الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ١٥ من سورة البقرة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 153 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٥ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله تعالى جوابا لهم ومقابلة على صنيعهم : ( الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون ) وقال ابن جرير : أخبر الله تعالى أنه فاعل بهم ذلك يوم القيامة ، في قوله : ( يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب ) الآية [ الحديد : 13 ] ، وقوله تعالى : ( ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين ) [ آل عمران : 178 ] .
قال : فهذا وما أشبهه ، من استهزاء الله تعالى ذكره ، وسخريته ومكره وخديعته للمنافقين ، وأهل الشرك به عند قائل هذا القول ، ومتأول هذا التأويل .
قال : وقال آخرون : بل استهزاؤه بهم توبيخه إياهم ، ولومه لهم على ما ركبوا من معاصيه ، والكفر به .
قال : وقال آخرون : هذا وأمثاله على سبيل الجواب ، كقول الرجل لمن يخدعه إذا ظفر به : أنا الذي خدعتك .
ولم تكن منه خديعة ، ولكن قال ذلك إذ صار الأمر إليه ، قالوا : وكذلك قوله : ( ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين ) [ آل عمران : 54 ] و ( الله يستهزئ بهم ) على الجواب ، والله لا يكون منه المكر ولا الهزء ، والمعنى : أن المكر والهزء حاق بهم .
وقال آخرون : قوله : ( إنما نحن مستهزئون الله يستهزئ بهم ) وقوله ( يخادعون الله وهو خادعهم ) [ النساء : 142 ] ، وقوله ( فيسخرون منهم سخر الله منهم ) [ التوبة : 79 ] و ( نسوا الله فنسيهم ) [ التوبة : 67 ] وما أشبه ذلك ، إخبار من الله تعالى أنه يجازيهم جزاء الاستهزاء ، ويعاقبهم عقوبة الخداع فأخرج خبره عن جزائه إياهم وعقابه لهم مخرج خبره عن فعلهم الذي عليه استحقوا العقاب في اللفظ ، وإن اختلف المعنيان كما قال تعالى : ( وجزاء سيئة سيئة مثلها ) [ الشورى : 40 ] وقوله تعالى : ( فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه ) [ البقرة : 194 ] ، فالأول ظلم ، والثاني عدل ، فهما وإن اتفق لفظاهما فقد اختلف معناهما .
قال : وإلى هذا المعنى وجهوا كل ما في القرآن من نظائر ذلك .
قال : وقال آخرون : إن معنى ذلك : أن الله أخبر عن المنافقين أنهم إذا خلوا إلى مردتهم قالوا : إنا معكم على دينكم ، في تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به ، وإنما نحن بما يظهر لهم - من قولنا لهم : صدقنا بمحمد ، عليه السلام ، وما جاء به مستهزئون ؛ فأخبر الله تعالى أنه يستهزئ بهم ، فيظهر لهم من أحكامه في الدنيا ، يعني من عصمة دمائهم وأموالهم خلاف الذي لهم عنده في الآخرة ، يعني من العذاب والنكال .
ثم شرع ابن جرير يوجه هذا القول وينصره ؛ لأن المكر والخداع والسخرية على وجه اللعب والعبث منتف عن الله عز وجل ، بالإجماع ، وأما على وجه الانتقام والمقابلة بالعدل والمجازاة فلا يمتنع ذلك .
قال : وبنحو ما قلنا فيه روي الخبر عن ابن عباس : حدثنا أبو كريب ، حدثنا عثمان ، حدثنا بشر ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس ، في قوله تعالى : ( الله يستهزئ بهم ) قال : يسخر بهم للنقمة منهم .
وقوله تعالى : ( ويمدهم في طغيانهم يعمهون ) قال السدي : عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس ، وعن مرة ، عن ابن مسعود ، وعن أناس من الصحابة [ قالوا ] يمدهم : يملي لهم .
وقال مجاهد : يزيدهم .
قال ابن جرير : والصواب يزيدهم على وجه الإملاء والترك لهم في عتوهم وتمردهم ، كما قال : ( ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون ) [ الأنعام : 110 ] .
والطغيان : هو المجاوزة في الشيء .
كما قال : ( إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية ) [ الحاقة : 11 ] ، وقال الضحاك ، عن ابن عباس : ( في طغيانهم يعمهون ) في كفرهم يترددون .
وكذا فسره السدي بسنده عن الصحابة ، وبه يقول أبو العالية ، وقتادة ، والربيع بن أنس ، ومجاهد ، وأبو مالك ، وعبد الرحمن بن زيد : في كفرهم وضلالتهم .
قال ابن جرير : والعمه : الضلال ، يقال : عمه فلان يعمه عمها وعموها : إذا ضل .
قال : وقوله : ( في طغيانهم يعمهون ) في ضلالهم وكفرهم الذي غمرهم دنسه ، وعلاهم رجسه ، يترددون [ حيارى ] ضلالا لا يجدون إلى المخرج منه سبيلا ؛ لأن الله تعالى قد طبع على قلوبهم وختم عليها ، وأعمى أبصارهم عن الهدى وأغشاها ، فلا يبصرون رشدا ، ولا يهتدون سبيلا .
[ وقال بعضهم : العمى في العين ، والعمه في القلب ، وقد يستعمل العمى في القلب أيضا : قال الله تعالى : ( فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ) [ الحج : 46 ] ويقال : عمه الرجل يعمه عموها فهو عمه وعامه ، وجمعه عمه ، وذهبت إبله العمهاء : إذا لم يدر أين ذهبت .
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ قال أبو جعفر: اختُلف في صفة استهزاءِ الله جلّ جلاله، الذي ذَكر أنه فاعله بالمنافقين، الذين وَصَف صفتهم.
فقال بعضهم: استهزاؤه بهم، كالذي أخبرنا تبارك اسمه أنه فاعلٌ بهم يوم القيامة في قوله تعالى: يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ * يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى [سورة الحديد: 13، 14].
الآية.
وكالذي أخبرنا أنَّه فَعَل بالكفار بقوله: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا [سورة آل عمران: 178].
فهذا وما أشبهه من استهزاء الله جلّ وعزّ وسخريتِه ومكرِه وخديعتِه للمنافقين وأهل الشرك به - عند قائلي هذا القول، ومتأوّلي هذا التأويل.
وقال آخرون: بل استهزاؤه بهم، توبيخُه إياهم ولومه لهم على ما ركِبوا من معاصي الله والكفر به, كما يقال: " إن فلانًا ليُهْزَأ منه منذ اليوم، ويُسخر منه "، يُراد به توبيخُ الناس إياه ولومهم له, أو إهلاكه إياهم وتدميرُه بهم (97) ، كما قال عَبِيد بن الأبرص: سَـائِلْ بِنَـا حُجْـرَ ابْـنَ أُمِّ قَطَـامِ, إذْ ظَلَّـتْ بِـهِ السُّـمْرُ النَّـوَاهِلُ تَلْعَـبُ (98) فزعموا أن السُّمر -وهي القَنَا- لا لعب منها, ولكنها لما قتلتْهم وشرَّدتهم، جَعل ذلك مِنْ فعلها لعبًا بمن فعلت ذلك به.
قالوا: فكذلك اسْتهزاءُ الله جل ثناؤه بمن اسْتهزأ به من أهل النفاق والكفر به: إمّا إهلاكه إياهم وتدميرُه بهم، وإمّا إملاؤهُ لهم ليأخذهم في حال أمنهم عند أنفسهم بغتةً, أو توبيخه لهم ولأئمته إياهم.
قالوا: وكذلك معنى المكر منه والخديعة والسُّخرية.
وقال آخرون قوله: يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ (99) [سورة النساء: 142] على الجواب, كقول الرجل لمن كان يَخْدَعه إذا ظفر به: " أنا الذي خدعتُك "، ولم تكن منه خديعة، ولكن قال ذلك إذ صار الأمر إليه.
قالوا: وكذلك قوله: وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [سورة آل عمران: 54]، و " الله يستهزئ بهم "، على الجواب.
والله لا يكونُ منه المكرُ ولا الهُزْء، والمعنى أن المكرَ والهُزْءَ حاق بهم.
وقال آخرون: قوله: إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ، وقوله: يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ [سورة النساء: 142] ، وقوله: فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ [سورة التوبة: 79] ، نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ [سورة التوبة: 67] ، وما أشبه ذلك, إخبارٌ من الله أنه مجازيهم جزاء الاستهزاء, ومعاقبهم عقوبةَ الخداع.
فأخرج خبرَه عن جزائه إياهم وعقابه لهم، مُخْرَج خبره عن فعلهم الذي عليه استحقُّوا العقاب في اللفظ، وإن اختلف المعنيان.
كما قال جل ثناؤه: وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا [سورة الشورى: 40] ، ومعلومٌ أن الأولى من صاحبها سيئة، إذْ كانت منه لله تبارك وتعالى معصية, وأن الأخرى عَدلٌ، لأنها من الله جزاءٌ &; 1-303 &; للعاصي على المعصية، فهما -وإن اتفق لفظاهما- مختلفا المعنى.
وكذلك قوله: فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ [سورة البقرة: 194] ، فالعدوان الأول ظلم, والثاني جزاءٌ لا ظلم, بل هو عدل، لأنه عقوبة للظالم على ظلمه، وإن وافق لفظه لفظ الأول.
وإلى هذا المعنى وَجَّهوا كل ما في القرآن من نظائر ذلك، مما هو خبرٌ عن مكر الله جل وعزّ بقومٍ, وما أشبه ذلك.
وقال آخرون: إنّ معنى ذلك: أن الله جل وعز أخبر عن المنافقين أنهم إذا خَلَوْا إلى مَرَدَتهم قالوا: إنا معكم على دينكم في تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به, وإنما نحن بما نُظهر لهم - من قولنا لهم: صدقنا بمحمد عليه السلام وما جاء به - مستهزئون.
يعنون: إنا نُظهر لهم ما هو عندنا باطل لا حَقٌّ ولا هدًى.
قالوا: وذلك هو معنى من معاني الاستهزاء، فأخبر الله أنه " يستهزئ بهم "، فيظهر لهم من أحكامه في الدنيا خلافَ الذي لهم عنده في الآخرة, كما أظهروا للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين في الدين ما هم على خلافه في سرائرهم.
والصواب في ذلك من القول والتأويل عندنا: أن معنى الاستهزاء في كلام العرب: إظهارُ المستهزِئ للمستهزَإ به من القول والفعل ما يُرضيه (100) ظاهرًا، وهو بذلك من قِيله وفِعْله به مُورِثه مَساءة باطنًا (101) .
وكذلك معنى الخداع والسخرية والمكر.
فإذا كان ذلك كذلك = وكان الله جل ثناؤه قد جعل لأهل النفاق في الدنيا من الأحكام - بما أظهروا بألسنتهم، من الإقرار بالله وبرسوله وبما جاء به من عند الله، المُدْخِلِهم في عداد من يشمله اسمُ الإسلام (102) ، وإن كانوا لغير ذلك &; 1-304 &; مستبطنين - (103) أحكامَ المسلمين المصدِّقين إقرارَهم بألسنتهم بذلك، بضمائر قلوبِهم، وصحائح عزائمهم، وحميدِ أفعالهم المحققة لهم صحة إيمانهم - معَ علم الله عز وجل بكذبهم, واطلاعِه على خُبث اعتقادهم، وشكِّهم فيما ادَّعوا بألسنتهم أنهم به مصدِّقون (104) ، حتى ظنُّوا في الآخرة إذْ حشروا في عِداد من كانوا في عِدادهم في الدنيا، أنَّهم وارِدُون موْرِدَهم.
وداخلون مدخلهم.
والله جل جلاله - مع إظهاره ما قد أظهر لهم من الأحكام المُلْحِقَتِهم في عاجل الدنيا وآجل الآخرة إلى حال تمييزه بينهم وبين أوليائه، وتفريقِه بينهم وبينهم - (105) معدٌّ لهم من أليم عقابه ونَكال عذابه، ما أعدّ منه لأعدى أعدائه وشر عباده, حتى ميز بينهم وبين أوليائه، فألحقهم من طبقات جحيمه بالدَّرك الأسفل = (106) كان معلومًا أنه جل ثناؤه بذلك من فعلِه بهم - وإن كان جزاءً لهم على أفعالهم، وعدلا ما فعل من ذلك بهم لاستحقاقهم إياه منه بعصيانهم له -كان بهم- بما أظهرَ لهم من الأمور التي أظهرها لهم: من إلحاقه أحكامهم في الدنيا بأحكام أوليائِه وهم له أعداء, وحشرِه إياهم في الآخرة مع المؤمنين وهم به من المكذبين -إلى أن ميَّز بينهم وبينهم- مستهزئًا، وبهم ساخرًا، ولهم خادعًا، وبهم ماكرًا (107) .
إذ كان معنى الاستهزاء والسخرية والمكر والخديعة ما وصفنا قبل, دون أن يكون ذلك معناه في حالٍ فيها المستهزئ بصاحبه له ظالم، أو عليه فيها غير عادل, بل ذلك معناه في كل أحواله، إذا وُجدت الصفات التي قدَّمنا ذكرها في معنى الاستهزاء وما أشبهه من نظائره.
وبنحو ما قلنا فيه رُوي الخبر عن ابن عباس: 363- حدثنا أبو كُريب قال: حدثنا عثمان بن سعيد, قال: حدثنا بشر بن عُمارة، عن أبي رَوْق, عن الضحاك, عن ابن عباس، في قوله: " الله يَسْتَهْزِئ بِهِمْ"، قال: يسخر بهم للنقمة منهم (108) .
وأما الذين زعموا أن قول الله تعالى ذكره: الله يَسْتَهْزِئ بِهِمْ"، إنما هو على وجه الجواب, وأنه لم يكن من الله استهزاء ولا مكرٌ ولا خديعة، فنافُون على الله عز وجل ما قد أثبته الله عز وجل لنفسه، وأوجبه لها.
وسواءٌ قال قائل: لم يكن من الله جل ذكره استهزاء ولا مكر ولا خديعة ولا سخريةٌ بمن أخبر أنه يستهزئ ويسخر ويمكر به, أو قال: لم يخسف الله بمن أخبر أنه خَسَف به من الأمم, ولم يُغرق من أخبر أنه أغرقه منهم.
ويقال لقائل ذلك: إن الله جل ثناؤه أخبرنا أنه مكرَ بقوم مضَوْا قبلنا لم نَرَهُم, وأخبر عن آخرين أنه خَسَف بهم, وعن آخرين أنه أغرقهم, فصدَّقْنا الله تعالى ذكره فيما أخبرنا به من ذلك, ولم نُفَرِّق بين شيء منه.
فما بُرهانُك على تفريقك ما فَرَّقت بينه، بزعمك: أنه قد أغرقَ وخَسف بمن أخبر أنه أغرق وخسف به, ولم يمكُرْ بمن أخبر أنه قد مكر به؟
ثم نعكس القول عليه في ذلك، فلن يقول في أحدهما شيئًا إلا ألزِم في الآخَر مثله.
فإن لجأ إلى أن يقول: إن الاستهزاء عبثٌ ولعبٌ, وذلك عن الله عز وجل منفيٌّ.
قيل له: إن كان الأمر عندك على ما وصفتَ من معنى الاستهزاء, أفلست &; 1-306 &; تقول: " الله يستهزئ بهم "، و " سَخِر الله منهم " و " مكر الله بهم ", وإن لم يكنْ من الله عندك هزء ولا سخرية؟
فإن قال: " لا "، كذَّب بالقرآن، وخرج عن ملة الإسلام.
وإن قال: " بلى ", قيل له: أفنقول من الوجه الذي قلت: " الله يستهزئ بهم " و " سخر الله منهم " -" يلعب الله بهم " و " يعبث " - ولا لعبَ من الله ولا عبث؟
فإن قال: " نعم "!
وَصَف الله بما قد أجمع المسلمون على نفيه عنه، وعلى تخطئة واصفه به, وأضاف إليه ما قد قامت الحجة من العقول على ضلال مضيفه إليه.
وإن قال: لا أقول: " يلعب الله بهم " ولا " يعبث ", وقد أقول " يستهزئ بهم " و " يسخر منهم ".
قيل: فقد فرقت بين معنى اللعب والعبث, والهزء والسخرية, والمكر والخديعة.
ومن الوجه الذي جازَ قِيلُ هذا، ولم يَجُزْ قِيلُ هذا، افترق معنياهُما.
فعُلم أن لكل واحد منهما معنى غير معنى الآخر.
وللكلام في هذا النوع موضع غير هذا، كرهنا إطالة الكتاب باستقصائه.
وفيما ذكرنا كفاية لمن وُفق لفهمه.
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: وَيَمُدُّهُمْ قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: (ويمدهم)، فقال بعضهم بما-: 364- حدثني به موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو, قال: حدثنا أسباط, عن السُّدّيّ في خبر ذكره، عن أبي مالك, وعن أبي صالح, عن ابن عباس - وعن مُرَّة, عن ابن مسعود, وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: " يَمُدُّهُمْ"، يملي لهم.
وقال آخرون بما-: 365- حدثني به المثنى بن إبراهيم, قال: حدثنا سُوَيْد بن نصر, عن ابن المبارك , عن ابن جريج قراءةً عن مجاهد: " يمدّهم "، قال: يزيدُهم (109) .
وكان بعضُ نحوييّ البصرة يتأوَّل ذلك أنه بمعنى: يَمُدُّ لَهُم, ويزعم أن ذلك نظيرُ قول العرب: الغلامُ يلعَب الكِعَابَ، يراد به يَلعب بالكعاب.
قال: وذلك أنهم قد يقولون: " قد مَددت له وأمددتُ له " في غير هذا المعنى, وهو قول الله تعالى ذكره: وَأَمْدَدْنَاهُمْ [سورة الطور: 22]، وهذا من: " مددناهم " (110) .
قال: ويقال: قد " مَدَّ البحر فهو مادٌّ" و " أَمَدَّ الجرح فهو مُمِدّ".
وحكي عن يونس الجَرْمِيّ أنه كان يقول: ما كان من الشر فهو " مدَدْت ", وما كان من الخير فهو " أمْدَدت ".
ثم قال: وهو كما فسرت لك، إذا أردت أنك تركته فهو " مَدَدت له "، وإذا أردت أنك أعطيته قلت: " أمْددت ".
وأما بعضُ نحويي الكوفة فإنه كان يقول: كل زيادة حدثت في الشيء من نفسه فهو " مَدَدت " بغير ألف, كما تقول: " مدَّ النهر, ومدَّه نهرٌ آخر غيره "، إذا اتصل به فصار منه، وكلّ زيادة أحدِثتْ في الشيء من غيره فهو بألف, كقولك: " أمدَّ الجرحُ", لأن المدّة من غير الجرح, وأمدَدتُ الجيش بمَدَدٍ.
وأولى هذه الأقوال بالصواب في قوله: " وَيَمُدُّهُمْ": أن يكون بمعنى يزيدهم, على وجه الإملاء والترك لهم في عُتوِّهم وتمردهم, كما وصف ربُّنا أنه فعل بنظرائهم في قوله وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [سورة الأنعام: 110]، يعني نذرُهم ونتركهم فيه، ونملي لهم ليزدادوا إثمًا إلى إثمهم.
ولا وجه لقول من قال: ذلك بمعنى " يَمُدُّ لهم "، لأنه لا تدافُع بين العرب وأهل المعرفة بلغتها (111) أن يستجيزوا قول القائل: " مدَّ النهرَ نهرٌ آخر ", بمعنى: اتصل به فصار زائدًا ماءُ المتَّصَل به بماء المتَّصِل - من غير تأوُّل منهم.
ذلك أن معناه: مدّ النهرَ نهرٌ آخر.
فكذلك ذلك في قول الله: ( وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ) القول في تأويل قوله : فِي طُغْيَانِهِمْ قال أبو جعفر: و " الطُّغيان "" الفُعْلان ", من قولك: " طَغَى فلان يطغَى طُغيانًا ".
إذا تجاوز في الأمر حده فبغى.
ومنه قوله الله: كَلا إِنَّ الإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى [سورة العلق: 6، 7]، أي يتجاوز حدّه.
ومنه قول أمية بن أبي الصَّلْت: وَدَعَــا اللــهَ دَعْــوَةً لاتَ هَنَّــا بَعْــدَ طُغْيَانِــه, فَظَــلَّ مُشِــيرَا (112) وإنما عنى الله جل ثناؤه بقوله ( وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ ) ، أنه يُملي لهم، ويَذَرُهم يَبغون في ضلالهم وكفرهم حيارى يترددون.
كما-: 366- حُدِّثت عن المِنْجاب, قال: حدثنا بشر, عن أبي رَوْق, عن الضحاك, عن ابن عباس في قوله: ( فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ) ، قال: في كفرهم يترددون.
367- حدثني موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو, قال: حدثنا أسباط, عن السُّدّيّ في خبر ذكره, عن أبي مالك, وعن أبي صالح, عن ابن عباس - وعن مُرَّة, عن ابن مسعود, وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: " في طُغيانهم "، في كفرهم.
368- حدثنا بشر بن مُعاذ, قال: حدثنا يزيد بن زُرَيع, عن سعيد, عن قتادة، ( فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ) ، أي في ضلالتهم يعمهون.
369- حُدثت عن عمار بن الحسن, قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع: " في طغيانهم "، في ضلالتهم.
370- وحدثنا يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد في قوله " في طغيانهم "، قال: طغيانهم , كفرهم وضلالتهم (113) .
القول في تأويل قوله: يَعْمَهُونَ (15) قال أبو جعفر: والعَمَهُ نفسُه: الضَّلال.
يقال منه: عَمِه فلان يَعْمه عَمَهانًا وعُمُوهًا، إذا ضل (114) .
ومنه قول رؤبة بن العجاج يصف مَضَلَّة من المهامه: وَمَخْـــفَقِ مِــن لُهْلُــهٍ وَلُهْلُــهِ مِــنْ مَهْمَــهٍ يَجْتَبْنَـهُ فِـي مَهْمَـهِ أَعْمَى الهُدَى بِالجاهلين العُمَّهِ (115) و " العُمَّه " جمع عامِهٍ, وهم الذين يضلّون فيه فيتحيرون.
فمعنى قوله إذًا: ( فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ) : في ضلالهم وكفرهم الذي قد غمرهم دنسُه، وعلاهم رِجْسُه, يترددون حيارى ضُلالا لا يجدون إلى المخرج منه سبيلا لأن الله قد طبع على قلوبهم وختم عليها, فأعمى أبصارهم عن الهدى وأغشاها, فلا يبصرون رُشْدا ولا يهتدون سبيلا.
وبنحو ما قلنا في" العَمَه " جاء تأويل المتأولين.
371- حدثني موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو, قال: حدثنا أسباط, عن السُّدّيّ، في خبر ذكره، عن أبي مالك, وعن أبي صالح, عن ابن عباس - وعن مُرَّة, عن ابن مسعود, وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: " يَعْمَهُون "، يتمادَوْن في كفرهم.
372- وحدثني المثنى بن إبراهيم, قال: حدثنا عبد الله بن صالح, عن معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: " يَعْمَهُونَ"، قال: يتمادَوْن.
373- حدِّثت عن المنجاب, قال: حدثنا بشر, عن أبي رَوْق, عن الضحاك, عن ابن عباس في قوله: " يَعْمَهُونَ"، قال: يتردَّدون.
374- وحدثنا القاسم, قال: حدثنا الحسين, قال: حدثني حجاج, عن ابن جُريج, قال: قال ابن عباس: " يَعْمَهُونَ": المتلدِّد (116) .
375- حدثنا محمد بن عمرو الباهلي, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى بن ميمون, قال حدثنا ابن أبي نَجيح, عن مجاهد، في قول الله: ( فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ) ، قال: يترددون.
376- وحدثني المثنى, قال: حدثنا أبو حذيفة, قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نَجيح, عن مجاهد, مثله.
377- حدثنا سفيان بن وكيع, قال: حدثنا أبي, عن سفيان, عن رجل, عن مجاهد، مثله.
378- حدثني المثنى, قال: حدثنا سُوَيْد بن نصر، عن ابن المبارك, عن ابن جريج قراءة، عن مجاهد، مثله.
379- حُدِّثت عن عمار, قال: حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع،" يَعْمَهُونَ"، قال: يترددون (117) .
------------- الهوامش : (97) الضمير لله سبحانه وتعالى ، وهو معطوف على قوله"توبيخه إياهم .
.
" .
(98) ديوانه : 16 ، وأمالي المرتضى 1 : 41 ، وحجر ، أبو امرئ القيس ، وكانت قتلته بنو أسد رهط عبيد بن الأبرص .
وأم قطام ، هي أم حجر ملك كندة .
والنواهل جمع ناهل وناهلة : والناهل : العطشان ، توصف به الرماح ، كأنها تعطش إلى الدم ، فإذا شرعت في الدم رويت .
(99) في المخطوطة والمطبوعة : "يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم" ، وهي آية سورة البقرة : 9 ، ولم يرد الطبري إلا آية سورة النساء ، كما يدل عليه سياق كلامه ، وكما ستأتي الآية بعد أسطر .
(100) في المطبوعة : "ما يرضيه ويوافقه ظاهرًا" .
(101) في المخطوطة : "مورطه مساءة باطنًا" .
(102) في المطبوعة : "المدخل لهم في عداد .
.
" ، وقوله : "المدخلهم" نعت لقوله : "من الإقرار" .
(103) في المطبوعة : "من أحكام المسلمين .
.
.
" ، وهي زيادة خطأ ، وقوله"أحكام" منصوب بقوله"قد جعل لأهل النفاق في الدنيا من الأحكام" .
.
.
"أحكام" ، وما بينهما فصل .
(104) في المطبوعة : "أنهم مصدقون" .
(105) سياق العبارة : "والله جل جلاله .
.
معد لهم .
.
" .
(106) قوله : "كان معلومًا أنه جواب قوله "فإذا كان ذلك كذلك .
.
.
" ، في أول هذه الفقرة .
(107) أكثر الطبري الفصل بين الكلام في هذه الفقرة ، وسياق العبارة هو كما يلي : " .
.
.
كان معلومًا أنه جل ثناؤه بذلك من فعله بهم .
.
.
كان بهم .
.
مستهزئًا ، وبهم ساخرًا .
.
.
" ، وما بين الكلام في هذين الموضعين فصل للبيان .
(108) الخبر 363- ساقه ابن كثير في تفسيره 1 : 94 ، والسيوطي 1 : 31 ، والشوكاني 1 : 33 .
(109) الخبران 364 ، 365- ساقهما ابن كثير 1 : 31 ، والسيوطي 1 : 31 ، والشوكاني 1 : 33 .
(110) في المطبوعة والمخطوطة : "وهذا من أمددناهم" ، ولعل الصواب ما أثبتناه .
وعنى أن قوله تعالى (ويمدهم في طغيانهم) من"مددت له" التي هي مثل"أمددت له" ، بعد طرح حرف الجر ، كما مثل في قول العرب"الغلام يلعب الكعاب" أي"يلعب بالكعاب" .
(111) في المخطوطة : "لأنه لا تتدافع العرب" ، وهما سواء في المعنى .
(112) ديوانه : 34 مع اختلاف في الرواية .
والضمير في قوله"ودعا الله" إلى فرعون حين أدركه الغرق .
والهاء في قوله"طغيانه" إلى فرعون ، أو إلى الماء لما طغا وأطبق عليه .
وقوله"لات هنا" ، كلمة تدور في كلامهم يريدون بها : "ليس هذا حين ذلك" ، والتاء في قولهم"لات" صلة وصلت بها"لا" ، أصلها"لا هنا" أي ليس هنا ما أردت ، أي مضى حين ذلك .
و"هنا" مفتوحة الهاء مشددة النون ، مثل"هنا" مضمومة الهاء مخففة النون .
وقوله : "مشيرًا" ، أي مشيرًا بيده في دعاء ربه أن ينجيه من الغرق .
(113) الأخبار 366 - 370 : ساقها ابن كثير 1 : 95 ، والسيوطي 1 : 31 ، والشوكاني 1 : 33 .
(114) في ابن كثير 1 : 95"عمها وعموها" ، والذي في الطبري صحيح : "عمها وعموها وعموهة وعمهانًا" .
(115) ديوانه : 166 .
والمخفق : الأرض الواسعة المستوية التي يخفق فيها السراب ، أي يضطرب .
ولهله : أرض واسعة يضطرب فيها السراب ، والجمع لهاله .
والمهمه : الفلاة المقفرة ليس بها ماء ولا أنيس .
وجاب المفازة واجتابها : قطعها سيرًا .
وقوله"في مهمه" : أي يقطعنه ويدخلن في مهمه آخر موغلين في الصحراء .
(116) تلدد للرجل فهو متلدد : إذا لبث في مكانه حائرًا متبلدًا يتلفت يمينًا وشمالا .
(117) الأخبار : 372 - 379 : ساقها السيوطي 1 : 31 ، والشوكاني 1 : 33 ، وخرجا أثر مجاهد في تفسير الآية : "أي يلعبون ويترددون في الضلالة" .
قوله تعالى : الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهونقوله تعالى : الله يستهزئ بهم أي ينتقم منهم ويعاقبهم ، ويسخر بهم ويجازيهم على استهزائهم ، فسمى العقوبة باسم الذنب .
هذا قول الجمهور من العلماء ، والعرب تستعمل ذلك كثيرا في كلامهم ، من ذلك قول عمرو بن كلثوم :ألا لا يجهلا أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا[ ص: 201 ] فسمى انتصاره جهلا ، والجهل لا يفتخر به ذو عقل ، وإنما قاله ليزدوج الكلام فيكون أخف على اللسان من المخالفة بينهما .
وكانت العرب إذا وضعوا لفظا بإزاء لفظ جوابا له وجزاء ذكروه بمثل لفظه ، وإن كان مخالفا له في معناه ، وعلى ذلك جاء القرآن والسنة .
وقال الله عز وجل : وجزاء سيئة سيئة مثلها .
وقال : فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم والجزاء لا يكون سيئة .
والقصاص لا يكون اعتداء ; لأنه حق وجب ، ومثله : ومكروا ومكر الله .
و إنهم يكيدون كيدا وأكيد كيدا .
و إنما نحن مستهزئون الله يستهزئ بهم وليس منه سبحانه مكر ولا هزء ولا كيد .
إنما هو جزاء لمكرهم واستهزائهم وجزاء كيدهم ، وكذلك يخادعون الله وهو خادعهم .
فيسخرون منهم سخر الله منهم .
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله لا يمل حتى تملوا ولا يسأم حتى تسأموا .
قيل : حتى بمعنى الواو أي وتملوا .
وقيل : المعنى وأنتم تملون .
وقيل : المعنى لا يقطع عنكم ثواب أعمالكم حتى تقطعوا العمل .
وقال قوم : إن الله تعالى يفعل بهم أفعالا هي في تأمل البشر هزء وخدع ومكر ، حسب ما روي : ( إن النار تجمد كما تجمد الإهالة فيمشون عليها ويظنونها منجاة فتخسف بهم ) .
وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله تعالى : وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا هم منافقو أهل الكتاب ، فذكرهم وذكر استهزاءهم ، وأنهم إذا خلوا إلى شياطينهم يعني رؤساءهم في الكفر - على ما تقدم قالوا : إنا معكم على دينكم إنما نحن مستهزئون بأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم .
الله يستهزئ بهم في الآخرة ، يفتح لهم باب جهنم من الجنة ، ثم يقال لهم : تعالوا ، فيقبلون يسبحون في النار ، والمؤمنون على الأرائك - وهي السرر - في الحجال ينظرون إليهم ، فإذا انتهوا إلى الباب سد عنهم ، فيضحك المؤمنون منهم ، فذلك قول الله عز وجل : الله يستهزئ بهم أي في [ ص: 202 ] الآخرة ، ويضحك المؤمنون منهم حين غلقت دونهم الأبواب ، فذلك قوله تعالى : فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون على الأرائك ينظرون إلى أهل النار هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون .
وقال قوم : الخداع من الله والاستهزاء هو استدراجهم بدرور النعم الدنيوية عليهم ، فالله سبحانه وتعالى يظهر لهم من الإحسان في الدنيا خلاف ما يغيب عنهم ، ويستر عنهم من عذاب الآخرة ، فيظنون أنه راض عنهم ، وهو تعالى قد حتم عذابهم ، فهذا على تأمل البشر كأنه استهزاء ومكر وخداع ، ودل على هذا التأويل قوله صلى الله عليه وسلم : إذا رأيتم الله عز وجل يعطي العبد ما يحب وهو مقيم على معاصيه فإنما ذلك منه استدراج .
ثم نزع بهذه الآية : فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين .
وقال بعض العلماء في قوله تعالى : سنستدرجهم من حيث لا يعلمون : كلما أحدثوا ذنبا أحدث لهم نعمة .قوله تعالى : ويمدهم أي يطيل لهم المدة ويمهلهم ويملي لهم ، كما قال : إنما نملي لهم ليزدادوا إثما وأصله الزيادة .
قال يونس بن حبيب : يقال مد لهم في الشر ، وأمد في الخير ، قال الله تعالى : وأمددناكم بأموال وبنين .
.
وقال : وأمددناهم بفاكهة ولحم مما يشتهون .
وحكي عن الأخفش : مددت له إذا تركته ، وأمددته إذا أعطيته .
وعن الفراء واللحياني : مددت ، فيما كانت زيادته من مثله ، يقال : مد النهر النهر ، وفي التنزيل : والبحر يمده من بعده سبعة أبحر .
وأمددت ، فيما كانت زيادته من غيره ، كقولك : أمددت الجيش بمدد ، ومنه : يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة .
وأمد الجرح ; لأن المدة من غيره ، أي صارت فيه مدة .قوله تعالى : في طغيانهم : كفرهم وضلالهم .
وأصل الطغيان مجاوزة الحد ، ومنه قوله تعالى : إنا لما طغى الماء أي ارتفع وعلا وتجاوز المقدار الذي قدرته الخزان .
وقوله في فرعون : إنه طغى أي أسرف في الدعوى حيث قال : أنا ربكم الأعلى .[ ص: 203 ] والمعنى في الآية : يمدهم بطول العمر حتى يزيدوا في الطغيان فيزيدهم في عذابهم .قوله تعالى : يعمهون يعمون .
وقال مجاهد : أي يترددون متحيرين في الكفر .
وحكى أهل اللغة : عمه الرجل يعمه عموها وعمها فهو عمه وعامه إذا حار ، ويقال رجل عامه وعمه : حائر متردد ، وجمعه عمه .
وذهبت إبله العمهى إذا لم يدر أين ذهبت .
والعمى في العين ، والعمه في القلب ، وفي التنزيل : فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور
قال تعالى: { اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ } وهذا جزاء لهم, على استهزائهم بعباده، فمن استهزائه بهم أن زين لهم ما كانوا فيه من الشقاء والحالة الخبيثة, حتى ظنوا أنهم مع المؤمنين, لما لم يسلط الله المؤمنين عليهم، ومن استهزائه بهم يوم القيامة, أنه يعطيهم مع المؤمنين نورا ظاهرا, فإذا مشي المؤمنون بنورهم, طفئ نور المنافقين, وبقوا في الظلمة بعد النور متحيرين, فما أعظم اليأس بعد الطمع، { يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ } الآية.
قوله: { وَيَمُدُّهُمْ } أي: يزيدهم { فِي طُغْيَانِهِمْ } أي: فجورهم وكفرهم، { يَعْمَهُونَ } أي: حائرون مترددون, وهذا من استهزائه تعالى بهم.
{الله يستهزئ بهم}: أي يجازيهم جزاء استهزائهم.
سمي الجزاء باسمه لأنه في مقابلته، كما قال الله تعالى: {وجزاء سيئة سيئة مثلها} [40-الشورى].
قال ابن عباس: "هو أن يفتح لهم باب من الجنة فإذا انتهوا إليه سد عنهم، وردوا إلى النار".
وقيل: هو أن يضرب للمؤمنين نور يمشون به على الصراط فإذا وصل المنافقون إليه حيل بينهم وبين المؤمنين، كما قال الله تعالى: {وحيل بينهم وبين ما يشتهون} [54-سبأ]، قال الله تعالى: {فضرب بينهم بسور له باب..} الآية [13-الحديد].
وقال الحسن: "معناه الله يُظْهِر المؤمنين على نفاقهم".
{ويمدهم}: يتركهم ويمهلهم.
والمد والإمداد واحد، وأصله الزيادة إلا أن المد أكثر ما يأتي في الشر، والإمداد في الخير، قال الله تعالى في المد: {ونمد له من العذاب مداً} [79-مريم]، وقال في الإمداد: {وأمددناكم بأموال وبنين} [6-الإسراء]، {وأمددناهم بفاكهة} [22-الطور].
{في طغيانهم}: أي في ضلالتهم.
وأصله مجاوزة الحد، ومنه طغى الماء.
{يعمهون}: أي يترددون في الضلالة متحيرين.
«الله يستهزئ بهم» يجازيهم باستهزائهم «ويمدهم» يُمهلهم «في طغيانهم» بتجاوزهم الحد بالكفر «يعمهون» يترددون تحيراً حال.
الله يستهزئ بهم ويُمهلهم؛ ليزدادوا ضلالا وحَيْرة وترددًا، ويجازيهم على استهزائهم بالمؤمنين.
ثم بين - سبحانه - موقفه منهم فقال : ( الله يَسْتَهْزِىءُ ) .حمل بعض العلماء استهزاء الله بهم على الحقيقة وإن لم يكن من أسمائه المستهزئ ، لأن معناه يحتقرهم على وجه شأنه أن يتعجب منه ، وهذا المعنى غير مستحيل على الله ، فيصح إسناده إليه - تعالى - على وجه الحقيقة .ويرى جمهور العلماء أن الاستهزاء لا ينفك عن التلبيس كأن يظهر المستهزئ استحسان الشيء وهو في الواقع غير حسن ، أو يقر المستهزأ به على أمر غير صواب ، وهذا المعنى لا يليق بجلال الله ، فيجب حمل الاستهزاء المسند إليه تعالى على معنى يليق بجلاله ، فيحمل على ما يلزم على الاستهزاء من الانتقام والعقوبة والجزاء المقابل لاستهزائهم ، وسمى ذلك استهزاء على سبيل المشاكلة كما في قوله تعالى :( وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ) وهذا دليل على غيرة الله على عباده المؤمنين ، وانتقامه من كل من يستهزئ بهم أو يؤذيهم .وعبر بالمضارع في قوله ( يَسْتَهْزِىءُ ) للإِيذان بأن احتقاره لهم ، أو مجازاتهم على استهزائهم يتجدد ويقع المرة بعد الأخرى :ثم بين - سبحانه - لونا آخر من ألوان غضبه عليهم فقال : ( وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ) .المد : الإمهال والمطاولة والزيادة ، من المد بمعنى الإِمهال ، يقال : مده في غيه - من باب رد - أمهله وطول له ، ويقال : مد الجيش وأمده إذا ألحق به ما يقويه ويكثره ويزيده ، وقيل : أكثر ما يستعمل المد في المكروه ، والإِمداد في المحبوب ، والطغيان : مجاوزة الحد ، ومنه طغا الماء ، أي : ارتفع .ويعمهون : يعمون عن الرشد ، أو يتحيرون ويترددون بين الإِظهار والإِخفاء ، أو بين البقاء على الكفر وتركه إلى الإِيمان .
يقال : عمه - كفرح ومنع - عمها ، إذا تردد وتحير ، فهو عمه وعامه ، وهم عمهون وعمه كركع والمعنى : أن الله تعالى يجازي هؤلاء المنافقين على استهزائهم وخداعهم ، ويمكنهم من المعاصي أو يملري لهم ليزدادوا إثماً .
حال كونهم يعمون عن الرشد ، فلا يبصرون الحق حقاً ولا الباطل باطلا .
هذا هو النوع الرابع من أفعالهم القبيحة، يقال: لقيته ولاقيته إذا استقبلته قريباً منه، وقرأ أبو حنيفة: وإذا لاقوا أما قوله: ﴿ قَالُواْ ءامَنَّا ﴾ فالمراد أخلصنا بالقلب، والدليل عليه وجهان: الأول: أن الإقرار باللسان كان معلوماً منهم فما كانوا يحتاجون إلى بيانه، إنما المشكوك فيه هو الإخلاص بالقلب، فيجب أن يكون مرادهم من هذا الكلام ذلك.
الثاني: أن قولهم للمؤمنين آمنا يجب أن يحمل على نقيض ما كانوا يظهرونه لشياطينهم، وإذا كانوا يظهرون لهم التكذيب بالقلب فيجب أن يكون مرادهم فيما ذكروه للمؤمنين التصديق بالقلب، أما قوله: ﴿ وَإِذَا خَلَوْاْ إلى شياطينهم ﴾ فقال صاحب الكشاف: يقال خلوت بفلان وإليه، وإذا انفردت معه ويجوز أن يكون من خلا بمعنى مضى، ومنه القرون الخالية، ومن خلوت به إذا سخرت منه، من قولك: خلا فلان بعرض فلان أي: يعبث به، ومعناه أنهم أنهوا السخرية بالمؤمنين إلى شياطينهم وحدثوهم بها كما تقول: أحمد إليك فلاناً وأذمه إليك.
وأما شياطينهم فهم الذين ماثلوا الشياطين في تمردهم، أما قوله: ﴿ إِنَّا مَعَكُمْ ﴾ ففيه سؤالان: السؤال الأول: هذا القائل أهم كل المنافقين أو بعضهم.
الجواب: في هذا خلاف، لأن من يحمل الشياطين على كبار المنافقين يحمل هذا القول على أنه من صغارهم وكانوا يقولون للمؤمنين آمنا وإذا عادوا إلى أكابرهم قالوا إنا معكم؛ لئلا يتوهموا فيهم المباينة، ومن يقول في الشياطين: المراد بهم الكفار لم يمنع إضافة هذا القول إلى كل المنافقين، ولا شبهة في أن المراد بشياطينهم أكابرهم، وهم إما الكفار وإما أكابر المنافقين، لأنهم هم الذين يقدرون على الإفساد في الأرض، وأما أصاغرهم فلا.
السؤال الثاني: لم كانت مخاطبتهم المؤمنين بالجملة الفعلية، وشياطينهم بالجملة الإسمية محققة بأن الجواب: ليس ما خاطبوا به المؤمنين جديراً بأقوى الكلامين، لأنهم كانوا في ادعاء حدوث الإيمان منهم لا في ادعاء أنهم في الدرجة الكاملة منه، إما لأن أنفسهم لا تساعدهم على المبالغة لأن القول الصادر عن النفاق والكراهة قلما يحصل معه المبالغة؛ وإما لعلمهم بأن ادعاء الكمال في الإيمان لا يروج على المسلمين، وأما كلامهم مع إخوانهم فهم كانوا يقولونه عن الاعتقاد وعلموا أن المستمعين يقبلون ذلك منهم، فلا جرم كان التأكيد لائقاً به.
أما قوله: ﴿ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءونَ ﴾ ففيه سؤالان.
السؤال الأول: ما الاستهزاء؟
الجواب: أصل الباب الخفة من الهزء وهو العدو السريع، وهزأ يهزأ مات على مكانه، وناقته تهزأ به أي تسرع، وحدُّه أنه عبارة عن إظهار موافقة مع إبطان ما يجري مجرى السوء على طريق السخرية، فعلى هذا قولهم: ﴿ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءونَ ﴾ يعني نظهر لهم الموافقة على دينهم لنأمن شرهم ونقف على أسرارهم، ونأخذ من صدقاتهم وغنائمهم.
السؤال الثاني: كيف تعلق قوله: ﴿ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءونَ ﴾ بقوله: ﴿ إِنَّا مَعَكُمْ ﴾ الجواب: هو توكيد له؛ لأن قوله: ﴿ إِنَّا مَعَكُمْ ﴾ معناه الثبات على الكفر وقوله: ﴿ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءونَ ﴾ رد للإسلام، ورد نقيض الشيء تأكيد لثباته، أو بدل منه، لأن من حقر الإسلام فقد عظم الكفر، أو استئناف، كأنهم اعترضوا عليه حين قالوا: إنا معكم، فقالوا إن صح ذلك فكيف توافقون أهل الإسلام؟
فقالوا: إنما نحن مستهزئون.
واعلم أنه سبحانه وتعالى لما حكى عنهم ذلك أجابهم بأشياء.
أحدها: قوله: ﴿ الله يَسْتَهْزِئ بِهِمْ ﴾ وفيه أسئلة.
الأول: كيف يجوز وصف الله تعالى بأنه يستهزئ وقد ثبت أن الاستهزاء لا ينفك عن التلبيس، وهو على الله محال، ولأنه لا ينفك عن الجهل، لقوله: ﴿ قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بالله أَنْ أَكُونَ مِنَ الجاهلين ﴾ والجهل على الله محال والجواب: ذكروا في التأويل خمسة أوجه: أحدها: أن ما يفعله الله بهم جزاء على استهزائهم سماه بالاستهزاء، لأن جزء الشيء يسمى باسم ذلك الشيء قال تعالى: ﴿ وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا ﴾ ﴿ فَمَنِ اعتدى عَلَيْكُمْ فاعتدوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعتدى عَلَيْكُمْ ﴾ ﴿ يخادعون الله وَهُوَ خَادِعُهُمْ ﴾ ﴿ وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ الله ﴾ وقال عليه السلام: «اللهم إن فلاناً هجاني وهو يعلم أني لست بشاعر فاهجه، اللهم والعنه عدد ما هجاني» أي أجزه جزاء هجائه، وقال عليه السلام: «تكلفوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا».
وثانيها: أن ضرر استهزائهم بالمؤمنين راجع عليهم وغير ضار بالمؤمنين، فيصير كأن الله استهزأ بهم.
وثالثها: أن من آثار الاستهزاء حصول الهوان والحقارة فذكر الاستهزاء، والمراد حصول الهوان لهم تعبيراً بالسبب عن المسبب.
ورابعها: إن استهزاء الله بهم أن يظهر لهم من أحكامه في الدنيا ما لهم عند الله خلافها في الآخرة، كما أنهم أظهروا للنبي والمؤمنين أمراً مع أن الحاصل منهم في السر خلافه، وهذا التأويل ضعيف، لأنه تعالى لما أظهر لهم أحكام الدنيا فقد أظهر الأدلة الواضحة بما يعاملون به في الدار الآخرة من سوء المنقلب والعقاب العظيم، فليس في ذلك مخالفة لما أظهره في الدنيا.
وخامسها: أن الله تعالى يعاملهم معاملة المستهزئ في الدنيا وفي الآخرة، أما في الدنيا فلأنه تعالى أطلع الرسول على أسرارهم مع أنهم كانوا يبالغون في إخفائها عنه، وأما في الآخرة فقال ابن عباس: إذا دخل المؤمنون الجنة، والكافرون النار فتح الله من الجنة باباً على الجحيم في الموضع الذي هو مسكن المنافقين، فإذا رأى المنافقون الباب مفتوحاً أخذوا يخرجون من الجحيم ويتوجهون إلى الجنة، وأهل الجنة ينظرون إليهم، فإذا وصلوا إلى باب الجنة فهناك يغلق دونهم الباب، فذاك قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الذين أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ الذين ءامَنُواْ يَضْحَكُونَ ﴾ إلى قوله: ﴿ فاليوم الذين ءامَنُواْ مِنَ الكفار يَضْحَكُون ﴾ فهذا هو الاستهزاء بهم.
السؤال الثاني: كيف ابتدأ قوله: ﴿ الله يَسْتَهْزِئ بِهِمْ ﴾ ولم يعطف على الكلام الذي قبله؟
الجواب: هو استئناف في غاية الجزالة والفخامة، وفيه أن الله تعالى هو الذي يستهزئ بهم استهزاء العظيم الذي يصير استهزائهم في مقابلته كالعدم، وفيه أيضاً أن الله هو الذي يتولى الاستهزاء بهم انتقاماً للمؤمنين، ولا يحوج المؤمنين إلى أن يعارضوهم باستهزاء مثله.
السؤال الثالث: هل قيل: إن الله مستهزئ بهم ليكون مطابقاً لقوله: ﴿ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءونَ ﴾ الجواب لأن يستهزئ يفيد حدوث الاستهزاء وتجدده وقتاً بعد وقت، وهذا كانت نكايات الله فيهم: ﴿ أَوْ لاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ﴾ وأيضاً فما كانوا يخلون في أكثر أوقاتهم من تهتك أستار وتكشف أسرار واستشعار حذر من أن تنزل عليهم آية ﴿ يَحْذَرُ المنافقون أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبّئُهُمْ بِمَا قُلُوبِهِم في قُلِ استهزءوا إِنَّ الله مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ ﴾ الجواب الثاني: قوله تعالى: ﴿ وَيَمُدُّهُمْ فِي طغيانهم يَعْمَهُونَ ﴾ قال صاحب (الكشاف) إنه من مد الجيش وأمده إذا زاده وألحق به ما يقويه ويكثره، وكذلك مد الدواة وأمدها زادها ما يصلحها؛ ومددت السراج والأرض إذا أصلحتهما بالزيت والسماد، ومده الشيطان في الغي، وأمده إذا واصله بالوسواس، ومد وأمد بمعنى واحد.
وقال بعضهم: مد يستعمل في الشر، وأمد في الخير قال تعالى: ﴿ أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ ﴾ ومن الناس من زعم أنه من المد في العمر والإملاء والإمهال وهذا خطأ لوجهين: الأول: أن قراءة ابن كثير، وابن محيصن (ونمدهم) وقراءة نافع (وإخوانهم يمدونهم في الغي) يدل على أنه من المدد دون المد.
الثاني: أن الذي بمعنى أمهله إنما هو مد له، كأملي له.
قالت المعتزلة: هذه الآية لا يمكن أجراؤها على ظاهرها لوجوه: أحدها: قوله تعالى: ﴿ وإخوانهم يَمُدُّونَهُمْ فِي الغى ﴾ أضاف ذلك الغي إلى إخوانهم، فكيف يكون مضافاً إلى الله تعالى.
وثانيها: أن الله تعالى ذمهم على هذا الطغيان فلو كان فعلاً لله تعالى فكيف يذمهم عليه.
وثالثها: لو كان فعلاً لله تعالى لبطلت النبوة وبطل القرآن فكان الاشتغال بتفسيره عبثاً.
ورابعها: أنه تعالى أضاف الطغيان إليهم بقوله: في طغيانهم ولو كان ذلك من الله لما أضافه إليهم، فظهر أنه تعالى إنما أضافه إليهم ليعرف أنه تعالى غير خالق لذلك، ومصداقه أنه حين أسند المد إلى الشياطين أطلق الغي ولم يقيده بالإضافة في قوله: ﴿ وإخوانهم يَمُدُّونَهُمْ فِي الغى ﴾ إذا ثبت هذا فنقول: التأويل من وجوه: أحدها: وهو تأويل الكعبي وأبي مسلم بن يحيى الأصفهاني أن الله تعالى لما منحهم ألطافه التي يمنحها المؤمنين وخذلهم بسبب كفرهم وإصرارهم عليه بقيت قلوبهم مظلمة بتزايد الظلمة فيها وتزايد النور في قلوب المسلمين فسمي ذلك التزايد مدداً وأسنده إلى الله تعالى لأنه مسبب عن فعله بهم.
وثانيها: أن يحمل على منع القسر والإلجاء كما قيل: إن السفيه إذا لم ينه فهو مأمور.
وثالثها: أن يسند فعل الشيطان إلى الله تعالى لأنه بتمكينه وإقداره والتخلية بينه وبين إغواء عباده.
ورابعاً: ما قاله الجبائي فإنه قال ويمدهم أي يمد عمرهم ثم إنهم مع ذلك في طغيانهم يعمهون وهذا ضعيف من وجهين: الأول: لما تبينا أنه لا يجوز في اللغة تفسير ويمدهم بالمد في العمر.
الثاني: هب أنه يصح ذلك ولكنه يفيد أنه تعالى يمد عمرهم لغرض أن يكونوا في طغيانهم يعمهون وذلك يفيد الإشكال أجاب القاضي عن ذلك بأنه ليس المراد أنه تعالى يمد عمرهم لغرض أن يكونوا في الطغيان، بل المراد، أنه تعالى يبقيهم ويلطف بهم في الطاعة فيأبون إلا أن يعمهوا.
واعلم أن الكلام في هذا الباب تقدم في قوله: ﴿ خَتَمَ الله على قُلُوبِهِمْ ﴾ فلا فائدة في الإعادة.
واعلم أن الطغيان هو الغلو في الكفر ومجاوزة الحد في العتو، قال تعالى: ﴿ إِنَّا لَمَّا طَغَا الماء ﴾ أي جاوز قدره، وقال: ﴿ اذهب إلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طغى ﴾ أي أسرف وتجاوز الحد.
وقرأ زيد بن علي في طغيانهم بالكسر وهما لغتان كلقيان ولقيان، والعمه مثل العمى إلا أن العمى عام في البصر والرأي والعمه في الرأي خاصة، وهو التردد والتحير لا يدري أين يتوجه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وإذا قيل لهم ﴾ معطوف على يكذبون.
ويجوز أن يعطف على (يقول آمنا) لأنك لو قلت: ومن الناس من إذا قيل لهم لا تفسدوا، كان صحيحاً، والأوّل أوجه.
والفساد: خروج الشيء عن حال استقامته وكونه منتفعاً به، ونقيضه؛ الصلاح، وهو الحصول على الحال المستقيمة النافعة.
والفساد في الأرض: هيج الحروب والفتن، لأن في ذلك فساد ما في الأرض وانتفاء الاستقامة عن أحوال الناس والزروع والمنافع الدينية والدنيوية.
قال الله تعالى: ﴿ وَإِذَا تولى سعى فِي الارض لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الحرث والنسل ﴾ [البقرة: 205] ﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدماء ﴾ [البقرة: 30] .
ومنه قيل لحرب كانت بين طيء: حرب الفساد.
وكان فساد المنافقين في الأرض.
أنهم كانوا يمايلون الكفار ويمالئونهم على المسلمين بإفشاء أسرارهم إليهم وإغرائهم عليهم، وذلك مما يؤدّي إلى هيج الفتن بينهم، فلما كان ذلك من صنيعهم مؤدياً إلى الفساد قيل لهم: ﴿ لا تفسدوا ﴾ ، كما تقول للرجل: لا تقتل نفسك بيدك، ولا تلق نفسك في النار، إذا أقدم على ما هذه عاقبته.
و ﴿ إِنَّمَا ﴾ لقصر الحكم على شيء، كقولك: إنما ينطق زيد، أو لقصر الشيء على حكم كقولك: إنما زيد كاتب.
ومعنى ﴿ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ﴾ أن صفة المصلحين خلصت لهم وتمحضت من غير شائبة قادح فيها من وجه من وجوه الفساد.
و ﴿ ألآ ﴾ مركبة من همزة الاستفهام وحرف النفي، لإعطاء معنى التنبيه على تحقق ما بعدها، والاستفهام إذا دخل على النفي أفاد تحقيقاً كقوله: ﴿ أَلَيْسَ ذَلِكَ بقادر ﴾ [القيامة: 40] ؟
ولكونها في هذا المنصب من التحقيق، لا تكاد تقع الجملة بعدها إلا مصدّرة بنحو ما يتلقى به القسم.
وأختها التي هي (أما) من مقدّمات اليمين وطلائعها: أَمَا والَّذِي لا يَعْلَمُ الغَيْبَ غيْرُهُ ** أَمَا والَّذِي أَبْكَى وأَضحَكَ ردّ الله ما ادعوه من الانتظام في جملة المصلحين أبلغ ردّ وأدله على سخط عظيم، والمبالغة فيه من جهة الاستئناف وما في كلتا الكلمتين ألا.
وإن من التأكيدين وتعريف الخبر وتوسيط الفصل.
وقوله: ﴿ لاَّ يَشْعُرُونَ ﴾ أتوهم في النصيحة من وجهين: أحدهما تقبيح ما كانوا عليه لبعده من الصواب وجرّه إلى الفساد والفتنة.
والثاني: تبصيرهم الطريق الأسد من أتباع ذوي الأحلام، ودخولهم في عدادهم؛ فكان من جوابهم أن سفهوهم لفرط سفههم، وجهلوهم لتمادي جهلهم.
وفي ذلك تسلية للعالم مما يلقى من الجهلة.
فإن قلت: كيف صح أن يسند (قيل) إلى ﴿ لا تفسدوا ﴾ ، ﴿ وآمنوا ﴾ وإسناد الفعل إلى الفعل مما لا يصح؟
قلت: الذي لا يصح هو إسناد الفعل إلى معنى الفعل، وهذا إسناد له إلى لفظه، كأنه قيل: وإذا قيل لهم هذا القول وهذا الكلام.
فهو نحو قولك: (ألف) ضرب من ثلاثة أحرف.
ومنه: (زعموا مطية الكذب).
و (ما) في (كما) يجوز أن تكون كافة مثلها في (ربما)، ومصدرية مثلها في ﴿ بِمَا رَحُبَتْ ﴾ [التوبة: 25] .
واللام في ﴿ الناس ﴾ للعهد، أي كما آمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه.
أو هم ناس معهودون كعبد الله بن سلام وأشياعه لأنهم من جلدتهم ومن أبناء جنسهم، أي: كما آمن أصحابكم وإخوانكم، أو للجنس أي: كما آمن الكاملون في الإنسانية.
أو جعل المؤمنون كأنهم الناس على الحقيقة، ومن عداهم كالبهائم في فقد التمييز بين الحق والباطل.
والاستفهام في ﴿ أَنُؤْمِنُ ﴾ في معنى الإنكار.
واللام في ﴿ السفهاء ﴾ مشار بها إلى الناس، كما تقول لصاحبك: إن زيداً قد سعى بك، فيقول: أو قد فعل السفيه.
ويجوز أن تكون للجنس، وينطوي تحته الجاري ذكرهم على زعمهم واعتقادهم؛ لأنهم عندهم أعرق الناس في السفه.
فإن قلت: لم سفهوهم واستركوا عقولهم، وهم العقلاء المراجيح؟
قلت: لأنهم لجهلهم وإخلالهم بالنظر وإنصاف أنفسهم، اعتقدوا أن ما هم فيه هو الحق وأن ما عداه باطل، ومن ركب متن الباطل كان سفيهاً؛ ولأنهم كانوا في رياسة وسطة في قومهم ويسار، وكان أكثر المؤمنين فقراء ومنهم موال كصهيب وبلال وخباب، فدعوهم سفهاء تحقيراً لشأنهم.
أو أرادوا عبد الله بن سلام وأشياعه ومفارقتهم دينهم وما غاظهم من إسلامهم وفت في أعضادهم.
قالوا ذلك على سبيل التجلد توقياً من الشماتة بهم مع علمهم أنهم من السفه بمعزل، والسفه سخافة العقل وخفة الحلم.
فإن قلت: فلم فصلت هذه الآية ب ﴿ لاَّ يَعْلَمُونَ ﴾ ، والتي قبلها ب ﴿ لاَّ يَشْعُرُونَ ﴾ ؟
قلت: لأن أمر الديانة والوقوف على أن المؤمنين على الحقّ وهم على الباطل، يحتاج إلى نظر واستدلال حتى يكتسب الناظر المعرفة.
وأما النفاق وما فيه من البغي المؤدّي إلى الفتنة والفساد في الأرض فأمر دينويّ مبني على العادات، معلوم عند الناس، خصوصاً عند العرب في جاهليتهم وما كان قائماً بينهم من التغاور والتناحر والتحارب والتحازب، فهو كالمحسوس المشاهد؛ ولأنه قد ذكر السفه وهو جهل فكان ذكر العلم معه أحسن طباقاً له.
مساق هذه الآية بخلاف ما سيقت له أوّل قصة المنافقين فليس بتكرير، لأن تلك في بيان مذهبهم والترجمة عن نفاقهم، وهذه في بيان ما كانوا يعملون عليه مع المؤمنين من التكذيب لهم والاستهزاء بهم ولقائهم بوجوه المصادقين وإيهامهم أنهم معهم، فإذا فارقوهم إلى شطار دينهم صدقوهم ما في قلوبهم.
وروي: أن عبد الله بن أبيّ وأصحابه خرجوا ذات يوم فاستقبلهم نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عبد الله انظروا كيف أردّ هؤلاء السفهاء عنكم، فأخذ بيد أبي بكر فقال: مرحباً بالصدّيق سيد بني تيم وشيخ الإسلام وثاني رسول الله في الغار، الباذل نفسه وماله لرسول الله.
ثم أخذ بيد عمر فقال: مرحباً بسيد بني عديّ الفاروق القويّ في دين الله، الباذل نفسه وماله لرسول الله.
ثم أخذ بيد عليّ فقال: مرحباً بابن عم رسول الله وختنه سيد بني هاشم ما خلا رسول الله.
ثم افترقوا فقال لأصحابه: كيف رأيتموني فعلت؟
فأثنوا عليه خيراً، فنزلت.
ويقال لقيته ولاقيته إذا استقبلته قريباً منه، وهو جاري ملاقيّ ومراوقي.
وقرأ أبو حنيفة: وإذا لاقوا.
وخلوت بفلان وإليه، إذا انفردت معه.
ويجوز أن يكون من (خلا) بمعنى: مضى، وخلاك ذمّ: أي عداك ومضى عنك.
ومنه: القرون الخالية، ومن (خلوت به) إذا سخرت منه.
وهو من قولك: خلا فلان بعرض فلان يعبث به.
ومعناه: وإذا أنهوا السخرية بالمؤمنين إلى شياطينهم وحدّثوهم بها.
كما تقول: أحمد إليك فلاناً، وأذمّه إليك.
وشياطينهم: الذين ماثلوا الشياطين في تمرّدهم.
وقد جعل سيبويه نون الشيطان في موضع من كتابه أصلية، وفي آخر زائدة.
والدليل على أصالتها قولهم: تشيطن، واشتقاقه من (شطن) إذا بعد؛ لبعده من الصلاح والخير.
ومن (شاط) إذا بطل إذا جعلت نونه زائدة.
ومن أسمائه الباطل.
﴿ إِنَّا مَعَكُمْ ﴾ إنا مصاحبوكم وموافقوكم على دينكم.
فإن قلت: لم كانت مخاطبتهم المؤمنين بالجملة الفعلية، وشياطينهم بالإسمية محققة بأن؟
قلت: ليس ما خاطبوا به المؤمنين جديراً بأقوى الكلامين وأوكدهما، لأنهم في ادّعاء حدوث الإيمان منهم ونشئه من قبلهم، لا في ادعاء أنهم أوحديون في الإيمان غير مشقوق فيه غبارهم، وذلك إما لأنّ أنفسهم لا تساعدهم عليه، إذ ليس لهم من عقائدهم باعث ومحرّك، وهكذا كل قول لم يصدر عن أريحية وصدق رغبة واعتقاد.
وإما لأنه لا يروج عنهم لو قالوه على لفظ التوكيد والمبالغة.
وكيف يقولونه ويطمعون في رواجه وهم بين ظهراني المهاجرين والأنصار الذين مثلهم في التوراة والإنجيل.
ألا ترى إلى حكاية الله قول المؤمنين: ﴿ رَبَّنَا إِنَّنَا ءامَنَّا ﴾ [آل عمران: 16] .
وأما مخاطبة إخوانهم، فهم فيما أخبروا به عن أنفسهم من الثبات على اليهودية والقرار على اعتقاد الكفر، والبعد من أن يزلوا عنه على صدق رغبة ووفور نشاط وارتياح للتكلم به، وما قالوه من ذلك فهو رائج عنهم متقبل منهم، فكان مظنة للتحقيق ومثنة للتوكيد.
فإن قلت: أنى تعلق قوله: ﴿ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ ﴾ بقوله: ﴿ إِنَّا مَعَكُمْ ﴾ قلت: هو توكيد له، لأن قوله: ﴿ إِنَّا مَعَكُمْ ﴾ معناه الثبات على اليهودية.
وقوله: ﴿ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ ﴾ ردّ للإسلام ودفع له منهم، لأن المستهزئ بالشيء المستخف به منكر له ودافع لكونه معتداً به، ودفع نقيض الشيء تأكيد لثباته أو بدل منه، لأن من حقر الإسلام فقد عظم الكفر.
أو استئناف، كأنهم اعترضوا عليهم حين قالوا لهم: ﴿ إِنَّا مَعَكُمْ ﴾ ، فقالوا: فما بالكم إن صح أنكم معنا توافقون أهل الإسلام فقالوا: إنما نحن مستهزئون.
والاستهزاء: السخرية والاستخفاف، وأصل الباب الخفة من الهزء وهو القتل السريع وهزأ يهزأ: مات على المكان.
عن بعض العرب: مشيت فلغبت فظننت لأهزأنّ على مكاني.
وناقته تهزأ به: أي تسرع وتخف.
فإن قلت: لا يجوز الاستهزاء على الله تعالى، لأنه متعال عن القبيح، والسخرية من باب العيب والجهل.
ألا ترى إلى قوله: ﴿ قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بالله أَنْ أَكُونَ مِنَ الجاهلين ﴾ [البقرة: 67] ، فما معنى استهزائه بهم؟
قلت: معناه إنزال الهوان والحقارة بهم، لأنّ المستهزئ غرضه الذي يرميه هو طلب الخفة والزراية ممن يهزأ به، وإدخال الهوان والحقارة عليه، والاشتقاق كما ذكرنا شاهد لذلك.
وقد كثر التهكم في كلام الله تعالى بالكفرة.
والمراد به تحقير شأنهم وازدراء أمرهم، والدلالة على أن مذاهبهم حقيقة بأن يسخر منها الساخرون ويضحك الضاحكون.
ويجوز أن يراد به ما مر في ﴿ يخادعون ﴾ من أنه يجري عليهم أحكام المسلمين في الظاهر، وهو مبطن بادخار ما يراد بهم، وقيل: سمي جزاء الاستهزاء باسمه كقوله: ﴿ وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا ﴾ [الشورى: 40] ، ﴿ فَمَنِ اعتدى عَلَيْكُمْ فاعتدوا عَلَيْهِ ﴾ [البقرة: 194] .
فإن قلت: كيف ابتدئ قوله: ﴿ الله يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ﴾ ولم يعطف على الكلام قبله.
قلت: هو استئناف في غاية الجزالة والفخامة.
وفيه أن الله عز وجل هو الذي يستهزئ بهم الاستهزاء الأبلغ، الذي ليس استهزاؤهم إليه باستهزاء ولا يؤبه له في مقابلته، لما ينزل بهم من النكال ويحل بهم من الهوان والذل.
وفيه أن الله هو الذي يتولى الاستهزاء بهم انتقاماً للمؤمنين، ولا يحوج المؤمنين أن يعارضوهم باستهزاء مثله.
فإن قلت: فهلا قيل الله مستهزئ بهم ليكون طبقاً لقوله ﴿ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ ﴾ قلت: لأن ﴿ يَسْتَهْزِئُ ﴾ يفيد حدوث الاستهزاء وتجدده وقتاً بعد وقت، وهكذا كانت نكايات الله فيهم وبلاياه النازلة بهم ﴿ أَوْ لاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ﴾ [التوبة: 126] وما كانوا يخلون في أكثر أوقاتهم من تهتك أستار وتكشف أسرار، ونزول في شأنهم واستشعار حذر من أن ينزل فيهم ﴿ يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قُلْ استهزءوا إِنَّ الله مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ ﴾ [التوبة: 64] .
﴿ وَيَمُدُّهُمْ فِي طغيانهم ﴾ من مدّ الجيش وأمده إذا زاده وألحق به ما يقويه ويكثره.
وكذلك مدّ الداوة وأمدها: زادها ما يصلحها.
ومددت السرج والأرض: إذا استصلحتهما بالزيت والسماد.
ومده الشيطان في الغي وأمده: إذا واصله بالوساوس حتى يتلاحق غيه ويزداد إنهماكاً فيه.
فإن قلت: لم زعمت أنه من المدد دون المد في العمر والإملاء والإمهال؟
قلت: كفاك دليلاً على أنه من المدد دون المد قراءة ابن كثير وابن محيصن: ﴿ ويمدّهم ﴾ ، وقراءة نافع: ﴿ وإخوانهم يَمُدُّونَهُمْ ﴾ [الأعراف: 202] على أن الذي بمعنى أمهله إنما هو مدّ له مع اللام كأملى له.
فإن قلت: فكيف جاز أن يوليهم الله مدداً في الطغيان وهو فعل الشياطين؟
ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿ وإخوانهم يَمُدُّونَهُمْ فِي الغى ﴾ [الأعراف: 202] قلت: إما أن يحمل على أنهم لما منعهم الله ألطافه التي يمنحها المؤمنين، وخذلهم بسبب كفرهم وإصرارهم عليه، بقيت قلوبهم بتزايد الرين والظلمة فيها، تزايد الإنشراح والنور في قلوب المؤمنين فسمى ذلك التزايد مدداً.
وأسند إلى الله سبحانه لأنه مسبب عن فعله بهم بسبب كفرهم.
وإما على منع القسر والإلجاء وإما على أن يسند فعل الشيطان إلى الله لأنه بتمكينه وإقداره والتخلية بينه وبين إغواء عباده.
فإن قلت: فما حملهم على تفسير المدّ في الطغيان بالإمهال وموضوع اللغة كما ذكرت لا يطاوع عليه؟
قلت: استجرّهم إلى ذلك خوف الإقدام على أن يسندوا إلى الله ما أسندوا إلى الشياطين لكن المعنى الصحيح ما طابقه اللفظ وشهد لصحته، وإلا كان منه بمنزلة الأروى من النعام.
ومن حق مفسر كتاب الله الباهر وكلامه المعجز، أن يتعاهد في مذاهبه بقاء النظم على حسنه والبلاغة على كمالها وما وقع به التحدّي سليماً من القادح، فإذا لم يتعاهد أوضاع اللغة فهو من تعاهد النظم والبلاغة على مراحل.
ويعضد ما قلناه قول الحسن في تفسيره: في ضلالتهم يتمادون، وأن هؤلاء من أهل الطبع.
والطغيان: الغلو في الكفر، ومجاوزة الحدّ في العتوّ.
وقرأ زيد بن علي رضي الله عنه: ﴿ فِي طغيانهم ﴾ بالكسر وهما لغتان، كلقيان ولقيان، وغنيان وغنيان.
فإن قلت: أي نكتة في إضافته إليهم؟
قلت: فيها أن الطغيان والتمادي في الضلالة مما اقترفته أنفسهم واجترحته أيديهم، وأن الله بريء منه ردّاً لاعتقاد الكفرة القائلين: لو شاء الله ما أشركنا، ونفياً لو هم من عسى يتوهم عند إسناد المدّ إلى ذاته لو لم يضف الطغيان إليهم ليميط الشبه ويقلعها ويدفع في صدر من يلحد في صفاته.
ومصداق ذلك أنه حين أسند المدّ إلى الشياطين، أطلق الغيّ ولم يقيده بالإضافة في قوله: ﴿ وإخوانهم يَمُدُّونَهُمْ فِي الغى ﴾ [الأعراف: 202] .
والعمه: مثل العمى، إلا أن العمى عامّ في البصر والرأي، والعمه في الرأي خاصة، وهو التحير والتردّد، لا يدري أين يتوجه.
ومنه قوله: بالجاهلين العمه، أي الذين لا رأي لهم ولا دراية بالطرق.
وسلك أرضاً عمهاء: لا منار بها.
ومعنى اشتراء الضلالة بالهدى: اختيارها عليه واستبدالها به، على سبيل الاستعارة، لأنّ الاشتراء فيه إعطاء بدل وأخذ آخر.
ومنه: أَخَذْتُ بالجُمَّةِ رَأْساً أَزْعَرَا ** وبالثَّنَايَا الْوَاضِحَاتِ الدَّرْدَرَا وبالطَّوِيلِ العُمْرِ عُمْراً حَيْدَرَا ** كما اشْتَرَى المُسْلِمُ إذ تَنَصَّرَا وعن وهب: قال الله عز وجل فيما يعيب به بني إسرائيل: «تفقهون لغير الدين، وتعلمون لغير العمل، وتبتاعون الدنيا بعمل الآخرة» .
فإن قلت: كيف اشتروا الضلالة بالهدى وما كانوا على هدى؟
قلت: جعلوا لتمكنهم منه وإعراضه لهم كأنه في أيديهم، فإذا تركوه إلى الضلالة فقد عطلوه واستبدلوها به، ولأن الدين القيم هو فطرة الله التي فطر الناس عليها، فكل من ضل فهو مستبدل خلاف الفطرة.
(والضلالة) الجور عن القصد وفقد الاهتداء.
يقال: ضلّ منزله، وضل دريص نفقه فاستعير للذهاب عن الصواب في الدين.
والربح: الفضل على رأس المال، ولذلك سمي: الشف، من قولك: أشف بعض ولده على بعض، إذا فضله.
ولهذا على هذا شف.
والتجارة: صناعة التاجر، وهو الذي يبيع ويشتري للربح.
وناقة تاجرة: كأنها من حسنها وسمنها تبيع نفسها.
وقرأ ابن أبي عبلة ﴿ تجاراتهم ﴾ .
فإن قلت: كيف أسند الخسران إلى التجارة وهو لأصحابها؟
قلت: هو من الإسناد المجازي، وهو أن يسند الفعل إلى شيء يتلبس بالذي هو في الحقيقة له، كما تلبست التجارة بالمشترين.
فإن قلت: هل يصح: ربح عبدك وخسرت جاريتك، على الإسناد المجازي؟
قلت: نعم إذا دلت الحال.
وكذلك الشرط في صحة: رأيت أسداً، وأنت تريد المقدام؛ إن لم تقم حال دالة لم يصح.
فإن قلت: هب أنّ شراء الضلالة بالهدى وقع مجازاً في معنى الاستبدال، فما معنى ذكر الربح والتجارة؟
كأن ثمّ مبايعة على الحقيقة.
قلت: هذا من الصنعة البديعة التي تبلغ بالمجاز الذروة العليا، وهو أن تساق كلمة مساق المجاز، ثم تقفى بأشكال لها وأخوات، إذا تلاحقن لم تر كلاماً أحسن منه ديباجة وأكثر ماء ورونقاً، وهو المجاز المرشح.
وذلك نحو قول العرب في البليد: كأن أذني قلبه خطلاً، وإن جعلوه كالحمار، ثم رشحوا ذلك روما لتحقيق البلادة، فادعوا لقلبه أذنين، وادعوا لهما الخطل، ليمثلوا البلادة تمثيلاً يلحقها ببلادة الحمار مشاهدة معاينة، ونحوه: ولَما رَأَيْتُ النَّسْرَ عَزَّ ابْنَ دَأَيَةٍ ** وعَشَّشَ في وَكْرَيْهِ جَاشَ لهُ صَدْرِي لما شبه الشيب بالنسر، والشعر الفاحم بالغراب، أتبعه ذكر التعشيش والوكر.
ونحوه قول بعض فتاكهم في أمّه: فما أُمُّ الرّدين وإنْ أَدَلَّتْ ** بِعالِمَةٍ بأَخْلاقِ الْكِرَامِ إذَا الشّيْطانُ قَصعَ في قَفَاها ** تَنفّقْناهُ بالحُبلِ التُّوَامِ أي إذا دخل الشيطان في قفاها استخرجناه من نافقائه بالحبل المثنى المحكم.
يريد: إذا حردت وأساءت الخلق اجتهدنا في إزالة غضبها وإماطة ما يسوء من خلقها.
استعار التقصيع أوّلاً، ثم ضم إليه التنفق، ثم الحبل التوام.
فكذلك لما ذكر سبحانه الشراء أتبعه ما يشاكله ويواخيه وما يكمل ويتم بانضمامه إليه، تمثيلاً لخسارهم وتصويراً لحقيقته.
فإن قلت: فما معنى قوله ﴿ فَمَا رَبِحَت تجارتهم وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ ﴾ .
قلت: معناه أنّ الذي يطلبه التجار في متصرفاتهم شيئان: سلامة رأس المال، والربح.
وهؤلاء قد أضاعوا الطلبتين معاً، لأن رأس مالهم كان هو الهدى، فلم يبق لهم مع الضلالة.
وحين لم يبق في أيديهم إلا الضلالة، لم يوصفوا بإصابة الربح.
وإن ظفروا بما ظفروا به من الأغراض الدنيوية؛ لأن الضال خاسر دامر، ولأنه لا يقال لمن لم يسلم له رأس ماله: قد ربح، وما كانوا مهتدين لطرق التجارة كما يكون التجار المتصرفون العالمون بما يربح فيه ويخسر.
<div class="verse-tafsir"
﴿ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ﴾ يُجازِيهِمْ عَلى اسْتِهْزائِهِمْ، سُمِّيَ جَزاءُ الِاسْتِهْزاءِ بِاسْمِهِ كَما سُمِّيَ جَزاءُ السَّيِّئَةِ سَيِّئَةً، إمّا لِمُقابَلَةِ اللَّفْظِ بِاللَّفْظِ، أوْ لِكَوْنِهِ مُماثِلًا لَهُ في القَدْرِ، أوْ يُرْجِعُ وبالَ الِاسْتِهْزاءِ عَلَيْهِمْ فَيَكُونُ كالمُسْتَهْزِئِ بِهِمْ، أوْ يُنْزِلُ بِهِمُ الحَقارَةَ والهَوانَ الَّذِي هو لازِمُ الِاسْتِهْزاءِ، أوِ الغَرَضُ مِنهُ، أوْ يُعامِلُهم مُعامَلَةَ المُسْتَهْزِئِ: أمّا في الدُّنْيا فَبِإجْراءِ أحْكامِ المُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ، واسْتِدْراجِهِمْ بِالإمْهالِ والزِّيادَةِ في النِّعْمَةِ عَلى التَّمادِي في الطُّغْيانِ، وأمّا في الآخِرَةِ: فَبِأنْ يَفْتَحَ لَهم وهم في النّارِ بابًا إلى الجَنَّةِ فَيُسْرِعُونَ نَحْوَهُ، فَإذا صارُوا إلَيْهِ سُدَّ عَلَيْهِمُ البابُ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ ﴾ وإنَّما اسْتُؤْنِفَ بِهِ ولَمْ يُعْطَفْ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى تَوَلّى مُجازاتَهُمْ، ولَمْ يُحْوِجِ المُؤْمِنِينَ إلى أنْ يُعارِضُوهُمْ، وأنَّ اسْتِهْزاءَهم لا يُؤْبَهُ بِهِ في مُقابَلَةِ ما يَفْعَلُ اللَّهُ تَعالى بِهِمْ ولَعَلَّهُ لَمْ يَقُلِ: اللَّهُ مُسْتَهْزِئٌ بِهِمْ لِيُطابِقَ قَوْلَهُمْ، إيماءً بِأنَّ الِاسْتِهْزاءَ يَحْدُثُ حالًا فَحالًا ويَتَجَدَّدُ حِينًا بَعْدَ حِينٍ، وهَكَذا كانَتْ نِكاياتُ اللَّهِ فِيهِمْ كَما قالَ تَعالى: ﴿ أوَلا يَرَوْنَ أنَّهم يُفْتَنُونَ في كُلِّ عامٍ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ ﴾ .
﴿ وَيَمُدُّهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ مِن مَدَّ الجَيْشُ وأمَدَّهُ إذا زادَهُ وقَوّاهُ، ومِنهُ مَدَدْتُ السِّراجَ والأرْضَ إذا اسْتَصْلَحْتَهُما بِالزَّيْتِ والسَّمادِ، لا مِنَ المَدِّ في العُمْرِ فَإنَّهُ يُعَدّى بِاللّامِ كَأمْلى لَهُ.
ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ ﴿ وَيَمُدُّهُمْ ﴾ .
والمُعْتَزِلَةُ لَمّا تَعَذَّرَ عَلَيْهِمْ إجْراءُ الكَلامِ عَلى ظاهِرِهِ قالُوا: لَمّا مَنَعَهُمُ اللَّهُ تَعالى ألْطافَهُ الَّتِي يَمْنَحُها المُؤْمِنِينَ وخَذَلَهم بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ وإصْرارِهِمْ، وسَدِّهِمْ طُرُقَ التَّوْفِيقِ عَلى أنْفُسِهِمْ فَتَزايَدَتْ بِسَبَبِهِ قُلُوبُهم رَيْنًا وظُلْمَةً، تَزايُدَ قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ انْشِراحًا ونُورًا، وأمْكَنَ الشَّيْطانُ مِن إغْوائِهِمْ فَزادَهم طُغْيانًا، أُسْنِدَ ذَلِكَ إلى اللَّهِ تَعالى إسْنادَ الفِعْلِ إلى المُسَبِّبِ مَجازًا، وأضافَ الطُّغْيانَ إلَيْهِمْ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّ إسْنادَ الفِعْلِ إلَيْهِ عَلى الحَقِيقَةِ، ومِصْداقُ ذَلِكَ أنَّهُ لَمّا أسْنَدَ المَدَّ إلى الشَّياطِينِ أطْلَقَ الغَيَّ وقالَ: ﴿ وَإخْوانُهم يَمُدُّونَهم في الغَيِّ ﴾ .
أوْ أصْلُهُ يَمُدُّ لَهم بِمَعْنى يُمْلِي لَهم ويَمُدُّ في أعْمارِهِمْ كَيْ يَتَنَبَّهُوا ويُطِيعُوا، فَما زادُوا إلّا طُغْيانًا وعَمَهًا، فَحُذِفَتِ اللّامُ وعَدّى الفِعْلَ بِنَفْسِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ ﴾ .
أوِ التَّقْدِيرُ يَمُدُّهُمُ اسْتِصْلاحًا، وهم مَعَ ذَلِكَ يَعْمَهُونَ في طُغْيانِهِمْ.
والطُّغْيانُ بِالضَّمِّ والكَسْرِ كَلُقْيانٍ، والطُّغْيانُ: تَجاوُزُ الحَدِّ في العُتُوِّ، والغُلُوُّ في الكُفْرِ، وأصْلُهُ تَجاوُزُ الشَّيْءِ عَنْ مَكانِهِ قالَ تَعالى: ﴿ إنّا لَمّا طَغى الماءُ حَمَلْناكُمْ ﴾ .
والعَمَهُ في البَصِيرَةِ كالعَمى في البَصَرِ، وهُوَ: التَّحَيُّرُ في الأمْرِ يُقالُ: رَجُلٌ عامِهٌ وعَمِهٌ، وأرْضٌ عَمْهاءُ لا مَنارَ بِها، قالَ: أعْمى الهُدى بِالجاهِلِينَ العُمَّهِ <div class="verse-tafsir"
{الله يستهزئ بِهِمُ} أي يجازيهم على استهزائهم فسمى جزاء الاستهزاء باسمه كقوله تعالى وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مثلها فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه فسمى جزاء السيئة سيئة وجزاء الاعتداء اعتدوا وإن لم يكن الجزاء سيئة واعتداء وهذا لأن الاستهزاء لا يجوز على الله تعالى من حيث الحقيقة لأنه من باب العبث وتعالى عنه قال الزجاج هو الوجه المختار واستئناف قوله الله يستهزىء بهم من غير عطف في غاية الجزالة والفخامة وفيه أن الله تعالى هو الذي يستهزىء بهم الاستهزاء الأبلغ الذي ليس استهزاؤهم إليه باستهزاء لما ينزل بهم من النكال والذل والهوان ولما كانت نكايات الله وبلاياه تنزل عليهم ساعة فساعة قيل الله يستهزىء بهم ولم يقل الله مستهزئ بهم ليكون طبقا لقوله إنما نحن مستهزئون {وَيَمُدُّهُمْ} أي يمهلهم عن الزجاج {فِي طغيانهم} في غلوهم في كفرهم {يَعْمَهُونَ} حال أي يتحيرون ويترددون وهذه الآية حجة على المعتزلة في مسألة الأصلح
﴿ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ﴾ حَمَلَ أهْلُ الحَدِيثِ وطائِفَةٌ مِن أهْلِ التَّأْوِيلِ الِاسْتِهْزاءَ مِنهُ تَعالى عَلى حَقِيقَتِهِ، وإنْ لَمْ يَكُنِ المُسْتَهْزِئُ مِن أسْمائِهِ سُبْحانَهُ، وقالُوا: إنَّهُ التَّحْقِيرُ عَلى وجْهٍ مِن شَأْنِهِ أنَّ مَنِ اطَّلَعَ عَلَيْهِ يَتَعَجَّبُ مِنهُ، ويَضْحَكُ، ولا اسْتِحالَةَ في وُقُوعِ ذَلِكَ مِنهُ عَزَّ شَأْنُهُ، ومَنَعَهُ مِن قِياسِ الغائِبِ عَلى الشّاهِدِ، وذَهَبَ أكْثَرُ النّاسِ إلى أنَّهُ لا يُوصَفُ بِهِ جَلَّ وعَلا حَقِيقَةً، لِما فِيهِ مِن تَقْرِيرِ المُسْتَهْزَإ بِهِ عَلى الجَهْلِ الَّذِي فِيهِ، ومُقْتَضى الحِكْمَةِ والرَّحْمَةِ أنْ يُرِيَهُ الصَّوابَ، فَإنْ كانَ عِنْدَهُ أنَّهُ لَيْسَ مُتَّصِفًا بِالمُسْتَهْزَإ بِهِ، فَهو لَعِبٌ لا يَلِيقُ بِكِبْرِيائِهِ تَعالى، فالآيَةُ عَلى هَذا مُؤَوَّلَةٌ إمّا بِأنْ يُرادَ بِالِاسْتِهْزاءِ جَزاؤُهُ لِما بَيْنَ الفِعْلِ وجَزائِهِ مِن مُشابَهَةٍ في القَدْرِ، ومُلابَسَةٍ قَوِيَّةٍ، ونَوْعِ سَبَبِيَّةٍ مَعَ وُجُودِ المُشاكَلَةِ المُحَسِّنَةِ ها هُنا، فَفي الكَلامِ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ أوْ مَجازٌ مُرْسَلٌ، وإمّا بِأنْ يُرادَ بِهِ إنْزالُ الحَقارَةِ والهَوانِ فَهو مَجازٌ عَمّا هو بِمَنزِلَةِ الغايَةِ لَهُ، فَيَكُونُ مِن إطْلاقِ المُسَبَّبِ عَلى السَّبَبِ نَظَرًا إلى التَّصَوُّرِ، وبِالعَكْسِ نَظَرًا إلى الوُجُودِ، وإمّا بِأنْ يَجْعَلَ اللَّهَ تَعالى وتَقَدَّسَ كالمُسْتَهْزِئِ بِهِمْ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ المَكْنِيَّةِ، وإثْباتُ الِاسْتِهْزاءِ لَهُ تَخْيِيلًا، ورُبَّ شَيْءٍ يَصِحُّ تَبَعًا، ولا يَصِحُّ قَصْدًا، ولَهُ سُبْحانَهُ أنْ يُطْلِقَ عَلى ذاتِهِ المُقَدَّسَةِ ما يَشاءُ تَفْهِيمًا لِلْعِبادِ، وقَدْ يُقالُ: إنَّ الآيَةَ جارِيَةٌ عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ، والمُرادُ يُعامِلُهم سُبْحانَهُ مُعامَلَةَ المُسْتَهْزِئِ: أمّا في الدُّنْيا بِإجْراءِ أحْكامِ الإسْلامِ، واسْتِدْراجِهِمْ مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ، وأمّا في الآخِرَةِ بِأنْ يَفْتَحَ لِأحَدِهِمْ بابًا إلى الجَنَّةِ فَيُقالُ: هَلُمَّ هَلُمَّ فَيَجِيءُ بِكَرْبِهِ وغَمِّهِ، فَإذا جاءَ أُغْلِقَ دُونَهُ، ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُ بابٌ آخَرُ فَيُقالُ: هَلُمَّ هَلُمَّ فَيَجِيءُ بِكَرْبِهِ وغَمِّهِ فَإذا أتاهُ أُغْلِقَ دُونَهُ، فَما يَزالُ كَذَلِكَ حَتّى أنَّ الرَّجُلَ لِيُفْتَحُ لَهُ بابٌ فَيُقالُ: هَلُمَّ هَلُمَّ فَما يَأْتِيهِ، وقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ بِسَنَدٍ مُرْسَلٍ جَيِّدِ الإسْنادِ في المُسْتَهْزِئِينَ بِالنّاسِ، وأسْنَدَ سُبْحانَهُ الِاسْتِهْزاءَ إلَيْهِ مُصَدِّرًا الجُمْلَةَ بِذِكْرِهِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الِاسْتِهْزاءَ بِالمُنافِقِينَ هو الِاسْتِهْزاءُ الأبْلَغُ الَّذِي لا اعْتِدادَ مَعَهُ بِاسْتِهْزائِهِمْ لِصُدُورِهِ عَمَّنْ يَضْمَحِلُّ عِلْمُهم وقُدْرَتُهم في جانِبِ عِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ، وأنَّهُ تَعالى كَفى عِبادَهُ المُؤْمِنِينَ، وانْتَقَمَ لَهُمْ، وما أحْوَجَهم إلى مُعارَضَةِ المُنافِقِينَ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِمْ، لِأنَّهم ما اسْتُهْزِئَ بِهِمْ إلّا فِيهِ، ولا أحَدَ أغْيَرُ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وتَرَكَ العَطْفَ لِأنَّهُ الأصْلُ، ولَيْسَ في الجُمْلَةِ السّابِقَةِ ما يَصِحُّ عَطْفُ هَذا القَوْلِ عَلَيْهِ، إلّا بِتَكَلُّفٍ وبُعْدٍ، وقِيلَ: لِيَكُونَ إيرادُ الكَلامِ عَلى وجْهٍ يَكُونُ جَوابًا عَنِ السُّؤالِ عَنْ مُعامَلَةِ اللَّهِ تَعالى مَعَهم في مُقابَلَةِ مُعامَلَتِهِمْ هَذِهِ مَعَ المُؤْمِنِينَ، وقَوُلُهم ﴿ إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ ﴾ إشْعارٌ بِأنَّ ما حُكِيَ مِنَ الشَّناعَةِ بِحَيْثُ يَقْتَضِي ظُهُورَ غَيْرَةِ اللَّهِ تَعالى، ويَسْألُ كُلُّ واحِدٍ عَنْ كَيْفِيَّةِ انْتِقامِهِ مِنهُمْ، ويُشْعِرُ كَلامُ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ أنَّهُ لِوُرُودِ هَذا القَوْلِ بِالعَطْفِ، ولَوْ عَلى مَحْذُوفٍ مُناسِبٌ لِلْمَقامِ - كَهم مُسْتَهْزِءُونَ - بِالمُؤْمِنِينَ لَأفادَ أنَّ ذَلِكَ في مُقابَلَةِ اسْتِهْزائِهِمْ، فَلا يُفِيدُ أنَّ اللَّهَ تَعالى أغْنى المُؤْمِنِينَ عَنْ مُعارَضَتِهِمْ مُطْلَقًا، وأنَّهُ تَوَلّى مُجازاتَهم مُطْلَقًا، بَلْ يُوهِمُ تَخْصِيصَ التَّوَلِّي بِهَذِهِ المُجازَةِ، وأيْضًا لِكَوْنِ اسْتِهْزاءِ اللَّهِ تَعالى بِمَكانٍ بَعِيدٍ مِنِ اسْتِهْزائِهِمْ إلى حَيْثُ لا مُناسَبَةَ بَيْنَهُما، يَكُونُ العَطْفُ كَعَطْفِ أمْرَيْنِ غَيْرِ مُتَناسِبَيْنِ، وبَعْضُهم رَتَّبَ الفائِدَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذَكَرْناهُما في الإسْنادِ إلَيْهِ تَعالى عَلى الِاسْتِئْنافِ مُدَّعِيًا أنَّهُ لَوْ عُطِفَ ولَوْ بِحَسَبِ التَّوَهُّمِ عَلى مُقَدَّرٍ بِأنْ يُقالَ: المُؤْمِنُونَ مُسْتَهْزِءُونَ بِهِمْ، واللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ لَفاتَتِ الفائِدَتانِ، هَذا ولَعَلَّ ما ذَكَرْناهُ أسْلَمُ مِنَ القِيلِ والقالِ، وأبْعَدُ عَنْ مَظانِّ الِاسْتِشْكالِ، فَتَدَبَّرْ، وعَدَلَ سُبْحانَهُ عَنِ: اللَّهُ مُسْتَهْزِئٌ بِهِمُ، المُطابِقِ لِقَوْلِهِمْ: إلى قَوْلِهِ: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ، لِإفادَتِهِ التَّجَدُّدَ الِاسْتِمْرارِيَّ، وهو أبْلَغُ مِنِ الِاسْتِمْرارِ الثُّبُوتِيِّ الَّذِي تُفِيدُهُ الِاسْمِيَّةُ لِأنَّ البَلاءَ إذا اسْتَمَرَّ قَدْ يَهُونُ، وتَأْلَفُهُ النَّفْسُ كَما قِيلَ: خُلِقْتُ ألُوفًا لَوْ رَجَعَتْ إلى الصِّبا لَفارَقُتُ شَيْبِي مُوجَعَ القَلْبِ باكِيا وقَدْ كانَتْ نِكاياتُ اللَّهِ تَعالى فِيهِمْ ونُزُولُ الآياتِ في شَأْنِهِمْ أمْرًا مُتَجَدِّدًا مُسْتَمِرًّا، ﴿ أوَلا يَرَوْنَ أنَّهم يُفْتَنُونَ في كُلِّ عامٍ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ ﴾ ﴿ يَحْذَرُ المُنافِقُونَ أنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهم بِما في قُلُوبِهِمْ ﴾ ﴿ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ ﴾ وهَذا نَوْعٌ مِنَ العَذابِ الأدْنى، ولِعَذاب الآخِرَة أُشْدُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ وصَرَّحَ بِالمُسْتَهْزَإ بِهِ هُنا لِيَكُونَ الِاسْتِهْزاءُ بِهِمْ نَصًّا، وإنَّما تَرَكَهُ المُنافِقُونَ فِيما حُكِيَ عَنْهم خَوْفًا مِن وُصُولِهِ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَأبْقَوُا اللَّفْظَ مُحْتَمِلًا لِيَكُونَ لَهم مَجالٌ في الذَّبِّ، إذا حَوْقَقُوا، فَجَعَلَ اللَّهُ تَعالى كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وكَلِمَتُهُ هي العُلْيا ﴿ ويَمُدُّهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ﴾ كالبَيانِ لَهُ عَلى رَأْيٍ، والمَدُّ مِن مَدَّ الجَيْشَ وأمَدَّهُ بِمَعْنًى أيْ ألْحَقَ بِهِ ما يُقَوِّيهِ ويُكَثِّرُهُ، وقِيلَ: مَدَّ زادَ مِنَ الجِنْسِ، وأمَدَّ زادَ مِن غَيْرِ الجِنْسِ، وقِيلَ: مَدَّ في الشَّرِّ وأمَدَّ في الخَيْرِ، عَكْسُ وعَدَ وأوْعَدَ، وإذا اسْتُعْمِلَ أمَدَّ في الشَّرِّ فَلَعَلَّهُ مِن بابِ ﴿ فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ ﴾ وقَدْ ورَدَ اسْتِعْمالُ هَذِهِ المادَّةِ بِمَعْنَيَيْنِ أحَدُهُما ما ذَكَرْنا، وثانِيهُما الإمْهالُ ومِنهُ مَدُّ العُمْرِ، والواقِعُ هُنا مِنَ الأوَّلِ دُونَ الثّانِي، لِوَجْهَيْنِ، الأوَّلُ أنَّهُ رُوِيَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ مِن غَيْرِ السَّبْعَةِ (يُمِدُّهُمْ) بِالضَّمِّ مِنَ المَزِيدِ، وهو لَمْ يُسْمَعْ في الثّانِي، والثّانِي أنَّهُ مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ، والآخَرُ مُتَعَدٍّ بِاللّامِ، والحَذْفُ والإيصالُ خِلافُ الأصْلِ، فَلا يُرْتَكَبُ بِغَيْرِ داعٍ، فَمَعْنى يَمُدُّهم في طُغْيانِهِمْ يَزِيدُهُمْ، ويُقَوِّيهِمْ فِيهِ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ البَيْضاوِيُّ وغَيْرُهُ، والحَقُّ أنَّ الإمْهالَ هُنا مُحْتَمَلٌ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الزَّجّاجُ، وابْنُ كَيْسانَ، والوَجْهانِ مَخْدُوشانِ، فَقَدْ ورَدَ عِنْدَ مَن يُعَوَّلُ عَلَيْهِ مِن أهْلِ اللُّغَةِ كُلٌّ مِنهُما ثُلاثِيًّا، ومَزِيدًا، ومُعَدًّى بِنَفْسِهِ وبِاللّامِ، وكِلاهُما مِن أصْلٍ واحِدٍ، ومَعْناهُما يَرْجِعُ إلى الزِّيادَةِ، كَمًّا أوْ كَيْفًا، وفي الصِّحاحِ مَدَّ اللَّهُ في عُمْرِهِ ومَدَّهُ في غَيِّهِ أمْهَلَهُ، وطَوَّلَ لَهُ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ مَدَّ اللَّهِ تَعالى في طُغْيانِهِمُ التَّمْكِينُ مِنَ العِصْيانِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ الإمْلاءُ، ونِسْبَةُ المَدِّ إلى اللَّهِ تَعالى بِأيِّ مَعْنًى كانَ عِنْدَ أهْلِ الحَقِّ حَقِيقَةٌ إذْ هو سُبْحانَهُ وتَعالى المُوجِدُ لِلْأشْياءِ، المُنْفَرِدُ بِاخْتِراعِها عَلى حَسَبِ ما اقْتَضَتْهُ الحِكْمَةُ ورَفَعَتْ لَهُ أكُفَّها الِاسْتِعْداداتُ، ونِسْبَتُهُ إلى غَيْرِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى في قَوْلِهِ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿ وإخْوانُهم يَمُدُّونَهم في الغَيِّ ﴾ نِسْبَةُ التَّوَفِّي إلى المَلَكِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ ﴾ مَعَ قَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿ اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ ﴾ وذَهَبَتِ المُعْتَزِلَةُ أنَّ الزِّيادَةَ في الطُّغْيانِ والتَّقْوِيَةِ فِيهِ مِمّا يَسْتَحِيلُ نِسْبَتُهُ إلَيْهِ تَعالى حَقِيقَةً، وحَمَلُوا الآيَةَ عَلى مَحامِلَ أُخَرَ، وقَدْ قَدَّمْنا ما يُوهِنُ مَذْهَبَهُمْ، فَلْنَطْوِهِ هُنا عَلى ما فِيهِ، والطُّغْيانُ بِضَمِّ الطّاءِ عَلى المَشْهُورِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما بِكَسْرِها، وهُما لُغَتانِ فِيهِ، وقَدْ سُمِعا في مَصْدَرِ اللِّقاءِ، وقَدْ أمالَهُ الكِسائِيُّ، وأصْلُهُ تَجاوُزُ المَكانِ الَّذِي وقَفْتَ فِيهِ، ومَن أخَلَّ بِما عُيِّنَ مِنَ المَواقِفِ الشَّرْعِيَّةِ والمَعارِفِ العَقْلِيَّةِ فَلَمْ يَرْعَها فَقَدْ طَغى، ومِنهُ طَغى الماءُ أيْ تَجاوَزَ الحَدَّ المَعْرُوفَ فِيهِ، وإضافَتُهُ إلَيْهِمْ، لِأنَّهُ فِعْلُهُمُ الصّادِرُ مِنهم بِقُدَرِهِمُ المُؤَثِّرَةِ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى، فالِاخْتِصاصُ المُشْعِرَةُ بِهِ الإضافَةُ إنَّما هو بِهَذا الِاعْتِبارِ لا بِاعْتِبارِ المَحَلِّيَّةِ، والِاتِّصافِ، فَإنَّهُ مَعْلُومٌ لا حاجَةَ فِيهِ إلى الإضافَةِ، ولا بِاعْتِبارِ الإيجادِ اسْتِقْلالًا مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلى إذْنِ الفَعّالِ لِما يُرِيدُ، فَإنَّهُ اعْتِبارٌ عَلَيْهِ غُبارٌ بَلْ غُبارٌ لَيْسَ لَهُ اعْتِبارٌ، فَلا تَهُولَنَّكَ جَعْجَعَةُ الزَّمَخْشَرِيِّ، وقَعْقَعَتُهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الِاخْتِصاصُ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ طُغْيانَ غَيْرِهِمْ في جَنْبِهِمْ، كَلا شَيْءٍ لِادِّعاءِ اخْتِصاصِهِمْ بِهِ، ولَيْسَ بِالمُنْحَرِفِ عَنْ سُنَنِ البَلاغَةِ، (والعَمَهُ) التَّرَدُّدُ والتَّحَيُّرُ، ويُسْتَعْمَلُ في الرَّأْيِ خاصَّةً، والعَمى فِيهِ وفي البَصَرِ، فَبَيْنَهُما عُمُومٌ وخُصُوصٌ مُطْلَقٌ في الِاسْتِعْمالِ، وإنَّ تَغايَرا في أصْلِ الوَضْعِ، واخْتَصَّ العَمى بِالبَصَرِ عَلى ما قِيلَ، وأصْلُهُ الأصِيلُ عَدَمُ الإماراتِ في الطَّرِيقِ الَّتِي تُنْصَبُ لِتَدُلَّ مِن حِجارَةٍ وتُرابٍ ونَحْوِهِما، وهي المَنارُ، ويُقالُ: عَمِهَ يَعْمَهُ كَتَعِبَ يَتْعَبُ عَمَهًا وعَمَهانًا، فَهو عَمِهٌ وعامِهٌ وعَمْهاءُ، فَمَعْنى يَعْمَهُونَ عَلى هَذا يَتَرَدَّدُونَ ويَتَحَيَّرُونَ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ جَمْعٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وقِيلَ: العَمَةُ العَمى عَنِ الرُّشْدِ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو أنْ يَكُبَّ رَأْسَهُ فَلا يُبْصِرُ ما يَأْتِي، فالمَعْنى يَعْمُونَ عَنْ رُشْدِهِمْ أوْ يَكُبُّونَ رُؤُوسَهم فَلا يُبْصِرُونَ، وكَأنَّ هَذا أقْرَبَ إلى الصَّوابِ، لِأنَّ المُنافِقِينَ لَمْ يَكُونُوا مُتَرَدِّدِينَ في الكُفْرِ بَلْ كانُوا مُصِرِّينَ عَلَيْهِ، مُعْتَقِدِينَ أنَّهُ الحَقُّ، وما سِواهُ باطِلٌ، إلّا أنْ يُقالَ: التَّرَدُّدُ والتَّحَيُّرُ في أمْرٍ آخَرَ، لا في الكُفْرِ، وجُمْلَةُ يَعْمَهُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ، إمّا مِنَ الضَّمِيرِ في يَمُدُّهُمْ، وإمّا مِنَ الضَّمِيرِ في طُغْيانِهِمْ، لِأنَّهُ مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى الفاعِلِ، وفي طُغْيانِهِمْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِيَمُدُّهُمْ، وأنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِيَعْمَهُونَ، وجازَ عَلى خِلافِ كَوْنٍ في طُغْيانِهِمْ ويَعْمَهُونَ حالَيْنِ مِنَ الضَّمِيرِ في يَمُدُّهُمْ، <div class="verse-tafsir"
قال الله تعالى: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ أي يجازيهم جزاء الاستهزاء.
وذكر في رواية الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس- ما- الاستهزاء أن يُفتح لهم وهم في جهنم، باب من الجنة فيهللون ويصيحون في النار فيهلكون والمؤمنون على الأرائك ينظرون إليهم، فإذا انتهوا إلى الباب سدّ عليهم، وفتح لهم باب آخر في مكان آخر، والمؤمنون ينظرون إليهم ويضحكون، كما قال في آية أخرى فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ [المطففين: 34] الآية.
وقال مقاتل: الاستهزاء ما ذكره الله تعالى في سورة الحديد يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ [الحديد: 13] فهذا استهزاء بهم.
ثم قال تعالى: وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ يعني يتركهم في ضلالتهم يتحيرون ويترددون عقوبة لهم لاستهزائهم.
<div class="verse-tafsir"
و «أَلاَ» : استفتاحُ كلامٍ، و «لكن» : حرف استدراك، ويحتمل أن يراد هنا: لا يَشْعُرُونَ أنهم مفسدون، ويحتمل أن يراد: لا يشعرون أن الله يفضحهم.
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ (١٣) وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥) أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ (١٦)
قوله تعالى: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ ...
الآية: المعنى: صدِّقوا بمحمَّد وشرعه كما صدَّقَ المهاجرون والمحقِّقون من أهل يثرب، قالوا: أنكون كالذين خَفَّت عقولهم، والسفه: الخفَّة والرقَّة الداعيةُ إِلى الخفة، يقال: ثوب سَفِيهٌ، إِذا كان رقيقًا هَلْهَلَ النَّسْجِ، وهذا القول إِنما كانوا يقولونه في خفاء، فَأَطْلَعَ اللَّه عليه نبيَّه عليه السلام، والمؤمنين، وقرر أن السفه ورقَّة الحلوم وفساد البصائرِ إِنما هو في حيِّزهم وصفةٌ لهم، وأخبر أنهم لا يعلمون أنهم السفهاء لِلرَّيْنِ الَّذي على قلوبهم.
وقوله تعالى: وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا ...
الآية: هذه كانت حالَ المنافقين: إِظهارُ الإيمان للمؤمنين، وإِظهار الكفر في خلواتهم، وكان رسولُ الله صلّى الله عليه وسلم يعرض عنهم، ويَدَعُهُمْ في غمرة الاشتباه مخافة أن يتحدَّثَ الناسُ عنه أنه يقتُلُ أصحابه حَسْبَمَا وقع في قِصَّة عبد اللَّه بن أُبَيٍّ ابْنِ سَلُول «١» ، قال مَالِكٌ: النِّفَاقُ في عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلم هو الزندقةُ اليَوْمَ، واختلف المفسِّرون في المراد بشياطينهم، فقال ابن عبَّاس رضي اللَّه عنهما: هم رؤساء الكفر «٢» ، وقيل: الكُهَّان، قال البخاريُّ: قال مجاهدٌ: إِلى شَياطِينِهِمْ، أي:
أصحابهم من المنافقين والمشركين «٣» .
قال ص «٤» : شياطينهم: جمع شيطانٍ، وهو كل متمرّد من الجنّ والإنس
والدوابِّ.
قاله ابن عبَّاس، وأنثاه شيطانة.
انتهى.
ت: ويجب على المؤمن أن يجتنب هذه الأخلاق الذميمة، وقد ثبت عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم أنه قال: «مِنْ شَرِّ النَّاسِ ذُو الوَجْهَيْنِ الَّذِي يَأْتِي هَؤُلاَءِ بِوَجْهٍ، وَهَؤُلاَءِ بِوَجْهٍ» .
رواه أبو داود «١» ، وفيه عنه صلّى الله عليه وسلم: «مَنْ كَانَ لَهُ وَجْهَانِ فِي الدُّنْيَا، كَانَ له يوم القيامة لسانان ١١ أمن نَارٍ» .
انتهى.
/ من سنن أبي داود «٢» .
اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ: اختلف المفسِّرون في هذا الاستهزاء، فقال جمهور العلماء:
هي تسمية العُقُوبة باسم الذَّنْب، والعربُ تستعمل ذلك كثيرًا، وقال قوم: إن اللَّه سبحانه يفعل بهم أفعالاً هي في تأمل البَشَر هُزْءٌ روي أنَّ النَّارَ تجمد كما تَجْمُدُ الإِهالة «٣» ، فيمشون عليها، ويظنون أنها منجاة، فتخسف بهم، وما روي أن أبواب النَّار تفتح لهم، فيذهبون إِلى الخروج، نحا هذا المنحى ابنُ عَبَّاس والحسن.
ت: وقوله تعالى: قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً [الحديد: ١٣] يقوِّي هذا المنحى، وهكذا نص عليه في اختصار الطبريِّ.
انتهى.
وقيل: استهزاؤه بهم هو استدراجهم بدرور النعم الدنيوية، ويَمُدُّهُمْ، أي:
يزيدهم في الطغيان، وقال مجاهد: معناه: يملي لهم «٤» ، والطغيان الغلوّ وتعدّي الحدّ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ﴾ .
اخْتَلَفَ العُلَماءُ في المُرادِ بِاسْتِهْزاءِ اللَّهِ بِهِمْ عَلى تِسْعَةِ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ يُفْتَحُ لَهم بابٌ مِنَ الجَنَّةِ وهم في النّارِ، فَيُسْرِعُونَ إلَيْهِ فَيُغْلَقُ، ثُمَّ يُفْتَحُ لَهم بابٌ آَخَرُ، فَيُسْرِعُونَ فَيُغْلَقُ، فَيَضْحَكُ مِنهُمُ المُؤْمِنُونَ.
رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ إذا كانَ يَوْمَ القِيامَةِ جَمَدَتِ النّارُ لَهم كَما تَجَمَدُ الإهالَةُ في القَدْرِ، فَيَمْشُونَ فَتَنْخَسِفُ بِهِمْ.
رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ.
والثّالِثُ: أنَّ الِاسْتِهْزاءَ بِهِمْ: إذا ضُرِبَ بَيْنَهم وبَيْنَ المُؤْمِنِينَ بِسُورٍ لَهُ بابٌ، باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ، وظاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ العَذابُ، فَيَبْقَوْنَ في الظُّلْمَةِ، فَيُقالُ لَهُمْ: ﴿ ارْجِعُوا وراءَكم فالتَمِسُوا نُورًا ﴾ قالَهُ مُقاتِلٌ.
والرّابِعُ: أنَّ المُرادَ بِهِ: يُجازِيهِمْ عَلى اسْتِهْزائِهِمْ، فَقُوبِلَ اللَّفْظُ بِمِثْلِهِ لَفْظًا وإنْ خالَفَهُ مَعْنًى، فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٍ مِثْلُها ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكُمْ ﴾ وقالَ عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ: ألا لا يَجْهَلْنَ أحَدٌ عَلَيْنا فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الجاهِلِينا أرادَ: فَنُعاقِبُهُ بَأغْلَظَ مِن عُقُوبَتِهِ.
والخامِسُ: أنَّ الِاسْتِهْزاءَ مِنَ اللهِ التَّخْطِئَةُ لَهم، والتَّجْهِيلُ، فَمَعْناهُ: اللَّهُ يُخَطِّئُ فِعْلَهم، ويُجَهِّلُهم في الإقامَةِ عَلى كُفْرِهِمْ.
والسّادِسُ: أنَّ اسْتِهْزاءَهُ: اسْتِدْراجُهُ إيّاهم.
والسّابِعُ أنَّهُ إيقاعُ اسْتِهْزائِهِمْ بِهِمْ، ورَدَّ خِداعَهم ومَكْرَهم عَلَيْهِمْ.
ذَكَرَ هَذِهِ الأقْوالَ مُحَمَّدُ بْنُ القاسِمِ الأنْبارِيِّ.
والثّامِنُ: أنَّ الِاسْتِهْزاءَ بِهِمْ أنْ يُقالَ لِأحَدِهِمْ في النّارِ وهو في غايَةِ الذُّلِّ: ﴿ ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ ﴾ ذَكَرَهُ شَيْخُنا في كِتابِهِ.
والتّاسِعُ: أنَّهُ لَمّا أظْهَرُوا مِن أحْكامِ إسْلامِهِمْ في الدُّنْيا خِلافَ ما أُبْطِنَ لَهم في الآَخِرَةِ، كانَ كالِاسْتِهْزاءِ بِهِمْ.
*** قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَمُدُّهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ .
فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: يُمْكِنُ لَهم، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.
والثّانِي: يُمْلِي لَهم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: يَزِيدُهم، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والرّابِعُ: يُمْهِلُهم، قالَهُ الزَّجّاجُ.
والطُّغْيانُ: الزِّيادَةُ عَلى القَدْرِ، والخُرُوجُ عَنْ حَيِّزِ الِاعْتِدالِ في الكَثْرَةِ، يُقالُ: طَغى البَحْرُ إذا هاجَتْ أمْواجُهُ، وطَغى السَّيْلُ إذا جاءَ بِماءٍ كَثِيرٍ.
وفي المُرادِ بِطُغْيانِهِمْ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ كُفْرُهم، قالَهُ الجُمْهُورُ.
والثّانِي: أنَّهُ عُتُوُّهم وتَكَبُّرُهم، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
و"يَعْمَهُونَ" بِمَعْنى: يَتَحَيَّرُونَ، يُقالُ: رَجُلٌ عَمِهٌ وعامِهٌ، أيْ: مُتَحَيِّرٌ.
قالَ الرّاجِزُ: ومُخْفَقٍ مِن لُهْلُهٍ ولُهْلُهِ مِن مَهْمَهٍ يَجْتَبِنْهُ في مَهْمَهِ أعْمى الهُدى بِالجاهِلِينَ العُمَّهُ وَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يَعْمَهُونَ: يَرْكَبُونَ رُؤُوسَهم، فَلا يُبْصِرُونَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ويَمُدُّهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَلالَةَ بِالهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهم وما كانُوا مُهْتَدِينَ ﴾ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في هَذا الِاسْتِهْزاءِ: فَقالَ جُمْهُورُ العُلَماءِ: هي تَسْمِيَةُ العُقُوبَةِ بِاسْمِ الذَنْبِ، والعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ ذَلِكَ كَثِيرًا، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ألا لا يَجْهَلْنَ أحَدٌ عَلَيْنا فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الجاهِلِينا وقالَ قَوْمٌ: إنَّ اللهَ تَعالى يَفْعَلُ بِهِمْ أفْعالًا هي في تَأمُّلِ البَشَرِ هُزُؤٌ، حَسَبَ ما يُرْوى: "إنَّ النارَ تَجْمُدُ كَما تَجْمُدُ الإهالَةُ فَيَمْشُونَ عَلَيْها، ويَظُنُّونَها مَنجاةً فَتُخْسَفُ بِهِمْ".
وما يُرْوى: "إنَّ أبْوابَ النارِ تُفْتَحُ لَهم فَيَذْهَبُونَ إلى الخُرُوجِ، نَحا هَذا المَنحى ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ.
وَقالَ قَوْمٌ: اسْتِهْزاؤُهُ بِهِمْ، هو اسْتِدْراجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ، وذَلِكَ أنَّهُمْ، بِدُرُورِ نِعَمِ اللهِ الدُنْيَوِيَّةِ عَلَيْهِمْ يَظُنُّونَ أنَّهُ راضٍ عنهُمْ، وهو تَعالى قَدْ حَتَّمَ عَذابَهُمْ، فَهَذا عَلى تَأمُّلِ البَشَرِ كَأنَّهُ اسْتِهْزاءٌ.
و"يَمُدُّهُمْ" مَعْناهُ: يَزِيدُهم في الطُغْيانِ، وقالَ مُجاهِدٌ: "مَعْناهُ: يُمْلِي لَهُمْ".
قالَ يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ: يُقالُ "مَدَّ في الشَرِّ، وأمَدَّ في الخَيْرِ".
وقالَ غَيْرُهُ: "مَدَّ الشَيْءَ.
ومَدَّهُ ما كانَ مِثْلَهُ ومِن جِنْسِهِ، وأمَدَّهُ ما كانَ مُغايِرًا لَهُ"، تَقُولُ: مَدَّ النَهْرُ، ومَدَّهُ نَهْرٌ آخَرُ، ويُقالُ: أمَدَّهُ، قالَ اللِحْيانِيُّ: يُقالُ لِكُلِّ شَيْءٍ دَخَلَ فِيهِ مِثْلُهُ فَكَثَّرَهُ: "مَدَّهُ يَمُدُّهُ مَدًّا"، وفي التَنْزِيلِ: ﴿ والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ ﴾ .
ومادَّةُ الشَيْءِ ما يَمُدُّهُ، دَخَلَتْ فِيهِ الهاءُ لِلْمُبالَغَةِ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ وغَيْرُهُ: مَدَدْتُ الدَواةَ وأمْدَدْتُها بِمَعْنًى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ مَدَدْتُها جَعَلْتُ إلى مِدادِها آخَرُ، وأمْدَدْتُها جَعَلْتُها ذاتَ مِدادٍ، مِثْلَ قَبَرَ، وأقْبَرَ، وحَصَرَ وأحْصَرَ، ومَدَدْنا القَوْمَ: صِرْنا لَهم أنْصارًا وأمْدَدْناهم بِغَيْرِنا، وحَكى اللِحْيانِيُّ أيْضًا: أمَدَّ الأمِيرُ جُنْدَهُ بِالخَيْلِ، وفي التَنْزِيلِ: ﴿ وَأمْدَدْناكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ ﴾ .
قالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: ﴿ وَيَمُدُّهم في طُغْيانِهِمْ ﴾ أيْ يُمْهِلْهم ويُلِجُّهُمْ، فَتَحْتَمِلُ اللَفْظَةُ أنْ تَكُونَ مِنَ المَدِّ الَّذِي هو المَطْلُ والتَطْوِيلُ، كَما فُسِّرَ فِي: ﴿ عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ ﴾ ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِن مَعْنى الزِيادَةِ في نَفْسِ الطُغْيانِ، و"الطُغْيانُ": الغُلُوُّ وتَعَدِّي الحَدُّ، كَما يُقالُ: طَغى الماءُ، وطَغَتِ النارُ، ورُوِيَ عَنِ الكِسائِيِّ إمالَةُ "طُغْيانِهِمْ"، و"يَعْمَهُونَ": يَتَرَدَّدُونَ حَيْرَةً.
والعَمَهُ الحَيْرَةُ مِن جِهَةِ النَظَرِ، والعامَّةُ الَّذِي كَأنَّهُ لا يُبْصِرُ مِنَ التَحَيُّرِ في ظَلامٍ، أو فَلاةٍ، أو هَمٍّ.
وقَوْلُهُ: "أُولَئِكَ" إشارَةٌ إلى المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُمْ، وهو رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، و"الَّذِينَ" خَبَرُهُ، و"اشْتَرَوُا" صِلَةً لـ "الَّذِينَ"، وأصْلُهُ اشْتَرِيُوا تَحَرَّكَتِ الياءُ وانْفَتَحَ ما قَبْلَها فانْقَلَبَتْ ألِفًا، فَحُذِفَتْ لِالتِقاءِ الساكِنَيْنِ، وقِيلَ: اسْتُثْقِلَتِ الضَمَّةُ عَلى الياءِ فَسَكَنَتْ، وحُذِفَتْ لِلِالتِقاءِ، وحُرِّكَتِ الواوُ بَعْدَ ذَلِكَ لِلِالتِقاءِ بِالساكِنِ بَعْدَها، وخُصَّتْ بِالضَمِّ لِوُجُوهٍ، مِنها: أنَّ الضَمَّةَ أُخْتُ الواوِ وأخَفُّ الحَرَكاتِ عَلَيْها.
ومِنها: أنَّهُ لَمّا كانَتْ واوَ جَماعَةٍ ضُمَّتْ كَما فُعِلَ بِالنُونِ في نَحْنُ.
ومِنها: أنَّها ضُمَّتِ اتِّباعًا لِحَرَكَةِ الياءِ المَحْذُوفَةِ قَبْلَها.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: صارَ الضَمُّ فِيها أولى، لِيَفْصِلَ بَيْنَها وبَيْنَ واوِ أو ولَوْ، إذْ هَذانَ يُحَرَّكانِ بِالكَسْرِ.
وقَرَأ أبُو السَمّالِ قُعْنُبُ العَدَوِيُّ، بِفَتْحِ الواوِ فِي: "اشْتَرَوُا الضَلالَةَ"، وقَرَأها يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ بِكَسْرِ الواوِ، و"الضَلالَةَ" والضَلالُ: التَلَفُ، نَقِيضُ الهُدى، الَّذِي هو الرَشادُ إلى المَقْصِدِ.
واخْتَلَفَتْ عِبارَةُ المُفَسِّرِينَ عن مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ اشْتَرَوُا الضَلالَةَ بِالهُدى ﴾ .
فَقالَ قَوْمٌ: أخَذُوا الضَلالَةَ وتَرَكُوا الهُدى، وقالَ آخَرُونَ: اسْتَحَبُّوا الضَلالَةَ وَتَجَنَّبُوا الهُدى، كَما قالَ تَعالى: ﴿ فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى ﴾ .
وقالَ آخَرُونَ: الشِراءُ هُنا اسْتِعارَةٌ وتَشْبِيهٌ، لَمّا تَرَكُوا الهُدى وهو مُعَرَّضٌ لَهم ووَقَعُوا بَدَلَهُ في الضَلالَةِ، واخْتارُوها، شُبِّهُوا بِمَنِ اشْتَرَوْا فَكَأنَّهم دَفَعُوا في الضَلالَةِ هُداهُمْ، إذْ كانَ لَهم أخْذُهُ، وبِهَذا المَعْنى تَعَلَّقَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ في مَنعِ أنْ يَشْتَرِيَ الرَجُلُ عَلى أنْ يَتَخَيَّرَ في كُلِّ ما تَخْتَلِفُ آحادُ جِنْسِهِ، ولا يَجُوزُ فِيهِ التَفاضُلُ.
وقالَ قَوْمٌ: الآيَةُ فِيمَن كانَ آمَنَ مِنَ المُنافِقِينَ، ثُمَّ ارْتَدَّ في باطِنِهِ وعَقْدِهِ، ويَقْرُبُ الشِراءُ مِنَ الحَقِيقَةِ عَلى هَذا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ ﴾ خَتْمٌ لِلْمَثَلِ بِما يُشْبِهُ مَبْدَأهُ في لَفْظَةِ الشِراءِ، وأسْنَدَ الرِبْحَ إلى التِجارَةِ كَما قالُوا: "لَيْلٌ قائِمٌ، ونَهارٌ صائِمٌ"، والمَعْنى: فَما رَبِحُوا في تِجارَتِهِمْ.
وقَرَأ إبْراهِيمُ بْنُ أبِي عَبْلَةَ: "فَما رَبِحَتْ تِجاراتُهُمْ" بِالجَمْعِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ ﴾ قِيلَ: المَعْنى في شِرائِهِمْ هَذا، وقِيلَ: عَلى الإطْلاقِ، وقِيلَ: في سابِقِ عِلْمِ اللهِ، وكُلُّ هَذا يَحْتَمِلُهُ اللَفْظُ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ الله يَسْتَهْزِئ بِهِمْ ﴾ .
لم تعطف هاته الجملة على ما قبلها لأنها جملة مستأنفة استئنافاً بيانياً جواباً لسؤال مقدر، وذلك أن السامع لحكاية قولهم للمؤمنين ﴿ آمنا ﴾ [البقرة: 14] وقولهم لشياطينهم ﴿ إنا معكم ﴾ [البقرة: 14] الخ.
يقول لقد راجت حيلتهم على المسلمين الغافلين عن كيدهم وهل يتفطن متفطن في المسلمين لأحوالهم فيجازيهم على استهزائهم، أو هل يرد لهم ما راموا من المسلمين، ومَن الذي يتولى مقابلة صنعهم فكان للاستئناف بقوله: ﴿ الله يستهزئ بهم ﴾ غاية الفخامة والجزالة، وهو أيضاً واقع موقع الاعتراض والأكثر في الاعتراض ترك العاطف.
وذكر ﴿ يستهزئ ﴾ دليل على أن مضمون الجملة مجازاة على استهزائهم.
ولأجل اعتبار الاستئناف قُدم اسم الله تعالى على الخبر الفعلي.
ولم يقل يستهزئ اللَّهُ بهم لأن مما يجول في خاطر السائل أن يقول مَن الذي يتولى مقابلة سُوء صنيعهم فأُعلم أن الذي يتولى ذلك هو رب العزة تعالى، وفي ذلك تنويه بشأن المنتصَر لهم وهم المؤمنون كما قال تعالى: ﴿ إن الله يدافع عن الذين آمنوا ﴾ [الحج: 38] فتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي هنا لإفادة تقوى الحكم لا محالة ثم يفيد مع ذلك قصر المسند على المسند إليه فإنه لما كان تقديم المسند إليه على المسند الفعلي في سياق الإيجاب يأتي لتقوي الحكم ويأتي للقصر على رأي الشيخ عبد القاهر وصاحب «الكشاف» كما صَرح به في قوله تعالى: ﴿ والله يقدر الليل والنهار ﴾ في سورة المزمل (20)، كان الجمع بين قصد التقوي وقصد التخصيص جائزاً في مقاصد الكلام البليغ وقد جوزه في الكشاف } عند قوله تعالى: ﴿ فلا يخاف بخساً ولا رهقاً ﴾ في سورة الجن (13)، لأن ما يراعيه البليغ من الخصوصيات لا يترك حملُ الكلام البليغ عليه فكيف بأبلغ كلام، ولذلك يقال النكتُ لا تتزاحم.
كان المنافقون يغرهم ما يرون من صفح النبيء عنهم وإعراض المؤمنين عن التنازل لهم فيحسبون رواج حيلتهم ونفاقهم ولذلك قال عبد الله بن أبيّ: ﴿ ليُخرجَن الأعزُّ منها الأَذَلَّ ﴾ [المنافقون: 8] فقال الله تعالى: ﴿ ولله العزة ولرسوله ﴾ [المنافقون: 8] فتقديم اسم الجلالة لمجرد الاهتمام لا لقصد التقوي إذ لا مقتضي له.
وفعل: ﴿ يستهزئ ﴾ المسند إلى الله ليس مستعملاً في حقيقته لأن المراد هنا أنه يفعل بهم في الدنيا ما يُسمى بالاستهزاء بدليل قوله: ﴿ ويمدهم في طغيانهم ﴾ ولم يقع استهزاء حقيقي في الدنيا فهو إما تمثيل لمعاملة الله إياهم في مقابلة استهزائهم بالمؤمنين، بما بشبه فعل المستهزئ بهم وذلك بالإملاء لهم حتى يظنوا أنهم سلموا من المؤاخذة على استهزائهم فيظنوا أن الله راضضٍ عنهم أو أن أَصنامهم نفعوهم حتى إذا نزل بهم عذاب الدنيا من القتل والفضح علموا خلافَ ما توهموا فكان ذلك كهيئة الاستهزاء بهم.
والمضارع في قوله: ﴿ يستهزئ ﴾ لزمن الحال.
ولا يحمل على اتصاف الله بالاستهزاء حقيقة عند الأشاعرة لأنه لم يقع من الله معنى الاستهزاء في الدنيا، ويحسن هذا التمثيل ما فيه من المشاكلة.
ويجوز أن يكون ﴿ يستهزئ بهم ﴾ حقيقة يوم القيامة بأن يأمر بالاستهزاء بهم في الموقف وهو نوع من العقاب فيكون المضارع في ﴿ يستهزئ ﴾ للاستقبال، وإلى هذا المعنى نَحَا ابن عباس والحسن في نقل ابن عطية، ويجوز أن يكون مراداً به جزاءُ استهزائهم من العذاب أو نحوه من الإذلال والتحقير والمعنى يذلهم وعبر عنه بالاستهزاء مجازاً ومشاكلة، أو مراداً به مآلُ الاستهزاء من رجوع الوبال عليهم.
وهذا كله وإن جاز فقد عينه هنا جمهور العلماء من المفسرين كما نقل ابن عطية والقرطبي وعينه الفخر الرازي والبيضاوي وعينه المعتزلة أيضاً لأن الاستهزاء لا يليق إسناده إلى الله حقيقة لأنه فعلٌ قبيحٌ ينزه الله تعالى عنه كما في «الكشاف» وهو مبني على المتعارف بين الناس.
وجيء في حكاية كلامهم بالمسند الاسمي في قولهم ﴿ إنما نحن مستهزئون ﴾ [البقرة: 14] لإفادة كلامهم معنى دوام صدور الاستهزاء منهم وثباته بحيث لا يحولون عنه.
وجيء في قوله: ﴿ الله يستهزئ بهم ﴾ بإفادة التجدد من الفعل المضارع أي تجدد إملاء الله لهم زماناً إلى أن يأخذهم العذاب، ليعلم المسلمون أن ما عليه أهل النفاق من النعمة إنما هو إملاء وإن طال كما قال تعالى: ﴿ لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ﴾ [آل عمران: 196].
﴿ وَيَمُدُّهُمْ فِي طغيانهم يَعْمَهُونَ ﴾ .
يتعين أنه معطوف على ﴿ الله يستهزئ بهم ﴾ .
و (يمد) فعل مشتق من المَدَد وهو الزيادة، يقال مَدَّه إذا زاده وهو الأصل في الاشتقاق من غير حاجة إلى الهمزة لأنه متعد، ودليله أنهم ضموا العين في المضارع على قياس المضاعف المتعدي، وقد يقولون أمده بهمزة التعدية على تقدير جعله ذا مَدد ثم غلب استعمال مَد في الزيادة في ذات المفعول نحو مَدَّ له في عُمره ومَدَّ الأرض أي مططها وأطالها، وغلب استعمال أمد المهموز في الزيادة للمفعول من أشياء يحتاجها نحو أمده بجيش: ﴿ أمدكم بأنعام وبنين ﴾ [الشعراء: 133].
وإنما استعمل هذا في موضع الآخر على الأصل فلذلك قيل لا فرق بينهما في الاستعمال وقيل يختص أمد المهموز بالخير نحو: ﴿ أتُمِدُّونني بمالَ ﴾ [النمل: 36] ﴿ أن ما نُمِدُّهم به من مال ﴾ [المؤمنون: 55]، ويختص مَد بغير الخير ونقل ذلك عن أبي علي الفارسي في كتاب «الحجة»، ونقله ابن عطية عن يونس بن حَبيب، إلا المعدَّى باللام فإنه خاص بالزيادة في العمر والإمهاللِ فيه عند الزمخشري وغيره خلافاً لبعض اللغويين فاستغنوا بذكر اللام المؤذنة بأن ذلك للنفع وللأجْل (بسكون الجيم) عن التفرقة بالهمز رجوعاً للأصل لئلا يجمعوا بين ما يقتضي التعدية وهو الهمزة وبين ما يقتضي القصور وهو لام الجر، وكل هذا من تأثير الأمثلة على الناظرين وهي طريقة لهم في كثير من الأفعال التي يتفرع معناها الوضعي إلى معان جزئية له أو مقيدة أو مجازية أن يخصوا بعْض لغاته أو بعض أحواله ببعض تلك المعاني جرياً وراء التنصيص في الكلام ودفع اللبس بقدر الإمكان.
وهذا من دقائق استعمال اللغة العربية، فلا يقال إن دعوى اختصاص بعض الاستعمالات ببعض المعاني هي دعوى اشتراك أو دعوى مجاز وكلاهما خلاف الأصل كما أورد عبد الحكيم؛ لأن ذلك التخصيص كما علمت اصطلاح في الاستعمال لا تعدد وضع ولا استعمالٌ في غير المعنى الموضوع له ونظير ذلك قولهم فَرقَ وفَرق ووعَد وأوْعد ونَشَد وأنشد ونَزَّل (المضاعف) وأنزل، وقولهم العِثار مصدر عثر إذ أريد بالفعل الحقيقة، والعُثور مصدر عثر إذ أريد بالفعل المجاز وهو الاطلاع، وقد فرقت العرب في مصادر الفعل الواحد وفي جموع الاسم الواحد لاختلاف القيود.
وتعدية فعل (يمد) إلى ضميرهم الدال على أدب أو ذوق مع أن المد إنما يتعدى إلى الطغيان جاءت على طريقة الإجمال الذي يعقبه التفصيل ليتمكن التفصيل في ذهن السامع مثل طريقة بدل الاشتمال وجعل الزجاج والواحدي أصله ويمد لهم في طغيانهم فحذف لام الجر واتصل الفعل بالمجرور على طريقة نزع الخافض وليس بذلك.
والطغيان مصدر بوزن الغفران والشكران، وهو مبالغة في الطغْي وهو الإفراط في الشر والكِبْر وتعليق فعل ﴿ يمدهم ﴾ هنا بضمير الذوات تعليق إجمالي يفسره قوله: ﴿ في طغيانهم ﴾ ويجوز أن يكون على تقدير لام محذوفة أي يمد لهم في طغيانهم أي يمهلهم فيكون نحو بعض ما فسر به قوله: ﴿ الله يستهزئ بهم ﴾ وهذا قول الزجاج والواحدي وفيه بُعد.
والعَمَهُ انطماس البصيرة وتحير الرأي وفعله عَمِهَ فهو عامه وأعمه.
وإسناد المد في الطغيان إلى الله تعالى على الوجه الأول في تفسير قوله: ﴿ ويمدهم ﴾ إسناد خلق وتكوين منوط بأسباب التكوين على سنة الله تعالى في حصول المسببات عند أسبابها.
فالنفاق إذا دخل القلوب كان من آثاره أن لا ينقطع عنها، ولما كان من شأن وصف النفاق أن تنمي عنه الرذائل التي قدمنا بيانها كان تكونها في نفوسهم متولدا من أسباب شتى في طباعهم متسلسلاً من ارتباط المسببات بأسبابها وهي شتى ومتفرعة وذلك بخلق خاص بهم مباشرة ولكن الله حرمهم توفيقه الذي يقلعهم عن تلك الجبلة بمحارية نفوسهم، فكان حرمانه إياهم التوفيق مقتضياً استمرار طغيانهم وتزايده بالرسوخ فإسناد ازدياده إلى الله لأنه خالق النظم التي هي أسباب ازدياده، وهذا يعد من الحقيقة العقلية الشائعة وليس من المجاز لعدم ملاحظة خلق الأسباب بحسب ما تعارفه الناس من إسناد ما خفي فاعله إلى الله تعالى لأنه الخالق للأسباب الأصلية والجاعل لنواميسها بكيفية لا يعلم الناس سرها ولا شاهدوا من تسند إليه على الحقيقة غيره وهذا بخلاف نحو بنى الأمير المدينة لا سيما بعد التصريح بالإسناد إليه في الكلام بحيث لم يبق للبناء على عرف الناس مجال وهذا بخلاف نحو: يزيدك وجهه حسناً وسرتني رؤيتك؛ لأن ذلك وإن كان في الواقع من فعل الله تعالى إلا أنه غير ملتفت إليه في العرف فلذلك قال الشيخ عبد القاهر: إنه من المجاز الذي لا حقيقة له.
وإنما أضاف الطغيان لضمير المنافقين ولم يقل في الطغيان بتعريف الجنس كما قال في سورة الأعراف: (202) ﴿ وإخوانُهم يُمِدُّونهم في الغيّ ﴾ إشارة إلى تفظيع شأن هذا الطغيان وغرابته في بابه وإنهم اختصوا به حتى صار يعرف بإضافته إليهم.
والظرف متعلق بيمدهم ويعمهون } جملة حالية.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ ﴾ في شَياطِينِهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ اليَهُودُ، الَّذِينَ يَأْمُرُونَهم بِالتَّكْذِيبِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: رُؤُوسُهم في الكُفْرِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ.
وَفي قَوْلِهِ: ﴿ إلى شَياطِينِهِمْ ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ مَعَ شَياطِينِهِمْ، فَجَعَلَ (إلى) مَوْضِعَ (مَعَ) كَما قالَ تَعالى: ﴿ مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ ﴾ أيْ مَعَ اللَّهِ.
والثّانِي: وهو قَوْلُ بَعْضِ البَصْرِيِّينَ: أنَّهُ يُقالُ: خَلَوْتُ إلى فُلانٍ، إذا جَعَلْتَهُ غايَتَكَ في حاجَتِكَ، وخَلَوْتُ بِهِ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: هَذا.
والآخَرُ: السُّخْرِيَةُ والِاسْتِهْزاءُ مِنهُ فَعَلى هَذا يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ وَإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ ﴾ أفْصَحُ، وهو عَلى حَقِيقَتِهِ مُسْتَعْمَلٌ.
والثّالِثُ: وهو قَوْلُ بَعْضِ الكُوفِيِّينَ: أنَّ مَعْناهُ: إذا انْصَرَفُوا إلى شَياطِينِهِمْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ( إلى ) مُسْتَعْمَلًا في مَوْضِعٍ لا يَصِحُّ الكَلامُ إلّا بِهِ.
فَأمّا الشَّيْطانُ فَفي اشْتِقاقِهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ فَيْعالٌ مِن شَطَنَ، أيْ بَعُدَ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: نَوًى شَطُونٌ، أيْ بَعِيدَةٌ، وشَطَنَتْ دارُهُ، أيْ بَعُدَتْ، فَسُمِّيَ شَيْطانًا، إمّا لِبُعْدِهِ عَنِ الخَيْرِ، وإمّا لِبُعْدِ مَذْهَبِهِ في الشَّرِّ، فَعَلى هَذا النُّونُ أصْلِيَّةٌ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِن شاطَ يَشِيطُ، أيْ هَلَكَ يَهْلِكُ كَما قالَ الشّاعِرُ: ...
...
...
∗∗∗ وقَدْ يَشِيطُ عَلى أرْماحِنا البَطَلُ أيْ يَهْلِكُ، فَعَلى هَذا يَكُونُ النُّونُ فِيهِ زائِدَةً.
والقَوْلُ الفاصِلُ: أنَّهُ فَعْلانٌ مِنَ الشَّيْطِ وهو الِاحْتِراقُ، كَأنَّهُ سُمِّيَ بِما يَؤُولُ إلَيْهِ حالُهُ.
﴿ قالُوا إنّا مَعَكُمْ ﴾ أيْ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ التَّكْذِيبِ والعَداوَةِ، ﴿ إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ ﴾ أيْ ساخِرُونَ بِما نُظْهِرُهُ مِنَ التَّصْدِيقِ والمُوافَقَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ أنَّهُ يُحارِبُهم عَلى اسْتِهْزائِهِمْ، فَسَمّى الجَزاءَ بِاسْمِ المُجازى عَلَيْهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكُمْ ﴾ ، ولَيْسَ الجَزاءُ اعْتِداءً، قالَ عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ ألا لا يَجْهَلَنْ أحَدٌ عَلَيْنا ∗∗∗ فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الجاهِلِينا والثّانِي: أنَّ مَعْناهُ أنَّهُ يُجازِيهِمْ جَزاءَ المُسْتَهْزِئِينَ.
والثّالِثُ: أنَّهُ لَمّا كانَ ما أظْهَرَهُ مِن أحْكامِ إسْلامِهِمْ في الدُّنْيا، خِلافَ ما أوْجَبَهُ عَلَيْهِمْ مِن عِقابِ الآخِرَةِ، وكانُوا فِيهِ اغْتِرارٌ بِهِ، صارَ كالِاسْتِهْزاءِ [بِهِمْ].
والرّابِعُ: أنَّهُ لَمّا حَسُنَ أنْ يُقالَ لِلْمُنافِقِ: ﴿ ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ ﴾ ، صارَ القَوْلُ كالِاسْتِهْزاءِ بِهِ.
والخامِسُ: ما حُكِيَ: أنَّهم يُفْتَحُ لَهم بابُ الجَحِيمِ، فَيَرَوْنَ أنَّهم يَخْرُجُونَ مِنها، فَيَزْدَحِمُونَ لِلْخُرُوجِ، فَإذا انْتَهَوْا إلى البابِ ضَرَبَهُمُ المَلائِكَةُ، بِمَقامِعِ النِّيرانِ، حَتّى يَرْجِعُوا، وهَذا نَوْعٌ مِنَ العَذابِ، وإنْ كانَ كالِاسْتِهْزاءِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَيَمُدُّهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ وفي يَمُدُّهم تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يُمْلِي لَهُمْ، وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ.
والثّانِي: يَزِيدُهُمْ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.
يُقالُ: مَدَدْتُ وأمْدَدْتُ، فَحُكِيَ عَنْ يُونُسَ أنَّهُ قالَ: مَدَدْتُ فِيما كانَ مِنَ الشَّرِّ، وأمْدَدْتُ فِيما كانَ مِنَ الخَيْرِ، وقالَ بَعْضُ الكُوفِيِّينَ: يُقالُ: مَدَدْتُ فِيما كانَتْ زِيادَتُهُ مِنهُ، كَما يُقالُ: مَدُّ النَّصْرِ، وأمَدَّهُ نَهْرٌ آخَرُ، وأمْدَدْتُ فِيما حَدَثَتْ زِيادَتُهُ مَن غَيْرِهِ، كَقَوْلِكَ: أمْدَدْتُ الجَيْشَ بِمَدَدٍ، وأمَدَّ الجُرْحُ، لِأنَّ المِدَّةَ مِن غَيْرِهِ.
﴿ فِي طُغْيانِهِمْ ﴾ يَعْنِي تَجاوُزَهم في الكُفْرِ، والطُّغْيانُ مُجاوَزَةُ القَدْرِ، يُقالُ: طَغى الماءُ، إذا جاوَزَ قَدْرَهُ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ إنّا لَمّا طَغى الماءُ حَمَلْناكم في الجارِيَةِ ﴾ ( يَعْمَهُونَ ) في ثَلاثَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: يَتَرَدَّدُونَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: حَيْرانُ يَعْمَهُ في ضَلالَتِهِ ∗∗∗ مُسْتَوْرِدٌ بِشَرائِعِ والثّانِي: مَعْناهُ يَتَحَيَّرُونَ، قالَ رُؤْبَةُ بْنُ العَجّاجِ: ومَهْمَهٍ أطْرافُهُ في مَهْمَهٍ ∗∗∗ أعْمى الهُدى بِالجاهِلِينَ العُمَّهِ والثّالِثُ: يَعْمَهُونَ عَنْ رُشْدِهِمْ، فَلا يُبْصِرُونَهُ، لِأنَّ مَن عَمِهَ عَنِ الشَّيْءِ كَمَن كَمِهَ عَنْهُ، قالَ الأعْشى: ؎ أرانِي قَدْ عَمِهْتُ وشابَ رَأْسِي ∗∗∗ وهَذا اللَّعْبُ شَيْنٌ لِلْكَبِيرِ <div class="verse-tafsir"
أخرج الواحدي والثعلبي بسنده عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في عبدالله بن أبي وأصحابه، وذلك أنهم خرجوا ذات يوم فاستقبلهم نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عبدالله بن أبي: انظروا كيف أرد هؤلاء السفهاء عنكم، فذهب فأخذ بيد أبي بكر فقال: مرحباً بالصديق سيد بن تيم، وشيخ الإِسلام، وثاني رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار، الباذل نفسه وماله لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم أخذ بيد عمر فقال: مرحباً بسيد عدي بن كعب، الفاروق القوي في دين الله، الباذل نفسه وماله لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم أخذ بيد علي وقال: مرحباً بابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وختنه، سيد بني هاشم ما خلا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم افترقوا فقال عبدالله لأصحابه: كيف رأيتموني فعلت؟
فإذا رأيتموهم فافعلوا كما فعلت، فاثنوا عليه خيراً.
فرجع المسلمون إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبروه بذلك، فأنزلت هذه الآية.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإذا لقوا الذين آمنوا ﴾ الآية.
قال: كان رجال من اليهود إذا لقوا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أو بعضهم قالوا: إنا على دينكم ﴿ وإذا خلوا إلى شياطينهم ﴾ وهم إخوانهم ﴿ قالوا: إنا معكم ﴾ أي على مثل ما أنتم عليه ﴿ إنما نحن مستهزئون ﴾ قال: ساخرون بأصحاب محمد ﴿ الله يستهزئ بهم ﴾ قال: يسخر بهم للنقمة منهم ﴿ ويمدهم في طغيانهم ﴾ قال: في كفرهم ﴿ يعمهون ﴾ قال يترددون.
وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإذا لقوا الذين آمنا قالوا آمنا ﴾ وهم منافقو أهل الكتاب، فذكرهم وذكر استهزاءهم، وأنهم ﴿ إذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم ﴾ على دينكم ﴿ إنما نحن مستهزئون ﴾ بأصحاب محمد.
يقول الله: ﴿ الله يستهزئ بهم ﴾ في الآخرة، يفتح لهم باباً في جهنم من الجنة ثم يقال لهم: تعالوا فيقبلون يسبحون في النار، والمؤمنون على الأرائك وهي السرر في الحجال ينظرون إليهم، فإذا انتهوا إلى الباب سد عنهم، فضحك المؤمنون منهم فذلك قول الله: ﴿ الله يستهزئ بهم ﴾ في الآخرة، ويضحك المؤمنون منهم حين غلقت دونهم الأبواب.
فذلك قوله: ﴿ فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون ﴾ [ المطففون: 34].
وأخرج ابن اسحق وابن حرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا ﴾ أي صاحبكم رسول الله ولكنه إليكم خاصة ﴿ وإذا خلوا إلى شياطينهم ﴾ ، من يهود الذين يأمرونهم بالتكذيب ﴿ قالوا إنا معكم ﴾ أي إنا على مثل ما أنتم عليه ﴿ إنما نحن مستهزئون ﴾ أي إنما نحن مستهزئون بالقوم، ونلعب بهم.
وأخرج ابن الأنباري عن اليماني أنه قرأ ﴿ وإذا لاقوا الذين آمنوا ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك في قوله: ﴿ وإذا خلوا ﴾ قال: مضوا.
واخرج ابن جرير عن ابن مسعود في قوله: ﴿ وإذا خلوا إلى شياطينهم ﴾ قال: رؤوسهم في الكفر.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ إذا خلوا إلي شياطينهم ﴾ قال: أصحابهم من المنافقين والمشركين.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ وإذا خلوا إلى شياطينهم ﴾ قال: إلى إخوانهم من المشركين، ورؤوسهم وقادتهم في الشر ﴿ قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون ﴾ يقولون: إنما نسخر من هؤلاء القوم ونستهزئ بهم.
وأخرج ابن المنذر عن أبي صالح في قوله: ﴿ الله يستهزئ بهم ﴾ قال: يقال: لأهل النار وهم في النار اخرجوا، وتُفْتَحُ لهم أبواب النار، فإذا رأوها قد فتحت أقبلوا إليها يريدون الخروج والمؤمنون ينظرون إليهم على الأرائك، فإذا انتهوا إلى أبوابها غلقت دونهم.
فذلك قوله: ﴿ الله يستهزئ بهم ﴾ ويضحك عليهم المؤمنون حين غلقت دونهم.
فذلك قوله: ﴿ فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون، على الأرائك ينظرون ﴾ [ المطففون: 3435] الآية.
وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود في قوله: ﴿ ويمدهم ﴾ قال: يملي لهم ﴿ في طغيانهم يعمهون ﴾ قال: في كفرهم يتمادون.
واخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ يعمهون ﴾ قال: يتمادون.
وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له أخبرني عن قوله عز وجل ﴿ يعمهون ﴾ قال: يلعبون ويترددون.
قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم.
أما سمعت قول الشاعر: أراني قد عمهت وشاب رأسي ** وهذا اللعب شين بالكبير وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ ويمدهم ﴾ قال: يزيدهم ﴿ في طغيانهم يعمهون ﴾ قال: يلعبون ويترددون في الضلالة.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ﴾ .
قال ابن عباس: (هو (١) (٢) (٣) وقال ابن الأنباري: الاستهزاء من الله جل وعز مخالف الاستهزاء من المخلوقين؛ لأن استهزاءه أن يستدرجهم من حيث لا يعلمون (٤) وقال جماعة أهل المعاني: معنى الله يستهزئ بهم: يجازيهم (٥) ﴿ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا ﴾ وقوله: ﴿ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ ﴾ ومنه قول عمرو: فنجهل فوق جهل الجاهلينا (٦) وهذا هو الاختيار (٧) (٨) وقوله تعالى: ﴿ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ .
أصل (المد) في اللغة: الزيادة، والمد: الجذب (٩) قال الفراء: والشيء إذا مَدَّ الشَّيءَ كان زيادة فيه.
تقول: دجلة تَمُدُّ بئارنا (١٠) (١١) (والمادة) كل شيء يكون مددا (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) الأصمعي: امتد النهر ومد إذا امتلأ بالزيادة، ومده نهر آخر (١٦) ابن المظفر (١٧) (١٨) (١٩) سَيْلٌ أَتِيٌّ مَدَّهُ أَتيُّ (٢٠) (٢١) (٢٢) (٢٣) قال أهل التفسير في قوله ﴿ يَمُدُّهُمْ ﴾ : أي يمهلهم (٢٤) (٢٥) و (الطغيان): مصدر كالرجحان والكفران والعدوان (٢٦) (٢٧) ﴿ إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ ﴾ وطغت الصيحة على ثمود (٢٨) ﴿ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ ﴾ (٢٩) ﴿ إِنَّهُ طَغَى ﴾ (٣٠) (٣١) فأما الطغوى والطاغية والطاغوت فهي مذكورة في مواضعها مشروحة.
وكان الكسائي يميل ﴿ طُغْيَانِهِمْ ﴾ في رواية أبي عمر (٣٢) (٣٣) (٣٤) (٣٥) فإن قلت: إن أول الكلمة حرف [مستعل] (٣٦) (٣٧) وقوله تعالى: ﴿ يَعْمَهُونَ ﴾ .
قال أهل اللغة: (الْعَمِه والعَامِه) الذي يتردد متحيراً لا يهتدي لطريقه ومذهبه، ومعنى (٣٨) ﴿ يَعْمَهُونَ ﴾ : يتحيرون، وقد عَمِه يَعْمَه عَمَهاً فهو عَمِه إذا حار عن الحق (٣٩) قال أهل المعاني: قوله: ﴿ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ كالتفسير لقوله: ﴿ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ﴾ لأن معناه يطول أعمارهم ومدتهم ليتحيروا في طغيانهم وكفرهم، مكراً (٤٠) (٤١) (١) (هو أنهم) ساقط من (ب).
(٢) لم أجده بهذا النص منسوبا إلى ابن عباس، وذكره القرطبي في "تفسيره" ولم ينسبه 1/ 181.
(٣) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 134، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 55، و"تفسير الثعلبي" 1/ 52 أ، و"تفسير ابن عطية" 1/ 177، "زاد المسير" 1/ 36، و"تفسير الرازي" 2/ 70، وقد ضعف الرازي هذا وقال: لأن الله أظهر الأدلة الواضحة بما يعاملون به في الدار الآخرة.
(٤) ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 36.
(٥) (يجازيهم) ساقط من (أ)، (ج).
(٦) البيت لعمرو بن كلثوم وصدره: ألا لا يجهلن أحد علينا وقد سبق تخريجه عند تفسير قوله تعالى: ﴿ يُخَادِعُونَ اللَّهَ ﴾ .
(٧) هذا القول ذكره الطبري ورده كما سيأتي، وذكره الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 56، وأبو الليث في "تفسيره" 1/ 97، و"تفسير ابن عطية" 1/ 177، و"تفسير == ابن الجوزي" 1/ 36، و"تفسير الثعلبي" 1/ 47 ب، و"تفسير القرطبي" 1/ 185، وغيرهم من المفسرين.
وصرح الواحدي باختياره له، وفي هذا القول تفسير للسخرية بالمجاز، وتأويل لها، ورده ابن جرير، ورجح أن المراد: أن الله يستهزئ بهم حقيقة، ولا يلزم لها اللوازم الباطلة، حيث قال: (وإذا كان معنى الاستهزاء والسخرية والمكر والخديعة ما وصفنا قبل، دون أن يكون ذلك معناه في حال فيها المستهزئ بصاحبه له ظالم، أو عليه فيها غير عادل، ...
ثم قال: وأما الذين زعموا أن قول الله تعالى ذكره: ﴿ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ﴾ إنما هو على وجه الجواب، وأنه لم يكن من الله استهزاء ولا مكر ولا خديعة، فنافون عن الله عز وجل ما قد أثبته الله عز وجل لنفسه، وأوجبه لها ...) "تفسير الطبري" 1/ 133.
وإلى هذا المعنى أشار ابن تيمية -رحمه الله- حيت قال: (وكذلك ما ادعوه أنه مجاز في القرآن، كلفظ (المكر) و (الاستهزاء) و (السخرية) المضاف إلى الله، وزعموا أنه مسمى باسم ما يقابله على طريق المجاز، وليس كذلك، بل مسميات هذِه الأسماء إذا فعلت بمن لا يستحق العقوبة كانت ظلما له، وأما إذا فعلت بالمجني عليه عقوبة له بمثل فعله كانت عدلًا ...
إلى أن قال: ولهذا كان الاستهزاء بهم فعلا يستحق هذا الاسم، كما روي عن ابن عباس: أنه يُفْتح لهم باب إلى الجنة وهم في النار فيسرعون إليه فيغلق ...
ثم ذكر قولًا عن الحسن البصري بمعناه ...
وقيل: إنه يظهر لهم في الدنيا خلاف ما أبطن في الآخرة، وقيل: هو تجهيلهم وتخطيئهم فيما فعلوه، وهذا كله حق، وهو استهزاء بهم حقيقة)، "مجموع الفتاوى" 7/ 111، 112.
وما يقال في هذا يقال عند قوله ﴿ يُخَادِعُونَ اللَّهَ ﴾ وما قيل هناك يقال هنا.
(٨) في (ب): (لأن).
(٩) انظر.
"اللسان" (مدد) 7/ 4156، "القاموس" ص 318.
(١٠) في (أ)، (ج) (بيارنا) وما في (ب) موافق لـ "معاني القرآن" للفراء 2/ 329.
(١١) "معاني القرآن" للفراء 2/ 329، وانظر "التهذيب" (مد) 4/ 3361.
وقد نقل المؤلف كلام الفراء بتصرف.
(١٢) في "التهذيب": (مدادا).
(١٣) ذكره الأزهري عن الليث.
"التهذيب" (مد) 4/ 3361.
(١٤) في (أ)، (ج): (المد)، وأثبت ما في (ب).
(١٥) انظر "تهذيب اللغة" (مد) 4/ 3361، "الصحاح" (مدد) 2/ 537.
(١٦) "تهذيب اللغة" (مد) 4/ 3361.
(١٧) هو الليث بن المظفر، ويقال له.
الليث بن نصر، صاحب الخليل، ينقل الواحدي كلامه كثيرًا من طريق "تهذيب اللغة".
انظر مقدمة "تهذيب اللغة" 1/ 47، "إنباه الرواة" 3/ 42.
(١٨) في (أ)، (ج): (يزيده)، وما في (ب) موافق لما في "تهذيب اللغة" وهو ما أثبته.
(١٩) الكلام في "التهذيب" ويظهر أنه من كلام الأصمعي حيث عطفه عليه، ولم يرد ذكر الليث في هذا الموضع.
"التهذيب" (مد) 4/ 3361، وأنظر: "اللسان" (مدد) 3/ 397.
(٢٠) البيت منسوب للعجاج، وهو في "التهذيب" (مد) 4/ 3361، "الصحاح" (مدد) 2/ 537، "اللسان" (مدد) 7/ 4157، وقد نسبه للعجاج وأنشد بعده: == غِبَّ سَمَاءٍ فَهْوَ رَقَرَاقِيُّ وفي "ديوان العجاج": مَاءٌ قَريٍّ مَدَهُ قَرِيُّ ...
غِبَّ سَمَاءٍ فَهْوَ رَقَرَاقِيُّ القَري: المسيل، الرقراقِي: المُتَرَقْرِق الذي يتكفأ.
(الديوان) ص 318.
(٢١) في (ب): (والمداد يمد).
(٢٢) في (ب): (للرجل).
(٢٣) ذكره في "التهذيب" عن ابن أبي حاتم عن الأصمعي (مد) 4/ 3361.
(٢٤) في (ب): (يهملهم) تصحيف.
(٢٥) اختلف العلماء في ﴿ يَمُدُّهُمْ ﴾ هل هي من المد بمعنى الإمهال والتطويل فىِ العمر.
أو من المدد بمعنى: الزيادة.
وقد رجح هذا الطبري حيث قال: وأولى الأقوال بالصواب أن يكون بمعنى: يزيدهم على وجه الإملاء والترك لهم في عتوهم وتمردهم.
"تفسير الطبري" 1/ 135، وانظر: "تفسير أبن عطية" 1/ 177 - 178، "الكشاف" 1/ 188، و"تفسير القرطبي" 1/ 182.
(٢٦) "الحجة" لأبي علي 1/ 366.
(٢٧) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ج).
(٢٨) انتهى كلام الليث وقد نقله المؤلف بتصرف، "تهذيب اللغة" 3/ 2196، "العين" 4/ 435.
(٢٩) كتبت في جميع النسخ (أهلكوا) وسياق الآية: ﴿ فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ ﴾ .
(٣٠) (طغى) ساقط من (ب).
(٣١) انظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 52 ب.
(٣٢) هو حفص بن عمر عبد العزيز المقرئ النحوي البغدادي الضرير، قرأ عن الكسائي ويحيى اليزيدي، توفي سنة ست وأربعين ومائتين.
انظر ترجمته في "معرفة القراء الكبار" 1/ 191، "غاية النهاية" 1/ 255.
(٣٣) ونصير ساقط من (ب).
ونصير هو: نصير بن أبي نصر الرازي ثم البغدادي النحوي، أبو المنذر، صاحب الكسائي، مات في حدود الأربعين ومائتين.
انظر ترجمته في: "معرفة القراء الكبار" 1/ 213، "غاية النهاية" 1/ 255.
(٣٤) انظر: "السبعة" لابن مجاهد ص 144، "الحجة" لأبي علي1/ 365، "الكشف" لمكي 1/ 171.
(٣٥) في (ب): (أن).
(٣٦) في (ب): (مستعمل) وصححت الكلمة من "الحجة" 1/ 368.
(٣٧) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ج).
الكلام في "الحجة" مع الاختصار 1/ 367، 368، وانظر: "الكشف" 1/ 171.
(٣٨) في (ب): (معي).
(٣٩) "تهذيب اللغة" (عمه) 3/ 2575، وانظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 56، "تفسير الثعلبي" 1/ 48 ب.
(٤٠) في (ب): (ومكرا).
(٤١) هذا على أن (يمدهم) من المد بمعنى الإمهال والتطويل، وقد سبق بيان ذلك عند قوله ﴿ وَيَمُدُّهُمْ ﴾ ، وأنظر "تفسير الطبري" 1/ 135، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 56، "الكشاف" 1/ 188.
<div class="verse-tafsir"
﴿ الله يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ﴾ فيه ثلاثة أقوال: تسمية للعقوبة باسم الذنب: كقوله: ﴿ وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ الله ﴾ [آل عمران: 54] وقيل: يملي لهم بدليل قوله: ﴿ وَيَمُدُّهُمْ ﴾ وقيل يفعل بهم في الآخرة ما يظهر لهم أنه استهزأ بهم كما جاء في سورة الحديد: [13] ﴿ ارجعوا وَرَآءَكُمْ فالتمسوا نُوراً ﴾ الآية ﴿ وَيَمُدُّهُمْ ﴾ يزيدهم، وقيل يملي لهم، وقد ذكروا يعمهون.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: و "من الناس" ممالة.
قرأ قتيبة ونصير في القرآن ما كان مكسوراً.
"من يقول" مدغمة النون والتنوين في الياء حيث وقعت: حمزة وعلي وخلف وورش من طريق النجاري.
"بمؤمنين" غير مهموز: أبو عمرو وغير شجاع ويزيد والأعشى وورش وحمزة في الوقف وكذلك ما أشبهها من الأسماء.
"وما يخادعون": أبو عمرو وابن كثير ونافع.
"فزادهم الله" وبابه مما كان ماضياً بالإمالة: حمزة ونصير وابن ذكوان من طريق مجاهد والنقاش بن الأخرم ههنا بالإمالة فقط.
"يكذبون" خفيفاً: عاصم وحمزة وعلي وخلف.
قيل ﴿ وغيض ﴾ ﴿ وجيء ﴾ بالإشمام: علي وهشام ورويس.
"السفهاء ألا" بهمزتين: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر.
"السفهاء ولا" بقلب الثانية واواً: أبو عمرو وسهل ويعقوب وابن كثير وأبو جعفر ونافع.
"السفهاء وألا" بقلب الأولى واواً.
روى الخزاعي وابن شنبوذ عن أهل مكة: وكذلك ما أشبهها مما اختلف الهمزتان فيها إلا أن تكون الأولى منهما مفتوحة مثل ﴿ شهداء إذ ﴾ ﴿ وجاء إخوة ﴾ وأشباه ذلك.
"مستهزءون" بترك الهمزة في الحالين: يزيد وافق حمزة في الوقف وكذلك ما أشبهها، وعن حمزة في الوقف وجهان: الحذف والتليين شبه الياء والواو.
"طغيانهم" حيث كان بالإمالة: قتيبة ونصير وأبو عمرو.
"بالهدى" وما أشبهها من الأسماء والأفعال من ذوات الياء بالإمالة: حمزة وعلي وخلف.
وقرأ أهل المدينة بين الفتح والكسر وإلى الفتح أقرب، وكذلك كل كلمة تجوز الإمالة فيها وذلك طبعهم وعادتهم.
الوقوف: "بمؤمنين" (م) لما مر في المقدمة الثامنة: "آمنوا" (ج) لعطف الجملتين المتفقتين مع ابتداء النفي.
"يشعرون" (ط) للآية وانقطاع النظم والمعنى، فإن تعلق الجار بما بعده.
"مرض" (لا) لأن الفاء للجزاء وكان تأكيداً لما في قلوبهم.
"مرضاً" (ج) لعطف الجملتين المختلفتين.
"يكذبون" (ه) في "الأرض" (لا) لأن "قالوا" جواب "إذا" وعامله.
"مصلحون" (ه) "لا يشعرون" (ه) "كما آمن السفهاء" (ط) للابتداء بكلمة التنبيه، ومن وصل فليعجل رد السفه عليهم "لا يعلمون" (5) "آمنا" (ج) لتبدل وجه الكلام معنى مع أن الوصل أولى لبيان حالتيهم المتناقضتين وهو المقصود "شياطينهم" (لا) لأن "قالوا" جواب "إذاً" "معكم" (لا) تحرزاً عن قول ما لا يقوله مسلم، وإن جاز الابتداء بإنما.
"مستهزءون" (ه) "يعمهون" (ه) "بالهدى" (ص) لانقطاع النفس ولا يلزم العود لأن ما بعده بدون ما قبله مفهوم "مهتدين" التفسير: وفيه مباحث: المبحث الأول: في قوله ﴿ ومن الناس من يقول ﴾ الآية.
وفيه مسائل: الأولى: عن مجاهد قال: أربع آيات من أول هذه السورة نزلت في المؤمنين، وآيتان بعدها نزلتا في الكافرين، وثلاث عشرة بعدها نزلت في المنافقين.
فأقول: أحوال القلب أربع: الاعتقاد المطابق عن الدليل وهو العلم، والاعتقاد المطابق لا عن الدليل وهو اعتقاد المقلد المحق، والاعتقاد غير المطابق وهو الجهل، وخلو القلب عن كل ذلك.
وأحوال اللسان ثلاث: الإقرار والإنكار والسكوت.
كل منها بالاختيار أو بالاضطرار، فيحصل من التراكيب أربعة وعشرون قسماً فلنتكلم في الأحوال القلبية ونجعل البواقي تبعاً لها في الذكر.
(النوع الأول): العرفان القلبي إن انضم إليه الإقرار باللسان اختياراً فصاحبه مؤمن حقاً بالاتفاق، أو اضطراراً فهو منافق، لأنه لولا الخوف لما أقرّ، فهو بقلبه منكر مكذب وجوب الإقرار.
وإن انضم إليه الإنكار اضطراراً فهو مسلم لقوله ﴿ إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ﴾ أو اختياراً فهو كافر معاند.
وإن انضم إليه السكوت اضطراراً فمسلم حقاً لأنه خاف، أو كما عرف مات فجأة فيكون معذوراً أو اختياراً فمسلم أيضاً عند الغزالي وعند كثير من الأئمة لقوله "يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان" .
(النوع الثاني) الاعتقاد التقليدي إن وجد معه الإقرار اختياراً فهو المسألة المشهورة من أن المقلد مؤمن أم لا، والأكثرون على إيمانه.
أو اضطراراً فمنافق بالطريق الأولى كما مر في النوع الأول.
وإن وجد معه الإنكار اختياراً فلا شك في كفره، أو اضطراراً فمسلم عند من يحكم بإيمان المقلد.
وإن وجد معه السكوت اضطراراً فمسلم بناء على إسلام المقلد، أو ا اختياراً فكافر معاند.
(النوع الثالث): الإنكار القلبي مع الإقرار اللساني إن كان اضطراراً نفاق، وكذا اختياراً لأنه أظهر خلاف ما أضمر.
ومع الإنكار اللساني كفر كيف كان، وكذا مع السكوت.
(النوع الرابع): القلب الخالي عن جميع الاعتقادات مع الإقرار اللساني إن كان اختياراً، فإن كان صاحبه في مهلة النظر لم يلزمه الكفر لكنه فعل ما لا يجوز له حيث أخبر عما لا يدري أنه هل هو صادق فيه أم لا.
وإن كان لا في مهلة النظر ففيه نظر، أما إذا كان اضطرارياً فلا يكفر صاحبه لأن توقفه إذا كان في مهلة النظر وكان يخاف على نفسه من ترك الإقرار لم يكن عمله قبيحاً.
والقلب الخالي مع الإنكار اللساني كيف كان نفاق، والقلب الخالي مع اللسان الخالي إن كان في مهلة النظر فذلك هو الواجب، وإن كان خارجاً عن مهلة النظر وجب تكفيره ولا نفاق.
فظهر من التقسيم أن المنافق هو الذي لا يطابق ظاهره باطنه سواء كان في باطنه ما يضاد ظاهره أو كان باطنه خالياً عما يشعر به ظاهره، ومنه "النافقاء إحدى حجرة اليربوع يكتمها ويظهر غيرها" فإذا أتى من قبل القاصعاء ضرب النافقاء برأسه فانتفق أي خرج.
الثانية: زعم قوم أن الكفر الأصلي أقبح من النفاق، لأن الكافر جاهل بالقلب كاذب باللسان، والمنافق جاهل بالقلب صادق باللسان.
وقال الآخرون: المنافق أيضاً كاذب باللسان لأنه يخبر عن كونه على ذلك الاعتقاد مع أنه ليس عليه.
قال عز من قائل: ﴿ والله يشهد إن المنافقين لكاذبون ﴾ وأيضاً إنه قصد التلبيس والكافر الأصلي لا يقصد ذلك.
وأيضاً الكافر الأصلي على طبع الرجال، والمنافق على طبيعة الخنائي.
وأيضاً الكافر ما رضي لنفسه بالكذب بل استنكف منه، والمنافق رضي بالكذب.
وأيضاً المنافق ضم إلى الكفر الاستهزاء والخداع دون الكافر الأصلي، ولغلظ كفر المنافقين قال الله : ﴿ إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ﴾ ووصف حال الكفار في آيتين وحال المنافقين في ثلاث عشرة آية، نعى عليهم فيها خبثهم ونكرهم وفضحهم وسفههم واستجهلهم واستهزأ بهم وتهكم بفعلهم وسجل بطغيانهم وعمههم ودعاهم صماً بكماً عمياً وضرب لهم الأمثال الشنيعة.
الثالثة: قصة المنافقين عن آخرها معطوفة على قصة "الذين كفروا" كما تعطف الجملة على الجملة.
وأصل ناس أناس بدليل إنسان وإنس وأناسي.
حذفت الهمزة تخفيفاً، مع لام التعريف كاللازم.
وقوله "إن المنايا يطلعن على الإناس الآمنينا" قليل.
ونويس من المصغر الآتي على خلاف مكبره كأنيسيان.
سموا بذلك لظهورهم وأنهم يؤنسون أي يبصرون كما سمي الجن لاجتنانهم.
ووزن ناس فعال لأن الزنة على الأصول كما يقال وزن ق أفعل وهو اسم جمع كرخال للأنثى من أولاد الضأن.
وأما الذي مفرده رخل بكسر الراء فرخال بكسر الراء.
"ومن" في "من يقول" موصوفة إن جعلت اللام في الناس للجنس كقوله ﴿ من المؤمنين رجال ﴾ ليكون معنى الكلام أن في جنس الإنس طائفة كيت وكيت، فيعود فائدة الكلام إلى الوصف.
وإن لم يكن مفيداً من حيث الحمل لأن الطائفة الموصوفة تكون لا محالة من الناس، ولا يجوز أن تكون "من" موصولة حينئذ، لأن الصلة تكون جملة معلومة الانتساب إلى الموصول فتبطل فائدة الوصف، فيبقى الكلام غير مفيد رأساً.
وإن جعلت اللام للعهد فمن تكون موصولة نحو ﴿ ومنهم الذين يؤذون النبي ﴾ وتكون اللام إشارة إلى الذين كفروا لما ذكرهم، ولا يجوز أن تكون "من" موصوفة إذ ذاك، لأن فائدة الكلام تعود إلى الوصف أيضاً، ولكن لا يجاوبه نظم الكلام إذ يصير المعنى أن من المختوم على قلوبهم طائفة يقولون كيت وكيت وما هم بمؤمنين.
ومن البين أن مدلول قوله "وما هم بمؤمنين" معلوم من حال المطبوع على قلوبهم فيقع ذكره ضائعاً، والضمير العائد إلى "من" يكون موحداً تارة باعتبار اللفظ نحو ﴿ ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة ﴾ ومجموعاً أخرى باعتبار المعنى مثل ﴿ ومنهم من يستمعون إليك ﴾ وقد اجتمع الاعتباران في الآية في "يقول" و "آمنا".
وإنما اختص بالذكر الإيمان بالله والإيمان باليوم الآخر لأنهما قطرا الإيمان، ومن أحاط بهما فقد حاز الإيمان بحذافيره.
وفي تكرير الباء إيذان بأنهم ادعوا كل واحد من الإيمانين على صفة الصحة والاستحكام.
فإن قلت: إن كان هؤلاء المنافقون من المشركين فظاهر عدم إيمانهم بالله واليوم الآخر، وإن كانوا من اليهود فكيف يصح ذلك؟
قلت: إيمان اليهود بالله ليس بإيمان لقولهم "عزير ابن الله" وكذلك إيمانهم باليوم الآخر لأنهم يعتقدونه على خلاف صفته.
فقولهم هذا لو صدر عنهم لا على وجه النفاق بل على عقيدتهم فهو كفر لا إيمان.
فإذا قالوه على وجه النفاق خديعة واستهزاء وتخييلاً للمسلمين أنهم مثلهم في الإيمان الحقيقي كان خبثاً إلى خبث وكفراً إلى كفر.
والمراد باليوم الآخر إما طرف الأبد الذي لا ينقطع لأنه متأخر عن الأوقات المنقضية، أو الوقت المحدود من النشور إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، لأنه آخر الأوقات المحدودة التي لا حد للوقت بعده.
فإن قلت: كيف طابق قوله "وما هم بمؤمنين" قولهم "آمنا" والأول في ذكر شأن الفعل لا الفاعل، والثاني بالعكس؟
قلت: لما أتوا بالجملة الفعلية ليكون معناها أحدثنا الدخول في الإيمان لتروج دعواهم الكاذبة، جيء بالجملة الأسمية ليفيد نفي ما انتحلوا إثباته لأنفسهم على سبيل ألبت والقطع وأنهم ليس لهم استئهال أن يكونوا طائفة من طوائف المؤمنين، فكان هذا أوكد وأبلغ من أن يقال: إنهم لم يؤمنوا.
ونظير الآية قوله ﴿ يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ﴾ .
ثم إن قوله "وما هم بمؤمنين" يحتمل أن يكون مقيداً وترك لدلالة التقييد في "آمنا".
ويحتمل الإطلاق أي أنهم ليسوا من الإيمان في شيء قط، لا من الإيمان بالله وباليوم الآخر ولا من الإيمان بغيرهما.
البحث الثاني: في قوله ﴿ يخادعون الله ﴾ إلى ﴿ يكذبون ﴾ .
أعلم أن الله ذكر من قبائح أفعال المنافقين أربعة أشياء: أحدها المخادعة وأصلها الإخفاء، ومنه سميت الخزانة المخدع.
والأخدعان عرفان في العنق خفيان.
وخدع الضب خدعاً إذا توارى في جحره فلم يظهر إلا قليلاً.
والخديعة مذمومة لأنها إظهار ما يوهم السداد والسلامة وإبطان ما يقتضي الإضرار بالغير أو التخلص منه، فهي بمنزلة النفاق في الكفر والرياء في الأفعال الحسية.
فإن قيل: مخادعة الله والمؤمنين لا تصح لأن العالم الذي لا يخفى عليه خافية لا يخدع، والحكيم الحليم الذي لا يفعل القبيح لا يخدع، والمؤمنين وإن جاز أن يخدعوا كما قال ذو الرمة: تلك الفتاة التي علقتها عرضاً *** إن الحليم ذا الإسلام يختلب لم يجز أن يخدعوا.
قلنا: كانت صورة صنعهم مع الله - حيث يتظاهرون بالإيمان وهم كافرون - صورة صنع الخادعين، وصورة صنع الله معهم - حيث أمر بإجراء أحكام المسلمين عليهم وهم عنده أهل الدرك الأسفل من النار - صورة صنع الخادع، وكذلك صورة صنع المؤمنين معهم - حيث امتثلوا أمر الله فيهم فأجروا أحكامه عليهم.
ويحتمل أن يكون ذلك ترجمة عن معتقدهم وظنهم أن الله ممن يصح خداعه، لأنه من كان ادعاؤه الإيمان بالله تعالى نفاقاً لم يكن عارفاً بالله ولا بصفاته، فلم يبعد من مثله تجويز أن يكون الله مخدوعاً ومصاباً بالمكروه من وجه خفي، أو تجويز أن يدلس على عباده ويخدعهم.
ويحتمل أن يذكر الله ويراد الرسول لأنه خليفته والناطق بأوامره ونواهيه مع عباده ﴿ إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله ﴾ .
ويحتمل أن يكون من قولهم "أعجبني زيد وكرمه" فيكون المعنى يخادعون الذين آمنوا بالله، وفائدة هذه الطريقة قوة الاختصاص.
ولما كان المؤمنون من الله بمكان سلك بهم هذا المسلك ومثله ﴿ والله ورسوله أحق أن يرضوه ﴾ { ﴿ إن الذين يؤذون الله ورسوله ﴾ وقولهم "علمت زيداً فاضلاً" الغرض ذكر الإحاطة بفضل زيد، لأن زيداً كان معلوماً له قديماً كأنه قيل: علمت فضل زيد ولكن ذكره توطئة وتمهيداً.
ووجه الاختصار بخادعت على واحد أن يقال: عني به فعلت إلا أنه أخرج في زنة "فاعلت" لأن الزنة في أصلها للمغالبة والمباراة، والفعل متى غولب فيه فاعله جاء أبلغ وأحكم منه إذا زاوله وحده من غير مغالب ولا مبار لزيادة قوة الداعي إليه.
"ويخادعون" بيان ليقول، ويجوز أن يكون مستأنفاً كأن قيل: ولم يدعون الإيمان كاذبين؟
فقيل: يخادعون.
وكان غرضهم من الخداع الدفع عن أنفسهم أحكام الكفار من القتل والنهب وتعظيم المسلمين إياهم وإعطائهم الحظوظ من المغانم واطلاعهم على أسرار المسلمين لاختلاطهم بهم.
والسؤال الذي يذكر ههنا من أنه لم أبقى المنافق على حاله من النفاق ولم يظهر أمره حتى لا يصل من أغراض الخداع إلى ما وصل؟
وأرد على استبقاء الكفار وسائر أعداء الدين، بل على استبقاء إبليس وذريته وتنحل العقدة في الجميع بما سلف لنا من الحقائق ولا سيما في تفسير قوله ﴿ ختم الله على قلوبهم ﴾ وقراءة من قرأ ﴿ وما يخادعون إلا أنفسهم ﴾ أي وما يعاملون تلك المعاملة المضاهية لمعاملة المخادعين إلا أنفسهم، لأن مكرهاً يحيق بهم ودائرتها تدور عليهم لأن الله يدفع ضرر الخداع عن المؤمنين ويصرفه إليهم كقوله ﴿ إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم ﴾ ويحتمل أن يراد حقيقة المخادعة لأنهم يخدعون أنفسهم حيث يمنونها الأباطيل، وأنفسهم أيضاً تمنيهم وتحدثهم بالأكاذيب.
وأن يراد "وما يخدعون" فجيء به على لفظ يفاعلون للمبالغة.
والنفس ذات الشيء وحقيقته ولا يختص بالأجسام لقوله ﴿ تعلم ما في نفسي ﴾ والشعور علم الشيء علم حس ومشاعر الإنسان حواسه.
والمعنى أن لحوق ضرر ذلك بهم كالمحسوس، وهم لتمادي غفلتهم كالذي لا حس له.
والمرض حالة توجب وقوع الخلل في الأفعال الصادرة عن موضوعها، واستعمال المرض في القلب يجوز أن يكون حقيقة بأن يراد الألم كما تقول: في جوفه مرض.
ومجازاً بأن يستعار لبعض أعراض القلب كسوء الاعتقاد والغل والحسد والميل إلى المعاصي، فإن صدورهم كانت تغلي على الرسول والمؤمنين غلاً وحنقاً { ﴿ وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ ﴾ وناهيك بما كان من ابن أبي، وقول سعد بن عبادة لرسول له اعف عنه يا رسول الله واصفح، فوالله لقد أعطاك الله الذي أعطاك، ولقد اصطلح أهل هذه البحيرة أن يعصبوه بالعصابة - وذلك شيء منظوم بالجواهر شبه التاج - أي يجعلوه ملكاً، فلما رد الله ذلك بالحق الذي أعطاكه شرق بذلك.
أو يراد ما يداخل قلوبهم من الضعف والخور لأنهم كانوا يطمعون أن ريح الإسلام تهب حيناً ثم تركد، فكانت تقوى قلوبهم بذلك الطمع.
فلما شاهدوا شوكة المسلمين وإعلاء كلمة الحق وما قذف الله في قلوبهم من الرعب ضعفت جبناً وخوراً.
ومعنى زيادة الله إياهم مرضاً أنه كلما أنزل على رسوله الوحي فكفروا به ازدادوا كفراً إلى كفرهم، فأسند الفعل إلى المسبب له كما أسند إلى السورة في قوله ﴿ فزادتهم رجساً إلى رجسهم ﴾ وهذا كما قال الحكيم: البدن الغير النقي كلما فدوته زدته شراً.
وكلما زاد رسوله نصرة وتبسطاً ازدادوا حسداً وبغضاً.
ويحتمل أن يراد بزيادة المرض الطبع، ويحتمل أن يقال: الغل والحسد قد يفضي إلى تغير مزاج القلب ويؤدي إلى تلف صاحبه كقوله: اصبر على مضض الحسو *** د فإن صبرك قاتله النـــــــار تأكــــل نفســـــها *** إن لم تجد ما تأكلـه فإفضاء صاحبه إلى الهلاك هو المعني بالزيادة.
والأليم الوجيع.
ووصف العذاب به على طريقة قولهم "جد جده" والألم بالحقيقة للمؤلم كما أن الجد للجاد.
والمراد بكذبهم قولهم ﴿ آمنا بالله وباليوم الآخر ﴾ .
وفي ترتب الوعيد على الكذب دليل على قبح الكذب وسماجته.
وما يروى عن إبراهيم أنه كذب ثلاث كذبات أحدها قوله ﴿ إني سقيم ﴾ وثانيها قوله لسارة حين أراد أن يغصبها ظالم "إنها أختي" وثالثها قوله ﴿ بل فعله كبيرهم هذا ﴾ فالمراد التعريض "إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب" ولكن لما كانت صورته صورة الكذب سمي به.
والكذب الإخبار بالشيء على خلاف ما هو به، وقد يعتبر فيه علم المخبر بكون المخبر عنه مخالفاً للخبر، والصدق نقيضه.
وقراءة من قرأ "يكذبون" بالتشديد إما من كذبه الذي هو نقيض صدقه، وإما من كذب الذي هو مبالغة في كذب كما بولغ في صدق فقيل "صدق" نحو: بان الشيء وبين الشيء ومنه قوله: قد بين الصبح لذي عينين *** أو بمعنى الكثرة نحو "موتت البهائم"، أو من قولهم "كذب الوحشي إذا جرى شوطاً ثم وقف لينظر ما وراءه" لأن المنافق متوقف متردد في أمره مذبذب بين ذلك.
وقال : "مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين تعير إلى هذه مرة وإلى هذه مرة" وما في قوله "بما كانوا" مصدرية أي بكذبهم، وكان مقحمة لتفيد الثبوت والدوام أي بسبب أن هذا شأنهم وهجيراهم.
البحث الثالث: في قوله ﴿ وإذا قيل لهم لا تفسدو في الأرض ﴾ إلى قوله }ولكن لا يشعرون}.
هذا هو النوع الثاني من قبائح أفعال المنافقين.
فقوله "وإذا قيل" إما معطوف على "كانوا يكذبون" أي ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون وبما كانوا إذا قيل لهم كذا قالوا كذا، وإما على "يقول" أي ومن الناس من إذا قيل له.
ويحتمل أن يقال الواو للاستئناف، وإسناد "قيل" إلى "لا تفسدوا" و "آمنوا" ليس من إسناد الفعل إلى الفعل فإنه لا يصح، ولكنه إسناد إلى لفظ الفعل.
أي وإذا قيل لهم هذا القول نحو: زعموا مطية الكذب.
والقائل لهم إما النبي إذا بلغه عنهم النفاق ولم يقطع بذلك نصحهم فأجابوا بما يحقق إيمانهم وأنهم في الصلاح، وإما بعض من كانوا يلقون إليه الفساد كان لا يقبل منهم ويعظمهم، وإما بعض المؤمنين، ولا يجوز أن يكون القائل ممن لا يختص بالدين.
والفساد خروج الشيء عن أن يكون منتفعاً به، ونقيضه الصلاح وهو الحصول على الحالة المستقيمة النافعة.
عن ابن عباس والحسن وقتادة والسدي أن المراد بالإفساد المنهي عنه إظهار معصية الله ، فإن الشرائع سنن موضوعة بين العباد، فإذا تمسك الخلق بها زال العدوان ولزم كل أحد شأنه، فحقنت الدماء وضبطت الأموال وحفظت الفروج وكان ذلك صلاح الأرض وأهلها.
وأما إذا أهملت الشريعة وأقدم كل واحد على ما يهواه، اشتعلت نوائر الفتن من كل جانب، وحدثت المفاسد.
وقيل: هو مداراة المنافقين الكافرين ومخالطتهم إياهم لأنهم إذا مالوا إلى الكفار مع أنهم في الظاهر مؤمنون، أوْهَمَ ذلك ضعف أمر النبي وأصحابه فيصير سبباً لطمع الكفار في المؤمنين، فتهيج الفتن والحروب.
وقيل: كانوا يدعون في السر إلى تكذيبه ويلقون الشبه ويفشون أسرار المؤمنين، ولما نهوا عن الإفساد في الأرض كان قولهم "إنما نحن مصلحون" كالمقابل له.
فههنا احتمالات: أحدها: أنهم اعتقدوا في دينهم أنه هو الصواب وكان سعيهم لأجل تقوية ذلك الدين، فزعموا أنهم مصلحون.
وثانيها: إذا فسر الإفساد بموالاتهم الكافرين أن يكون مرادهم أن الغرض من تلك الموالاة هو الإصلاح بين المسلمين كقولهم فيما حكى الله ﴿ إن أردنا إلا إحساناً وتوفيقاً ﴾ وثالثها: أن يكون المراد إنكار إذاعة أسرار المسلمين ونسبة أنفسهم إلى الاستقامة والسداد، وجيء بأداة القصر دلالة على أن صفة المصلحين خلصت لهم وتمحضت، أي حالنا مقصورة على الإصلاح لا تتعداه إلى غيره.
"وألا" مركبة من همزة الاستفهام وحرف النفي، فيفيد التنبيه على تحقيق ما بعدها كقوله ﴿ أليس ذلك بقادر ﴾ ولإفادتها التحقيق لا تكاد تقع الجملة بعدها إلا مصدرة بنحو ما يتلقى به القسم.
وأختها التي هي "أما" من مقدمات اليمين وطلائعها.
قال: أما والذي أبكى وأضحك والذي *** أمات وأحيا والذي أمره الأمر رد الله ما ادعوه من الانضمام في زمرة المصلحين أبلغ رد من جهة الاستئناف، فإن ادعاءهم ذلك مع توغلهم في الفساد مما يشوق السامع أن يعرف ما حكمهم، فرد الله عليهم.
وكان وروده بدون الواو هو المطابق، ومن جهة ما في "ألا" وفي "أن" من التأكيد، ومن قبيل تعريف الخبر وتوسيط الفصل وقوله "لا يشعرون".
البحث الرابع: في قوله ﴿ وإذا قيل لهم آمنوا ﴾ الآية.
هذا هو النوع الثالث من قبائح أفعال المنافقين، وذلك أن المؤمنين أتوهم في النصيحة من وجهين: أحدهما: تقبيح ما كانوا عليه مما يجرّ إلى الفساد والفتنة، والثاني: دعوتهم إلى الطريقة المثلى من اتباع ذوي الأحلام.
وبعبارة أخرى أمرهم أولاً بالتخلية عما لا ينبغي، وثانياً بالتحلية بما ينبغي لأن كمال حال الإنسان في هاتين.
وكان من جوابهم فيما بينهم أو للقائل أن سفهوهم لتمادي سفههم، وفي هذا تسلية للعالم إذا لم يعرف حقه الجاهل.
وإذا أتتك مذمتي من ناقص *** فهي الشهادة لي بأني كامل وما في "كما" يجوز أن تكون كافة تصحح دخول الجار على الفعل وتفيد تشبيه مضمون الجملة بالجملة كقولك: يكتب زيد كما يكتب عمرو، أو زيد صديقي كما عمرو أخي.
ويجوز أن تكون مصدرية مثلها في ﴿ بما رحبت ﴾ واللام في الناس للعهد أي كما آمن الرسول ومن معه وهم ناس معهودون أي ليكن إيمانكم ثابتاً كما أن إيمان هؤلاء ثابت، أو ليحصل إيمانكم كحصول إيمان هؤلاء، أو آمنوا كما آمن عبد الله بن سلام وأتباعه لأنهم من جلدتهم أي كما آمن أصحابكم.
ويحتمل أن تكون للجنس أي كما آمن الكاملون في الإنسانية من الإقرار اللساني الناشئ عن الاعتقاد القلبي، أو جعل المؤمنون كأنهم الناس ومن عداهم كالنسناس في عدم التمييز بين الحق والباطل.
والاستفهام في "أنؤمن" في معنى الإنكار، واللام في "السفهاء" مشار بها إلى الناس كقولك لصاحبك: إن زيداً قد سعى بك.
فتقول: أوقد فعل السفيه؟
أو للجنس وينطوي تحته الجاري ذكرهم على زعمهم لأنهم عندهم أعرق الناس في السفه وهو ضد الحلم، وأصله الخفة والحركة يقال: تسفهت الريح الشجر إذا مالت به، قال ذو الرمة: جرين كما اهتزت رماح تسفهت *** أعاليها مر الرياح النواسم وإنما سفهو المؤمنين مع رجحان عقول أهل الإيمان، لأنهم لجهلهم وإخلالهم بالنظر الصحيح اعتقدوا أن ما هم فيه هو الحق، ولأنهم كانوا في رياسة وثروة وكان أكثر المؤمنين فقراء ومنهم موالٍ كصهيب وبلال وخباب، فدعوهم سفهاء تحقيراً لشأنهم كما قال قوم نوح { ﴿ وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا ﴾ أو أرادوا عبد الله بن سلام وأشياعه لما غاظهم من إسلامهم وفتَّ في أعضائهم.
عن أنس "أنه سمع عبد الله بن سلام بمقدم رسول الله وهو في أرض مخترف، فاتى النبي فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي.
فما أوّل أشراط الساعة؟
وما أول طعام أهل الجنة؟
وما ينزع الولد إلى أبيه أو إلى أمه؟
قال :أخبرني بهن جبريل آنفاً.
أما أول أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد حوت.
وإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الوالد، وإذا سبق ماء المرأة نزعت.
قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله يا رسول الله، إن اليهود قوم بهت وإنهم إن يعلموا بإسلامي قبل أن تسألهم بهتوني.
فجاءت اليهود فقال: أي رجل عبد الله فيكم؟
قالوا: خيرنا وابن خيرنا وسيدنا وابن سيدنا.
قال: أرأيتم إن أسلم عبد الله بن سلام.
قالوا: أعاذه الله من ذلك.
فخرج عبد الله فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.
فقالوا: شرنا وابن شرنا فانتقصوه.
قال: هذا الذي كنت أخاف يا رسول الله" .
ثم إن الله ألقى عليهم هذا اللقب مقروناً بالمؤكدات التي بيناها في قوله "ألا إنهم هم المفسدون" وذلك أن من أعرض عن الدليل ثم نسب المتمسك به إلى السفه فهو السفيه، وكذا من باع آخرته بدنياه.
قال : "الكيِّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت" وأيضاً من السفه معاداة المحمديين ﴿ يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ﴾ .
كالطود يحقر نطحة الأوعال *** إنما فصلت هذه الآية "بلا يعلمون" والتي قبلها "بلا يشعرون" لأن الوقوف على أن المؤمنين على الحق وهم على الباطل أمر عقلي نظري، وأما النفاق وما يؤول إليه من الفساد في الأرض فأمر دنيوي مبني على العادات، وخصوصاً عند العرب في جاهليتهم.
وما كان قائماً بينهم من التحارب والتجاذب فهو كالمحسوس المشاهد، ولأنه قد ذكر السفه وهو جهل فكان ذكر العلم معه أحسن طباقاً له.
البحث الخامس: في قوله ﴿ وإذا لقوا الذين آمنوا ﴾ الآيات.
هذا هو النوع الرابع من قبائح أفعالهم، والفرق بين هذه الآية وبين قوله "ومن الناس من يقول آمنا" أن تلك في بيان مذهبهم والترجمة عن نفاقهم، وهذه في بيان معاملتهم مع المؤمنين من التكذيب لهم والاستهزاء بهم.
عن ابن عباس: نزلت هذه الآية في عبد الله بن أبي وأصحابه، وذلك أنهم خرجوا ذات يوم فاستقبلهم نفر من أصحاب رسول الله فقال عبد الله بن أبي: انظروا كيف أرد هؤلاء السفهاء عنكم.
فذهب فأخذ بيد أبي بكر فقال: مرحباً بالصديق سيد بني تيم وشيخ الإسلام وثاني رسول الله في الغار، الباذل نفسه وماله، ثم أخذ بيد عمر فقال: مرحباً بسيد بني عدي بن كعب الفاروق القوي في دين الله الباذل نفسه وماله لرسول الله، ثم أخذ بيد علي فقال: مرحباً بابن عم رسول الله وختنه سيد بني هاشم ما خلا رسول الله.
ثم افترقوا فقال عبد الله لأصحابه: كيف رأيتموني فعلت، فإذا رأيتموهم فافعلوا كما فعلت، فأثنوا عليه خيراً.
فرجع المسلمون إلى النبي وأخبروه بذلك فنزلت.
ويقال: لقيته ولاقيته إذا استقبلته قريباً منه.
وخلوت بفلان وإليه إذا انفردت معه، ويجوز أن يكون من خلال بمعنى مضى، وخلاك ذم أي عداك ومضى عنك، ومنه القرون الخالية، أو من خلوت به إذا سخرت منه وهو من قولك "خلا فلان بعرض فلان" عبث به، ومعناه إذا أنهوا السخرية بالمؤمنين إلى شياطينهم وحدثوهم بها كما تقول: أحمد إليك فلاناً أو أذمه إليك أي أنهي إليك حمدي لفلان أو ذمي.
وعن ابن عباس: إني أحمد إليك عسل الإحليل أي أعلمكم أنه أمر محمود.
وشياطينهم رؤساؤهم وأكابرهم الذين ماثلوا الشياطين في تمردهم.
وهم إما أكابر المنافقين فالقائلون.
إنا معكم أي مصاحبوكم وموافقوكم على أمر دينكم أصاغرهم، وإما أكابر الكافرين فالقائلون يحتمل أن يكون جميع المنافقين.
وإنما فسرنا الشياطين بالرؤساء لأنهم هم القادرون على الإفساد في الأرض، وإنما خاطبوا المؤمنين بأضعف الجملتين وهي الفعلية، وشياطينهم بأقواهما أعني الاسمية المحققة بان لأنهم في ادعاء حدوث الإيمان الناشئ عن صميم القلب منهم لا في ادعاء أنهم أوحديون في الإيمان كاملون، إما لأن أنفسهم لا تساعدهم عليه وهكذا كل قول لم يصدر عن صدق رغبة وباعث داخلي، وإما لأنه لا يروج عنهم لو قالوه على وجه التوكيد وهم بين ظهراني المهاجرين والأنصار القائلين "ربنا إننا آمنا" وإما مخاطبة إخوانهم فعن وفور نشاط ورغبة وفي حيز القبول والرواج فكان مظنة للتحقيق ومئنة للتوكيد، وإنما فقد العاطف بين قوله "إنا معكم" وبين قوله "إنما نحن مستهزءون" الأوّل معناه الثبات على الكفر، والثاني ردّ للإسلام.
لأن المستهزئ بالشيء منكر له دافع، ودفع نقيض الشيء إثبات وتأكيد للشيء.
أو لأن الثاني بدل منه لأن من حقر الإسلام فقد عظم الكفر، أو لأنه استئناف كأنه قيل: ما بالكم إن صح أنكم معنا توافقون أهل الإسلام؟
فقالوا: إنما نحن مستهزءون.
والاستهزاء السخرية والاستخفاف، وأصله الخفة من الهزء وهو القتل السريع.
ثم إن الله أجابهم بأشياء: أحدها قول الله "يستهزئ بهم" وهو استئناف في غاية الجزالة والفخامة، كأنه سئل ما مصير أمرهم وعقبى حالهم؟
فقيل: الله يستهزئ بهم.
وفي الالتفات من الحكاية إلى المظهر، أن الله عز وجل هو الذي يستهزئ بهم الاستهزاء الأبلغ الذي استهزاؤهم بالنسبة إلى ذلك كالعدم.
وفي تخصيص الله بالذكر مع قرينة أن المؤمنين هم الذين استهزئ بهم دلالة على أن الله هو الذي يتولى الاستهزاء بهم انتقاماً للمؤمنين، ولا يحوج المؤمنين أن يعارضوهم باستهزاء مثله.
فإن قيل: الاستهزاء جهالة ﴿ قالوا أتتخذنا هزواً قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ﴾ فما معنى استهزاء الله بهم؟
قلنا: معناه إنزال الهوان والحقارة بهم وهو المقصد الأقصى للمستهزئ، أو سمي جزاء الاستهزاء استهزاء مثل ﴿ فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ﴾ أو عاملهم الله معاملة المستهزئ في الدنيا لأنه كان يطلع الرسول على أسرارهم مع كونهم مبالغين في إخفائها، وفي الآخرة على ما روي عن ابن عباس: إذا دخل المؤمنون الجنة والكافرون النار، فتح الله من الجنة باباً على الجحيم في الموضع الذي هو مسكن المنافقين، فإذا رأى المنافقون الباب مفتوحاً أخذوا يخرجون من الجحيم ويتوجهون إلى الجنة - وأهل الجنة ينظرون إليهم - فإذا وصلوا إلى باب الجنة فهناك يغلق دونهم الباب فذلك قوله { ﴿ فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون على الأرائك ينظرون ﴾ فهذا هو الاستهزاء، وإنما لم يقل الله مستهزئ ليكون طبقاً لقوله "إنما نحن مستهزءُون" لأن المراد تجدد الاستهزاء بهم وقتاً بعد وقت، وهكذا كانت نكايات الله فيهم ونزول الآيات في شأنهم { ﴿ أو لايرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ﴾ ﴿ يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزءوا إن الله مخرج ما تحذرون ﴾ وثانيها قوله و"ويمدهم في طغيانهم" هو من مد الجيش أمده إذا زاده وألحق به ما يقوّيه، وكذلك مد الدواة والسراج زادهما ما يصلحهما.
وإنما قلنا: إنه من المدد لا من المد في العمر والإمهال لقراءة نافع في موضع آخر ﴿ وإخوانهم يمدونهم في الغي ﴾ على أن الذي بمعنى أمهله إنما هو مد له مع اللام كأملى له قاله في الكشاف، وهو مخالف لنقل الجوهري مده في غيه أي أمهله.
والطغيان الغلو في الكفر ومجاوزة الحد في العتوّ، ومعنى مدد الله إياهم في الطغيان يعرف من تفسير ﴿ ختم الله على قلوبهم ﴾ وقد يوجه بأنه لما منعهم ألطافه التي منحها المؤمنين بقيت قلوبهم يتزايد الرين والظلمة فيها تزايد الانشراح والنور في صدور المؤمنين، فسمي ذلك التزايد مدداً.
أو بأنه لم يقسرهم، أو بأنه أسند فعل الشيطان إلى الله لأنه بتمكينه وإقداره، ولا يخفى ما في هذا التوجيه من التكلف، لأنه انتهاء الكل إلى مسبب الأسباب.
ومن هذا القبيل ما قيل: إن النكتة في إضافة الطغيان إليهم هي أن يعلم أن التمادي في الضلالة مما اقترفته أنفسهم، وأن الله بريء منه، فإن الانتهاء إلى الله لما كان ضرورياً فكيف يتبرأ من ذلك؟
"ويعمهون" في موضع الحال.
والعمه كالعمى، إلا أن العمى في البصر وفي الرأي، والعمه في الرأي خاصة وهو التحير والتردد لا يدري أين يتوجه.
وثالثها: قوله ﴿ أولئك الذي اشتروا الضلالة بالهدى ﴾ أي اختاروها عليه واستبدلوها به، وهذه استعارة لأن الاشتراء فيه إعطاء بدل وأخذ آخر قال أبو النجم: أخذت بالجمـة رأســـاً أزعرا *** وبالثنايا الواضحات الدردرا وبالطويل العمر عمراً جيدراً *** كما اشترى المــلم إذ تنصرا وعن وهب قال الله فيما يعيب به بني إسرائيل: تفقهون لغير الدين، وتعلمون لغير العمل، وتبتاعون الدنيا بعمل الآخرة.
جعلوا لتمكنهم من الهدى بحسب الفطرة الإنسانية الشخصية كأنه في أيديهم، فتركوه واستبدلوا به الضلالة وهي الجور عن القصد وفقد الاهتداء.
وفي المثل "ضل دريص نفقة" أي جحره، والدرص ولد الفأرة ونحوها، يضرب لمن يعيا بأمره.
فاستعيرت الضلالة للذهاب عن الصواب في الدين.
والربح الفضل على رأس المال، والتجارة مصدر وإنما أسند الخسران إليها وهو لصاحبها إسناداً مجازياً لملابسة التجارة بالمشترين.
وقد يقال: ربح عبدك وخسرت جاريتك مجازاً إذا دلت الحال.
ولما ذكر الله شراء الضلالة بالهدى مجازاً أتبعه ما يشاكله ويواخيه من الربح والتجارة لتكون الاستعارة مرشحة كقوله: ولما رأيت النسر عز ابن دأية *** وعشش في وكريه جاش له صدري لما شبه الشيب بالنسر، والشعر الفاحم بالغراب، أتبعه ذكر التعشيش والوكر.
"وما كانوا مهتدين" لطرق التجارة لأن مطلوب التاجر في متصرفاته شيئان: سلامة رأس المال والربح.
وهؤلاء قد أضاعوا الطلبتين معاً، لأن رأس مالهم كان هو الهدى فلم يبق لهم مع الضلالة، والضلالة أمر عدمي فلا عوض ولا معوّض، فلا ربح ولا رأس المال.
وهكذا حال من يدعي الإرادة ولا يخرج من العادة ويريد الجمع بين مقاصد الدنيا ومصالح الدين، كالمنافق أراد الجمع بين عشرة الكفار وصحبة المسلمين، والمكاتب عبد ما بقي عليه درهم، وإذا أقبل الليل من ههنا أدبر النهار من ههنا نعوذ بالله من الغواية، ونسأله أن يعصمنا من الضلالة بعد الهداية.
<div class="verse-tafsir"
وقوله: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ .
بالمخادعة للمؤمنين، وإظهار الموافقة لهم بالقول، وإضمار الخلاف لهم بالقلب، والاستهزاء بهم عند الخلوة، والقول فيهم بما لا يليق بهم، وعبادة غير الله.
وأَيُّ فساد أَكبر من هذا؟!.
وقوله: ﴿ قَالُوۤاْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ﴾ .
بإظهار الموافقة بالقول.
وقوله: ﴿ أَلاۤ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْمُفْسِدُونَ ﴾ .
أخبر أنهم هم المفسدون؛ لما أَضمروا من الخلاف لهم، والمخادعة، والاستهزاءِ بهم.
وقوله: ﴿ وَلَـٰكِن لاَّ يَشْعُرُونَ ﴾ .
الأول: أَي: لا يشعرون أَن حاصل ذلك لا يرجع إليهم.
والثاني: لا يشعرون أن ما كانوا يفعلون الفسادُ.
فإن كان هذا فهو ينقض قول من يقول: بأَن الحجة لا تلزم إلا بالمعرفة، وهو قول الناس؛ لأَنه عز وجل أَخبر بفساد صنيعهم، وإن لم يشعروا به.
وهو كقوله أَيضاً: ﴿ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ ﴾ : أَخبر بحبط الأَعمال وإن كانوا لا يعلمون.
وقوله: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ كَمَآ آمَنَ ٱلنَّاسُ ﴾ .
تحتمل الآية: أَن تكون في المنافقين، وتحتمل: في أَهل الكتاب.
فإن كانت في المنافقين فكأَن قوله: آمنوا يا أَهل النفاق في السر والعلانية، كما آمن أَصحاب محمد في السر والعلانية جميعاً، وهو كقوله: ﴿ فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَآ آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ ٱهْتَدَواْ ﴾ .
وإن كان في أَهل الكتاب ففيه الأَمر بالإيمان الذي هو إيمان، وهو التصديق.
والإيمان عندنا هو التصديق بالقلب؛ دليله قول جميع أَهل التأْويل والأَدب أَنهم فسروا ﴿ آمَنُواْ ﴾ : صدقوا في جميع القرآن.
وقوله: ﴿ قَالُوۤاْ أَنُؤْمِنُ كَمَآ آمَنَ ٱلسُّفَهَآءُ ﴾ الآية.
السفه: هو ضد الحكمة، وهو العمل بالجهل على العلم أَنه يبطل، والجهلُ هو ضد العلم.
والسفهُ هو الشتم؛ يقول الرجل لآخر: يا سفيه.
وقوله: ﴿ أَلاۤ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلسُّفَهَآءُ ﴾ .
يقول بعض المتكلمين: إن هذا شتم من الله لهم، جواباً على المؤمنين، ويستجيزون ذلك على الجواب، وإن لم يجز على الابتداءِ، كالمكر، والكيد، والاستهزاءِ، والخداع ونحوه، فعلى ذلك هذا.
وأما عندنا فهو غير جائِز؛ لأَن من يشتم آخر يذم عليه، وهو عمل السفهاء، فأَخبر عز وجل: أَنهم هم الذين يعملون بالجهل على علمهم أَن دينهم الذي يدينون به باطل، وأَن الدين الذى يدين به المؤمنون حق.
وقوله: ﴿ وَلَـٰكِن لاَّ يَعْلَمُونَ ﴾ .
قيل فيه بوجهين: أحدهما: لا يعلمون أنهم هم السفهاء.
والثاني: لا يعلمون ما يحل بهم من العذاب لذلك، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ .
يعني: أصحاب محمد .
وقوله: ﴿ قَالُوۤا آمَنَّا ﴾ .
أظهروا لهم الموافقة في العلانية، ويضمرون لهم الخلاف في السر.
وقوله: ﴿ وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ ﴾ .
قيل فيه بأَوجه: قيل: إن شياطينهم؛ يعني الكهنة؛ سموا بذلك لبعدهم عن الحق.
يقال: شَطَن، أَي: بَعُدَ.
وقيل: إن كلَّ عاتٍ ومتمرد يسمى شيطاناً لعتوه وتمرده؛ كقوله: ﴿ شَيَٰطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ ﴾ سموا بذلك لعتوهم وتمردهم؛ إذ من قولهم: إن الشياطين أَصْلهم من الجن.
وقيل: سموا شياطين؛ لأَنه كان مع كل كاهن شيطان يعمل بأَمره، فسموا بأَسمائِهم؛ وذلك جائِز في اللغة جارٍ، والله أَعلم.
وقوله: ﴿ قَالُوۤاْ إِنَّا مَعَكُمْ ﴾ .
قيل: فيه وجهان: الأَول: أَي: معكم في القصد والمعونة.
والثاني: إنا معكم، أي: على دينكم لا على دين أولئك، والله أَعلم.
قوله: ﴿ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ ﴾ .
بإظهار الموافقة لهم في العلانية، وإظهار الخلاف لهم في السر.
وقوله: ﴿ ٱللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ﴾ .
قيل فيه بوجوه: قيل: يجزيهم جزاء الاستهزاءِ.
وكذلك قوله: ﴿ يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ ﴾ أَي: يجزيهم جزاء المخادعة، وكذلك قوله: ﴿ وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُ ﴾ أي: يجزيهم جزاء المكر، يحمل على الجزاء؛ لما لا يجوز إضافة المكر والخداع والاستهزاءِ مبتدأ إلى الله؛ لأَنه مذموم من الخلق إلا على المجازاة، فكيف من الله عز وجل؟!
وقال بعضهم: يجوز إضافة الاستهزاء إلى الله، وإن كان لا يجوز من الخلق أَن يستهزئ بعضهم من بعض، كالتكبر، يجوز لله ولا يجوز للخلق؛ لأَن الخلق أَشكال بعضهم لبعض وأَمثال، والله - عز وجل - لا شكل له ولا مثل.
وكذلك الاستهزاء يجوز له، ولا يجوز لغيره؛ لأَن الاستهزاء هو الاستحفاف، فلا يجوز أَن يستخف ممن هو مثله في الخلقة، وما خلق له من الأَحداث والغِيَر، والله يتعالى عن ذلك.
والأَول أَقرب، والله أعلم.
أَو أَضاف استهزاء المؤمنين بهم إلى نفسه كما ذكرنا في المخادعة.
ثم اختلف في كيفية الاستهزاءِ: فقال الكلبي: هو أن يُفتح لهم باب من الجنة فيدنون منه، ثم يغلق دونهم.
فإن ثبت ذا فهو كما قال.
وقيل: إنه يرفع لأَهل الجنة نور يمضون به، فيقصد أولئك المضي معهم بذلك النور، ثم يطفأ ذلك النور؛ فيتحيرون وهو قولهم: ﴿ ٱنظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ٱرْجِعُواْ وَرَآءَكُمْ فَٱلْتَمِسُواْ نُوراً ﴾ .
وقيل: أن يعطي لهم في الدنيا ما ينتفعون به من أنواع النعم ظاهراً على ما أَظهروا لهم الموافقة في العلانية، ويحرم لهم ذلك في الآخرة بإضمارهم الخلاف لهم في السر.
قوله: ﴿ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ .
الآية في قوم علم الله أنهم لا يؤمنون؛ كقوله: ﴿ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ غير أن هذه في المنافقين و الأُولى في الكفرة.
وهي تنقض على المعتزلة قولهم؛ لأَنهم يقولون: إن الله لا يقدر أَن يستنقذهم في حال الاختيار، وإنما يقدر الاستنقاذ منهم في حال الاضطرار، فأَخبر عز وجل: أَنه يستنقذهم على فعل الطغيان.
وقوله: ﴿ وَيَمُدُّهُمْ ﴾ أي: يخلق فعل الطغيان فيهم.
ويحتمل: أن يخذلهم ويتركهم لما اختاروا من الطغيان إلى آخر عمرهم.
ويحتمل: أنه لم يهدهم ولم يوفقهم.
وفي هذا إضافة المد إلى الله.
وإضافة المد على الطغيان لا يضاف إليه إلا المدح، والمدح يكون بالأَوجه الثلاثة التي بينا، وفي هذا أَنه إذا كان هو الذي يُمدهم في الطغيان قدر على ضده من فعل الإيمان؛ فدل أَن الله خالق فعل العباد؛ إذ من قولهم: إن القدرة التامة هي التي إذا قدر على شيء قدر على ضده.
والعَمَهُ: الحيرة في اللغة.
قوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ ﴾ .
أى: اختاروا الضلالة على المدعو إليه - وهو الهدى - من غير أَن كان عندهم الهدى، فتركوه بالضلالة.
وهو كقوله: ﴿ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَوْلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَاتِ ﴾ من غير أن كانوا فيه، فكذلك الأَوَل، تركوا الهدى بالضلالة ابتداء.
وقيل: الضلالة: الهلاك؛ أي: اختاروا ما به يهلكون على ما به نجاتهم، وإن كانوا لا يقصدون شراء الهلاك بما به النجاة؛ كقولهم: ﴿ فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى ٱلنَّارِ ﴾ لا يقدر أحد أن يصبر على النار، ولكن فما أصبرهم على عمل يستوجبون به النار.
وكذلك قوله: ﴿ بِئْسَمَا ٱشْتَرَوْاْ بِهِ أَنْفُسَهُمْ ﴾ أي: بئسما اختاروا ما به هلاك أَنفسهم على ما به نجاتهم.
وفي هذه الآية دلالة جواز البيع بغير لفظة البيع؛ لأَنهم ما كانوا يتلفظون باسم البيع، ولكن كانوا يتركون الهدى بالضلالة.
وكل من ترك الآخر شيئاً له ببذل يأخذه منه فهو بيع وإن لم يتكلموا بكلام البيع.
وكذلك قوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ...
﴾ الآية [التوبة: 111].
وهو على بذل الأَموال والأَنفس له بالموعود الذي وعد لهم، وهو الجنة.
وقوله: ﴿ فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ ﴾ .
أي: ما ربحوا في تجارتهم؛ لأَن التجارة لا تربح ولكن بالتجارة يربح، وقد يسمى الشيء باسم سببه.
وهو كقوله: ﴿ جَعَلْنَا ٱلْلَّيْلَ لِيَسْكُنُواْ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِراً ﴾ ، والنهار لا يبصر، ولكن بالنهار يبصر.
وذلك سائغ في اللغة، جائز تسمية الشيء باسم سببه.
ثم في قوله: ﴿ فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ ﴾ نفي الربح دون نفي الأَصل في الظاهر، غير أَن النفي على وجهين: نفي شيء يوجب إثبات ضده، وهو نفي الصفة؛ كقولك: فلان عالم: نفيت الجهل عنه، وفلان جاهل: نفيت العلم عنه.
ونفي شيء لا يوجب إثبات ضده، وهو نفي الأَعراض؛ لأَنك إذا نفيت لوناً لم يوجب ضد ذلك اللون.
وقوله: ﴿ فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ ﴾ نفي الأَصل؛ كأَنه قال: بل خسرت تجارتهم، أَوجبت إثبات ضده.
دليله قوله: ﴿ بِئْسَمَا ٱشْتَرَوْاْ بِهِ أَنْفُسَهُمْ ﴾ ، و ﴿ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
الله يستهزئ بهم في مقابلة استهزائهم بالمؤمنين، جزاءً لهم من جنس عملهم، ولهذا أجرى لهم أحكام المسلمين في الدنيا، وأما في الآخرة فيجازيهم على كفرهم ونفاقهم، وكذلك يملي لهم ليتمادوا في ضلالهم وطغيانهم، فيبقوا حائرين مترددين.
<div class="verse-tafsir" id="91.e8Oxw"
الآيات التي تقدمت في وصف هذا الصنف من الناس الذي قلنا إنه يوجد في كل أمة وملة وفي كل عصر، كانت عامة تصور حال أفراده في كل زمان ومكان، وكان أسلوبها ظاهرًا في العموم كقوله ﴿ يُخَادِعُونَ ﴾ إلخ وقوله: وإذا قيل لهم كذا -قالوا كيت وكيت.
وأما قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا ﴾ الآية، فهو وصف قد يختص ببعض أفراد هذا الصنف ممن كان في عصر التنزيل، جاء بعد الأوصاف العامة وحكي بصيغة الماضي ليكون كالتصريح بتوبيخ تلك الفئة من هذا الصنف، التي بلغت من التهتك في النفاق، والفساد في الأخلاق، أن تظهر بوجهين، وتتكلم بلسانين، وما بلغ كل أفراد الصنف هذا المبلغ من الفساد والضعف.
ولهذه الخصوصية في الآية قال بعض الواهمين: إن جميع تلك الآيات في منافقي ذلك العصر.
وقد مر تفنيده فلا نعيده.
على أن هذه الفئة أيضًا توجد في كل عصر وزمان، يكون فيه لأهل الحق قوة وسلطان، والحكاية عنها بصيغة الماضي الواقع لا تنافي ذلك، لأن"إذا"تدل على المستقبل، فمعنى الفعل مستقبل، وإنما اختيرت صيغة الماضي لتوبيخ أولئك الأفراد وإيذانهم بأن بضاعة النفاق والمداجاة لا تروج في سوق المؤمنين لأنها مزجاة، وأن استهزاءهم مردود إليهم، ووباله عائد عليهم.
كان أولئك النفر يدهنون في دينهم، فإذا لقوا المؤمنين قالوا آمنا بما أنتم به مؤمنون، ﴿ وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ ﴾ من دعاة الفتنة وعمال الفساد وأنصار الباطل، الذين يصدون عن سبيل الحق بما يقيمون أمامه من عقبات الوساوس والأوهام، وما يلقون فيه من أشواك المعايب وتضاريس المذام، وقال مفسرنا (الجلال) إنهم الرؤساء، والصواب ما قلنا، وكم من رئيس مغمول، لما في نفسه من الضعف والخمول، لا ينصر اعتقاده، وإن كان معترفًا بأن فيه رشاده، وفي عزته عزه وإسعاده.
وكم من مرؤوس شديد العزيمة، قوي الشكيمة يكون له في نصر ملته، والمدافعة عن أمته، ما يعجز عنه الرؤساء، ولا يأتي على أيدي الأمراء.
وللذبابة في الجرح الممد يد تنال ما قصرت عنه يد الأسد ﴿ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ ﴾ أي إنا معكم على عقيدتكم وعملكم، وإنما نستهزئ بالمسلمين ودينهم، فكشف القرآن عن هذا التلون وهذه الذبابة، وقابلهم عليها بما هدم بنيانهم وفضح بهتانهم، فقال ﴿ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ﴾ ..
أصل الاستهزاء الاستخفاف وعدم العناية بالشيء في النفس، وإن أظهر المستخف الاستحسان والرضا تهكمًا، وهذا المعنى محال على الله تعالى، والمحال بذاته يصح إطلاق لازمه، والمستهزئ بإنسان في نحو مدح لعلمه واستحسان لعمله مع اعتقاد قبحه، غير مبالٍ به ولا معتنٍ بعلمه ولا بعمله، حيث لم يرجعه عنه ولم يكرهه عليه، ويلزمه استرسال المستهزأ به في عمله القبيح فمعنى: الله يستهزئ بهم: أنه يمهلهم فتطول عليهم نعمته، وتبطئ عنهم نقمته، ثم يسقط من أقدارهم ويستدرجهم بما كانوا يعملون ﴿ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ والعمه عمى القلب وظلمة البصيرة وأثره الحيرة والاضطراب وعدم الاهتداء للصواب.
﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى ﴾ ..
المشار إليه بأولئك هم الذين بينت حالهم الآيات السابقة بأنهم يقولون آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين إلخ وهو صريح في أن طغيانهم وعمههم من كسبهم، ولم يجبروا عليه بخلق ربهم..
وقد فسروا"اشتروا"باستبدلوا وهو غير سديد لأن بين اللفظتين فصلًا في المعنى وكلنا نعتقد -والحق ما نعتقد- أن القرآن في أعلى درج البلاغة لا يختار لفظًا على لفظ من شأنه أن يقوم مقامه، ولا يرجح أسلوبًا على أسلوب يمكن تأدية المراد به، إلا لحكمة في ذلك وخصوصية لا توجد في غير ما اختاره ورجحه.
ووجه اختيار"اشتروا"على استبدلوا أن الأول أخص من وجهين..
أحدهما- أن الاستبدال لا يكون شراء إلا إذا كان فيه فائدة يقصدها المستبدل منه سواء كانت الفائدة حقيقة أو وهمية.
وثانيهما-أن الشراء يكون بين متبايعين بخلاف الاستبدال، فإذا أخذت ثوبًا من ثيابك بدل آخر يقال إنك استبدلت ثوبًا بثوب، فالمعنى الذي تؤديه الآية أن أولئك القوم اختاروا الضلالة على الهدى لفائدة لهم بإزائها يعتقدون الحصول عليها من الناس، فهو معاوضة بين طرفين يقصد بها الربح، وهذا هو معنى والاشتراء الشراء، ومثلهما البيع والابتياع، ولا يؤديه مطلق الاستبدال.
ذلك بأنه كان عندهم كتب سماوية فيها مواعظ وأحكام، وفيها بشارة بأن الله يرسل إليهم نبيًا يحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث، ويضع عنهم إصر التقاليد، وأغلال التقيد بإرادة العبيد، ويرعى جميع الأمم بقضيب من حديد، فيرجع للعقول نعمة الاستقلال، ويجعل إرادة الأفراد هي المصرفة للأعمال، فكان عندهم بذلك حظ من هداية العقل والمشاعر وهداية الدين والكتاب، ولكن نجمت فيهم الأحداث والبدع، وتحكمت فيهم العادات والتقاليد، وعلا سلطان ذلك كله على سلطان الدين، فضل الرؤساء في فهمه، بتحكيم تقاليدهم في أحكامه وعقائده، بضروب من التحريف والتأويل، وأهمل المرؤوسون العقل والنظر في الكتاب بحظر الرؤساء وأثرتهم، فكان الجميع على ضلالة في استعمال العقل وفي فهم الكتاب، بعد أن كانا هدايتين ممنوحتين لهم لإسعادهم، وكانت المعاوضة عند الفريقين في ذلك المنافع الدنيوية: للرؤساءالمال والجاه والتعظيم والتكريم باسم الدين، وللمرؤوسين الاستعانة بجاه رؤساء الدين على مصالحهم ومنافعهم، ورفع أثقال التكاليف، بفتاوى التأويل والتحريف.
هكذا استحبوا العمى على الهدى -وهو العقل والدين- رغبة في الحطام، وطمعًا في الجاه الكاذب، ﴿ فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ ﴾ في الدنيا إذ لم تثمر لهم ثمرة حقيقية، بل خسروا وخابوا بإهمالهم النظر الصحيح الذي لا تقوم المصالح ولا تحفظ المنافع إلا به.
وإسناد الربح إلى التجارة عربي في غاية الفصاحة لأن الربح هو النماء في التجر، وهذه المعاوضة هي التي من شأنها أن تثمر الربح، فإسناده إليها نفيًا.
أو إثباتًا إسناد صحيح لا يحتاج إلى التأويل، كأنه قيل فلم يكن نماء في تجارتهم، على أن ذلك التأويل المعروف من أن إسناد الربح إلى التجارة لأنها سببه والوسيلة إليه وأن العبارة من المجاز العقلي -تأويل يتفق مع البلاغة ولا ينافيها، ولا زال المجاز العقلي من أفضل ما يزين البلغاء به كلامهم، ويبلغون به ما يشاءون من تفخيم معانيهم، ﴿ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ ﴾ في دينهم لأنهم لم يأخذوه على وجهه، ولم يفهموه حق فهمه، أو ما كانوا مهتدين في هذه التجارة لأنهم باعوا فيها ما وهبهم الله من الهدى والنور بظلمات التقاليد وضلالات الهواء والبدع التي زجوا أنفسهم فيها -أو ما كانوا مهتدين في طور من الأطوار، ولا مسّ الرشد قلوبهم في وقت من الأوقات، لأنهم نشأوا على التقليد العمى من أول وهلة، ولم يستعملوا عقولهم قط في فهم أسراره، واقتباس أنواره.
ولا يذهبن الوهم إلى أن اشتراء الضلالة بالهدى يفيد أنهم كانوا مهتدين ثم تركوا الهدى للضلالة فيتناقض أول الآية مع آخرها،إذ ليس كل من منح الهدى يأخذ به فيكون مهتديًا، وهؤلاء حُمِّلوه فباعوه ولم يَحْمِلوه، وينظر إلى هذا الاشتراء ويشبهه الاستحباب في قوله تعالى ﴿ وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى ﴾ .
والله أعلم.
ومن مباحث الأداة قراءة حمزة والكسائي ﴿ الْهُدى ﴾ بالإمالة أي جعل مدها بين الألف والياء وهي لغة بني تميم، وعدم الإمالة لغة قريش وهي الفصحى، ولما كان يعسر على لسان من اعتادها تركها أذن الله تعالى بها فيما أقرأ جبريل النبي .
<div class="verse-tafsir"