الإسلام > القرآن > تفسير > زاد المسير > سورة 2 البقرة > الآية ١٥
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 4 دقيقة قراءةقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ﴾ .
اخْتَلَفَ العُلَماءُ في المُرادِ بِاسْتِهْزاءِ اللَّهِ بِهِمْ عَلى تِسْعَةِ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ يُفْتَحُ لَهم بابٌ مِنَ الجَنَّةِ وهم في النّارِ، فَيُسْرِعُونَ إلَيْهِ فَيُغْلَقُ، ثُمَّ يُفْتَحُ لَهم بابٌ آَخَرُ، فَيُسْرِعُونَ فَيُغْلَقُ، فَيَضْحَكُ مِنهُمُ المُؤْمِنُونَ.
رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ إذا كانَ يَوْمَ القِيامَةِ جَمَدَتِ النّارُ لَهم كَما تَجَمَدُ الإهالَةُ في القَدْرِ، فَيَمْشُونَ فَتَنْخَسِفُ بِهِمْ.
رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ.
والثّالِثُ: أنَّ الِاسْتِهْزاءَ بِهِمْ: إذا ضُرِبَ بَيْنَهم وبَيْنَ المُؤْمِنِينَ بِسُورٍ لَهُ بابٌ، باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ، وظاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ العَذابُ، فَيَبْقَوْنَ في الظُّلْمَةِ، فَيُقالُ لَهُمْ: ﴿ ارْجِعُوا وراءَكم فالتَمِسُوا نُورًا ﴾ قالَهُ مُقاتِلٌ.
والرّابِعُ: أنَّ المُرادَ بِهِ: يُجازِيهِمْ عَلى اسْتِهْزائِهِمْ، فَقُوبِلَ اللَّفْظُ بِمِثْلِهِ لَفْظًا وإنْ خالَفَهُ مَعْنًى، فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٍ مِثْلُها ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكُمْ ﴾ وقالَ عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ: ألا لا يَجْهَلْنَ أحَدٌ عَلَيْنا فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الجاهِلِينا أرادَ: فَنُعاقِبُهُ بَأغْلَظَ مِن عُقُوبَتِهِ.
والخامِسُ: أنَّ الِاسْتِهْزاءَ مِنَ اللهِ التَّخْطِئَةُ لَهم، والتَّجْهِيلُ، فَمَعْناهُ: اللَّهُ يُخَطِّئُ فِعْلَهم، ويُجَهِّلُهم في الإقامَةِ عَلى كُفْرِهِمْ.
والسّادِسُ: أنَّ اسْتِهْزاءَهُ: اسْتِدْراجُهُ إيّاهم.
والسّابِعُ أنَّهُ إيقاعُ اسْتِهْزائِهِمْ بِهِمْ، ورَدَّ خِداعَهم ومَكْرَهم عَلَيْهِمْ.
ذَكَرَ هَذِهِ الأقْوالَ مُحَمَّدُ بْنُ القاسِمِ الأنْبارِيِّ.
والثّامِنُ: أنَّ الِاسْتِهْزاءَ بِهِمْ أنْ يُقالَ لِأحَدِهِمْ في النّارِ وهو في غايَةِ الذُّلِّ: ﴿ ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ ﴾ ذَكَرَهُ شَيْخُنا في كِتابِهِ.
والتّاسِعُ: أنَّهُ لَمّا أظْهَرُوا مِن أحْكامِ إسْلامِهِمْ في الدُّنْيا خِلافَ ما أُبْطِنَ لَهم في الآَخِرَةِ، كانَ كالِاسْتِهْزاءِ بِهِمْ.
*** قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَمُدُّهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ .
فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: يُمْكِنُ لَهم، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.
والثّانِي: يُمْلِي لَهم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: يَزِيدُهم، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والرّابِعُ: يُمْهِلُهم، قالَهُ الزَّجّاجُ.
والطُّغْيانُ: الزِّيادَةُ عَلى القَدْرِ، والخُرُوجُ عَنْ حَيِّزِ الِاعْتِدالِ في الكَثْرَةِ، يُقالُ: طَغى البَحْرُ إذا هاجَتْ أمْواجُهُ، وطَغى السَّيْلُ إذا جاءَ بِماءٍ كَثِيرٍ.
وفي المُرادِ بِطُغْيانِهِمْ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ كُفْرُهم، قالَهُ الجُمْهُورُ.
والثّانِي: أنَّهُ عُتُوُّهم وتَكَبُّرُهم، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
و"يَعْمَهُونَ" بِمَعْنى: يَتَحَيَّرُونَ، يُقالُ: رَجُلٌ عَمِهٌ وعامِهٌ، أيْ: مُتَحَيِّرٌ.
قالَ الرّاجِزُ: ومُخْفَقٍ مِن لُهْلُهٍ ولُهْلُهِ مِن مَهْمَهٍ يَجْتَبِنْهُ في مَهْمَهِ أعْمى الهُدى بِالجاهِلِينَ العُمَّهُ وَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يَعْمَهُونَ: يَرْكَبُونَ رُؤُوسَهم، فَلا يُبْصِرُونَ.
<div class="verse-tafsir"