كان ظاهراً يومئذ، ولم يكن في غيره من طلاق وغيره.

وأمّا قتالنا إياهم؛ ليسلموا - فهو يحتمل وجوهاً: أحدها: على المجازاة؛ كقوله: ﴿ وَقَاتِلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً  ﴾ ، فنقاتلهم ليظهروا الإسلام، وإن لم يعرف حقيقة على المجازاة.

والثاني: قبلنا منهم الإسلام على الإكراه لنقرهم فيما بين المسلمين؛ فيرون الإسلام ويتعلمون منهم حقيقة؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ إِذَا جَآءَكُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ  ﴾ ؛ سمّاهنّ مؤمنات، ثم أمرنا بامتحانهن؛ بقوله: ﴿ فَٱمْتَحِنُوهُنَّ  ﴾ ؛ فإنما يمتحنَّ؛ ليظهر حقيقة إيمانهن، وإلا لم يكن للامتحان معنى لولا ذلك.

وأصله: أن الله جعل حقيقة الإيمان والكفر بالقلب دون اللسان وغيْره من الجوارح؛ لأن غيره من الجوارح يجوز استعمالها بالإكراه، وأمّا القلب فإنه لا يملك أحد سواه استعماله، وذلك بفضله ومنّه.

﴿ وَلَـٰكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً ﴾ .

ومن شرح صدره بالكفر فهو كافر به إن كان ليس على الإكراه؛ لما ذكرنا أنه باختياره الكفر ينشرح له الصّدر لما لا يعمل الإكراه على القلب.

﴿ فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ .

ظاهر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكَ بِأَنَّهُمُ ﴾ .

أي: ذلك الغضب والعذاب بأنهم.

﴿ ٱسْتَحَبُّواْ ٱلْحَيَاةَ ٱلْدُّنْيَا عَلَىٰ ٱلآخِرَةِ ﴾ .

يحتمل وجهين: أحدهما: استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة؛ جحوداً وإنكاراً، وإلا نفس الاستحباب قد يكون من المؤمن؛ فلا يزيل عنه اسم الإيمان؛ كقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ إلى قوله -  - ﴿ أَرَضِيتُمْ بِٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا مِنَ ٱلآخِرَةِ  ﴾ ؛ فلم يزل عنهم اسم الإيمان باختيارهم واستحبابهم الحياة الدنيا؛ فدلّ أن الأول عن الجحود له والإنكار، وهذا على الميل إليه دون الجحود؛ أو أن يكون كذلك لما لم يروا الآخرة كائنة لا محالة ولكن ظنّاً ظنّوا لعلها كائنة؛ كقوله: ﴿ إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ  ﴾ وأمّا أهل الإسلام فإنهم لم يكونوا فيها ظانين [متشككين]؛ ولكن متحققين مستيقنين؛ فاستحقوا بذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ ﴾ .

وقت اختيارهم الكفر؛ [لأن الله] لا يهدي القوم المختارين الكفر على الإيمان؛ وقال ذلك لقوم علم الله أنهم يختارون الكفر، وأنهم يموتون على الكفر؛ فلا يهديهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ ﴾ .

الطبع: هو التغطية: تغطي ظلمة الكفر نور القلب والسمع ونور البصر، كأن لكل أحد نورين وبصرين، ظاهر وباطن يبصر بهما جميعاً؛ فإذا ذهب أحدهما أو عمي - صار لا يبصر؛ كمن يبصر ببصر الظاهر، إنما يبصر بنور بصره ونور الهواء؛ فإذا دخل في أحدهما آفة ذهب الانتفاع، وصار لا يبصر شيئاً؛ فعلى ذلك للقلب بصر خفي، وبصر ظاهر الذي هو معروف؛ فإنما يبصر بهما؛ فإذا غطى ظلمة الكفر بصر القلب صار لا يبصر شيئاً؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ  ﴾ أخبر أن الأبصار الظاهرة لم تعْمَ؛ ولكن عميت القلوب التي في الصدور، هذا يدل على - ما ذكرنا والله أعلم - معنى طبع السمع والبصر.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْغَافِلُونَ ﴾ .

يحتمل: غافلون عن النظر في آياته وحججه، ويحتمل: غافلون عما يحل بهم؛ بكفرهم وتكذيبهم آيات الله وحججه.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ لاَ جَرَمَ ﴾ .

قد ذكرنا ما قيل فيه: لا بد؛ وحقّاً، وقيل: هو حرف وعيد.

﴿ لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ هُمُ ٱلْخَاسِرونَ ﴾ .

قال الحسن: إنهم - والله - خسروا الجنة ورحمة الله، خسروا أهلهم ومنزلهم الذي كان لهم في الجنة، وخسروا منهم أنفسهم حين قذفوها في النار.

وقال أبو بكر الأصم: خسروا النعم الدائمة الباقية بالزائلة الفانية، وخسروا أنفسهم؛ حيث قتلوا، وأسروا في الدنيا، والله أعلم.

وقوْله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ ﴾ .

قيل: عذبوا على الإيمان بمكة، ثم جاهدوا مع النبي  وأصحابه عدوَّهم، وصبروا على ذلك.

﴿ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ .

قيل: من بعد الفتنة لغفور لما كان منهم، (رحيم) ذكر مرتين: أحدهما: قوله: ﴿ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ ﴾ ، ثم قال: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ ، [قيل: من بعد الفتنة] فيجيء أن يكتفى بواحد يقول: لغفور رحيم موصولاً بقوله: للذين فعلوا ما ذكر، لكنه ذكر مرتين - والله أعلم -: إنه لغفور لهم يعني: لهؤلاء الذين فتنوا وعذبوا، ولغيرهم.

ذكر أهل التأويل أن أناساً من المؤمنين خرجوا إلى المدينة فأدركهم المشركون؛ ليردوهم؛ فقاتلوهم؛ فمنهم من قتل، ومنهم من نجا؛ فأنزل الله -  -: ﴿ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ...

﴾ الآية.

ومنهم من يقول - أيضاً -: فيهم نزل قوله: ﴿ الۤـمۤ * أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوۤاْ أَن يَقُولُوۤاْ آمَنَّا...

﴾ الآية [العنكبوت: 1-2].

وأكثرهم قالوا: إن قوله: ﴿ مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِٱلإِيمَانِ ﴾ : إنما نزل في عمار بن ياسر، وليس لنا إلى ذلك حاجة؛ إنما الحاجة فيما ذكرنا من الحكم فيه والحكمة، والله أعلم.

وقوْله - عزّ وجلّ -: ﴿ يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا ﴾ .

قال الحسن: ﴿ تُجَادِلُ ﴾ ، أي: تخبر، ﴿ عَن نَّفْسِهَا ﴾ : عما عملت من خير أو شرّ.

وقال أبو بكر الأصم: إن كل نفس رهينة بما كسبت من شر حتى يكون طائراً في عنقه.

ولكن ليس لنا فيما ذكر هؤلاء مجادلة، المجادلة: المخاصمة؛ كأنها تخاصم عن نفسها من ارتكاب أشياء، ودعوى أشياء على ما ذكر في غير آية؛ من قوله: ﴿ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ  ﴾ .

وقال بعضهم: إن جهنم تزفر زفرة حتى لا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلاّ وقد جثا بركبتيه؛ خوفاً منها؛ فعند ذلك تجادل وتخاصم كل نفس عن نفسها، ويشبه أن يكون مجادلتهم على غير هذا، وهو ما ذكر: ﴿ شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ  وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا  ﴾ ؛ فتلك مجادلتهم أنفسهم، وكقوله: ﴿ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ  ﴾ ، وكذلك ما ذكر في المنافقين: ﴿ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ...

﴾ الآية [المجادلة: 18].

وذلك كله مجادلتهم أنفسهم، أو أن يقال: ﴿ تُجَادِلُ ﴾ لكن لا يفسّر: ما تلك المجادلة؛ لأن الله -  - ذكر المجادلة، ولم يذكر ما تلك المجادلة؟

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَتُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ﴾ .

أي: لا ينقصون من حسناتهم ولا يزدادون على سيئاتهم.

وهذه الآية تردّ على المعتزلة؛ لأنهم يقولون بالتخليد لصاحب الكبيرة، وقد أخبر أنه: توفى كل نفس ما عملت من سوء، ولا توفى ما عملت من الخيرات والطاعات.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره على الكفر فنطق بكلمة الكفر بلسانِهِ وقلبُه مطمئن بالإيمان موقن بحقيقته، لكن من كان منفسح الصدر بالكفر فاختاره على الإيمان وتكلم به طائعًا فهو مرتد عن الإسلام فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم.

<div class="verse-tafsir" id="91.vLBZN"

مزيد من التفاسير لسورة النحل

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.4 / 29.5
الإضاءة 100%
البدر بعد 0 يوم
سبحان الله