الآية ١٤ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ١٤ من سورة البقرة

وَإِذَا لَقُوا۟ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْا۟ إِلَىٰ شَيَـٰطِينِهِمْ قَالُوٓا۟ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ ١٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 144 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٤ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٤ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول [ الله ] تعالى : وإذا لقي هؤلاء المنافقون المؤمنين قالوا : ( آمنا ) أي : أظهروا لهم الإيمان والموالاة والمصافاة ، غرورا منهم للمؤمنين ونفاقا ومصانعة وتقية ، وليشركوهم فيما أصابوا من خير ومغنم ، ( وإذا خلوا إلى شياطينهم ) يعني : وإذا انصرفوا وذهبوا وخلصوا إلى شياطينهم .

فضمن ( خلوا ) معنى انصرفوا ؛ لتعديته ب " إلى " ، ليدل على الفعل المضمر والفعل الملفوظ به .

ومنهم من قال : " إلى " هنا بمعنى " مع " ، والأول أحسن ، وعليه يدور كلام ابن جرير .

وقال السدي عن أبي مالك : ( خلوا ) يعني : مضوا ، و ( شياطينهم ) يعني : سادتهم وكبراءهم ورؤساءهم من أحبار اليهود ورءوس المشركين والمنافقين .

قال السدي في تفسيره ، عن أبي مالك وعن أبي صالح ، عن ابن عباس ، وعن مرة عن ابن مسعود ، عن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : ( وإذا خلوا إلى شياطينهم ) يعني : هم رءوسهم من الكفر .

وقال الضحاك عن ابن عباس : وإذا خلوا إلى أصحابهم ، وهم شياطينهم .

وقال محمد بن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة أو سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : ( وإذا خلوا إلى شياطينهم ) من يهود ، الذين يأمرونهم بالتكذيب وخلاف ما جاء به الرسول .

وقال مجاهد : ( وإذا خلوا إلى شياطينهم ) إلى أصحابهم من المنافقين والمشركين .

وقال قتادة : ( وإذا خلوا إلى شياطينهم ) قال : إلى رءوسهم ، وقادتهم في الشرك ، والشر .

وبنحو ذلك فسره أبو مالك ، وأبو العالية والسدي ، والربيع بن أنس .

قال ابن جرير : وشياطين كل شيء مردته ، وتكون الشياطين من الإنس والجن ، كما قال تعالى : ( وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ) [ الأنعام : 112 ] .

وفي المسند عن أبي ذر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نعوذ بالله من شياطين الإنس والجن .

فقلت : يا رسول الله ، وللإنس شياطين ؟

قال : نعم .

وقوله تعالى : ( قالوا إنا معكم ) قال محمد بن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة ، أو سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : أي : إنا على مثل ما أنتم عليه ( إنما نحن مستهزئون ) أي : إنما نحن نستهزئ بالقوم ونلعب بهم .

وقال الضحاك ، عن ابن عباس : قالوا إنما نحن مستهزئون ساخرون بأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم .

وكذلك قال الربيع بن أنس ، وقتادة .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله جل ثناؤه: وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ قال أبو جعفر: وهذه الآية نظيرة الآية الأخرى التي أخبر الله جلّ ثناؤه فيها عن المنافقين بخداعهم الله ورسولَه والمؤمنين, فقال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ .

ثم أكْذَبهم تعالى ذكره بقوله: وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ، وأنهم بقيلهم ذلك يخُادعون الله والذين آمنوا.

وكذلك أخبر عنهم في هذه الآية أنهم يقولون -للمؤمنين المصدِّقين بالله وكتابه ورسوله- بألسنتهم: آمنا وصدَّقنا بمحمد وبما جاء به من عند الله, خِداعًا عن دمائهم وأموالهم وذَرَاريهم, ودرءًا لهم عنها, وأنهم إذا خَلَوْا إلى مَرَدَتهم وأهل العُتُوّ والشر والخُبث منهم ومن سائر أهل الشرك (87) الذين هم على مثل الذي هم عليه من الكُفر بالله وبكتابه ورسوله - وهم شياطينهم، وقد دللنا فيما مضى من كتابنا على أن شياطينَ كل شيء مَرَدَتُه - قالوا لهم: " إنا معكم "، أي إنا معكم على دينكم, وظُهراؤكم على من خالفكُم فيه, وأولياؤكم دون أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم, إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ بالله وبكتابه ورسوله وأصحابه، كالذي-: 349- حدثنا محمد بن العلاء (88) قال: حدثنا عثمان بن سعيد, قال: حدثنا بِشْر بن عُمارة، عن أبي رَوْق, عن الضحاك, عن ابن عباس في قوله: ( وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا )، قال: كان رجال من اليهود إذا لقوا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أو بعضهم, قالوا: إنا على دينكم.

وإذا خلوا إلى أصحابهم، وهم شياطينهم، قالوا: (إنا معكم إنما نحن مستهزئون).

350- حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق, عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت, عن عكرمة, أو عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس: ( وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ ) قال: إذا خلوا إلى شياطينهم من يهودَ، الذين يأمرونهم بالتكذيب وخلاف ما جاء به الرسول (قالوا إنا معكم)، أي إنا على مثل ما أنتم عليه إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ .

351- حدثني موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسباط, عن السُّدّيّ في خبر ذكره عن أبي مالك, وعن أبي صالح, عن ابن عباس - وعن مُرَّة الهَمْداني، عن ابن مسعود, وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وإذا خلوا إلى شياطينهم)، أما شياطينهم, فهم رءوسهم في الكُفر.

352- حدثنا بشر بن مُعاذ العَقَدي (89) قال: حدثنا يزيد بن زُرَيْع, عن سعيد, عن قتادة قوله: (وإذا خلوا إلى شياطينهم) أي رؤسائهم في الشرّ قالوا إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ .

353- حدثنا الحسن بن يحيى, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أنبأنا معمر عن قتادة في قوله: (وإذا خلوا إلى شياطينهم)، قال: المشركون.

354- حدثني محمد بن عمرو الباهلي, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى بن ميمون, قال: حدثنا عبد الله بن أبي نَجيح, عن مجاهد في قول الله عز وجل: (وإذا خلوا إلى شياطينهم)، قال: إذا خلا المنافقون إلى أصحابهم من الكفّار.

355- حدثني المثنى بن إبراهيم, قال: حدثنا أبو حُذيفة, عن شِبْل بن عبّاد, عن عبد الله بن أبي نَجيح, عن مجاهد: (وإذا خلوا إلى شياطينهم)، قال: أصحابِهم من المنافقين والمشركين.

356- حدثني المثنى, قال: حدثنا إسحاق بن الحجاج, عن عبد الله بن أبي &; 1-198 &; جعفر, عن أبيه, عن الربيع بن أنس (وإذا خلوا إلى شياطينهم)، قال: إخوانهم من المشركين, " قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ" .

357- حدثنا القاسم بن الحسن, قال: حدثنا الحسين بن داود, قال: حدثني حجاج، قال: قال ابن جريج في قوله: (وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا)، قال: إذا أصاب المؤمنين رخاءٌ قالوا: إنا نحن معكم، إنما نحن إخوانكم, وإذا خلوا إلى شياطينهم استهزءوا بالمؤمنين.

358- حدثنا القاسم, قال: حدثنا الحسين, قال: حدثني حجاج, عن ابن جريج, قال: وقال مجاهد: شياطينُهم: أصحابُهم من المنافقين والمشركين (90) .

فإن قال لنا قائل: أرأيتَ قولَه (وإذا خلوا إلى شياطينهم)؟

فكيف قيل: (خلوا إلى شياطينهم)، ولم يقل خَلَوْا بشياطينهم؟

فقد علمتَ أنّ الجاريَ بين الناس في كلامهم: " خلوتُ بفلان " أكثر وأفشَى من: " خلوتُ إلى فلان "؛ ومن قولك: إن القرآن أفصح البيان!

قيل: قد اختلف في ذلك أهل العلم بلغة العرب.

فكان بعض نحويِّي البصرة يقول: يقال " خلوتُ إلى فلان " إذا أريدَ به: خلوتُ إليه في حاجة خاصة.

لا يحتَمِل -إذا قيل كذلك- إلا الخلاءَ إليه في قضاء الحاجة.

فأما إذا قيل: " خلوت به " احتمل معنيين: أحدهما الخلاء به في الحاجة, والآخَر في السخرية به.

فعلى هذا القول، ( وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ )، لا شكّ أفصحُ منه لو قيل " وإذا خلوا بشياطينهم "، لما في قول القائل: " إذا خلوا بشياطينهم " من التباس المعنى على سامعيه، الذي هو مُنتفٍ عن قوله: " وإذا خلوا إلى شياطينهم ".

فهذا أحد الأقوال.

والقول الآخر: فأن تُوَجِّه معنى (91) قوله (وإذا خلوا إلى شياطينهم)،" وإذا &; 1-199 &; خلوا مع شياطينهم ", إذ كانت حروف الصِّفات يُعاقِبُ بعضُها بعضًا (92) ، كما قال الله مخبرًا عن عيسى ابن مريم أنه قال للحواريين: مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ [سورة الصف: 14]، يريد: مع الله.

وكما توضع " على " في موضع " من "، و " في" و " عن " و " الباء ", كما قال الشاعر: إِذَا رَضِيَــتْ عَــلَيَّ بَنُــو قُشَـيْرٍ لَعَمْــرُ اللــهِ أَعْجَــبَنِي رِضَاهَـا (93) بمعنى عَنِّي.

وأما بعض نحويي أهل الكوفة، فإنه كان يتأوَّل أن ذلك بمعنى: وإذا لَقوا الذين آمنوا قالوا آمنا، وإذا صَرفوا خَلاءهم إلى شياطينهم - فيزعم أن الجالب لِـ " إلى "، المعنى الذي دلّ عليه الكلامُ: من انصرافِ المنافقين عن لقاء المؤمنين إلى شياطينهم خالين بهم, لا قوله " خَلَوْا ".

وعلى هذا التأويل لا يصلح في موضع " إلى " غيرُها، لتغير الكلام بدخول غيرها من الحروف مكانها.

وهذا القول عندي أولى بالصواب, لأن لكل حرف من حُرُوف المعاني وجهًا هو به أولى من غيره (94) فلا يصلح تحويل ذلك عنه إلى غيره إلا بحجة يجب التسليم لها.

ولِـ " إلى " في كل موضع دخلت من الكلام حُكْم، وغيرُ جائز سلبُها معانِيَها في أماكنها.

القول في تأويل قوله جل ثناؤه: إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) أجمع أهل التأويل جميعًا -لا خلاف بينهم- على أن معنى قوله: (إنما نحن مستهزئون) : إنما نحن ساخرون.

فمعنى الكلام إذًا: وإذا انصرف المنافقون خالين إلى مَرَدتهم من المنافقين والمشركين قالوا: إنا معكم عن ما أنتم عليه من التكذيب بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به، ومعاداتِه ومعاداة أتباعه, إنما نحن ساخرون بأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، بقيلنا لهم إذا لقيناهم: آمَنَّا بالله وباليوم الآخر (95) كما-: 359- حدثنا محمد بن العلاء, قال: حدثنا عثمان بن سعيد, قال: حدثنا بشر بن عُمارة، عن أبي روق, عن الضحاك, عن ابن عباس: قالوا: ( إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ ) ، ساخرون بأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم.

360- حدثنا ابن حُميد, قال: حدثنا سلمة, عن محمد بن إسحاق, عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت, عن عكرمة, أو عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس: (إنما نحن مستهزئون) ، أي: إنما نحن نستهزئ بالقوم ونلعبُ بهم.

361- حدثنا بشر بن مُعاذ العَقَدي, قال: حدثنا يزيد بن زُرَيع, عن سعيد, عن قتادة: (إنما نحن مستهزئون) ، إنما نستهزئ بهؤلاء القوم ونَسخَر بهم.

362- حدثني المثنى, قال: حدثنا إسحاق بن الحجاج, عن عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه, عن الربيع: (إنما نحن مستهزئون) ، أي نستهزئ بأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم (96) .

------------------- الهوامش : (87) في المخطوطة : "وأنهم إذا خلوا إلى أهل مودتهم" ، والذي في المطبوعة أصح في سياق تفسيره .

(88) "محمد بن العلاء" ، هو"أبو كريب" ، الذي أكثر الرواية عنه فيما مضى وفيما يستقبل .

(89) بشر بن معاذ العقدي : ثقة معروف ، روى عنه الترمذي : والنسائي وابن ماجه وغيرهم .

و"العقدي" : بالعين المهملة والقاف المفتوحين ، نسبة إلى"العقد" : بطن من بجيلة .

(90) هذه الآثار السالفة : 349 - 358 : ذكر أكثرها ابن كثير في تفسيره 1 : 93 ، والسيوطي 1 : 31 ، والشوكاني 1 : 33 .

(91) في المطبوعة : "والقول الآخر : أن توجيه معنى قوله" .

(92) حروف الصفات : هي حرف الجر ، وسميت حروف الجر ، لأنها تجر ما بعدها ، وسميت حروف الصفات ، لأنها تحدث في الاسم صفة حادثة ، كقولك : "جلست في الدار" ، دلت على أن الدار وعاء للجلوس .

وقيل : سميت بذلك ، لأنها تقع صفات لما قبلها من النكرات .

ويسميها الكوفيون أيضًا : حروف الإضافة ، لأنها تضيف الاسم إلى الفعل ، أي توصله إليه وتربطه به .

(همع الهوامع 2 : 19) وتسمى أيضًا حروف المعاني ، كما سيأتي بعد قليل .

والمعاقبة : أن يستعمل أحدهما مكان الآخر بمثل معناه .

(93) الشعر للعقيف العقيلي ، يمدح حكيم بن المسيب القشيري .

نوادر أبي زيد : 176 ، خزانة الأدب 4 : 247 ، وغيرهما كثير .

(94) حروف المعاني ، هي حروف الصفات ، وحروف الجر ، كما مضى آنفًا ، تعليق : 1 (95) في المطبوعة : "في قيلنا لهم إذا لقيناهم" .

(96) هذه الآثار تتمة الآثار السالفة في تفسير أول الآية

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئونقوله تعالى : وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا أنزلت هذه الآية في ذكر المنافقين .

أصل ( لقوا ) : لقيوا ، نقلت الضمة إلى القاف وحذفت الياء لالتقاء الساكنين .

وقرأ محمد بن السميقع اليماني : " لاقوا الذين آمنوا " .

والأصل لاقيوا ، تحركت الياء وقبلها فتحة انقلبت ألفا ، اجتمع ساكنان الألف والواو فحذفت الألف لالتقاء الساكنين ثم حركت الواو بالضم .[ ص: 200 ] وإن قيل : لم ضمت الواو في " لاقوا " في الإدراج وحذفت من " لقوا " ؟

فالجواب : أن قبل الواو التي في " لقوا " ضمة ، فلو حركت الواو بالضم لثقل على اللسان النطق بها فحذفت لثقلها ، وحركت في " لاقوا " لأن قبلها فتحة .قوله تعالى : وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إن قيل : لم وصلت خلوا ب " إلى " وعرفها أن توصل بالباء ؟

قيل له : خلوا هنا بمعنى ذهبوا وانصرفوا ، ومنه قول الفرزدق :كيف تراني قالبا مجني أضرب أمري ظهره لبطن قد قتل الله زيادا عنيلما أنزله منزلة : صرف .

وقال قوم : إلى بمعنى مع ، وفيه ضعف .

وقال قوم : إلى بمعنى الباء ، وهذا يأباه الخليل وسيبويه .

وقيل : المعنى : وإذا خلوا من المؤمنين إلى شياطينهم ، ف " إلى " على بابها .

والشياطين جمع شيطان على التكسير ، وقد تقدم القول في اشتقاقه ومعناه في الاستعاذة .

واختلف المفسرون في المراد بالشياطين هنا ، فقال ابن عباس والسدي : هم رؤساء الكفر .

وقال الكلبي : هم شياطين الجن .

وقال جمع من المفسرين : هم الكهان .

ولفظ الشيطنة الذي معناه البعد عن الإيمان والخير يعم جميع من ذكر .

والله أعلم .قوله تعالى : إنما نحن مستهزئون أي مكذبون بما ندعى إليه .

وقيل : ساخرون .

والهزء : السخرية واللعب ، يقال : هزئ به واستهزأ ، قال الراجز صخر الهلالي :قد هزئت مني أم طيسله قالت أراه معدما لا مال لهوقيل : أصل الاستهزاء : الانتقام ، كما قال الآخر :قد استهزءوا منهم بألفي مدجج سراتهم وسط الصحاصح جثم

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

هذا من قولهم بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، و[ذلك] أنهم إذا اجتمعوا بالمؤمنين, أظهروا أنهم على طريقتهم وأنهم معهم, فإذا خلوا إلى شياطينهم - أي: رؤسائهم وكبرائهم في الشر - قالوا: إنا معكم في الحقيقة, وإنما نحن مستهزءون بالمؤمنين بإظهارنا لهم, أنا على طريقتهم، فهذه حالهم الباطنة والظاهرة, ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

{وإذا لقوا الذين آمنوا}: يعني هؤلاء المنافقين إذا لقوا المهاجرين والأنصار {قالوا آمنا} كإيمانكم {وإذا خلوا} رجعوا، ويجوز أن يكون من الخلوة.

{إلى} بمعنى الباء أي بشياطينهم، وقيل: (إلى) بمعنى مع؛ كما قال الله تعالى: {ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم} [2-النساء] أي مع أموالكم.

{شياطينهم}: أي رؤسائهم وكهنتهم.

قال ابن عباس رضي الله عنهما: "وهم خمسة نفر من اليهود كعب بن الأشرف بالمدينة، وأبو بردة في بني أسلم، وعبد الدار في جهينة، وعوف بن عامر في بني أسد، وعبد الله بن السوداء بالشام".

ولا يكون كاهن إلا ومعه شيطان تابع له.

والشيطان: المتمرد العاتي من الجن والإنس، ومن كل شيء وأصله البعد، يقال: بئر شطون أي: بعيدة العمق، سمي الشيطان شيطانا لامتداده في الشر وبعده عن الخير .

وقال مجاهد: "إلى أصحابهم من المنافقين والمشركين".

{قالوا إنا معكم}: أي على دينكم.

{إنما نحن مستهزئون}: بمحمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه بما نظهر من الإسلام .

قرأ أبو جعفر (مستهزون) و(يستهزون) وقل (استهزوا) و(ليطفوا) و(ليواطوا) و(يستنبونك) و(خاطين) و(خاطون) و(متكن) و(متكون) (فمالون) و(المنشون) بترك الهمزة فيهن.

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وإذا لقوا» أصله لقيوا حذفت الضمة للاستثقال ثم الياء لالتقائها ساكنة مع الواو «الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا» منهم ورجعوا «إلى شياطينهم» رؤسائهم «قالوا إنا معكم» في الدين «إِنَّما نحن مستهزئون» بهم بإظهار الإيمان.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

هؤلاء المنافقون إذا قابلوا المؤمنين قالوا: صدَّقنا بالإسلام مثلكم، وإذا انصرفوا وذهبوا إلى زعمائهم الكفرة المتمردين على الله أكَّدوا لهم أنهم على ملة الكفر لم يتركوها، وإنما كانوا يَسْتَخِفُّون بالمؤمنين، ويسخرون منهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

( وَإِذَا لَقُواْ الذين آمَنُواْ ) يقال ولاقيته إذا استقبلته وصادفته وكان قريباً منك .

والمصدر اللقاء واللقى واللقية .

والمقصود : استقبلوهم وكانوا في مواجهتهم وقريبا منهم .

ومرادهم بقولهم " آمنا " أخلصنا الإِيمان بقلوبنا لأن الإِقرار باللسان معلوم منهم .وإذا خلوا إلى شياطينهم ، أي : انفردوا مع رؤسائهم وقادتهم المشبهين الشياطين في تمردهم وعنوهم وصدهم عن سبيل الحق .

يقال : خلابه وإليه ومعه ، خلوا وخلاء وخلوة : سأله أن يجتمع به في خلوة ففعل وأخلاه معه .أو المعنى : وإذا مضوا وذهبوا إلى شياطينهم ، يقال : خلا بمعنى مضى وذهب ، ومنه قوله تعالى ( قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ ) أي مضت .وعبر عن حالهم مع المؤمنين بالملاقاة ، وعن حالهم مع الشياطين بالخلوة إيذانا بأن هؤلاء المنافقين لا أنس لهم بالمؤمنين ، ولا طمأنينة منهم إليهم فهم لا يجالسونهم ولا يسامرونهم ، وإنما كل ما هنالك أن يلقوهم في عرض طريق ، أما شأنهم مع شياطينهم فهم إليهم يركنون ، وإليهم يتسامرون ويتحادثون ، لذلك هم بهم يخلون .والمعية في قولهم ( إِنَّا مَعَكُمْ ) ليزيلوا ما قد يجري في خراطراهم من أنهم فارقوا دينهم وانقلبوا إلى دين الإِسلام بقلوبهم .ولم يؤكدوا ما خاطبوا به المؤمنين ، إذ قالوا لهم ( آمَنَّا ) ولم يقولوا " إنا آمنا " ليوهموهم أنهم بمرتبة لا ينبغي أن يترددوا في إيمانهم حتى يحتاجوا إلى تأكيد .وقوله - تعالى - حكاية عنهم : ( إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ ) .

وارد مورد الجواب عما قد يعترض به عليهم شياطينهم إذا قالوا لهم : كيف تدعون أنكم معنا مع أنكم توافقون المؤمنين في عقيدتهم وتشاركونهم في مظاهر دينهم؟فكان جوابهم عليهم ( إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ ) والاستهزاء : السخرية والاستخفاف بالغير ، يقال : هزأ منه وبه - كمنع وسمع - واستهزأ به ، أي : سخر .والمعنى : إننا نظهر للمؤمنين الموافقة على دينهم استخفافاً بهم وسخرية منهم ، لا أن ذلك صادر منا عن صدق وإخلاص .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

هذا هو النوع الرابع من أفعالهم القبيحة، يقال: لقيته ولاقيته إذا استقبلته قريباً منه، وقرأ أبو حنيفة: وإذا لاقوا أما قوله: ﴿ قَالُواْ ءامَنَّا ﴾ فالمراد أخلصنا بالقلب، والدليل عليه وجهان: الأول: أن الإقرار باللسان كان معلوماً منهم فما كانوا يحتاجون إلى بيانه، إنما المشكوك فيه هو الإخلاص بالقلب، فيجب أن يكون مرادهم من هذا الكلام ذلك.

الثاني: أن قولهم للمؤمنين آمنا يجب أن يحمل على نقيض ما كانوا يظهرونه لشياطينهم، وإذا كانوا يظهرون لهم التكذيب بالقلب فيجب أن يكون مرادهم فيما ذكروه للمؤمنين التصديق بالقلب، أما قوله: ﴿ وَإِذَا خَلَوْاْ إلى شياطينهم ﴾ فقال صاحب الكشاف: يقال خلوت بفلان وإليه، وإذا انفردت معه ويجوز أن يكون من خلا بمعنى مضى، ومنه القرون الخالية، ومن خلوت به إذا سخرت منه، من قولك: خلا فلان بعرض فلان أي: يعبث به، ومعناه أنهم أنهوا السخرية بالمؤمنين إلى شياطينهم وحدثوهم بها كما تقول: أحمد إليك فلاناً وأذمه إليك.

وأما شياطينهم فهم الذين ماثلوا الشياطين في تمردهم، أما قوله: ﴿ إِنَّا مَعَكُمْ ﴾ ففيه سؤالان: السؤال الأول: هذا القائل أهم كل المنافقين أو بعضهم.

الجواب: في هذا خلاف، لأن من يحمل الشياطين على كبار المنافقين يحمل هذا القول على أنه من صغارهم وكانوا يقولون للمؤمنين آمنا وإذا عادوا إلى أكابرهم قالوا إنا معكم؛ لئلا يتوهموا فيهم المباينة، ومن يقول في الشياطين: المراد بهم الكفار لم يمنع إضافة هذا القول إلى كل المنافقين، ولا شبهة في أن المراد بشياطينهم أكابرهم، وهم إما الكفار وإما أكابر المنافقين، لأنهم هم الذين يقدرون على الإفساد في الأرض، وأما أصاغرهم فلا.

السؤال الثاني: لم كانت مخاطبتهم المؤمنين بالجملة الفعلية، وشياطينهم بالجملة الإسمية محققة بأن الجواب: ليس ما خاطبوا به المؤمنين جديراً بأقوى الكلامين، لأنهم كانوا في ادعاء حدوث الإيمان منهم لا في ادعاء أنهم في الدرجة الكاملة منه، إما لأن أنفسهم لا تساعدهم على المبالغة لأن القول الصادر عن النفاق والكراهة قلما يحصل معه المبالغة؛ وإما لعلمهم بأن ادعاء الكمال في الإيمان لا يروج على المسلمين، وأما كلامهم مع إخوانهم فهم كانوا يقولونه عن الاعتقاد وعلموا أن المستمعين يقبلون ذلك منهم، فلا جرم كان التأكيد لائقاً به.

أما قوله: ﴿ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءونَ ﴾ ففيه سؤالان.

السؤال الأول: ما الاستهزاء؟

الجواب: أصل الباب الخفة من الهزء وهو العدو السريع، وهزأ يهزأ مات على مكانه، وناقته تهزأ به أي تسرع، وحدُّه أنه عبارة عن إظهار موافقة مع إبطان ما يجري مجرى السوء على طريق السخرية، فعلى هذا قولهم: ﴿ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءونَ ﴾ يعني نظهر لهم الموافقة على دينهم لنأمن شرهم ونقف على أسرارهم، ونأخذ من صدقاتهم وغنائمهم.

السؤال الثاني: كيف تعلق قوله: ﴿ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءونَ ﴾ بقوله: ﴿ إِنَّا مَعَكُمْ ﴾ الجواب: هو توكيد له؛ لأن قوله: ﴿ إِنَّا مَعَكُمْ ﴾ معناه الثبات على الكفر وقوله: ﴿ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءونَ ﴾ رد للإسلام، ورد نقيض الشيء تأكيد لثباته، أو بدل منه، لأن من حقر الإسلام فقد عظم الكفر، أو استئناف، كأنهم اعترضوا عليه حين قالوا: إنا معكم، فقالوا إن صح ذلك فكيف توافقون أهل الإسلام؟

فقالوا: إنما نحن مستهزئون.

واعلم أنه سبحانه وتعالى لما حكى عنهم ذلك أجابهم بأشياء.

أحدها: قوله: ﴿ الله يَسْتَهْزِئ بِهِمْ ﴾ وفيه أسئلة.

الأول: كيف يجوز وصف الله تعالى بأنه يستهزئ وقد ثبت أن الاستهزاء لا ينفك عن التلبيس، وهو على الله محال، ولأنه لا ينفك عن الجهل، لقوله: ﴿ قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بالله أَنْ أَكُونَ مِنَ الجاهلين  ﴾ والجهل على الله محال والجواب: ذكروا في التأويل خمسة أوجه: أحدها: أن ما يفعله الله بهم جزاء على استهزائهم سماه بالاستهزاء، لأن جزء الشيء يسمى باسم ذلك الشيء قال تعالى: ﴿ وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا  ﴾ ﴿ فَمَنِ اعتدى عَلَيْكُمْ فاعتدوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعتدى عَلَيْكُمْ  ﴾ ﴿ يخادعون الله وَهُوَ خَادِعُهُمْ  ﴾ ﴿ وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ الله  ﴾ وقال عليه السلام: «اللهم إن فلاناً هجاني وهو يعلم أني لست بشاعر فاهجه، اللهم والعنه عدد ما هجاني» أي أجزه جزاء هجائه، وقال عليه السلام: «تكلفوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا».

وثانيها: أن ضرر استهزائهم بالمؤمنين راجع عليهم وغير ضار بالمؤمنين، فيصير كأن الله استهزأ بهم.

وثالثها: أن من آثار الاستهزاء حصول الهوان والحقارة فذكر الاستهزاء، والمراد حصول الهوان لهم تعبيراً بالسبب عن المسبب.

ورابعها: إن استهزاء الله بهم أن يظهر لهم من أحكامه في الدنيا ما لهم عند الله خلافها في الآخرة، كما أنهم أظهروا للنبي والمؤمنين أمراً مع أن الحاصل منهم في السر خلافه، وهذا التأويل ضعيف، لأنه تعالى لما أظهر لهم أحكام الدنيا فقد أظهر الأدلة الواضحة بما يعاملون به في الدار الآخرة من سوء المنقلب والعقاب العظيم، فليس في ذلك مخالفة لما أظهره في الدنيا.

وخامسها: أن الله تعالى يعاملهم معاملة المستهزئ في الدنيا وفي الآخرة، أما في الدنيا فلأنه تعالى أطلع الرسول على أسرارهم مع أنهم كانوا يبالغون في إخفائها عنه، وأما في الآخرة فقال ابن عباس: إذا دخل المؤمنون الجنة، والكافرون النار فتح الله من الجنة باباً على الجحيم في الموضع الذي هو مسكن المنافقين، فإذا رأى المنافقون الباب مفتوحاً أخذوا يخرجون من الجحيم ويتوجهون إلى الجنة، وأهل الجنة ينظرون إليهم، فإذا وصلوا إلى باب الجنة فهناك يغلق دونهم الباب، فذاك قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الذين أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ الذين ءامَنُواْ يَضْحَكُونَ  ﴾ إلى قوله: ﴿ فاليوم الذين ءامَنُواْ مِنَ الكفار يَضْحَكُون  ﴾ فهذا هو الاستهزاء بهم.

السؤال الثاني: كيف ابتدأ قوله: ﴿ الله يَسْتَهْزِئ بِهِمْ ﴾ ولم يعطف على الكلام الذي قبله؟

الجواب: هو استئناف في غاية الجزالة والفخامة، وفيه أن الله تعالى هو الذي يستهزئ بهم استهزاء العظيم الذي يصير استهزائهم في مقابلته كالعدم، وفيه أيضاً أن الله هو الذي يتولى الاستهزاء بهم انتقاماً للمؤمنين، ولا يحوج المؤمنين إلى أن يعارضوهم باستهزاء مثله.

السؤال الثالث: هل قيل: إن الله مستهزئ بهم ليكون مطابقاً لقوله: ﴿ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءونَ ﴾ الجواب لأن يستهزئ يفيد حدوث الاستهزاء وتجدده وقتاً بعد وقت، وهذا كانت نكايات الله فيهم: ﴿ أَوْ لاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ  ﴾ وأيضاً فما كانوا يخلون في أكثر أوقاتهم من تهتك أستار وتكشف أسرار واستشعار حذر من أن تنزل عليهم آية ﴿ يَحْذَرُ المنافقون أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبّئُهُمْ بِمَا قُلُوبِهِم في قُلِ استهزءوا إِنَّ الله مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ  ﴾ الجواب الثاني: قوله تعالى: ﴿ وَيَمُدُّهُمْ فِي طغيانهم يَعْمَهُونَ ﴾ قال صاحب (الكشاف) إنه من مد الجيش وأمده إذا زاده وألحق به ما يقويه ويكثره، وكذلك مد الدواة وأمدها زادها ما يصلحها؛ ومددت السراج والأرض إذا أصلحتهما بالزيت والسماد، ومده الشيطان في الغي، وأمده إذا واصله بالوسواس، ومد وأمد بمعنى واحد.

وقال بعضهم: مد يستعمل في الشر، وأمد في الخير قال تعالى: ﴿ أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ  ﴾ ومن الناس من زعم أنه من المد في العمر والإملاء والإمهال وهذا خطأ لوجهين: الأول: أن قراءة ابن كثير، وابن محيصن (ونمدهم) وقراءة نافع (وإخوانهم يمدونهم في الغي) يدل على أنه من المدد دون المد.

الثاني: أن الذي بمعنى أمهله إنما هو مد له، كأملي له.

قالت المعتزلة: هذه الآية لا يمكن أجراؤها على ظاهرها لوجوه: أحدها: قوله تعالى: ﴿ وإخوانهم يَمُدُّونَهُمْ فِي الغى ﴾ أضاف ذلك الغي إلى إخوانهم، فكيف يكون مضافاً إلى الله تعالى.

وثانيها: أن الله تعالى ذمهم على هذا الطغيان فلو كان فعلاً لله تعالى فكيف يذمهم عليه.

وثالثها: لو كان فعلاً لله تعالى لبطلت النبوة وبطل القرآن فكان الاشتغال بتفسيره عبثاً.

ورابعها: أنه تعالى أضاف الطغيان إليهم بقوله: في طغيانهم ولو كان ذلك من الله لما أضافه إليهم، فظهر أنه تعالى إنما أضافه إليهم ليعرف أنه تعالى غير خالق لذلك، ومصداقه أنه حين أسند المد إلى الشياطين أطلق الغي ولم يقيده بالإضافة في قوله: ﴿ وإخوانهم يَمُدُّونَهُمْ فِي الغى  ﴾ إذا ثبت هذا فنقول: التأويل من وجوه: أحدها: وهو تأويل الكعبي وأبي مسلم بن يحيى الأصفهاني أن الله تعالى لما منحهم ألطافه التي يمنحها المؤمنين وخذلهم بسبب كفرهم وإصرارهم عليه بقيت قلوبهم مظلمة بتزايد الظلمة فيها وتزايد النور في قلوب المسلمين فسمي ذلك التزايد مدداً وأسنده إلى الله تعالى لأنه مسبب عن فعله بهم.

وثانيها: أن يحمل على منع القسر والإلجاء كما قيل: إن السفيه إذا لم ينه فهو مأمور.

وثالثها: أن يسند فعل الشيطان إلى الله تعالى لأنه بتمكينه وإقداره والتخلية بينه وبين إغواء عباده.

ورابعاً: ما قاله الجبائي فإنه قال ويمدهم أي يمد عمرهم ثم إنهم مع ذلك في طغيانهم يعمهون وهذا ضعيف من وجهين: الأول: لما تبينا أنه لا يجوز في اللغة تفسير ويمدهم بالمد في العمر.

الثاني: هب أنه يصح ذلك ولكنه يفيد أنه تعالى يمد عمرهم لغرض أن يكونوا في طغيانهم يعمهون وذلك يفيد الإشكال أجاب القاضي عن ذلك بأنه ليس المراد أنه تعالى يمد عمرهم لغرض أن يكونوا في الطغيان، بل المراد، أنه تعالى يبقيهم ويلطف بهم في الطاعة فيأبون إلا أن يعمهوا.

واعلم أن الكلام في هذا الباب تقدم في قوله: ﴿ خَتَمَ الله على قُلُوبِهِمْ ﴾ فلا فائدة في الإعادة.

واعلم أن الطغيان هو الغلو في الكفر ومجاوزة الحد في العتو، قال تعالى: ﴿ إِنَّا لَمَّا طَغَا الماء  ﴾ أي جاوز قدره، وقال: ﴿ اذهب إلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طغى  ﴾ أي أسرف وتجاوز الحد.

وقرأ زيد بن علي في طغيانهم بالكسر وهما لغتان كلقيان ولقيان، والعمه مثل العمى إلا أن العمى عام في البصر والرأي والعمه في الرأي خاصة، وهو التردد والتحير لا يدري أين يتوجه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وإذا قيل لهم ﴾ معطوف على يكذبون.

ويجوز أن يعطف على (يقول آمنا) لأنك لو قلت: ومن الناس من إذا قيل لهم لا تفسدوا، كان صحيحاً، والأوّل أوجه.

والفساد: خروج الشيء عن حال استقامته وكونه منتفعاً به، ونقيضه؛ الصلاح، وهو الحصول على الحال المستقيمة النافعة.

والفساد في الأرض: هيج الحروب والفتن، لأن في ذلك فساد ما في الأرض وانتفاء الاستقامة عن أحوال الناس والزروع والمنافع الدينية والدنيوية.

قال الله تعالى: ﴿ وَإِذَا تولى سعى فِي الارض لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الحرث والنسل ﴾ [البقرة: 205] ﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدماء ﴾ [البقرة: 30] .

ومنه قيل لحرب كانت بين طيء: حرب الفساد.

وكان فساد المنافقين في الأرض.

أنهم كانوا يمايلون الكفار ويمالئونهم على المسلمين بإفشاء أسرارهم إليهم وإغرائهم عليهم، وذلك مما يؤدّي إلى هيج الفتن بينهم، فلما كان ذلك من صنيعهم مؤدياً إلى الفساد قيل لهم: ﴿ لا تفسدوا ﴾ ، كما تقول للرجل: لا تقتل نفسك بيدك، ولا تلق نفسك في النار، إذا أقدم على ما هذه عاقبته.

و ﴿ إِنَّمَا ﴾ لقصر الحكم على شيء، كقولك: إنما ينطق زيد، أو لقصر الشيء على حكم كقولك: إنما زيد كاتب.

ومعنى ﴿ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ﴾ أن صفة المصلحين خلصت لهم وتمحضت من غير شائبة قادح فيها من وجه من وجوه الفساد.

و ﴿ ألآ ﴾ مركبة من همزة الاستفهام وحرف النفي، لإعطاء معنى التنبيه على تحقق ما بعدها، والاستفهام إذا دخل على النفي أفاد تحقيقاً كقوله: ﴿ أَلَيْسَ ذَلِكَ بقادر ﴾ [القيامة: 40] ؟

ولكونها في هذا المنصب من التحقيق، لا تكاد تقع الجملة بعدها إلا مصدّرة بنحو ما يتلقى به القسم.

وأختها التي هي (أما) من مقدّمات اليمين وطلائعها: أَمَا والَّذِي لا يَعْلَمُ الغَيْبَ غيْرُهُ ** أَمَا والَّذِي أَبْكَى وأَضحَكَ ردّ الله ما ادعوه من الانتظام في جملة المصلحين أبلغ ردّ وأدله على سخط عظيم، والمبالغة فيه من جهة الاستئناف وما في كلتا الكلمتين ألا.

وإن من التأكيدين وتعريف الخبر وتوسيط الفصل.

وقوله: ﴿ لاَّ يَشْعُرُونَ ﴾ أتوهم في النصيحة من وجهين: أحدهما تقبيح ما كانوا عليه لبعده من الصواب وجرّه إلى الفساد والفتنة.

والثاني: تبصيرهم الطريق الأسد من أتباع ذوي الأحلام، ودخولهم في عدادهم؛ فكان من جوابهم أن سفهوهم لفرط سفههم، وجهلوهم لتمادي جهلهم.

وفي ذلك تسلية للعالم مما يلقى من الجهلة.

فإن قلت: كيف صح أن يسند (قيل) إلى ﴿ لا تفسدوا ﴾ ، ﴿ وآمنوا ﴾ وإسناد الفعل إلى الفعل مما لا يصح؟

قلت: الذي لا يصح هو إسناد الفعل إلى معنى الفعل، وهذا إسناد له إلى لفظه، كأنه قيل: وإذا قيل لهم هذا القول وهذا الكلام.

فهو نحو قولك: (ألف) ضرب من ثلاثة أحرف.

ومنه: (زعموا مطية الكذب).

و (ما) في (كما) يجوز أن تكون كافة مثلها في (ربما)، ومصدرية مثلها في ﴿ بِمَا رَحُبَتْ ﴾ [التوبة: 25] .

واللام في ﴿ الناس ﴾ للعهد، أي كما آمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه.

أو هم ناس معهودون كعبد الله بن سلام وأشياعه لأنهم من جلدتهم ومن أبناء جنسهم، أي: كما آمن أصحابكم وإخوانكم، أو للجنس أي: كما آمن الكاملون في الإنسانية.

أو جعل المؤمنون كأنهم الناس على الحقيقة، ومن عداهم كالبهائم في فقد التمييز بين الحق والباطل.

والاستفهام في ﴿ أَنُؤْمِنُ ﴾ في معنى الإنكار.

واللام في ﴿ السفهاء ﴾ مشار بها إلى الناس، كما تقول لصاحبك: إن زيداً قد سعى بك، فيقول: أو قد فعل السفيه.

ويجوز أن تكون للجنس، وينطوي تحته الجاري ذكرهم على زعمهم واعتقادهم؛ لأنهم عندهم أعرق الناس في السفه.

فإن قلت: لم سفهوهم واستركوا عقولهم، وهم العقلاء المراجيح؟

قلت: لأنهم لجهلهم وإخلالهم بالنظر وإنصاف أنفسهم، اعتقدوا أن ما هم فيه هو الحق وأن ما عداه باطل، ومن ركب متن الباطل كان سفيهاً؛ ولأنهم كانوا في رياسة وسطة في قومهم ويسار، وكان أكثر المؤمنين فقراء ومنهم موال كصهيب وبلال وخباب، فدعوهم سفهاء تحقيراً لشأنهم.

أو أرادوا عبد الله بن سلام وأشياعه ومفارقتهم دينهم وما غاظهم من إسلامهم وفت في أعضادهم.

قالوا ذلك على سبيل التجلد توقياً من الشماتة بهم مع علمهم أنهم من السفه بمعزل، والسفه سخافة العقل وخفة الحلم.

فإن قلت: فلم فصلت هذه الآية ب ﴿ لاَّ يَعْلَمُونَ ﴾ ، والتي قبلها ب ﴿ لاَّ يَشْعُرُونَ ﴾ ؟

قلت: لأن أمر الديانة والوقوف على أن المؤمنين على الحقّ وهم على الباطل، يحتاج إلى نظر واستدلال حتى يكتسب الناظر المعرفة.

وأما النفاق وما فيه من البغي المؤدّي إلى الفتنة والفساد في الأرض فأمر دينويّ مبني على العادات، معلوم عند الناس، خصوصاً عند العرب في جاهليتهم وما كان قائماً بينهم من التغاور والتناحر والتحارب والتحازب، فهو كالمحسوس المشاهد؛ ولأنه قد ذكر السفه وهو جهل فكان ذكر العلم معه أحسن طباقاً له.

مساق هذه الآية بخلاف ما سيقت له أوّل قصة المنافقين فليس بتكرير، لأن تلك في بيان مذهبهم والترجمة عن نفاقهم، وهذه في بيان ما كانوا يعملون عليه مع المؤمنين من التكذيب لهم والاستهزاء بهم ولقائهم بوجوه المصادقين وإيهامهم أنهم معهم، فإذا فارقوهم إلى شطار دينهم صدقوهم ما في قلوبهم.

وروي: أن عبد الله بن أبيّ وأصحابه خرجوا ذات يوم فاستقبلهم نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عبد الله انظروا كيف أردّ هؤلاء السفهاء عنكم، فأخذ بيد أبي بكر فقال: مرحباً بالصدّيق سيد بني تيم وشيخ الإسلام وثاني رسول الله في الغار، الباذل نفسه وماله لرسول الله.

ثم أخذ بيد عمر فقال: مرحباً بسيد بني عديّ الفاروق القويّ في دين الله، الباذل نفسه وماله لرسول الله.

ثم أخذ بيد عليّ فقال: مرحباً بابن عم رسول الله وختنه سيد بني هاشم ما خلا رسول الله.

ثم افترقوا فقال لأصحابه: كيف رأيتموني فعلت؟

فأثنوا عليه خيراً، فنزلت.

ويقال لقيته ولاقيته إذا استقبلته قريباً منه، وهو جاري ملاقيّ ومراوقي.

وقرأ أبو حنيفة: وإذا لاقوا.

وخلوت بفلان وإليه، إذا انفردت معه.

ويجوز أن يكون من (خلا) بمعنى: مضى، وخلاك ذمّ: أي عداك ومضى عنك.

ومنه: القرون الخالية، ومن (خلوت به) إذا سخرت منه.

وهو من قولك: خلا فلان بعرض فلان يعبث به.

ومعناه: وإذا أنهوا السخرية بالمؤمنين إلى شياطينهم وحدّثوهم بها.

كما تقول: أحمد إليك فلاناً، وأذمّه إليك.

وشياطينهم: الذين ماثلوا الشياطين في تمرّدهم.

وقد جعل سيبويه نون الشيطان في موضع من كتابه أصلية، وفي آخر زائدة.

والدليل على أصالتها قولهم: تشيطن، واشتقاقه من (شطن) إذا بعد؛ لبعده من الصلاح والخير.

ومن (شاط) إذا بطل إذا جعلت نونه زائدة.

ومن أسمائه الباطل.

﴿ إِنَّا مَعَكُمْ ﴾ إنا مصاحبوكم وموافقوكم على دينكم.

فإن قلت: لم كانت مخاطبتهم المؤمنين بالجملة الفعلية، وشياطينهم بالإسمية محققة بأن؟

قلت: ليس ما خاطبوا به المؤمنين جديراً بأقوى الكلامين وأوكدهما، لأنهم في ادّعاء حدوث الإيمان منهم ونشئه من قبلهم، لا في ادعاء أنهم أوحديون في الإيمان غير مشقوق فيه غبارهم، وذلك إما لأنّ أنفسهم لا تساعدهم عليه، إذ ليس لهم من عقائدهم باعث ومحرّك، وهكذا كل قول لم يصدر عن أريحية وصدق رغبة واعتقاد.

وإما لأنه لا يروج عنهم لو قالوه على لفظ التوكيد والمبالغة.

وكيف يقولونه ويطمعون في رواجه وهم بين ظهراني المهاجرين والأنصار الذين مثلهم في التوراة والإنجيل.

ألا ترى إلى حكاية الله قول المؤمنين: ﴿ رَبَّنَا إِنَّنَا ءامَنَّا ﴾ [آل عمران: 16] .

وأما مخاطبة إخوانهم، فهم فيما أخبروا به عن أنفسهم من الثبات على اليهودية والقرار على اعتقاد الكفر، والبعد من أن يزلوا عنه على صدق رغبة ووفور نشاط وارتياح للتكلم به، وما قالوه من ذلك فهو رائج عنهم متقبل منهم، فكان مظنة للتحقيق ومثنة للتوكيد.

فإن قلت: أنى تعلق قوله: ﴿ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ ﴾ بقوله: ﴿ إِنَّا مَعَكُمْ ﴾ قلت: هو توكيد له، لأن قوله: ﴿ إِنَّا مَعَكُمْ ﴾ معناه الثبات على اليهودية.

وقوله: ﴿ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ ﴾ ردّ للإسلام ودفع له منهم، لأن المستهزئ بالشيء المستخف به منكر له ودافع لكونه معتداً به، ودفع نقيض الشيء تأكيد لثباته أو بدل منه، لأن من حقر الإسلام فقد عظم الكفر.

أو استئناف، كأنهم اعترضوا عليهم حين قالوا لهم: ﴿ إِنَّا مَعَكُمْ ﴾ ، فقالوا: فما بالكم إن صح أنكم معنا توافقون أهل الإسلام فقالوا: إنما نحن مستهزئون.

والاستهزاء: السخرية والاستخفاف، وأصل الباب الخفة من الهزء وهو القتل السريع وهزأ يهزأ: مات على المكان.

عن بعض العرب: مشيت فلغبت فظننت لأهزأنّ على مكاني.

وناقته تهزأ به: أي تسرع وتخف.

فإن قلت: لا يجوز الاستهزاء على الله تعالى، لأنه متعال عن القبيح، والسخرية من باب العيب والجهل.

ألا ترى إلى قوله: ﴿ قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بالله أَنْ أَكُونَ مِنَ الجاهلين ﴾ [البقرة: 67] ، فما معنى استهزائه بهم؟

قلت: معناه إنزال الهوان والحقارة بهم، لأنّ المستهزئ غرضه الذي يرميه هو طلب الخفة والزراية ممن يهزأ به، وإدخال الهوان والحقارة عليه، والاشتقاق كما ذكرنا شاهد لذلك.

وقد كثر التهكم في كلام الله تعالى بالكفرة.

والمراد به تحقير شأنهم وازدراء أمرهم، والدلالة على أن مذاهبهم حقيقة بأن يسخر منها الساخرون ويضحك الضاحكون.

ويجوز أن يراد به ما مر في ﴿ يخادعون ﴾ من أنه يجري عليهم أحكام المسلمين في الظاهر، وهو مبطن بادخار ما يراد بهم، وقيل: سمي جزاء الاستهزاء باسمه كقوله: ﴿ وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا ﴾ [الشورى: 40] ، ﴿ فَمَنِ اعتدى عَلَيْكُمْ فاعتدوا عَلَيْهِ ﴾ [البقرة: 194] .

فإن قلت: كيف ابتدئ قوله: ﴿ الله يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ﴾ ولم يعطف على الكلام قبله.

قلت: هو استئناف في غاية الجزالة والفخامة.

وفيه أن الله عز وجل هو الذي يستهزئ بهم الاستهزاء الأبلغ، الذي ليس استهزاؤهم إليه باستهزاء ولا يؤبه له في مقابلته، لما ينزل بهم من النكال ويحل بهم من الهوان والذل.

وفيه أن الله هو الذي يتولى الاستهزاء بهم انتقاماً للمؤمنين، ولا يحوج المؤمنين أن يعارضوهم باستهزاء مثله.

فإن قلت: فهلا قيل الله مستهزئ بهم ليكون طبقاً لقوله ﴿ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ ﴾ قلت: لأن ﴿ يَسْتَهْزِئُ ﴾ يفيد حدوث الاستهزاء وتجدده وقتاً بعد وقت، وهكذا كانت نكايات الله فيهم وبلاياه النازلة بهم ﴿ أَوْ لاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ﴾ [التوبة: 126] وما كانوا يخلون في أكثر أوقاتهم من تهتك أستار وتكشف أسرار، ونزول في شأنهم واستشعار حذر من أن ينزل فيهم ﴿ يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قُلْ استهزءوا إِنَّ الله مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ ﴾ [التوبة: 64] .

﴿ وَيَمُدُّهُمْ فِي طغيانهم ﴾ من مدّ الجيش وأمده إذا زاده وألحق به ما يقويه ويكثره.

وكذلك مدّ الداوة وأمدها: زادها ما يصلحها.

ومددت السرج والأرض: إذا استصلحتهما بالزيت والسماد.

ومده الشيطان في الغي وأمده: إذا واصله بالوساوس حتى يتلاحق غيه ويزداد إنهماكاً فيه.

فإن قلت: لم زعمت أنه من المدد دون المد في العمر والإملاء والإمهال؟

قلت: كفاك دليلاً على أنه من المدد دون المد قراءة ابن كثير وابن محيصن: ﴿ ويمدّهم ﴾ ، وقراءة نافع: ﴿ وإخوانهم يَمُدُّونَهُمْ ﴾ [الأعراف: 202] على أن الذي بمعنى أمهله إنما هو مدّ له مع اللام كأملى له.

فإن قلت: فكيف جاز أن يوليهم الله مدداً في الطغيان وهو فعل الشياطين؟

ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿ وإخوانهم يَمُدُّونَهُمْ فِي الغى ﴾ [الأعراف: 202] قلت: إما أن يحمل على أنهم لما منعهم الله ألطافه التي يمنحها المؤمنين، وخذلهم بسبب كفرهم وإصرارهم عليه، بقيت قلوبهم بتزايد الرين والظلمة فيها، تزايد الإنشراح والنور في قلوب المؤمنين فسمى ذلك التزايد مدداً.

وأسند إلى الله سبحانه لأنه مسبب عن فعله بهم بسبب كفرهم.

وإما على منع القسر والإلجاء وإما على أن يسند فعل الشيطان إلى الله لأنه بتمكينه وإقداره والتخلية بينه وبين إغواء عباده.

فإن قلت: فما حملهم على تفسير المدّ في الطغيان بالإمهال وموضوع اللغة كما ذكرت لا يطاوع عليه؟

قلت: استجرّهم إلى ذلك خوف الإقدام على أن يسندوا إلى الله ما أسندوا إلى الشياطين لكن المعنى الصحيح ما طابقه اللفظ وشهد لصحته، وإلا كان منه بمنزلة الأروى من النعام.

ومن حق مفسر كتاب الله الباهر وكلامه المعجز، أن يتعاهد في مذاهبه بقاء النظم على حسنه والبلاغة على كمالها وما وقع به التحدّي سليماً من القادح، فإذا لم يتعاهد أوضاع اللغة فهو من تعاهد النظم والبلاغة على مراحل.

ويعضد ما قلناه قول الحسن في تفسيره: في ضلالتهم يتمادون، وأن هؤلاء من أهل الطبع.

والطغيان: الغلو في الكفر، ومجاوزة الحدّ في العتوّ.

وقرأ زيد بن علي رضي الله عنه: ﴿ فِي طغيانهم ﴾ بالكسر وهما لغتان، كلقيان ولقيان، وغنيان وغنيان.

فإن قلت: أي نكتة في إضافته إليهم؟

قلت: فيها أن الطغيان والتمادي في الضلالة مما اقترفته أنفسهم واجترحته أيديهم، وأن الله بريء منه ردّاً لاعتقاد الكفرة القائلين: لو شاء الله ما أشركنا، ونفياً لو هم من عسى يتوهم عند إسناد المدّ إلى ذاته لو لم يضف الطغيان إليهم ليميط الشبه ويقلعها ويدفع في صدر من يلحد في صفاته.

ومصداق ذلك أنه حين أسند المدّ إلى الشياطين، أطلق الغيّ ولم يقيده بالإضافة في قوله: ﴿ وإخوانهم يَمُدُّونَهُمْ فِي الغى ﴾ [الأعراف: 202] .

والعمه: مثل العمى، إلا أن العمى عامّ في البصر والرأي، والعمه في الرأي خاصة، وهو التحير والتردّد، لا يدري أين يتوجه.

ومنه قوله: بالجاهلين العمه، أي الذين لا رأي لهم ولا دراية بالطرق.

وسلك أرضاً عمهاء: لا منار بها.

ومعنى اشتراء الضلالة بالهدى: اختيارها عليه واستبدالها به، على سبيل الاستعارة، لأنّ الاشتراء فيه إعطاء بدل وأخذ آخر.

ومنه: أَخَذْتُ بالجُمَّةِ رَأْساً أَزْعَرَا ** وبالثَّنَايَا الْوَاضِحَاتِ الدَّرْدَرَا وبالطَّوِيلِ العُمْرِ عُمْراً حَيْدَرَا ** كما اشْتَرَى المُسْلِمُ إذ تَنَصَّرَا وعن وهب: قال الله عز وجل فيما يعيب به بني إسرائيل: «تفقهون لغير الدين، وتعلمون لغير العمل، وتبتاعون الدنيا بعمل الآخرة» .

فإن قلت: كيف اشتروا الضلالة بالهدى وما كانوا على هدى؟

قلت: جعلوا لتمكنهم منه وإعراضه لهم كأنه في أيديهم، فإذا تركوه إلى الضلالة فقد عطلوه واستبدلوها به، ولأن الدين القيم هو فطرة الله التي فطر الناس عليها، فكل من ضل فهو مستبدل خلاف الفطرة.

(والضلالة) الجور عن القصد وفقد الاهتداء.

يقال: ضلّ منزله، وضل دريص نفقه فاستعير للذهاب عن الصواب في الدين.

والربح: الفضل على رأس المال، ولذلك سمي: الشف، من قولك: أشف بعض ولده على بعض، إذا فضله.

ولهذا على هذا شف.

والتجارة: صناعة التاجر، وهو الذي يبيع ويشتري للربح.

وناقة تاجرة: كأنها من حسنها وسمنها تبيع نفسها.

وقرأ ابن أبي عبلة ﴿ تجاراتهم ﴾ .

فإن قلت: كيف أسند الخسران إلى التجارة وهو لأصحابها؟

قلت: هو من الإسناد المجازي، وهو أن يسند الفعل إلى شيء يتلبس بالذي هو في الحقيقة له، كما تلبست التجارة بالمشترين.

فإن قلت: هل يصح: ربح عبدك وخسرت جاريتك، على الإسناد المجازي؟

قلت: نعم إذا دلت الحال.

وكذلك الشرط في صحة: رأيت أسداً، وأنت تريد المقدام؛ إن لم تقم حال دالة لم يصح.

فإن قلت: هب أنّ شراء الضلالة بالهدى وقع مجازاً في معنى الاستبدال، فما معنى ذكر الربح والتجارة؟

كأن ثمّ مبايعة على الحقيقة.

قلت: هذا من الصنعة البديعة التي تبلغ بالمجاز الذروة العليا، وهو أن تساق كلمة مساق المجاز، ثم تقفى بأشكال لها وأخوات، إذا تلاحقن لم تر كلاماً أحسن منه ديباجة وأكثر ماء ورونقاً، وهو المجاز المرشح.

وذلك نحو قول العرب في البليد: كأن أذني قلبه خطلاً، وإن جعلوه كالحمار، ثم رشحوا ذلك روما لتحقيق البلادة، فادعوا لقلبه أذنين، وادعوا لهما الخطل، ليمثلوا البلادة تمثيلاً يلحقها ببلادة الحمار مشاهدة معاينة، ونحوه: ولَما رَأَيْتُ النَّسْرَ عَزَّ ابْنَ دَأَيَةٍ ** وعَشَّشَ في وَكْرَيْهِ جَاشَ لهُ صَدْرِي لما شبه الشيب بالنسر، والشعر الفاحم بالغراب، أتبعه ذكر التعشيش والوكر.

ونحوه قول بعض فتاكهم في أمّه: فما أُمُّ الرّدين وإنْ أَدَلَّتْ ** بِعالِمَةٍ بأَخْلاقِ الْكِرَامِ إذَا الشّيْطانُ قَصعَ في قَفَاها ** تَنفّقْناهُ بالحُبلِ التُّوَامِ أي إذا دخل الشيطان في قفاها استخرجناه من نافقائه بالحبل المثنى المحكم.

يريد: إذا حردت وأساءت الخلق اجتهدنا في إزالة غضبها وإماطة ما يسوء من خلقها.

استعار التقصيع أوّلاً، ثم ضم إليه التنفق، ثم الحبل التوام.

فكذلك لما ذكر سبحانه الشراء أتبعه ما يشاكله ويواخيه وما يكمل ويتم بانضمامه إليه، تمثيلاً لخسارهم وتصويراً لحقيقته.

فإن قلت: فما معنى قوله ﴿ فَمَا رَبِحَت تجارتهم وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ ﴾ .

قلت: معناه أنّ الذي يطلبه التجار في متصرفاتهم شيئان: سلامة رأس المال، والربح.

وهؤلاء قد أضاعوا الطلبتين معاً، لأن رأس مالهم كان هو الهدى، فلم يبق لهم مع الضلالة.

وحين لم يبق في أيديهم إلا الضلالة، لم يوصفوا بإصابة الربح.

وإن ظفروا بما ظفروا به من الأغراض الدنيوية؛ لأن الضال خاسر دامر، ولأنه لا يقال لمن لم يسلم له رأس ماله: قد ربح، وما كانوا مهتدين لطرق التجارة كما يكون التجار المتصرفون العالمون بما يربح فيه ويخسر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا ﴾ بَيانٌ لِمُعامَلَتِهِمُ المُؤْمِنِينَ والكُفّارَ، وما صُدِّرَتْ بِهِ القِصَّةُ فَمَساقُهُ لِبَيانِ مَذْهَبِهِمْ وتَمْهِيدِ نِفاقِهِمْ فَلَيْسَ بِتَكْرِيرٍ.

رُوِيَ أنَّ ابْنَ أُبَيٍّ وأصْحابَهُ اسْتَقْبَلَهم نَفَرٌ مِنَ الصَّحابَةِ، فَقالَ لِقَوْمِهِ: انْظُرُوا كَيْفَ أرُدُّ هَؤُلاءِ السُّفَهاءَ عَنْكُمْ، فَأخَذَ بِيَدِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقالَ: مَرْحَبًا بِالصِّدِّيقِ سَيِّدِ بَنِي تَيْمٍ، وشَيْخِ الإسْلامِ وثانِي رَسُولِ اللَّهِ في الغارِ الباذِلِ نَفْسَهُ ومالَهُ لِرَسُولِ اللَّهِ  ، ثُمَّ أخَذَ بِيَدِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقالَ: مَرْحَبًا بِسَيِّدِ بَنِي عَدِيٍّ الفارُوقِ القَوِيِّ في دِينِهِ، الباذِلِ نَفْسَهُ ومالَهُ لِرَسُولِ اللَّهِ  ، ثُمَّ أخَذَ بِيَدِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقالَ: مَرْحَبًا يا ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ  وخَتَنَهُ سَيِّدَ بَنِي هاشِمٍ، ما خَلا رَسُولَ اللَّهِ  .

فَنَزَلَتْ.

واللِّقاءُ المُصادَفَةُ يُقالُ لَقِيتُهُ ولاقَيْتُهُ، إذا صادَفْتَهُ واسْتَقْبَلْتَهُ، ومِنهُ ألْقَيْتُهُ إذا طَرَحْتَهُ فَإنَّكَ بِطَرْحِهِ جَعَلْتَهُ بِحَيْثُ يُلْقى.

﴿ وَإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ ﴾ مِن خَلَوْتُ بِفُلانٍ وإلَيْهِ إذا انْفَرَدْتَ مَعَهُ.

أوْ مِن خَلاكَ ذَمٌّ أيْ عَداكَ ومَضى عَنْكَ، ومِنهُ القُرُونُ الخالِيَةُ.

أوْ مِن خَلَوْتُ بِهِ إذا سَخِرَتْ مِنهُ، وعُدِّيَ بِإلى لِتَضَمُّنِ مَعْنى الإنْهاءِ، والمُرادُ بِشَياطِينِهِمُ الَّذِينَ ماثَلُوا الشَّيْطانَ في تَمَرُّدِهِمْ، وهُمُ المُظْهِرُونَ كُفْرَهُمْ، وإضافَتُهم إلَيْهِمْ لِلْمُشارَكَةِ في الكُفْرِ.

أوْ كِبارُ المُنافِقِينَ والقائِلُونَ صَغارَهم.

وجَعَلَ سِيبَوَيْهِ نُونَهُ تارَةً أصْلِيَّةً عَلى أنَّهُ مِن شَطَنَ إذا بَعُدَ فَإنَّهُ بَعِيدٌ عَنِ الصَّلاحِ، ويَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُمْ: تَشَيْطَنَ.

وأُخْرى زائِدَةٌ عَلى أنَّهُ مِن شاطَ إذا بَطَلَ، ومِن أسْمائِهِ الباطِلُ.

﴿ قالُوا إنّا مَعَكُمْ ﴾ أيْ في الدِّينِ والِاعْتِقادِ، خاطَبُوا المُؤْمِنِينَ بِالجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ، والشَّياطِينَ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ المُؤَكَّدَةِ بِإنَّ لِأنَّهم قَصَدُوا بِالأُولى دَعْوى إحْداثِ الإيمانِ، وبِالثّانِيَةِ تَحْقِيقَ ثَباتِهِمْ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ، ولِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهم باعِثٌ مِن عَقِيدَةٍ وصِدْقِ رَغْبَةٍ فِيما خاطَبُوا بِهِ المُؤْمِنِينَ، ولا تُوُقِّعَ رَواجُ ادِّعاءِ الكَمالِ في الإيمانِ عَلى المُؤْمِنِينَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ بِخِلافِ ما قالُوهُ مَعَ الكُفّارِ.

﴿ إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ ﴾ تَأْكِيدٌ لِما قَبْلَهُ، لِأنَّ المُسْتَهْزِئَ بِالشَّيْءِ المُسْتَخِفَّ بِهِ مُصِرٌّ عَلى خِلافِهِ.

أوْ بَدَلٌ مِنهُ لِأنَّ مَن حَقَّرَ الإسْلامَ فَقَدْ عَظَّمَ الكُفْرَ.

أوِ اسْتِئْنافٌ فَكَأنَّ الشَّياطِينَ قالُوا لَهم لَمّا ﴿ قالُوا إنّا مَعَكُمْ ﴾ إنْ صَحَّ ذَلِكَ فَما بالُكم تُوافِقُونَ المُؤْمِنِينَ وتَدَّعُونَ الإيمانَ، فَأجابُوا بِذَلِكَ.

والِاسْتِهْزاءُ السُّخْرِيَةُ والِاسْتِخْفافُ يُقالُ: هَزِئْتُ واسْتَهْزَأْتُ بِمَعْنًى كَأجَبْتُ واسْتَجَبْتُ، وأصْلُهُ الخِفَّةُ مِنَ الهَزْءِ وهو القَتْلُ السَّرِيعُ يُقالُ: هَزَأ فُلانٌ إذا ماتَ عَلى مَكانِهِ، وناقَتُهُ تَهْزَأُ بِهِ أيْ تُسْرِعُ وتَخَفُّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا} وقرأ أبو حنيفة رحمه الله وإذا لاقوا يقال لقيته ولاقيته إذا استقبلته قريبا

البقرة (١٤ _ ١٦)

منه الآية الأولى في بيان مذهب المنافقين والترجمة عن نف وهذه في بيان ما كانوا يعملون مع المؤمنين من الاستهزاء بهم ولقائهم بوجوه المصادقين وإيهامهم أنهم معهم {وَإِذَا خَلَوْاْ إلى شياطينهم} خلوت بفلان وإليه إذا انفردت معه وبإلى أبلغ لأن فيه دلالة الابتداء والانتهاء أي إذا خلوا من المؤمنين إلى شياطينهم ويجوز أن يكون من خلا بمعنى وشياطينهم الذين ماثلوا الشياطين في تمردهم وهم اليهود وعن سيبويه أن نون الشياطين أصلية بدليل قولهم تشيطن وعنه أنها زائدة واشتقاقه من شطن إذا بعد لبعده من الصلاح والخبر أو من شاط إذا بطل ومن أسمائه الباطل {قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ} إنا مصاحبوكم وموافقوكم على دينكم وإنما خاطبوا المؤمنين بالجملة الفعلية وشياطينهم بالإسمية محققة بأن لأنهم في خطابهم مع المؤمنين في ادعاء حدوث الإيمان منهم لا في ادعاء أنهم أو حديون في الإيمان إما لأن أنفسهم لا تساعدهم عليه إذ ليس لهم من عقائدهم باعث ومحرك وإما لأنه لا يروج عنهم لو قالوه على لفظ التأكيد والمبالغة وكيف يطعمون في رواجه وهم بين ظهراني المهاجرين والأنصار وأما خطابهم مع إخوانهم فقد كان عن رغبة وقد كان متقبلاً منهم رائجاً عنهم فكان مظنة للتحقيق ومئنة للتأكيد وقوله {إِنَّمَا نحن مستهزؤون} تأكيد لقوله إنا معكم لأن معناه الثبات على اليهودية وقوله إنما نحن مستهزئون رد للاسلام ودفع له منهم لأن المستهزئ بالشئ

المستخف به منكر له ودافع لكونه معتداً به ودفع نقيض الشيء تأكيد لثباته أو استئناف كأنهم اعترضوا عليهم بقولهم حين قالوا لهم إنا معكم إن كنتم معنا فلم توافقون المؤمنين فقالوا إنما نحن مستهزئون والاستهزاء السخرية والاستخفاف وأصل الباب الخفة من الهزء وهو القتل السريع وهزأ يهزأ مات على المكان

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا ﴾ بَيانٌ لِدَأْبِ المُنافِقِينَ، وأنَّهم إذا اسْتَقْبَلُوا المُؤْمِنِينَ دَفَعُوهم عَنْ أنْفُسِهِمْ بِقَوْلِهِمْ: آمَنّا اسْتِهْزاءً، فَلا يُتَوَهَّمُ أنَّهُ مُكَرَّرٌ مَعَ أوَّلِ القِصَّةِ، لِأنَّهُ إبْداءٌ لِخُبْثِهِمْ ومَكْرِهِمْ، وكَشْفٌ عَنْ إفْراطِهِمْ في الدَّعارَةِ، وادِّعاءِ أنَّهم مِثْلُ المُؤْمِنِينَ في الإيمانِ الحَقِيقِيِّ، وأنَّهم أحاطُوهُ مِن جانِبَيْهِ، عَلى أنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ هَذا لا يَنْبَغِي أنْ يُتَوَهَّمَ تَكْرارٌ أيْضًا، لِأنَّ المَعْنى: ومِنَ النّاسِ مَن يَتَفَوَّهُ بِالإيمانِ نِفاقًا لِلْخِداعِ، وذَلِكَ التَّفَوُّهُ عِنْدَ لِقاءِ المُؤْمِنِينَ، ولَيْسَ هَذا مِنَ التَّكْرارِ بِشَيْءٍ، لِما فِيهِ مِنَ التَّقْيِيدِ وزِيادَةِ البَيانِ، وأنَّهم ضَمُّوا إلى الخِداعِ الِاسْتِهْزاءَ، وأنَّهم لا يَتَفَوَّهُونَ بِذَلِكَ، إلّا عِنْدَ الحاجَةِ، والقَوْلُ بِأنَّ المُرادَ (بِـآمَنّا) أوَّلًا الإخْبارُ عَنْ إحْداثِ الإيمانِ، وهُنا عَنْ إحْداثِ إخْلاصِ الإيمانِ مِمّا ارْتَضاهُ الإمامُ، ولا أقْتَدِي بِهِ، وتَأْيِيدُهُ لَهُ بِأنَّ الإقْرارَ اللِّسانِيَّ كانَ مَعْلُومًا مِنهم غَيْرُ مُحْتاجٍ لِلْبَيانِ، وإنَّما المَشْكُوكُ الإخْلاصُ القَلْبِيُّ فَيَجِبُ إرادَتُهُ، يَدْفَعُهُ النَّظَرُ مِن ذِي ذَوْقٍ، فِيما حَرَّرْناهُ، واللِّقاءُ اسْتِقْبالُ الشَّخْصِ قَرِيبًا مِنهُ، وهو أحَدُ أرْبَعَةَ عَشَرَ مَصْدَرًا لِلَقِيَ، وقَرَأ أبُو حَنِيفَةَ وابْنُ السَّمَيْقَعِ (لاقَوْا) وجَعَلَهُ في البَحْرِ بِمَعْنى الفِعْلِ المُجَرَّدِ، وحَذْفُ المَفْعُولِ في (آمَنّا) قِيلَ: اكْتِفاءً بِالتَّقْيِيدِ قَبْلَ بِاللَّهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ، وقِيلَ: المُرادُ آمَنّا بِما آمَنتُمْ بِهِ، وأبْعَدَ مَن قالَ: أرادُوا الإيمانَ بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ دُونَ غَيْرِهِ، وحَذَفُوا تَوْرِيَةً مِنهُمْ، وإيهامًا، هَذا، ولَمْ يَصِحَّ عِنْدِي في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ شَيْءٌ، وأمّا ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ والبَيْضاوِيُّ ومَوْلانا مُفْتِي الدِّيارِ الرُّومِيَّةِ، وغَيْرُهم فَهو مِن طَرِيقِ السُّدِّيِّ الصَّغِيرِ، وهو كَذّابٌ، وتِلْكَ السِّلْسِلَةُ سِلْسِلَةُ الكَذِبِ لا سِلْسِلَةُ الذَّهَبِ، وآثارُ الوَجْهِ لائِحَةٌ عَلى ما ذَكَرُوهُ، فَلا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، ولا يُلْتَفَتُ بِوَجْهٍ إلَيْهِ، ﴿ وإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ ﴾ مِن خَلَوْتُ بِهِ وإلَيْهِ، إذا انْفَرَدْتَ مَعَهُ، أوْ مِن قَوْلِهِمْ في المَثَلِ: اطْلُبِ الأمْرَ وخَلاكَ ذَمٌّ، أيْ عَداكَ، ومَضى عَنْكَ، ومِنهُ: ﴿ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم سُنَنٌ ﴾ وعَلى الثّانِي المَفْعُولُ الأوَّلُ ها هُنا مَحْذُوفٌ لِعَدَمِ تَعَلُّقِ الغَرَضِ بِهِ، أيْ إذا خَلَّوْهُمْ، وتَعْدِيَتُهُ إلى المَفْعُولِ الثّانِي (إلى) لِما في المُضِيِّ عَنِ الشَّيْءِ مَعْنى الوُصُولِ إلى الآخَرِ، واحْتِمالُ أنْ يَكُونَ مِن خَلَوْتُ بِهِ أيْ سَخِرْتُ مِنهُ فَمَعْنى الآيَةِ إذا أنْهَوُا السُّخْرِيَةَ مَعَهم وحَدَّثُوهم كَما يُقالُ: أحْمَدُ إلَيْكَ فُلانًا وأذُمُّهُ إلَيْكَ، مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يَخْرُجَ عَلَيْهِ كَلامُ رَبِّ العِزَّةِ، وإنْ ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ والبَيْضاوِيُّ وغَيْرُهُما، إذْ لَمْ يَقَعْ صَرِيحًا (خَلا) بِمَعْنى سَخِرَ في كَلامِ مَن يُوثَقُ بِهِ، وقَوْلُهم: خَلا فُلانٌ بِعِرْضِ فُلانٍ يَعْبَثُ بِهِ، لَيْسَ بِالصَّرِيحِ، إذْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَلا عَلى حَقِيقَتِهِ، أوْ بِمَعْنى تَمَكَّنَ مِنهُ عَلى ما قِيلَ، والدّالُّ عَلى السُّخْرِيَةِ يَعْبَثُ بِهِ، وزَعَمَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ أنَّ (إلى) هُنا بِمَعْنى مَعَ، ولا دَلِيلَ عَلَيْهِ، كالقَوْلِ بِأنَّها بِمَعْنى الباءِ، عَلى أنَّ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلَ لا يَقُولانِ بِنِيابَةِ الحَرْفِ عَنِ الحَرْفِ، نَعَمْ، إنَّ الخَلْوَةَ كَما في التّاجِ تَسْتَعْمِلُ إلى والباءَ ومَعَ بِمَعْنًى واحِدٍ، ويُفْهَمُ مِن كَلامِ الرّاغِبِ أنَّ أصْلَ مَعْنى الخُلُوِّ فَراغُ المَكانِ والحَيِّزِ عَنْ شاغِلٍ، وكَذا الزَّمانُ، ولَيْسَ بِمَعْنى المُضِيِّ، وإذا أُرِيدَ بِهِ ذَلِكَ كانَ مَجازًا، وظاهِرُ كَلامِ غَيْرِهِ أنَّهُ حَقِيقَةٌ.

وضَعِيفانِ يَغْلِبانِ قَوِيًّا.

والمُرادُ بِـ(شَياطِينِهِمْ) مَن كانُوا يَأْمُرُونَهم بِالتَّكْذِيبِ مِنَ اليَهُودِ، كَما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، أوْ كَهَنَتُهُمْ، كَما قالَهُ الضَّحّاكُ وجَماعَةٌ، وسُمُّوا بِذَلِكَ لِتَمَرُّدِهِمْ، وتَحْسِينِهِمُ القَبِيحَ وتَقْبِيحِهُمُ الحَسَنَ، أوْ لِأنَّ قُرَناءَهُمُ الشَّياطِينُ إنْ فُسِّرُوا بِالكَهَنَةِ، وكانَ عَلى عَهْدِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَثِيرٌ مِنهُمْ، كَكَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ مِن بَنِي قُرَيْظَةَ، وأبِي بُرْدَةَ مِن بَنِي أسْلَمَ، وعَبْدِ الدّارِ في جُهَيْنَةَ، وعَوْفِ بْنِ عامِرٍ في بَنِي أسَدٍ، وابْنِ السَّوْداءِ في الشّامِ.

وحَمْلُهُ عَلى شَياطِينِ الجِنِّ كَما قالَهُ الكَلْبِيُّ مِمّا لا يَخْتَلِجُ بِقَلْبِي، والشَّياطِينُ جَمْعُ تَكْسِيرٍ، وإجْراؤُهُ مَجْرى الصَّحِيحِ كَما في بَعْضِ الشَّواذِّ (تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطُونَ) لُغَةٌ غَرِيبَةٌ جِدًّا، والمُفْرَدُ شَيْطانٌ، وهو فَيْعالٌ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، فَنُونُهُ أصْلِيَّةٌ مِن شَطَنَ أيْ بَعُدَ لِبُعْدِهِ عَنِ امْتِثالِ الأمْرِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ تَشَيْطَنَ، وإلّا لَسَقَطَتْ، واحْتِمالُ أخْذِهِ مِنَ الشَّيْطانِ لا مِن أصْلِهِ عَلى أنَّ المَعْنى فَعَلَ فِعْلَهُ خِلافُ الظّاهِرِ، وعِنْدَ الكُوفِيِّينَ وزْنُهُ فَعْلانُ فَنُونُهُ زائِدَةٌ مِن شاطَ يَشِيطُ إذا هَلَكَ أوْ بَطَلَ أوِ احْتَرَقَ غَضَبًا، والأُنْثى شَيْطانَةٌ.

وأنْشَدَ في البَحْرِ: هِيَ البازِلُ الكَوْماءُ لا شَيْءَ غَيْرُها وشَيْطانَةٌ قَدْ جُنَّ مِنها جُفُونُها ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ الشَّيْطانَ كُلُّ مُتَمَرِّدٍ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ والدَّوابِّ.

﴿ قالُوا إنّا مَعَكُمْ ﴾ أيْ مَعِيَّةٌ مَعْنَوِيَّةٌ، وهي مُساواتُهم لَهم في اعْتِقادِ اليَهُودِيَّةِ، وهو أُمُّ الخَبائِثِ، وأتى بِالجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى الحُدُوثِ مَعَ تَرْكِ التَّأْكِيدِ فِيما أُلْقِيَ عَلى المُؤْمِنِينَ المُنْكِرِينَ لِما هم عَلَيْهِ، أوِ المُتَمَرِّدِينَ، وبِالجُمْلَةِ الثُّبُوتِيَّةِ مَعَ التَّأْكِيدِ فِيما أُلْقِيَ إلى شَياطِينِهِمُ الَّذِينَ لَيْسُوا كَذَلِكَ، لِأنَّهم في الأوَّلِ بِصَدَدِ دَعْوى إحْداثِ الإيمانِ، ولَمْ يَنْظُرُوا هُنا لِإنْكارِ أحَدٍ، وتَرَدُّدِهِ إيهامًا مِنهم أنَّهم بِمَرْتَبَةٍ لا يَنْبَغِي أنْ يُتَرَدَّدَ في إيمانِهِمْ، لِيُؤَكِّدُوا لَعَلَّهُ أنْ يَتِمَّ لَهم مَرامُهم بِذَلِكَ في زَعْمِهِمْ، وفي الثّانِي بِصَدَدِ إفادَةِ الثَّباتِ دَفْعًا لِما يَخْتَلِجُ بِخَواطِرِ شَياطِينِهِمْ مِن مُخالَطَةِ المُؤْمِنِينَ، ومُخاطَبَتِهِمْ بِالإيمانِ، وقِيلَ: إنَّ التَّأْكِيدَ كَما يَكُونُ لِإزالَةِ الإنْكارِ والشَّكِّ يَكُونُ لِصِدْقِ الرَّغْبَةِ، وتَرْكُهُ كَما يَكُونُ لِعَدَمِ ذَلِكَ يَكُونُ لِعَدَمِ اعْتِناءِ المُتَكَلِّمِ، فَلِلرَّغْبَةِ أكَّدُوا ولِعَدَمِها تَرَكُوا، أوْ لِأنَّهم لَوْ قالُوا: إنّا مُؤْمِنُونَ كانَ ادِّعاءً لِكَمالِ الإيمانِ، وثَباتِهِ، وهو لا يَرُوجُ عِنْدَ المُؤْمِنِينَ، مَعَ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الرَّزانَةِ، وحِدَّةِ الذَّكاءِ، ولا كَذَلِكَ شَياطِينُهُمْ، وعِنْدِي أنَّ الوَجْهَ هو الأوَّلُ، إذْ يَرُدُّ عَلى الأخِيرَيْنِ قَوْلُهُ تَعالى فِيما حَكى عَنْهم: ﴿ نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ ﴾ إلّا أنْ يُقالَ: إنَّهم أظْهَرُوا الرَّغْبَةَ هُناكَ، وتَبالَهُوا عَنْ عَدَمِ الرَّواجِ لِغَرَضٍ ما مِنَ الأغْراضِ، والأحْوالُ شَتّى، والعَوارِضُ كَثِيرَةٌ، ولِهَذا قِيلَ: إنَّهم لِلتَّقِيَّةِ والخِداعِ ودَعْوى أنَّهم مِثْلُ المُؤْمِنِينَ في الإيمانِ لِيُجْرُوا عَلَيْهِمْ أحْكامَهم ويَعْفُوهم عَنِ المُحارَبَةِ، أكَّدُوا بِالباءِ فِيما تَقَدَّمَ، حَيْثُ قالُوا: ﴿ بِاللَّهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ ﴾ والقَوْلُ بِأنَّ الفَرْقَ بَيْنَ آيَةِ الشَّهادَةِ وآيَةِ الإيمانِ هَنا ظاهِرٌ، لِأنَّهم لَوْ قالُوا: إنّا لَمُؤْمِنُونَ لَكانُوا مُلْتَزِمِينَ أمْرَيْنِ رِسالَتَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ووُجُوبَ إيمانِهِمْ بِهِ، بِخِلافِ آيَةِ الشَّهادَةِ، فَإنَّ فِيها التِزامَ الأوَّلِ، ولا يَلْزَمُ مِن عَدَمِ الرَّغْبَةِ في أمْرَيْنِ عَدَمُها في أحَدِهِما ظاهِرُ الرَّكاكَةِ لِلْمُنْصِفِينَ كَما لا يَخْفى، وقَرَأ الجُمْهُورُ (مَعَكُمْ) بِتَحْرِيكِ العَيْنِ، وقُرِئَ شاذًّا بِسُكُونِها وهي لُغَةُ رَبِيعَةَ وغَنْمٍ، ﴿ إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ ﴾ الِاسْتِهْزاءُ الِاسْتِخْفافُ والسُّخْرِيَةُ واسْتَفْعَلَ بِمَعْنى فَعَلَ تَقُولُ: هَزَأْتُ بِهِ واسْتَهْزَأْتُ بِمَعْنًى، كاسْتَعْجَبَ وعَجِبَ، وذَكَرَ حُجَّةُ الإسْلامِ الغَزالِيُّ أنَّ الِاسْتِهْزاءَ الِاسْتِحْقارُ والِاسْتِهانَةُ، والتَّنْبِيهُ عَلى العُيُوبِ، والنَّقائِصِ عَلى وجْهٍ يُضْحَكُ مِنهُ، وقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ بِالمُحاكاةِ في الفِعْلِ والقَوْلِ وبِالإشارَةِ والإيماءِ، وأرادُوا مُسْتَخِفُّونَ بِالمُؤْمِنِينَ، وأصْلُ هَذِهِ المادَّةِ الخِفَّةُ يُقالُ: ناقَتُهُ تَهْزَأُ بِهِ أيْ تُسْرِعُ وتَخِفُّ، وقَوْلُ الرّازِيِّ: إنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ إظْهارِ مُوافَقَةٍ مَعَ إبْطالِ ما يَجْرِي مَجْرى السُّوءِ عَلى طَرِيقِ السُّخْرِيَةِ، غَيْرُ مُوافِقٍ لِلُّغَةِ والعُرْفِ، والجُمْلَةُ إمّا اسْتِئْنافٌ فَكَأنَّ الشَّياطِينَ قالُوا لَهم لَمّا قالُوا إنّا مَعَكُمْ، إنَّ صَحَّ ذَلَكَ فَما بالُكم تُوافِقُونَ المُؤْمِنِينَ، فَأجابُوا بِذَلِكَ، أوْ بَدَلٌ مِن: (إنّا مَعَكُمْ)، وهَلْ هو بَدَلُ اشْتِمالِ أوْ كُلٍّ أوْ بَعْضٍ، خِلافٌ، أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ تُفِيدُ ما تُفِيدُهُ الأُولى، وهو الثَّباتُ عَلى اليَهُودِيَّةِ لِأنَّ المُسْتَهْزِئَ بِالشَّيْءِ مُصِرٌّ عَلى خِلافِهِ، وزِيادَةٍ وهو تَعْظِيمُ الكُفْرِ المُفِيدِ لِدَفْعِ شُبْهَةِ المُخالَطَةِ وتَصَلُّبِهِمْ في الكُفْرِ، فَيَكُونُ بَدَلَ اشْتِمالٍ.

وأمّا الثّانِي وبِهِ قالَ السَّعْدُ: فَلِلتَّساوِي مِن حَيْثُ الصِّدْقُ، ولا يَقْتَضِي التَّساوِيَ مِن حَيْثُ المَدْلُولُ، وأمّا الثّالِثُ فَلِأنَّ كَوْنَهم مَعَهم عامٌّ في المَعِيَّةِ الشّامِلَةِ لِلِاسْتِهْزاءِ والسُّخْرِيَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ، أوْ تَأْكِيدٌ لِما قَبْلَهُ بِأنْ يُقالَ: إنَّ مُدَّعاهم بِأنّا مَعَكُمُ الثَّباتُ عَلى الكُفْرِ، وإنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ لِاسْتِلْزامِهِ رَدَّ الإسْلامِ، ونَفْيُهُ يَكُونُ مُقَرِّرًا لِلثَّباتِ عَلَيْهِ، إذْ رَفْعُ نَقِيضِ الشَّيْءِ تَأْكِيدٌ لِثَباتِهِ، لِئَلّا يَلْزَمَ ارْتِفاعُ النَّقِيضَيْنِ، أوْ يُقالُ: يَلْزَمُ: إنّا مَعَكم إنّا نُوهِمُ أصْحابَ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الإيمانَ فَيَكُونُ الِاسْتِخْفافُ بِهِمْ، وبِدِينِهِمْ تَأْكِيدًا بِاعْتِبارِ ذَلِكَ اللّازِمِ، وأوْلى الأوْجُهِ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ الِاسْتِئْنافُ، لَوْلا ما ذَكَرَهُ الشَّيْخُ في دَلائِلِ الإعْجازِ مِن أنَّ مَوْضُوعَ إنَّما أنْ تَجِيءَ لِخَبَرٍ لا يَجْهَلُهُ المُخاطَبُ ولا يَدْفَعُ صِحَّتَهُ، فَإنَّهُ يَقْتَضِي أنَّ تَقْدِيرَ السُّؤالِ هُنا أمْرٌ مَرْجُوحٌ، ولَعَلَّ الأمْرَ فِيهِ سَهْلٌ، وقُرِئَ (مُسْتَهْزِءُونَ) بِتَخْفِيفِ الهَمْزَةِ وبِقَلْبِها ياءً مَضْمُومَةً، ومِنهم مَن يَحْذِفُ الياءَ، فَتُضَمُّ الزّايُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال تعالى: وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا، نزلت هذه الآية في ذكر المنافقين، منهم عبد الله بن أبي ابن سلول، وجد بن قيس، ومعتب بن قشير وغيرهم وذلك أن أبا بكر وعمر وعثمان وعلي بن أبي طالب-  م- مرّوا بقوم من المنافقين، فقال عبد الله بن أبي لأصحابه: انظروا كيف أرد هؤلاء الجهال عنكم فتعلّموا مني كيف أكلمهم، فأخذ بيد أبي بكر، وقال: مرحباً بسيد بني تميم، وثاني اثنين، وصاحبه في الغار، وصفيه من أمته، الباذل نفسه وماله لرسول الله  ، ثم أخذ بيد عمر قال: مرحباً بسيد بني عدي القوي في أمر الله تعالى، الباذل نفسه وماله لرسول الله  ، ثم أخذ بيد علي فقال: مرحباً بسيد بني هاشم، ما خلا رسول الله  ، الباذل نفسه ودمه لرسول الله  ، والسابق إلى الهجرة فقال له علي: اتق الله يا عبد الله ولا تنافق، فإن المنافقين شر خليقة الله.

قال: فلم تقول هكذا وإيماني كإيمانكم وتصديقي كتصديقكم.

ثم افترقوا، فقال عبد الله لأصحابه: كيف رأيتم ردي هؤلاء عنكم؟

فقالوا: لا نزال بخير ما عشت لنا، فنزلت الآية: وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا يعني إيماننا كإيمانكم، وتصديقنا كتصديقكم.

قوله تعالى: وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قال الكلبي: يعني إلى كهنتهم وهم خمسة رهط من اليهود، ولا يكون كاهن إلا ومعه شيطان، منهم كعب بن الأشرف بالمدينة، وأبو بردة الأسلمي في بني سليم، وأبو السوداء بالشام، وعبد الدار من جهينة، وعوف بن مالك من بني أسد.

ويقال: وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ يعني إلى رؤسائهم في الضلالة.

وقال أبو عبيدة: كل عات متمرد فهو شيطان ثم قال تعالى: قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ أي على دينكم إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ بمحمد  وأصحابه-  م- <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

و «أَلاَ» : استفتاحُ كلامٍ، و «لكن» : حرف استدراك، ويحتمل أن يراد هنا: لا يَشْعُرُونَ أنهم مفسدون، ويحتمل أن يراد: لا يشعرون أن الله يفضحهم.

وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ (١٣) وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥) أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ (١٦)

قوله تعالى: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ ...

الآية: المعنى: صدِّقوا بمحمَّد وشرعه كما صدَّقَ المهاجرون والمحقِّقون من أهل يثرب، قالوا: أنكون كالذين خَفَّت عقولهم، والسفه: الخفَّة والرقَّة الداعيةُ إِلى الخفة، يقال: ثوب سَفِيهٌ، إِذا كان رقيقًا هَلْهَلَ النَّسْجِ، وهذا القول إِنما كانوا يقولونه في خفاء، فَأَطْلَعَ اللَّه عليه نبيَّه عليه السلام، والمؤمنين، وقرر أن السفه ورقَّة الحلوم وفساد البصائرِ إِنما هو في حيِّزهم وصفةٌ لهم، وأخبر أنهم لا يعلمون أنهم السفهاء لِلرَّيْنِ الَّذي على قلوبهم.

وقوله تعالى: وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا ...

الآية: هذه كانت حالَ المنافقين: إِظهارُ الإيمان للمؤمنين، وإِظهار الكفر في خلواتهم، وكان رسولُ الله صلّى الله عليه وسلم يعرض عنهم، ويَدَعُهُمْ في غمرة الاشتباه مخافة أن يتحدَّثَ الناسُ عنه أنه يقتُلُ أصحابه حَسْبَمَا وقع في قِصَّة عبد اللَّه بن أُبَيٍّ ابْنِ سَلُول «١» ، قال مَالِكٌ: النِّفَاقُ في عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلم هو الزندقةُ اليَوْمَ، واختلف المفسِّرون في المراد بشياطينهم، فقال ابن عبَّاس رضي اللَّه عنهما: هم رؤساء الكفر «٢» ، وقيل: الكُهَّان، قال البخاريُّ: قال مجاهدٌ: إِلى شَياطِينِهِمْ، أي:

أصحابهم من المنافقين والمشركين «٣» .

قال ص «٤» : شياطينهم: جمع شيطانٍ، وهو كل متمرّد من الجنّ والإنس

والدوابِّ.

قاله ابن عبَّاس، وأنثاه شيطانة.

انتهى.

ت: ويجب على المؤمن أن يجتنب هذه الأخلاق الذميمة، وقد ثبت عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم أنه قال: «مِنْ شَرِّ النَّاسِ ذُو الوَجْهَيْنِ الَّذِي يَأْتِي هَؤُلاَءِ بِوَجْهٍ، وَهَؤُلاَءِ بِوَجْهٍ» .

رواه أبو داود «١» ، وفيه عنه صلّى الله عليه وسلم: «مَنْ كَانَ لَهُ وَجْهَانِ فِي الدُّنْيَا، كَانَ له يوم القيامة لسانان ١١ أمن نَارٍ» .

انتهى.

/ من سنن أبي داود «٢» .

اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ: اختلف المفسِّرون في هذا الاستهزاء، فقال جمهور العلماء:

هي تسمية العُقُوبة باسم الذَّنْب، والعربُ تستعمل ذلك كثيرًا، وقال قوم: إن اللَّه سبحانه يفعل بهم أفعالاً هي في تأمل البَشَر هُزْءٌ روي أنَّ النَّارَ تجمد كما تَجْمُدُ الإِهالة «٣» ، فيمشون عليها، ويظنون أنها منجاة، فتخسف بهم، وما روي أن أبواب النَّار تفتح لهم، فيذهبون إِلى الخروج، نحا هذا المنحى ابنُ عَبَّاس والحسن.

ت: وقوله تعالى: قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً [الحديد: ١٣] يقوِّي هذا المنحى، وهكذا نص عليه في اختصار الطبريِّ.

انتهى.

وقيل: استهزاؤه بهم هو استدراجهم بدرور النعم الدنيوية، ويَمُدُّهُمْ، أي:

يزيدهم في الطغيان، وقال مجاهد: معناه: يملي لهم «٤» ، والطغيان الغلوّ وتعدّي الحدّ

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إنّا مَعَكم إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ ﴾ .

اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى قَوْلَيْنِ أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وأصْحابِهِ.

قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ وغَيْرِهِمْ مِن أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ كانُوا يُظْهِرُونَ لِلنَّبِيِّ  مِنَ الإيمانِ ما يَلْقُونَ رُؤَساءَهم بِضِدِّهِ، قالَهُ الحَسَنُ.

فَأمّا التَّفْسِيرُ فَـ "إلى" بِمَعْنى "مَعَ" كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ ﴾ أيْ: مَعَ اللَّهِ.

والشَّياطِينُ: جَمْعُ شَيْطانٍ، قالَ الخَلِيلُ: كُلُّ مُتَمَرِّدٍ عِنْدَ العَرَبِ شَيْطانٌ.

وفي هَذا الِاسْمِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ مِن شَطَنَ، أيْ: بَعُدَ عَنِ الخَيْرِ، فَعَلى هَذا تَكُونُ النُّونُ أصْلِيَّةً.

قالَ أُمِّيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ في صِفَةِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ: أيُّما شاطِنٍ عَصاهُ عَكاهُ ثُمَّ يُلْقى في السِّجْنِ والأغْلالِ عَكاهُ: أوْثَقَهُ.

وقالَ النّابِغَةُ: نَأتِ بِسُعادَ عَنْكَ نَوى شُطُونٍ ∗∗∗ فَبانَتْ والفُؤادُ بِها رَهِينُ.

والثّانِي: أنَّهُ مِن شاطَ يَشِيطُ: إذا التَهَبَ واحْتَرَقَ، فَتَكُونُ النُّونُ زائِدَةً.

وأنْشَدُوا: وقَدْ يَشِيطُ عَلى أرْماحِنا البَطَلُ أيْ: يَهْلَكُ.

وَفِي المُرادِ بِشَياطِينِهِمْ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهم رُؤُوسُهم في الكُفْرِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: إخْوانُهم مِنَ المُشْرِكِينَ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ، ومُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: كَهَنَتُهم قالَهُ الضَّحّاكُ، والكَلْبِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا مَعَكُمْ ﴾ .

فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهم أرادُوا: إنّا مَعَكم عَلى دِينِكم.

والثّانِي: إنّا مَعَكم عَلى النُّصْرَةِ والمُعاضَدَةِ.

والهَزْءُ: السُّخْرِيَةُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذا قِيلَ لَهم آمِنُوا كَما آمَنَ الناسُ قالُوا أنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُفَهاءُ ألا إنَّهم هُمُ السُفَهاءُ ولَكِنْ لا يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ وَإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إنّا مَعَكم إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ ﴾ المَعْنى: صَدِّقُوا بِمُحَمَّدٍ  وشَرْعِهِ، مِثْلُ ما صَدَّقَ المُهاجِرُونَ والمُحَقِّقُونَ مِن أهْلِ يَثْرِبَ، قالُوا: أنَكُونُ كالَّذِينِ خَفَّتْ عُقُولُهُمْ؟

و"السَفَهُ": الخِفَّةُ والرِقَّةُ الداعِيَةُ إلى الخِفَّةِ، يُقالُ: "ثَوْبُ سَفِيهٍ" إذا كانَ رَقِيقًا هَلْهَلَ النَسْجِ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُمَّةِ: مَشِينٌ كَما اهْتَزَّتْ رِماحٌ تَسَفَّهَتْ أعالِيها مَرُّ الرِياحِ النَواسِمِ وَهَذا القَوْلُ إنَّما كانُوا يَقُولُونَهُ في الخَفاءِ، فَأطْلَعَ اللهُ عَلَيْهِ نَبِيَّهُ والمُؤْمِنِينَ، وقَرَّرَ أنَّ السَفَهَ ورِقَّةَ الحُلُومِ وفَسادَ البَصائِرِ إنَّما هو في حَيِّزِهِمْ وصِفَةٌ لَهُمْ، وأخْبَرَ أنَّهم لا يَعْلَمُونَ أنَّهُمُ السُفَهاءُ لِلرَّيْنِ الَّذِي عَلى قُلُوبِهِمْ.

وقالَ قَوْمٌ: الآيَةُ نَزَلَتْ في مُنافِقِي اليَهُودِ، والمُرادُ بِالناسِ: عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلامٍ ومَن أسْلَمَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا تَخْصِيصٌ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ.

و"لَقُوا" أصْلُهُ لَقِيُوا اسْتُثْقِلَتِ الضَمَّةُ عَلى الياءِ فَسَكَنَتْ، فاجْتَمَعَ الساكِنانِ فَحُذِفَتِ الياءُ.

وقَرَأ ابْنُ السَمَيْفَعِ: "لاقَوُا الَّذِينَ".

وهَذِهِ كانَتْ حالُ المُنافِقِينَ: إظْهارُ الإيمانِ لِلْمُؤْمِنِينَ، وإظْهارُ الكُفْرِ في خَلَواتِهِمْ بَعْضُهم مَعَ بَعْضٍ، وكانَ المُؤْمِنُونَ يُلْبِسُونَهم عَلى ذَلِكَ لِمَوْضِعِ القَرابَةِ، فَلَمْ تَلْتَمِسْ عَلَيْهِمُ الشَهاداتُ، ولا تَقَرَّرَ تَعَيُّنُهم في النِفاقِ تَقَرُّرًا يُوجِبُ لِوُضُوحِهِ الحُكْمَ بِقَتْلِهِمْ، وكانَ ما يُظْهِرُونَهُ مِنَ الإيمانِ يَحْقِنُ دِماءَهُمْ، وكانَ رَسُولُ اللهِ  يُعْرِضُ عنهُمْ، ويَدَعُهم في غَمْرَةِ الِاشْتِباهِ، مَخافَةَ أنْ يَتَحَدَّثَ عنهُ أنَّهُ يَقْتُلُ أصْحابَهُ، فَيَنْفِرُ الناسُ، حَسَبَ ما «قالَ عَلَيْهِ السَلامُ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، حِينَ قالَ لَهُ في وقْتِ قَوْلِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولٍ: ﴿ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ  ﴾ القِصَّةُ، دَعْنِي يا رَسُولَ اللهِ أضْرِبُ عُنُقَ هَذا المُنافِقِ، فَقالَ: دَعْهُ، لا يَتَحَدَّثُ الناسُ أنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أصْحابَهُ» فَهَذِهِ طَرِيقَةُ أصْحابِ مالِكٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ في مَعْنى كَفِّ رَسُولِ اللهِ  عن قَتْلِ المُنافِقِينَ، مَعَ عِلْمِهِ بِكُفْرِهِمْ في الجُمْلَةِ، نَصَّ عَلى هَذا مُحَمَّدُ بْنُ الجَهْمِ، وإسْماعِيلُ القاضِي، والأبْهَرَيُّ، وابْنُ الماجَشُونِ، واحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والمُرْجِفُونَ في المَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إلّا قَلِيلًا  ﴾ ﴿ مَلْعُونِينَ أيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وقُتِّلُوا تَقْتِيلا  ﴾ وقالَ قَتادَةُ، مَعْناهُ: إذا هم أعْلَنُوا النِفاقَ.

قالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ: النِفاقُ في عَهْدِ رَسُولِ اللهِ  هُوَ: الزَنْدَقَةُ فِينا اليَوْمَ، فَيُقْتَلُ الزِنْدِيقُ إذا شَهِدَ عَلَيْهِ بِها دُونَ اسْتِتابَةٍ، لِأنَّهُ لا يُظْهِرُ ما يُسْتَتابُ مِنهُ، وإنَّما كَفَّ رَسُولُ اللهِ  عَنِ المُنافِقِينَ لِيَسُنَّ لِأُمَّتِهِ أنَّ الحاكِمَ لا يَحْكُمُ بِعِلْمِهِ إذْ لَمْ يَشْهَدْ عَلى المُنافِقِينَ.

قالَ القاضِي إسْماعِيلُ: لَمْ يَشْهَدْ عَلى عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ إلّا زَيْدُ بْنُ أرْقَمَ وحْدَهُ، ولا عَلى الجُلاسِ بْنِ سُوَيْدٍ إلّا عُمَيْرُ بْنُ سَعْدٍ رَبِيبِهِ وحْدَهُ، ولَوْ شَهِدَ عَلى أحَدٍ مِنهم رَجُلانِ بِكَفْرِهِ ونِفاقِهِ لَقُتِلَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: أقْوى مِنَ انْفِرادِ زَيْدٍ وغَيْرِهِ أنَّ اللَفْظَ لَيْسَ بِصَرِيحِ كُفْرٍ، وإنَّما يُفْهَمُ مِن قَوَّتِهِ الكُفْرُ.

قالَ الشافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: السُنَّةُ فِيمَن شَهِدَ عَلَيْهِ بِالزَنْدَقَةِ، فَجَحَدَ وأعْلَنَ بِالإيمانِ، وتَبَرَّأ مِن كُلِّ دِينٍ سِوى الإسْلامِ، أنَّ ذَلِكَ يَمْنَعُ مِن إراقَةِ دَمِهِ، وبِهِ قالَ أصْحابُ الرَأْيِ والطَبَرِيُّ وغَيْرُهم.

قالَ الشافِعِيُّ وأصْحابُهُ: وإنَّما مُنِعَ رَسُولُ اللهِ  مِن قَتْلِ المُنافِقِينَ، ما كانُوا يُظْهِرُونَهُ مِنَ الإسْلامِ بِألْسِنَتِهِمْ مَعَ العِلْمِ بِنِفاقِهِمْ، لِأنَّ ما يُظْهِرُونَهُ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ، فَمَن قالَ: إنَّ عُقُوبَةَ الزَنْدَقَةِ أشَدُّ مِن عُقُوبَةِ الكُفّارِ فَقَدْ خالَفَ مَعْنى الكِتابِ والسُنَّةِ، وجَعَلَ شَهادَةَ الشُهُودِ عَلى الزِنْدِيقِ فَوْقَ شَهادَةِ اللهِ عَلى المُنافِقِينَ، قالَ تَعالى: ﴿ إذا جاءَكَ المُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ واللهُ يَعْلَمُ إنَّكَ لَرَسُولُهُ واللهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ  ﴾ قالَ الشافِعِيُّ، وأبُو حَنِيفَةَ، وابْنُ حَنْبَلٍ، وأهْلُ الحَدِيثِ: فالمَعْنى المُوجِبُ لِكَفِّ رَسُولِ اللهِ  عن قَتْلِ المُنافِقِينَ مَعَ العِلْمِ بِهِمْ أنَّ اللهَ تَعالى نَهاهُ عن قَتْلِهِمْ إذا أظْهَرُوا الإيمانَ، وصَلُّوا، فَكَذَلِكَ هو الزِنْدِيقُ.

واحْتَجَّ ابْنُ حَنْبَلٍ بِحَدِيثِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَدِيٍّ بْنِ الخِيارِ عن رَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ في الَّذِي شَهِدَ عَلَيْهِ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ  بِالنِفاقِ فَقالَ: «ألَيْسَ يَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللهُ، وأنِّي رَسُولُ اللهِ؟" قالُوا: بَلى، ولا شَهادَةَ لَهُ.

قالَ: "ألَيْسَ يُصَلِّي"؟

قالُوا: بَلى ولا صَلاةَ لَهُ.

قالَ: "أُولَئِكَ الَّذِينَ نَهانِي اللهُ عنهم»، وذَكَرَ أيْضًا أهْلُ الحَدِيثِ ما رُوِيَ عن رَسُولِ اللهِ  أنَّهُ قالَ فِيهِمْ: «لَعَلَّ اللهَ سَيُخْرِجُ مِن أصْلابِهِمْ مَن يُؤْمِنُ بِاللهِ، ويُصَدِّقُ المُرْسَلِينَ، يُخْلِصُ العِباداتِ لِرَبِّ العالَمِينَ» قالَ أبُو جَعْفَرٍ الطَبَرِيُّ في كِتابِ "اللَطِيفِ" في بابِ "المُرْتَدِّ": (إنَّ اللهَ قَدْ جَعَلَ الأحْكامَ بَيْنَ عِبادِهِ عَلى الظاهِرِ، وتَوَلّى الحُكْمَ في سَرائِرِهِمْ دُونَ أحَدٍ مِن خَلْقِهِ، فَلَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَحْكُمَ بِخِلافِ ما ظَهَرَ، لِأنَّهُ حَكَمَ بِالظُنُونِ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ لِأحَدٍ كانَ أولى الناسِ بِهِ رَسُولُ اللهِ  ، وقَدْ حَكَمَ لِلْمُنافِقِينَ بِحُكْمِ المُسْلِمِينَ، بِما أظْهَرُوا، ووَكَلَ سَرائِرَهم إلى اللهِ، وقَدْ كَذَّبَ اللهُ ظاهِرَهم في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واللهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ  ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يَنْفَصِلُ المالِكِيُّونَ عَمّا أُلْزِمُوهُ مِن هَذِهِ الآيَةِ بِأنَّها لَمْ تُعَيِّنْ أشْخاصَهُمْ، وإنَّما جاءَ فِيها تَوْبِيخٌ لِكُلِّ مَغْمُوضٍ عَلَيْهِ بِالنِفاقِ، وبَقِيَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم أنْ يَقُولَ: لَمْ أُرَدْ بِها، وما أنا إلّا مُؤْمِنٌ، ولَوْ عَيِّنَ أحَدٌ لَما جَبَّ كَذِبُهُ شَيْئًا.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ ﴾ وُصِلَتْ "خَلَوْا" بِإلى وعُرْفُها أنْ تُوصَلَ بِالباءِ فَتَقُولُ: خَلَوْتُ بِفُلانٍ مِن حَيْثُ نَزَلَتْ "خَلَوْا" في هَذا المَوْضِعِ مَنزِلَةُ ذَهَبُوا وانْصَرَفُوا، إذْ هو فِعْلٌ مُعادِلٌ لِقَوْلِهِ: "لَقُوا".

وهَذا مِثْلُ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِ الفَرَزْدَقِ: قَدْ قَتَلَ اللهُ زِيادًا عَنِّي.

لَمّا أنْزَلَها مَنزِلَةَ صَرْفٍ ورَدٍّ، قالَ مَكِّيُّ: يُقالُ: خَلَوْتُ بِفُلانٍ، بِمَعْنى سَخِرْتُ بِهِ، فَجاءَتْ إلى في الآيَةِ زَوالًا عَنِ الِاشْتِراكِ في الباءِ، وقالَ قَوْمٌ: "إلى" بِمَعْنى "مَعَ" وفي هَذا ضَعْفٌ، ويَأْتِي بَيانُهُ إنْ شاءَ اللهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مَن أنْصارِي إلى اللهِ  ﴾ ، وقالَ قَوْمٌ: "إلى" بِمَعْنى "الباءِ"، إذْ حُرُوفُ المَعانِي يُبْدَلُ بَعْضُها مِن بَعْضٍ، وهَذا ضَعِيفٌ يَأْباهُ الخَلِيلُ، وسِيبَوَيْهِ، وغَيْرُهُما.

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في المُرادِ بِالشَياطِينِ.

فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هم رُؤَساءُ الكَفْرِ، وقالَ ابْنُ الكَلْبِيِّ وغَيْرُهُ: هم شَياطِينُ الجِنِّ، وهَذا في المَوْضِعِ بَعِيدٌ، وقالَ جَمْعٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: هُمُ الكُهّانُ.

ولَفْظُ "الشَيْطَنَةُ" الَّذِي مَعْناهُ: البُعْدُ عَنِ الإيمانِ والخَيْرُ، يَعُمُّ جَمِيعَ مَن ذَكَرَ والمُنافِقِينَ، حَتّى يُقَدِّرَ كُلُّ واحِدٍ شَيْطانَ غَيْرِهِ، فَمِنهُمُ الخالُونَ ومِنهُمُ الشَياطِينُ.

و"مُسْتَهْزِؤُنَ" مَعْناهُ نَتَّخِذُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ نُصانِعَهم بِإظْهارِ الإيمانِ هُزُؤًا، ونَسْتَخِفُّ بِهِمْ، ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ رَحِمَهُ اللهُ: أنْ تَكُونَ الهَمْزَةُ مَضْمُومَةً عَلى الواوِ في "مُسْتَهْزِؤُونَ"، وحَكى عنهُ أبُو عَلِيٍّ أنَّها تُخَفَّفُ بَيْنَ بَيْنَ، ومَذْهَبُ أبِي الحَسَنِ الأخْفَشِ أنْ تُقْلَبَ الهَمْزَةُ ياءً قَلْبًا صَحِيحًا، فَيُقْرَأُ "مُسْتَهْزِيُونَ".

قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: حَمَلَ الياءُ الضَمَّةَ تَذَكُّرًا لِحالِ الهَمْزَةِ المَضْمُومَةِ، والعَرَبُ تَعافُ ياءً مَضْمُومَةً قَبْلَها كَسْرَةٌ، وأكْثَرُ القُرّاءِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ سِيبَوَيْهِ، ويُقالُ: هَزِئَ واسْتَهْزَأ بِمَعْنًى، فَهو كَعَجِبَ واسْتَعْجَبَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ ومُسْتَعْجِبٌ مِمّا يَرى مِن أنّاتِنا ∗∗∗ ولَوْ زَبَنَتْهُ الحَرْبُ لَمْ يَتَرَمْرَمِ <div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف ﴿ وإذا لقوا ﴾ على ما عطف عليه: ﴿ وإذا قيل لهم لا تفسدوا ﴾ [البقرة: 12] ﴿ وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس ﴾ [البقرة: 13].

والكلام في الظرفية والزمان سواء.

والتقييد بقوله: ﴿ وإذ لقوا الذين آمنوا ﴾ تمهيد لقوله: ﴿ وإذا خلوا ﴾ فبذلك كان مفيداً فائدة زائدة على ما في قوله: ﴿ ومن الناس من يقول آمنا بالله ﴾ [البقرة: 8] الآية فليس ما هنا تكراراً مع ما هناك، لأن المقصود هنا وصف ما كانوا يعملون مع المؤمنين وإيهامهم أنهم منهم ولقائهم بوجوه الصادقين، فإذا فارقوهم وخلصوا إلى قومهم وقادتهم خلعوا ثوب التستر وصرحوا بما يبطنون.

ونكتة تقديم الظرف تقدمت في قوله: ﴿ وإذا قيل لهم لا تفسدوا ﴾ .

ومعنى قولهم ﴿ آمنا ﴾ أي كنا مؤمنين فالمراد من الإيمان في قولهم ﴿ آمنا ﴾ الإيمان الشرعي الذي هو مجموع الأوصاف الاعتقادية والعلمية التي تلقب بها المؤمنون وعُرفوا بها على حد قوله تعالى: ﴿ إنا هدنا إليك ﴾ [الأعراف: 156] أي كنا على دين اليهودية فلا متعلق بقوله ﴿ آمنا ﴾ حتى يحتاج لتوجيه حذفه أو تقديره، أو أريد آمنا بما آمنتم به، والأول أظهر، ولقاؤهم الذين آمنوا هو حضورهم مجلس النبيء صلى الله عليه وسلم ومجالس المؤمنين.

ومعنى ﴿ قالوا آمنا ﴾ أظهروا أنهم مؤمنون بمجرد القول لا بعقد القلب، أي نطقوا بكلمة الإسلام وغيرها مما يترجم عن الإيمان.

وقوله: ﴿ وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم ﴾ معطوف على قوله: ﴿ وإذا لقوا ﴾ والمقصود هو هذا المعطوف وأما قوله: ﴿ وإذا لقوا الذين آمنوا ﴾ فتمهيد له كما علمت، وذلك ظاهر من السياق لأن كل أحد يعلم أن المقصود أنهم يقولون آمنا في حال استهزاء يصرِّحون بقصده إذا خلوا بدليل أنه قد تقدم أنهم يأبون من الإيمان ويقولون: ﴿ أنؤمن كما آمن السفهاء ﴾ [البقرة: 13] إنكاراً لذلك، وواو العطف صالحة للدلالة على المعية وغيرها بحسب السياق وذلك أن السياق في بيان ما لهم من وجهين وجه مع المؤمنين ووجه مع قادتهم، وإنما لم يُجعل مضمون الجملة الثانية في صورة الحال كأن يقال قائلين لشياطينهم إذا خلوا ولم نحمل الواو في قوله: ﴿ وإذا خلوا ﴾ على الحال، أما الأول فلأن مضمون كلتا الجملتين لما كان صالحاً لأن يعتبر صفة مستقلة دالة على النفاق قصد بالعطف استقلال كلتيهما لأن الغرض تعداد مساويهم فإن مضمون: ﴿ وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا ﴾ منادٍ وحده بنفاقهم في هاته الحالة كما يفصح عنه قوله: ﴿ وإذا لقوا ﴾ الدال على أن ذلك في وقت مخصوص، وأما الثاني فلأن الأصل اتحاد موقع الجملتين المتماثلتين لفظاً.

ولما تقدم إيضاحه في وجه العدول عن الإتيان بالحال.

والشياطين جمع شيطان، جمع تكسير، وحقيقة الشيطان أنه نوع من المخلوقات المجردة، طبيعتها الحرارة النارية وهم من جنس الجن قال تعالى في إبليس: ﴿ كان من الجن ﴾ [الكهف: 50] وقد اشتهر ذكره في كلام الأنبياء والحكماء، ويطلق الشيطان على المفسد ومثير الشر، تقول العرب فلان من الشياطين ومن شياطين العرب وذلك استعارة، وكذلك أطلق هنا على قادة المنافقين في النفاق، قال تعالى: ﴿ وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً شياطين ﴾ [الأنعام: 112] الخ.

ووزن شيطان اختلف فيه البصريون والكوفيون من علماء العربية فقال البصريون هو فيعال من شطن بمعنى بعد؛ لأنه أبعد عن رحمة الله وعن الجنة فنونه أصلية وقال الكوفيون هو فعلان من شاط بمعنى هاج أو احترق أو بطل ووجه التسمية ظاهر.

ولا أحسب هذا الخلاف إلا أنه بحث عن صيغة اشتقاقه فحسب أي البحث عن حروفه الأصول وهل إن نونه أصل أو زائد وإلا فإنه لا يظن بنحاة الكوفة أن يدَّعوا أنه يعامل معاملة الوصف الذي فيه زيادة الألف والنون مثل غضبان، كيف وهو متفق على عدم منعه من الصرف في قوله تعالى: ﴿ وحفظناها من كل شيطان رجيم ﴾ [الحجر: 17].

وقال ابن عطية ويرد على قول الكوفيين أن سيبويه حكى أن العرب تقول تشيطن إذا فعل الشيطان فهذا يبين أنه من شطن وإلا لقالوا تشيط ا ه.

وفي «الكشاف»: جعل سيبويه نون شيطان في موضع من كتابه أصلية وفي آخر زائدة ا ه.

والوجه أن تشيطن لما كان وصفاً مشتقاً من الاسم كقولهم تنمر أثبتوا فيه حروف الاسم على ما هي عليه لأنهم عاملوه معاملة الجامد دون المشتق لأنه ليس مشتقاً مما اشتق منه الاسم بل من حروف الاسم فهو اشتقاق حصل بعد تحقيق الاستعمال وقطع النظر عن مادة الاشتقاق الأول فلا يكون قولهم ذلك مرجحاً لأحد القولين.

وعندي أنه اسم جامد شابه في حروفه مادة مشتقة ودخل في العربية من لغة سابقة لأن هذا الاسم من الأسماء المتعلقة بالعقائد والأديان، وقد كان العرب العراق فيها السبق قبل انتقالهم إلى الحجاز واليمن، ويدل لذلك تقارب الألفاظ الدالة على هذا المعنى في أكثر اللغات القديمة.

وكنت رأيت قول من قال إن اسمه في الفارسية سَيْطان.

و (خلوا) بمعنى انفردوا فهو فعل قاصر ويعدى بالباء وباللام ومن ومع بلا تضمين ويعدى بإلى على تضمين معنى آب أو خلص ويعدى بنفسه على تضمين تجاوز وباعد ومنه ما شاع من قولهم: «افعل كذا وخلاك ذم» أي إن تبعة الأمر أو ضره لا تعود عليك.

وقد عدي هنا بإلى اليشير إلى أن الخلوة كانت في مواضع هي مآبهم ومرجعهم وأنّ لقاءهم للمؤمنين إنما هو صدفة ولمحات قليلة، أفاد ذلك كله قوله: ﴿ لقوا وخلوا.

﴾ وهذا من بديع فصاحة الكلمات وصراحتها.

واعلم أنه حكى خطابهم للذين آمنوا بما يقتضي أنهم لم يأتوا فيه بما يحقق الخبر من تأكيد، وخطابهم موهم بما يقتضي أنهم حققوا لهم بقاءهم على دينهم بتأكيد الخبر بما دل عليه حرف التأكيد في قوله: ﴿ إنا معكم ﴾ مع أن مقتضى الظاهر أن يكون كلامهم بعكس ذلك؛ لأن المؤمنين يشكون في إيمان المنافقين، وقومهم لا يشكون في بقائهم على دينهم، فجاءت حكاية كلامهم الموافقة لمدلولاته على خلاف مقتضى الظاهر لمراعاة ما هو أجدر بعناية البليغ من مقتضى الظاهر.

فخلو خطابهم مع المؤمنين عما يفيد تأكيد الخبر لأنهم لا يريدون أن يعرضوا أنفسهم في معرض من يتطرق ساحته الشك في صدقه لأنهم إذا فعلوا ذلك فقد أيقظوهم إلى الشك وذلك من إتقان نفاقهم على أنه قد يكون المؤمنون أخلياء الذهن من الشك في المنافقين لعدم تعينهم عندهم فيكون تجريد الخبر من المؤكدات مقتضى الظاهر.

وأما قولهم لقومهم ﴿ إنا معكم ﴾ بالتأكيد فذلك لأنه لما بدا من إبداعهم في النفاق عند لقاء المسلمين ما يوجب شك كبرائهم في البقاء على الكفر وتطرق به التهمة أبواب قلوبهم احتاجوا إلى تأكيد ما يدل على أنهم باقون على دينهم.

وكذلك قولهم: ﴿ إنما نحن مستهزئون ﴾ فقد أبدوا به وجه ما أظهروه للمؤمنين وجاءوا فيه بصيغة قصر القلب لرد اعتقاد شياطينهم فيهم أن ما أظهروه للمؤمنين حقيقة وإيمان صادق.

وقد وجه صاحب «الكشاف» العدول عن التأكيد في قولهم: ﴿ آمنا ﴾ والتأكيد في قولهم ﴿ إنا معكم ﴾ بأن مخاطبتهم المؤمنين انتفى عنها ما يقتضي تأكيد الخبر لأن المخبرين لم يتعلق غرضهم بأكثر من ادعاء حدوث إيمانهم لأن نفوسهم لا تساعدهم على أن يتلفظوا بأقوى من ذلك ولأنهم علموا أن ذلك لا يروج على المسلمين أي فاقتصروا على اللازم من الكلام فإن عدم التأكيد في الكلام قد يكون لعدم اعتناء المتكلم بتحقيقه، ولعلمه أن تأكيده عبث لعدم رواجه عند السامع، وهذه نكتة غريبة مرجعها قطع النظر عن إنكار السامع والإعراض عن الاهتمام بالخبر.

وأما مخاطبتهم شياطينهم فإنما أتوا بالخبر فيها مؤكداً لإفادة اهتمامهم بذلك الخبر وصدق رغبتهم في النطق به ولعلمهم أن ذلك رائج عند المخاطبين فإن التأكيد قد يكون لاعتناء المتكلم بالخبر ورواجه عند السامع أي فهو تأكيد للاهتمام لا لرد الإنكار.

وقولهم: ﴿ إنما نحن مستهزئون ﴾ قصروا أنفسهم على الاستهزاء قصراً إضافياً للقلب أي مؤمنون مخلصون، وجملة: ﴿ إنما نحن مستهزئون ﴾ تقرير لقوله: ﴿ إنا معكم ﴾ لأنهم إذا كانوا معهم كان ما أظهروه من مفارقة دينهم استهزاء أو نحوه فأما أن تكون الجملة الثانية استئنافاً واقعة في جواب سؤال مقدر كأن سائلاً يعجب من دعوى بقائهم على دينهم لما أتقنوه من مظاهر النفاق في معاملة المسلمين، وينكر أن يكونوا باقين على دينهم ويسأل كيف أمكن الجمع بين البقاء على الدين وإظهار المودة للمؤمنين فأجابوا ﴿ إنما نحن مستهزئون، ﴾ وبه يتضح وجه الإتيان بأداة القصر لأن المنكر السائل يعتقد كذبهم في قولهم ﴿ إنا معكم ﴾ ويدعي عكس ذلك، وإما أن تكون الجملة بدلاً من ﴿ إنا معكم ﴾ بدل اشتمال لأن من دام على الكفر وتغالى فيه وهو مقتضى ﴿ معكم ﴾ أي في تصلبكم فقد حقر الإسلام وأهله واستخف بهم، والوجه الأول أولى الوجوه لأنه يجمع ما تفيده البدلية والتأكيد من تقرير مضمون الجملة الأولى مع ما فيه من الإشارة إلى رد التحير الذي ينشأ عنه السؤال وهذا يفوت على تقديري التأكيد والبدلية.

والاستهزاء السخرية يقال: هزأ به واستهزأ به فالسين والتاء للتأكيد مثل استجاب، أي عاملَه فعلاً أو قولاً يحصل به احتقاره أو والتطرية به، سواءٌ أَشعره بذلك أم أخفاه عنه.

والباء فيه للسببية قيل: لا يتعدى بغير الباء وقيل: يتعدى بمن، وهو مرادف سخر في المعنى دون المادة كما سيأتي في سورة الأنعام.

وقرأ أبو جعفر (مستهزون) بدون همزة وبضم الزاي تخفيفاً وهو لغة فصيحة في المهموز.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ ﴾ في شَياطِينِهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ اليَهُودُ، الَّذِينَ يَأْمُرُونَهم بِالتَّكْذِيبِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: رُؤُوسُهم في الكُفْرِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿ إلى شَياطِينِهِمْ ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ مَعَ شَياطِينِهِمْ، فَجَعَلَ (إلى) مَوْضِعَ (مَعَ) كَما قالَ تَعالى: ﴿ مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ  ﴾ أيْ مَعَ اللَّهِ.

والثّانِي: وهو قَوْلُ بَعْضِ البَصْرِيِّينَ: أنَّهُ يُقالُ: خَلَوْتُ إلى فُلانٍ، إذا جَعَلْتَهُ غايَتَكَ في حاجَتِكَ، وخَلَوْتُ بِهِ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: هَذا.

والآخَرُ: السُّخْرِيَةُ والِاسْتِهْزاءُ مِنهُ فَعَلى هَذا يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ وَإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ ﴾ أفْصَحُ، وهو عَلى حَقِيقَتِهِ مُسْتَعْمَلٌ.

والثّالِثُ: وهو قَوْلُ بَعْضِ الكُوفِيِّينَ: أنَّ مَعْناهُ: إذا انْصَرَفُوا إلى شَياطِينِهِمْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ( إلى ) مُسْتَعْمَلًا في مَوْضِعٍ لا يَصِحُّ الكَلامُ إلّا بِهِ.

فَأمّا الشَّيْطانُ فَفي اشْتِقاقِهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ فَيْعالٌ مِن شَطَنَ، أيْ بَعُدَ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: نَوًى شَطُونٌ، أيْ بَعِيدَةٌ، وشَطَنَتْ دارُهُ، أيْ بَعُدَتْ، فَسُمِّيَ شَيْطانًا، إمّا لِبُعْدِهِ عَنِ الخَيْرِ، وإمّا لِبُعْدِ مَذْهَبِهِ في الشَّرِّ، فَعَلى هَذا النُّونُ أصْلِيَّةٌ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِن شاطَ يَشِيطُ، أيْ هَلَكَ يَهْلِكُ كَما قالَ الشّاعِرُ: ...

...

...

∗∗∗ وقَدْ يَشِيطُ عَلى أرْماحِنا البَطَلُ أيْ يَهْلِكُ، فَعَلى هَذا يَكُونُ النُّونُ فِيهِ زائِدَةً.

والقَوْلُ الفاصِلُ: أنَّهُ فَعْلانٌ مِنَ الشَّيْطِ وهو الِاحْتِراقُ، كَأنَّهُ سُمِّيَ بِما يَؤُولُ إلَيْهِ حالُهُ.

﴿ قالُوا إنّا مَعَكُمْ ﴾ أيْ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ التَّكْذِيبِ والعَداوَةِ، ﴿ إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ ﴾ أيْ ساخِرُونَ بِما نُظْهِرُهُ مِنَ التَّصْدِيقِ والمُوافَقَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ أنَّهُ يُحارِبُهم عَلى اسْتِهْزائِهِمْ، فَسَمّى الجَزاءَ بِاسْمِ المُجازى عَلَيْهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكُمْ ﴾ ، ولَيْسَ الجَزاءُ اعْتِداءً، قالَ عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ ألا لا يَجْهَلَنْ أحَدٌ عَلَيْنا ∗∗∗ فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الجاهِلِينا والثّانِي: أنَّ مَعْناهُ أنَّهُ يُجازِيهِمْ جَزاءَ المُسْتَهْزِئِينَ.

والثّالِثُ: أنَّهُ لَمّا كانَ ما أظْهَرَهُ مِن أحْكامِ إسْلامِهِمْ في الدُّنْيا، خِلافَ ما أوْجَبَهُ عَلَيْهِمْ مِن عِقابِ الآخِرَةِ، وكانُوا فِيهِ اغْتِرارٌ بِهِ، صارَ كالِاسْتِهْزاءِ [بِهِمْ].

والرّابِعُ: أنَّهُ لَمّا حَسُنَ أنْ يُقالَ لِلْمُنافِقِ: ﴿ ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ  ﴾ ، صارَ القَوْلُ كالِاسْتِهْزاءِ بِهِ.

والخامِسُ: ما حُكِيَ: أنَّهم يُفْتَحُ لَهم بابُ الجَحِيمِ، فَيَرَوْنَ أنَّهم يَخْرُجُونَ مِنها، فَيَزْدَحِمُونَ لِلْخُرُوجِ، فَإذا انْتَهَوْا إلى البابِ ضَرَبَهُمُ المَلائِكَةُ، بِمَقامِعِ النِّيرانِ، حَتّى يَرْجِعُوا، وهَذا نَوْعٌ مِنَ العَذابِ، وإنْ كانَ كالِاسْتِهْزاءِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَيَمُدُّهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ وفي يَمُدُّهم تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يُمْلِي لَهُمْ، وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ.

والثّانِي: يَزِيدُهُمْ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.

يُقالُ: مَدَدْتُ وأمْدَدْتُ، فَحُكِيَ عَنْ يُونُسَ أنَّهُ قالَ: مَدَدْتُ فِيما كانَ مِنَ الشَّرِّ، وأمْدَدْتُ فِيما كانَ مِنَ الخَيْرِ، وقالَ بَعْضُ الكُوفِيِّينَ: يُقالُ: مَدَدْتُ فِيما كانَتْ زِيادَتُهُ مِنهُ، كَما يُقالُ: مَدُّ النَّصْرِ، وأمَدَّهُ نَهْرٌ آخَرُ، وأمْدَدْتُ فِيما حَدَثَتْ زِيادَتُهُ مَن غَيْرِهِ، كَقَوْلِكَ: أمْدَدْتُ الجَيْشَ بِمَدَدٍ، وأمَدَّ الجُرْحُ، لِأنَّ المِدَّةَ مِن غَيْرِهِ.

﴿ فِي طُغْيانِهِمْ ﴾ يَعْنِي تَجاوُزَهم في الكُفْرِ، والطُّغْيانُ مُجاوَزَةُ القَدْرِ، يُقالُ: طَغى الماءُ، إذا جاوَزَ قَدْرَهُ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ إنّا لَمّا طَغى الماءُ حَمَلْناكم في الجارِيَةِ  ﴾ ( يَعْمَهُونَ ) في ثَلاثَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: يَتَرَدَّدُونَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: حَيْرانُ يَعْمَهُ في ضَلالَتِهِ ∗∗∗ مُسْتَوْرِدٌ بِشَرائِعِ والثّانِي: مَعْناهُ يَتَحَيَّرُونَ، قالَ رُؤْبَةُ بْنُ العَجّاجِ: ومَهْمَهٍ أطْرافُهُ في مَهْمَهٍ ∗∗∗ أعْمى الهُدى بِالجاهِلِينَ العُمَّهِ والثّالِثُ: يَعْمَهُونَ عَنْ رُشْدِهِمْ، فَلا يُبْصِرُونَهُ، لِأنَّ مَن عَمِهَ عَنِ الشَّيْءِ كَمَن كَمِهَ عَنْهُ، قالَ الأعْشى: ؎ أرانِي قَدْ عَمِهْتُ وشابَ رَأْسِي ∗∗∗ وهَذا اللَّعْبُ شَيْنٌ لِلْكَبِيرِ <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الواحدي والثعلبي بسنده عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في عبدالله بن أبي وأصحابه، وذلك أنهم خرجوا ذات يوم فاستقبلهم نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عبدالله بن أبي: انظروا كيف أرد هؤلاء السفهاء عنكم، فذهب فأخذ بيد أبي بكر فقال: مرحباً بالصديق سيد بن تيم، وشيخ الإِسلام، وثاني رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار، الباذل نفسه وماله لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

ثم أخذ بيد عمر فقال: مرحباً بسيد عدي بن كعب، الفاروق القوي في دين الله، الباذل نفسه وماله لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

ثم أخذ بيد علي وقال: مرحباً بابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وختنه، سيد بني هاشم ما خلا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ثم افترقوا فقال عبدالله لأصحابه: كيف رأيتموني فعلت؟

فإذا رأيتموهم فافعلوا كما فعلت، فاثنوا عليه خيراً.

فرجع المسلمون إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبروه بذلك، فأنزلت هذه الآية.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإذا لقوا الذين آمنوا ﴾ الآية.

قال: كان رجال من اليهود إذا لقوا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أو بعضهم قالوا: إنا على دينكم ﴿ وإذا خلوا إلى شياطينهم ﴾ وهم إخوانهم ﴿ قالوا: إنا معكم ﴾ أي على مثل ما أنتم عليه ﴿ إنما نحن مستهزئون ﴾ قال: ساخرون بأصحاب محمد ﴿ الله يستهزئ بهم ﴾ قال: يسخر بهم للنقمة منهم ﴿ ويمدهم في طغيانهم ﴾ قال: في كفرهم ﴿ يعمهون ﴾ قال يترددون.

وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإذا لقوا الذين آمنا قالوا آمنا ﴾ وهم منافقو أهل الكتاب، فذكرهم وذكر استهزاءهم، وأنهم ﴿ إذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم ﴾ على دينكم ﴿ إنما نحن مستهزئون ﴾ بأصحاب محمد.

يقول الله: ﴿ الله يستهزئ بهم ﴾ في الآخرة، يفتح لهم باباً في جهنم من الجنة ثم يقال لهم: تعالوا فيقبلون يسبحون في النار، والمؤمنون على الأرائك وهي السرر في الحجال ينظرون إليهم، فإذا انتهوا إلى الباب سد عنهم، فضحك المؤمنون منهم فذلك قول الله: ﴿ الله يستهزئ بهم ﴾ في الآخرة، ويضحك المؤمنون منهم حين غلقت دونهم الأبواب.

فذلك قوله: ﴿ فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون ﴾ [ المطففون: 34].

وأخرج ابن اسحق وابن حرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا ﴾ أي صاحبكم رسول الله ولكنه إليكم خاصة ﴿ وإذا خلوا إلى شياطينهم ﴾ ، من يهود الذين يأمرونهم بالتكذيب ﴿ قالوا إنا معكم ﴾ أي إنا على مثل ما أنتم عليه ﴿ إنما نحن مستهزئون ﴾ أي إنما نحن مستهزئون بالقوم، ونلعب بهم.

وأخرج ابن الأنباري عن اليماني أنه قرأ ﴿ وإذا لاقوا الذين آمنوا ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك في قوله: ﴿ وإذا خلوا ﴾ قال: مضوا.

واخرج ابن جرير عن ابن مسعود في قوله: ﴿ وإذا خلوا إلى شياطينهم ﴾ قال: رؤوسهم في الكفر.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ إذا خلوا إلي شياطينهم ﴾ قال: أصحابهم من المنافقين والمشركين.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ وإذا خلوا إلى شياطينهم ﴾ قال: إلى إخوانهم من المشركين، ورؤوسهم وقادتهم في الشر ﴿ قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون ﴾ يقولون: إنما نسخر من هؤلاء القوم ونستهزئ بهم.

وأخرج ابن المنذر عن أبي صالح في قوله: ﴿ الله يستهزئ بهم ﴾ قال: يقال: لأهل النار وهم في النار اخرجوا، وتُفْتَحُ لهم أبواب النار، فإذا رأوها قد فتحت أقبلوا إليها يريدون الخروج والمؤمنون ينظرون إليهم على الأرائك، فإذا انتهوا إلى أبوابها غلقت دونهم.

فذلك قوله: ﴿ الله يستهزئ بهم ﴾ ويضحك عليهم المؤمنون حين غلقت دونهم.

فذلك قوله: ﴿ فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون، على الأرائك ينظرون ﴾ [ المطففون: 3435] الآية.

وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود في قوله: ﴿ ويمدهم ﴾ قال: يملي لهم ﴿ في طغيانهم يعمهون ﴾ قال: في كفرهم يتمادون.

واخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ يعمهون ﴾ قال: يتمادون.

وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له أخبرني عن قوله عز وجل ﴿ يعمهون ﴾ قال: يلعبون ويترددون.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم.

أما سمعت قول الشاعر: أراني قد عمهت وشاب رأسي ** وهذا اللعب شين بالكبير وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ ويمدهم ﴾ قال: يزيدهم ﴿ في طغيانهم يعمهون ﴾ قال: يلعبون ويترددون في الضلالة.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ .

قال المفسرون: يعني: أبا بكر -  - وأصحابه (١) (٢) لَقِيتُه لقَاءً ولِقْيَاناً ولُقِيًّا (٣) (٤) الليث: وكل شيء استقبل شيئا أو صادفه فقد لقيه من الأشياء كلها (٥) وقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ ﴾ .

يقال: خَلاَ المكان يَخْلُو (٦) (٧) (٨) (٩) (١٠) (١١) (١٢) ﴿ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ  ﴾ و ﴿ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ ﴾ (١٣) ﴿ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ  ﴾ (١٤) وقال النحويون: معنى الآية: إذا انصرفوا من لقاء المؤمنين إلى شياطينهم، فدخلت (إلى) لدلالة (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) والشيطان كل متمرد عات من الجن والإنس (٢٠) ﴿ شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ  ﴾ .

واختلفوا في اشتقاقه: فقال الليث: الشيطان فَيْعَال من شَطَن أي: بعد، يقال: نَوى شَطُون (٢١) (٢٢) (٢٣) (٢٤) (٢٥) وقال رؤبة: شَافٍ لِبَغْي الكَلْبِ المُشَيْطِنِ (٢٦) فمعنى الشيطان: البعيد من الجنة.

وقال قوم: الشيطان فعلان من شاط يشيط إذا هلك واحترق، بوزن: هَيْمَان وعَيْمَان (٢٧) (٢٨) وقد يشيط على أرماحنا البطل (٢٩) قال أبو علي: هو (فَيْعَال) من شَطَن (٣٠) (٣١) لأن سيبويه قد حكى: (شيطن) (٣٢) نعلم أن (٣٣) (٣٤) (٣٥) والحجة القاطعة قول أمية: أيُّمَا شاطنٍ عصاهُ عكاهُ ...

ثُمَّ يُلْقَى في السِّجْنِ والأكْبَالِ (٣٦) فكما أن (شاطناً) فاعل، والنون لام، كذلك (شَيْطان) فَيْعَال، ولا بكون (فَعْلَان) من يَشِيط (٣٧) قال أبو إسحاق: ومعنى الشيطان: الغالي في الكفر المتبعد فيه من الجن والإنس (٣٨) قال ابن عباس: أراد بشياطينهم كبراءهم وقادتهم (٣٩) وقوله تعالى ﴿ إِنَّا مَعَكُمْ ﴾ .

(مع) كلمة تضم الشيء إلى الشيء، ونصبها كنصب الظروف؛ لأن تأويل قولك: (أنا معك): أنا مستقر معك، كما تقول: أنا خلفك (٤٠) وقوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ ﴾ .

(الهُزْءُ): السخرية، يقول: هَزِئَ به يَهْزَأُ (٤١) (٤٢) (٤٣) (١) لعل المؤلف هنا يثير إلى الأثر الطويل الذي أخرجه في (أسباب النزول) بسنده عن محمد بن مروان عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، والذي ورد فيه قصة لقاء عبد الله بن أبي ومعه طائفة من أصحابه بأبي بكر ومعه نفر من الصحابة ..

الأثر.

"أسباب النزول" للواحدي ص 25.

وأخرجه الثعلبي في "تفسيره" 1/ 51 أ، وأورده == السيوطي في "الدر المنثور" 1/ 69، وذكره في "لباب النقول" وقال: هذا الإسناد واهٍ جداً فإن السدي الصغير كذاب وكذا الكلبي وأبو صالح ضعيف ص 17.

وفي "تفسير الطبري"، عن ابن عباس المراد: أصحاب محمد، 1/ 129 - 130، وانظر "تفسير ابن كثير" 1/ 54.

(٢) في "الكشف" للثعلبي (فاشتقلت الضمة على (الياء) فنقلت إلى القاف، وسكنت، و (الواو) ساكنة فحذفت لاجتماعها) 1/ 51 أ، وانظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 169، "تفسير القرطبي" 1/ 179.

(٣) (ولقيا) ساقط من (ب).

(٤) "تهذيب اللغة" (لقى) 4/ 3290، وانظر كلام ابن السكيت في "إصلاح المنطق" ص 311.

قال أبو حيان: (سمع لـ (لقى) أربعة عشر مصدرًا)، "البحر" 1/ 62، "الدر المصون" 1/ 144.

(٥) "تهذيب اللغة" (لقى) 4/ 3290.

(٦) في (أ)، (ج): (مخلو) وأثبت ما في (ب).

(٧) في (ب): (يخلو خلاوة وخلاء).

(٨) في "التهذيب" قال الليث: خلا المكان والشيء يَخْلُو خُلْوَّا وخَلاَءً وأَخْلَى إذا لم يكن فيه أحد ولا شيء فيه، وهو خال.

"التهذيب" (خلا) 1/ 1073، وانظر "اللسان" (خلا) 2/ 1254، "القاموس" (خلا) ص 1280.

(٩) ذكره الأزهري عن اللحياني.

"التهذيب" (خلا) 1/ 1073.

(١٠) انظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 51 أ، "تهذيب اللغة" (خلا) 1/ 1073، "اللسان" (خلا) 2/ 1254، "القاموس" ص 1280.

(١١) هو النضر بن شميل بن خَرَشة بن يزيد التميمي، من أهل مرو، كان صاحب غريب وشعر، ورواية للحديث، من أصحاب الخليل بن أحمد، توفي سنة ثلاث ومائتين.

انظر ترجمته في: "إنباه الرواة" 3/ 348، "نزهة الألباء" ص 73، "وفيات الأعيان" 5/ 397، "إشارة إلى التعيين" ص 364.

(١٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 51 أ، وذكره الجوهري ولم ينسبه للنضر.

"الصحاح" (خلا) 6/ 2330، "اللسان" (خلا) 2/ 1254، وانظر: "تفسير الطبري" 1/ 131.

(١٣) وردت في سورة آل عمران: 52 قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ ﴾ الآية.

وفي سورة الصف: 14 ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ ﴾ الآية.

(١٤) انظر: "تأويل مشكل القرآن" ص 571.

(١٥) في (أ)، (ج) (الدلالة) وأثبت ما في (ب).

(١٦) في (ب): (الابتدار الانتهاء).

(١٧) في (ب): (فكانوا).

(١٨) في (ب): (فانصرفوا).

(١٩) (خلا) تتعدى بـ (إلى) وبـ (الباء) فإذا عديت بـ (إلى) كان معناها الانفراد في حاجة خاصة، وإذا عديت بـ (الباء) كان لها معنيان: أحدهما: ما سبق، والآخر: بمعنى السخرية به، فتعديتها بـ (إلى) أفصح، لأنه يخلو من الالتباس.

وبعضهم يجعل (إلى) في الآية بمعنى (مع)، وبعضهم يجعلها بمعنى (الباء)، وهذان ضعيفان عند بعض العلماء؛ لأن الحروف لا يجوز تحويلها عن معانيها إلا بحجة، وبعضهم قال: ضُمِّن (خلا) معنى (ذهبوا) و (انصرفوا) وهذا قول الكوفيين، وقد رجحه الواحدي والطبري وكثير من المفسرين؛ لأنه يُبقي (إلى) على معناها.

انظر: "تفسير الطبري" 1/ 131، و"تفسير أبن عطية" 1/ 174، "الدر المصون" 1/ 145، "مغني اللبيب" 1/ 75.

(٢٠) انظر: "مجاز القرآن" 1/ 32، "تفسير الطبري" 1/ 49، "تفسير الثعلبي" 1/ 15 ب.

(٢١) النوى: الدار، ويطلق على التحول من مكان إلى آخر.

"اللسان" (نوى) 15/ 347.

والكلام لأبي عبيد أدخله المؤلف في كلام الليث، قال في "التهذيب" (أبو عبيد: نوى شطون: أي بعيدة شَاطَّة، وقال الليث: غزوة شطون: أي بعيدة، وشَطَنَت الدار شُطُونا، إذا بعدت ...).

"التهذيب" (شطن) 2/ 1877.

(٢٢) في (ب): (وشطين الداري) ولفظ الداري بخط مخالف كبير.

(٢٣) في (ب): (شيطان).

(٢٤) في (ب): (شيطن).

(٢٥) في (ب): (صاب).

(٢٦) ورد الرجز في "ديوان رؤبة" ص165، "تهذيب اللغة" (شطن) 2/ 1877، "اللسان" (شطن) 4/ 2264، "البحر المحيط" 1/ 62.

وبهذا انتهى كلام الليث.

"تهذيب اللغة" (شطن) 2/ 1877، وانظر "تفسير الطبري" 1/ 49، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 83، "الحجة" لأبي علي2/ 22، "تفسير ابن عطية" 1/ 76، "تفسير الثعلبي" 1/ 51 ب، وقال أبو حيان: وهو قول البصريين.

"البحر المحيط" 1/ 62، "الدر المصون" 1/ 10.

(٢٧) في (ب) (عثمان) وفي "التهذيب" (غيمان) 2/ 1877.

(٢٨) الكلام بنصه في "التهذيب" (شطن) 2/ 1878، ونسب أبو حيان القول للكوفيين.

"البحر" 1/ 62، وانظر "تفسير الطبري" 1/ 49، "الحجة" 2/ 22، "تفسير ابن عطية" 1/ 76.

(٢٩) صدره: قد نخضب العير من مكنون فائله العير: حمار الوحش، الفائل: عرق يجرى من الجوف إلى الفخذ، ومكنون الفائل: الدم، يشيط: يهلك.

انظر (ديوان الأعشى) ص 149، "الحجة" لأبي علي 2/ 22، "شرح المفصل" 5/ 64، "البحر المحيط" 1/ 62، "تفسير القرطبي" 1/ 79.

(٣٠) في (ب): (شيطن).

(٣١) (الغيداق) الكريم، وولد الضب، والطويل من الخيل.

"القاموس" ص 914.

و (البيطار): الخياط.

"القاموس" ص 352.

(٣٢) في (ب) (شيطان).

(٣٣) في (ب) (لأن).

(٣٤) نص كلام أبي علي في "الحجة": (ألا ترى أن سيبويه حكى: شَيْطَنتُه فَتَشَيْطَن، فلو كان من يَشِيطُ لكان شَيْطَنَتُه (فَعْلَنْتُه)، وفي أنا لا نعلم هذا الوزن جاء في كلامهم ما يدلك أنه.

(فَيْعَلْتُه)، مثل: بَيْطَرتُه ومثل: هَيْنَم.

وفي قول أمية أيضا دلالة عليه، وهو قوله: ...) 2/ 22.

وانظر كلام سيبويه في "الكتاب" 3/ 217، 218.

(٣٥) الهينمة: (الصوت الخفي) "القاموس" ص1172.

(٣٦) البيت لأمية بن أبي الصلت يذكر سليمان -  - يقول: أيما شيطان عصى سليمان، عكاه: شده بالأكبال، وهي القيود ثم يلقى في السجن.

انظر "تفسير الطبري" 1/ 49، "الحجة" 2/ 22، "التهذيب" (شطن) 2/ 1878، (إعراب ثلاثين سورة) لابن خالويه ص 7، "تفسير ابن عطية" 1/ 76، "زاد المسير" 1/ 34، و"تفسير القرطبي" 1/ 79، "البحر المحيط" 1/ 62، "اللسان" (شطن) 4/ 2265، "الدر المصون" 1/ 10.

(٣٧) انتهى ما نقله عن أبي علي من "الحجة" 1/ 22، وقد نصر جمهور العلماء هذا الرأي وأن شيطان (فَيْعَال) من شَطن، منهم ابن جرير في "تفسيره" 1/ 49، والأزهري في "تهذيب اللغة" (شطن) 2/ 1878، وابن عطية في "تفسيره" 1/ 760.

قال السمين الحلبي: قال جمهورهم: هو مشتق من شَطَن يَشْطُن، أي بعد.

"الدر المصون" 1/ 10.

(٣٨) "معاني القرآن" 1/ 83.

(٣٩) أخرج ابن جرير بسنده عن السدي خبرا ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح عن ابن عباس.

وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب رسول الله  : أما شياطينهم: فهم رؤوسهم في الكفر.

وأخرج نحوه عن قتادة ومجاهد وغيرهم.

انظر: "تفسير الطبري" 1/ 130، وأخرج هذِه الآثار ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 47 - 48، وانظر "الدر" 1/ 69 - 70.

(٤٠) في (ب): (جعلك).

انظر "معاني القرآن" للزجاج 1/ 54، "تهذيب اللغة" (مع) 4/ 3417، "مغني اللبيب"1/ 333.

(٤١) في (ب): (هزاته يهزئ).

(٤٢) ذكره الأزهري عن الليث.

"التهذيب" (هزأ) 4/ 3755، "الصحاح" (هزأ) 1/ 84.

(٤٣) انظر: "الكشاف" 1/ 186، و"تفسير الرازي" 2/ 69، "لباب التفاسير" للكرماني 1/ 134 (رسالة دكتوراه).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ قالوا آمَنَّا ﴾ كذبوا خوفاً من المؤمنين ﴿ خَلَوْاْ إلى شياطينهم ﴾ هم رؤساء الكفر، وقيل: شياطن الجن، وهو بعيد.

وتعدّي خلا بإلى ضمن معنى مشوا وذهبوا أو ركنوا، وقيل: إلى بمعنى مع، أو بمعنى الباء وجه قولهم ﴿ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ ﴾ بجملة اسمية مبالغة وتأكيد، بخلاف قولهم: آمنا، فإنه جاء بالفعل لضعف إيمانهم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: و "من الناس" ممالة.

قرأ قتيبة ونصير في القرآن ما كان مكسوراً.

"من يقول" مدغمة النون والتنوين في الياء حيث وقعت: حمزة وعلي وخلف وورش من طريق النجاري.

"بمؤمنين" غير مهموز: أبو عمرو وغير شجاع ويزيد والأعشى وورش وحمزة في الوقف وكذلك ما أشبهها من الأسماء.

"وما يخادعون": أبو عمرو وابن كثير ونافع.

"فزادهم الله" وبابه مما كان ماضياً بالإمالة: حمزة ونصير وابن ذكوان من طريق مجاهد والنقاش بن الأخرم ههنا بالإمالة فقط.

"يكذبون" خفيفاً: عاصم وحمزة وعلي وخلف.

قيل ﴿ وغيض ﴾ ﴿ وجيء ﴾ بالإشمام: علي وهشام ورويس.

"السفهاء ألا" بهمزتين: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر.

"السفهاء ولا" بقلب الثانية واواً: أبو عمرو وسهل ويعقوب وابن كثير وأبو جعفر ونافع.

"السفهاء وألا" بقلب الأولى واواً.

روى الخزاعي وابن شنبوذ عن أهل مكة: وكذلك ما أشبهها مما اختلف الهمزتان فيها إلا أن تكون الأولى منهما مفتوحة مثل ﴿ شهداء إذ ﴾ ﴿ وجاء إخوة ﴾ وأشباه ذلك.

"مستهزءون" بترك الهمزة في الحالين: يزيد وافق حمزة في الوقف وكذلك ما أشبهها، وعن حمزة في الوقف وجهان: الحذف والتليين شبه الياء والواو.

"طغيانهم" حيث كان بالإمالة: قتيبة ونصير وأبو عمرو.

"بالهدى" وما أشبهها من الأسماء والأفعال من ذوات الياء بالإمالة: حمزة وعلي وخلف.

وقرأ أهل المدينة بين الفتح والكسر وإلى الفتح أقرب، وكذلك كل كلمة تجوز الإمالة فيها وذلك طبعهم وعادتهم.

الوقوف: "بمؤمنين" (م) لما مر في المقدمة الثامنة: "آمنوا" (ج) لعطف الجملتين المتفقتين مع ابتداء النفي.

"يشعرون" (ط) للآية وانقطاع النظم والمعنى، فإن تعلق الجار بما بعده.

"مرض" (لا) لأن الفاء للجزاء وكان تأكيداً لما في قلوبهم.

"مرضاً" (ج) لعطف الجملتين المختلفتين.

"يكذبون" (ه) في "الأرض" (لا) لأن "قالوا" جواب "إذا" وعامله.

"مصلحون" (ه) "لا يشعرون" (ه) "كما آمن السفهاء" (ط) للابتداء بكلمة التنبيه، ومن وصل فليعجل رد السفه عليهم "لا يعلمون" (5) "آمنا" (ج) لتبدل وجه الكلام معنى مع أن الوصل أولى لبيان حالتيهم المتناقضتين وهو المقصود "شياطينهم" (لا) لأن "قالوا" جواب "إذاً" "معكم" (لا) تحرزاً عن قول ما لا يقوله مسلم، وإن جاز الابتداء بإنما.

"مستهزءون" (ه) "يعمهون" (ه) "بالهدى" (ص) لانقطاع النفس ولا يلزم العود لأن ما بعده بدون ما قبله مفهوم "مهتدين" التفسير: وفيه مباحث: المبحث الأول: في قوله  ﴿ ومن الناس من يقول ﴾ الآية.

وفيه مسائل: الأولى: عن مجاهد قال: أربع آيات من أول هذه السورة نزلت في المؤمنين، وآيتان بعدها نزلتا في الكافرين، وثلاث عشرة بعدها نزلت في المنافقين.

فأقول: أحوال القلب أربع: الاعتقاد المطابق عن الدليل وهو العلم، والاعتقاد المطابق لا عن الدليل وهو اعتقاد المقلد المحق، والاعتقاد غير المطابق وهو الجهل، وخلو القلب عن كل ذلك.

وأحوال اللسان ثلاث: الإقرار والإنكار والسكوت.

كل منها بالاختيار أو بالاضطرار، فيحصل من التراكيب أربعة وعشرون قسماً فلنتكلم في الأحوال القلبية ونجعل البواقي تبعاً لها في الذكر.

(النوع الأول): العرفان القلبي إن انضم إليه الإقرار باللسان اختياراً فصاحبه مؤمن حقاً بالاتفاق، أو اضطراراً فهو منافق، لأنه لولا الخوف لما أقرّ، فهو بقلبه منكر مكذب وجوب الإقرار.

وإن انضم إليه الإنكار اضطراراً فهو مسلم لقوله  ﴿ إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان  ﴾ أو اختياراً فهو كافر معاند.

وإن انضم إليه السكوت اضطراراً فمسلم حقاً لأنه خاف، أو كما عرف مات فجأة فيكون معذوراً أو اختياراً فمسلم أيضاً عند الغزالي وعند كثير من الأئمة لقوله  "يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان" .

(النوع الثاني) الاعتقاد التقليدي إن وجد معه الإقرار اختياراً فهو المسألة المشهورة من أن المقلد مؤمن أم لا، والأكثرون على إيمانه.

أو اضطراراً فمنافق بالطريق الأولى كما مر في النوع الأول.

وإن وجد معه الإنكار اختياراً فلا شك في كفره، أو اضطراراً فمسلم عند من يحكم بإيمان المقلد.

وإن وجد معه السكوت اضطراراً فمسلم بناء على إسلام المقلد، أو ا اختياراً فكافر معاند.

(النوع الثالث): الإنكار القلبي مع الإقرار اللساني إن كان اضطراراً نفاق، وكذا اختياراً لأنه أظهر خلاف ما أضمر.

ومع الإنكار اللساني كفر كيف كان، وكذا مع السكوت.

(النوع الرابع): القلب الخالي عن جميع الاعتقادات مع الإقرار اللساني إن كان اختياراً، فإن كان صاحبه في مهلة النظر لم يلزمه الكفر لكنه فعل ما لا يجوز له حيث أخبر عما لا يدري أنه هل هو صادق فيه أم لا.

وإن كان لا في مهلة النظر ففيه نظر، أما إذا كان اضطرارياً فلا يكفر صاحبه لأن توقفه إذا كان في مهلة النظر وكان يخاف على نفسه من ترك الإقرار لم يكن عمله قبيحاً.

والقلب الخالي مع الإنكار اللساني كيف كان نفاق، والقلب الخالي مع اللسان الخالي إن كان في مهلة النظر فذلك هو الواجب، وإن كان خارجاً عن مهلة النظر وجب تكفيره ولا نفاق.

فظهر من التقسيم أن المنافق هو الذي لا يطابق ظاهره باطنه سواء كان في باطنه ما يضاد ظاهره أو كان باطنه خالياً عما يشعر به ظاهره، ومنه "النافقاء إحدى حجرة اليربوع يكتمها ويظهر غيرها" فإذا أتى من قبل القاصعاء ضرب النافقاء برأسه فانتفق أي خرج.

الثانية: زعم قوم أن الكفر الأصلي أقبح من النفاق، لأن الكافر جاهل بالقلب كاذب باللسان، والمنافق جاهل بالقلب صادق باللسان.

وقال الآخرون: المنافق أيضاً كاذب باللسان لأنه يخبر عن كونه على ذلك الاعتقاد مع أنه ليس عليه.

قال عز من قائل: ﴿ والله يشهد إن المنافقين لكاذبون  ﴾ وأيضاً إنه قصد التلبيس والكافر الأصلي لا يقصد ذلك.

وأيضاً الكافر الأصلي على طبع الرجال، والمنافق على طبيعة الخنائي.

وأيضاً الكافر ما رضي لنفسه بالكذب بل استنكف منه، والمنافق رضي بالكذب.

وأيضاً المنافق ضم إلى الكفر الاستهزاء والخداع دون الكافر الأصلي، ولغلظ كفر المنافقين قال الله  : ﴿ إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار  ﴾ ووصف حال الكفار في آيتين وحال المنافقين في ثلاث عشرة آية، نعى عليهم فيها خبثهم ونكرهم وفضحهم وسفههم واستجهلهم واستهزأ بهم وتهكم بفعلهم وسجل بطغيانهم وعمههم ودعاهم صماً بكماً عمياً وضرب لهم الأمثال الشنيعة.

الثالثة: قصة المنافقين عن آخرها معطوفة على قصة "الذين كفروا" كما تعطف الجملة على الجملة.

وأصل ناس أناس بدليل إنسان وإنس وأناسي.

حذفت الهمزة تخفيفاً، مع لام التعريف كاللازم.

وقوله "إن المنايا يطلعن على الإناس الآمنينا" قليل.

ونويس من المصغر الآتي على خلاف مكبره كأنيسيان.

سموا بذلك لظهورهم وأنهم يؤنسون أي يبصرون كما سمي الجن لاجتنانهم.

ووزن ناس فعال لأن الزنة على الأصول كما يقال وزن ق أفعل وهو اسم جمع كرخال للأنثى من أولاد الضأن.

وأما الذي مفرده رخل بكسر الراء فرخال بكسر الراء.

"ومن" في "من يقول" موصوفة إن جعلت اللام في الناس للجنس كقوله ﴿ من المؤمنين رجال  ﴾ ليكون معنى الكلام أن في جنس الإنس طائفة كيت وكيت، فيعود فائدة الكلام إلى الوصف.

وإن لم يكن مفيداً من حيث الحمل لأن الطائفة الموصوفة تكون لا محالة من الناس، ولا يجوز أن تكون "من" موصولة حينئذ، لأن الصلة تكون جملة معلومة الانتساب إلى الموصول فتبطل فائدة الوصف، فيبقى الكلام غير مفيد رأساً.

وإن جعلت اللام للعهد فمن تكون موصولة نحو ﴿ ومنهم الذين يؤذون النبي  ﴾ وتكون اللام إشارة إلى الذين كفروا لما ذكرهم، ولا يجوز أن تكون "من" موصوفة إذ ذاك، لأن فائدة الكلام تعود إلى الوصف أيضاً، ولكن لا يجاوبه نظم الكلام إذ يصير المعنى أن من المختوم على قلوبهم طائفة يقولون كيت وكيت وما هم بمؤمنين.

ومن البين أن مدلول قوله "وما هم بمؤمنين" معلوم من حال المطبوع على قلوبهم فيقع ذكره ضائعاً، والضمير العائد إلى "من" يكون موحداً تارة باعتبار اللفظ نحو ﴿ ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة  ﴾ ومجموعاً أخرى باعتبار المعنى مثل ﴿ ومنهم من يستمعون إليك  ﴾ وقد اجتمع الاعتباران في الآية في "يقول" و "آمنا".

وإنما اختص بالذكر الإيمان بالله والإيمان باليوم الآخر لأنهما قطرا الإيمان، ومن أحاط بهما فقد حاز الإيمان بحذافيره.

وفي تكرير الباء إيذان بأنهم ادعوا كل واحد من الإيمانين على صفة الصحة والاستحكام.

فإن قلت: إن كان هؤلاء المنافقون من المشركين فظاهر عدم إيمانهم بالله واليوم الآخر، وإن كانوا من اليهود فكيف يصح ذلك؟

قلت: إيمان اليهود بالله ليس بإيمان لقولهم "عزير ابن الله" وكذلك إيمانهم باليوم الآخر لأنهم يعتقدونه على خلاف صفته.

فقولهم هذا لو صدر عنهم لا على وجه النفاق بل على عقيدتهم فهو كفر لا إيمان.

فإذا قالوه على وجه النفاق خديعة واستهزاء وتخييلاً للمسلمين أنهم مثلهم في الإيمان الحقيقي كان خبثاً إلى خبث وكفراً إلى كفر.

والمراد باليوم الآخر إما طرف الأبد الذي لا ينقطع لأنه متأخر عن الأوقات المنقضية، أو الوقت المحدود من النشور إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، لأنه آخر الأوقات المحدودة التي لا حد للوقت بعده.

فإن قلت: كيف طابق قوله "وما هم بمؤمنين" قولهم "آمنا" والأول في ذكر شأن الفعل لا الفاعل، والثاني بالعكس؟

قلت: لما أتوا بالجملة الفعلية ليكون معناها أحدثنا الدخول في الإيمان لتروج دعواهم الكاذبة، جيء بالجملة الأسمية ليفيد نفي ما انتحلوا إثباته لأنفسهم على سبيل ألبت والقطع وأنهم ليس لهم استئهال أن يكونوا طائفة من طوائف المؤمنين، فكان هذا أوكد وأبلغ من أن يقال: إنهم لم يؤمنوا.

ونظير الآية قوله  ﴿ يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها  ﴾ .

ثم إن قوله "وما هم بمؤمنين" يحتمل أن يكون مقيداً وترك لدلالة التقييد في "آمنا".

ويحتمل الإطلاق أي أنهم ليسوا من الإيمان في شيء قط، لا من الإيمان بالله وباليوم الآخر ولا من الإيمان بغيرهما.

البحث الثاني: في قوله ﴿ يخادعون الله ﴾ إلى ﴿ يكذبون ﴾ .

أعلم أن الله ذكر من قبائح أفعال المنافقين أربعة أشياء: أحدها المخادعة وأصلها الإخفاء، ومنه سميت الخزانة المخدع.

والأخدعان عرفان في العنق خفيان.

وخدع الضب خدعاً إذا توارى في جحره فلم يظهر إلا قليلاً.

والخديعة مذمومة لأنها إظهار ما يوهم السداد والسلامة وإبطان ما يقتضي الإضرار بالغير أو التخلص منه، فهي بمنزلة النفاق في الكفر والرياء في الأفعال الحسية.

فإن قيل: مخادعة الله والمؤمنين لا تصح لأن العالم الذي لا يخفى عليه خافية لا يخدع، والحكيم الحليم الذي لا يفعل القبيح لا يخدع، والمؤمنين وإن جاز أن يخدعوا كما قال ذو الرمة: تلك الفتاة التي علقتها عرضاً *** إن الحليم ذا الإسلام يختلب لم يجز أن يخدعوا.

قلنا: كانت صورة صنعهم مع الله - حيث يتظاهرون بالإيمان وهم كافرون - صورة صنع الخادعين، وصورة صنع الله معهم - حيث أمر بإجراء أحكام المسلمين عليهم وهم عنده أهل الدرك الأسفل من النار - صورة صنع الخادع، وكذلك صورة صنع المؤمنين معهم - حيث امتثلوا أمر الله فيهم فأجروا أحكامه عليهم.

ويحتمل أن يكون ذلك ترجمة عن معتقدهم وظنهم أن الله ممن يصح خداعه، لأنه من كان ادعاؤه الإيمان بالله تعالى نفاقاً لم يكن عارفاً بالله ولا بصفاته، فلم يبعد من مثله تجويز أن يكون الله مخدوعاً ومصاباً بالمكروه من وجه خفي، أو تجويز أن يدلس على عباده ويخدعهم.

ويحتمل أن يذكر الله ويراد الرسول لأنه خليفته والناطق بأوامره ونواهيه مع عباده ﴿ إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله  ﴾ .

ويحتمل أن يكون من قولهم "أعجبني زيد وكرمه" فيكون المعنى يخادعون الذين آمنوا بالله، وفائدة هذه الطريقة قوة الاختصاص.

ولما كان المؤمنون من الله بمكان سلك بهم هذا المسلك ومثله ﴿ والله ورسوله أحق أن يرضوه  ﴾ { ﴿ إن الذين يؤذون الله ورسوله  ﴾ وقولهم "علمت زيداً فاضلاً" الغرض ذكر الإحاطة بفضل زيد، لأن زيداً كان معلوماً له قديماً كأنه قيل: علمت فضل زيد ولكن ذكره توطئة وتمهيداً.

ووجه الاختصار بخادعت على واحد أن يقال: عني به فعلت إلا أنه أخرج في زنة "فاعلت" لأن الزنة في أصلها للمغالبة والمباراة، والفعل متى غولب فيه فاعله جاء أبلغ وأحكم منه إذا زاوله وحده من غير مغالب ولا مبار لزيادة قوة الداعي إليه.

"ويخادعون" بيان ليقول، ويجوز أن يكون مستأنفاً كأن قيل: ولم يدعون الإيمان كاذبين؟

فقيل: يخادعون.

وكان غرضهم من الخداع الدفع عن أنفسهم أحكام الكفار من القتل والنهب وتعظيم المسلمين إياهم وإعطائهم الحظوظ من المغانم واطلاعهم على أسرار المسلمين لاختلاطهم بهم.

والسؤال الذي يذكر ههنا من أنه  لم أبقى المنافق على حاله من النفاق ولم يظهر أمره حتى لا يصل من أغراض الخداع إلى ما وصل؟

وأرد على استبقاء الكفار وسائر أعداء الدين، بل على استبقاء إبليس وذريته وتنحل العقدة في الجميع بما سلف لنا من الحقائق ولا سيما في تفسير قوله  ﴿ ختم الله على قلوبهم  ﴾ وقراءة من قرأ ﴿ وما يخادعون إلا أنفسهم  ﴾ أي وما يعاملون تلك المعاملة المضاهية لمعاملة المخادعين إلا أنفسهم، لأن مكرهاً يحيق بهم ودائرتها تدور عليهم لأن الله  يدفع ضرر الخداع عن المؤمنين ويصرفه إليهم كقوله ﴿ إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم  ﴾ ويحتمل أن يراد حقيقة المخادعة لأنهم يخدعون أنفسهم حيث يمنونها الأباطيل، وأنفسهم أيضاً تمنيهم وتحدثهم بالأكاذيب.

وأن يراد "وما يخدعون" فجيء به على لفظ يفاعلون للمبالغة.

والنفس ذات الشيء وحقيقته ولا يختص بالأجسام لقوله  ﴿ تعلم ما في نفسي  ﴾ والشعور علم الشيء علم حس ومشاعر الإنسان حواسه.

والمعنى أن لحوق ضرر ذلك بهم كالمحسوس، وهم لتمادي غفلتهم كالذي لا حس له.

والمرض حالة توجب وقوع الخلل في الأفعال الصادرة عن موضوعها، واستعمال المرض في القلب يجوز أن يكون حقيقة بأن يراد الألم كما تقول: في جوفه مرض.

ومجازاً بأن يستعار لبعض أعراض القلب كسوء الاعتقاد والغل والحسد والميل إلى المعاصي، فإن صدورهم كانت تغلي على الرسول  والمؤمنين غلاً وحنقاً { ﴿ وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ  ﴾ وناهيك بما كان من ابن أبي، وقول سعد بن عبادة لرسول له  اعف عنه يا رسول الله واصفح، فوالله لقد أعطاك الله الذي أعطاك، ولقد اصطلح أهل هذه البحيرة أن يعصبوه بالعصابة - وذلك شيء منظوم بالجواهر شبه التاج - أي يجعلوه ملكاً، فلما رد الله ذلك بالحق الذي أعطاكه شرق بذلك.

أو يراد ما يداخل قلوبهم من الضعف والخور لأنهم كانوا يطمعون أن ريح الإسلام تهب حيناً ثم تركد، فكانت تقوى قلوبهم بذلك الطمع.

فلما شاهدوا شوكة المسلمين وإعلاء كلمة الحق وما قذف الله في قلوبهم من الرعب ضعفت جبناً وخوراً.

ومعنى زيادة الله إياهم مرضاً أنه كلما أنزل على رسوله الوحي فكفروا به ازدادوا كفراً إلى كفرهم، فأسند الفعل إلى المسبب له كما أسند إلى السورة في قوله ﴿ فزادتهم رجساً إلى رجسهم  ﴾ وهذا كما قال الحكيم: البدن الغير النقي كلما فدوته زدته شراً.

وكلما زاد رسوله نصرة وتبسطاً ازدادوا حسداً وبغضاً.

ويحتمل أن يراد بزيادة المرض الطبع، ويحتمل أن يقال: الغل والحسد قد يفضي إلى تغير مزاج القلب ويؤدي إلى تلف صاحبه كقوله: اصبر على مضض الحسو *** د فإن صبرك قاتله النـــــــار تأكــــل نفســـــها *** إن لم تجد ما تأكلـه فإفضاء صاحبه إلى الهلاك هو المعني بالزيادة.

والأليم الوجيع.

ووصف العذاب به على طريقة قولهم "جد جده" والألم بالحقيقة للمؤلم كما أن الجد للجاد.

والمراد بكذبهم قولهم ﴿ آمنا بالله وباليوم الآخر ﴾ .

وفي ترتب الوعيد على الكذب دليل على قبح الكذب وسماجته.

وما يروى عن إبراهيم  أنه كذب ثلاث كذبات أحدها قوله ﴿ إني سقيم  ﴾ وثانيها قوله لسارة حين أراد أن يغصبها ظالم "إنها أختي" وثالثها قوله ﴿ بل فعله كبيرهم هذا  ﴾ فالمراد التعريض "إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب" ولكن لما كانت صورته صورة الكذب سمي به.

والكذب الإخبار بالشيء على خلاف ما هو به، وقد يعتبر فيه علم المخبر بكون المخبر عنه مخالفاً للخبر، والصدق نقيضه.

وقراءة من قرأ "يكذبون" بالتشديد إما من كذبه الذي هو نقيض صدقه، وإما من كذب الذي هو مبالغة في كذب كما بولغ في صدق فقيل "صدق" نحو: بان الشيء وبين الشيء ومنه قوله: قد بين الصبح لذي عينين *** أو بمعنى الكثرة نحو "موتت البهائم"، أو من قولهم "كذب الوحشي إذا جرى شوطاً ثم وقف لينظر ما وراءه" لأن المنافق متوقف متردد في أمره مذبذب بين ذلك.

وقال  : "مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين تعير إلى هذه مرة وإلى هذه مرة" وما في قوله "بما كانوا" مصدرية أي بكذبهم، وكان مقحمة لتفيد الثبوت والدوام أي بسبب أن هذا شأنهم وهجيراهم.

البحث الثالث: في قوله  ﴿ وإذا قيل لهم لا تفسدو في الأرض ﴾ إلى قوله }ولكن لا يشعرون}.

هذا هو النوع الثاني من قبائح أفعال المنافقين.

فقوله "وإذا قيل" إما معطوف على "كانوا يكذبون" أي ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون وبما كانوا إذا قيل لهم كذا قالوا كذا، وإما على "يقول" أي ومن الناس من إذا قيل له.

ويحتمل أن يقال الواو للاستئناف، وإسناد "قيل" إلى "لا تفسدوا" و "آمنوا" ليس من إسناد الفعل إلى الفعل فإنه لا يصح، ولكنه إسناد إلى لفظ الفعل.

أي وإذا قيل لهم هذا القول نحو: زعموا مطية الكذب.

والقائل لهم إما النبي  إذا بلغه عنهم النفاق ولم يقطع بذلك نصحهم فأجابوا بما يحقق إيمانهم وأنهم في الصلاح، وإما بعض من كانوا يلقون إليه الفساد كان لا يقبل منهم ويعظمهم، وإما بعض المؤمنين، ولا يجوز أن يكون القائل ممن لا يختص بالدين.

والفساد خروج الشيء عن أن يكون منتفعاً به، ونقيضه الصلاح وهو الحصول على الحالة المستقيمة النافعة.

عن ابن عباس والحسن وقتادة والسدي أن المراد بالإفساد المنهي عنه إظهار معصية الله  ، فإن الشرائع سنن موضوعة بين العباد، فإذا تمسك الخلق بها زال العدوان ولزم كل أحد شأنه، فحقنت الدماء وضبطت الأموال وحفظت الفروج وكان ذلك صلاح الأرض وأهلها.

وأما إذا أهملت الشريعة وأقدم كل واحد على ما يهواه، اشتعلت نوائر الفتن من كل جانب، وحدثت المفاسد.

وقيل: هو مداراة المنافقين الكافرين ومخالطتهم إياهم لأنهم إذا مالوا إلى الكفار مع أنهم في الظاهر مؤمنون، أوْهَمَ ذلك ضعف أمر النبي  وأصحابه فيصير سبباً لطمع الكفار في المؤمنين، فتهيج الفتن والحروب.

وقيل: كانوا يدعون في السر إلى تكذيبه ويلقون الشبه ويفشون أسرار المؤمنين، ولما نهوا عن الإفساد في الأرض كان قولهم "إنما نحن مصلحون" كالمقابل له.

فههنا احتمالات: أحدها: أنهم اعتقدوا في دينهم أنه هو الصواب وكان سعيهم لأجل تقوية ذلك الدين، فزعموا أنهم مصلحون.

وثانيها: إذا فسر الإفساد بموالاتهم الكافرين أن يكون مرادهم أن الغرض من تلك الموالاة هو الإصلاح بين المسلمين كقولهم فيما حكى الله  ﴿ إن أردنا إلا إحساناً وتوفيقاً  ﴾ وثالثها: أن يكون المراد إنكار إذاعة أسرار المسلمين ونسبة أنفسهم إلى الاستقامة والسداد، وجيء بأداة القصر دلالة على أن صفة المصلحين خلصت لهم وتمحضت، أي حالنا مقصورة على الإصلاح لا تتعداه إلى غيره.

"وألا" مركبة من همزة الاستفهام وحرف النفي، فيفيد التنبيه على تحقيق ما بعدها كقوله  ﴿ أليس ذلك بقادر  ﴾ ولإفادتها التحقيق لا تكاد تقع الجملة بعدها إلا مصدرة بنحو ما يتلقى به القسم.

وأختها التي هي "أما" من مقدمات اليمين وطلائعها.

قال: أما والذي أبكى وأضحك والذي *** أمات وأحيا والذي أمره الأمر رد الله ما ادعوه من الانضمام في زمرة المصلحين أبلغ رد من جهة الاستئناف، فإن ادعاءهم ذلك مع توغلهم في الفساد مما يشوق السامع أن يعرف ما حكمهم، فرد الله عليهم.

وكان وروده بدون الواو هو المطابق، ومن جهة ما في "ألا" وفي "أن" من التأكيد، ومن قبيل تعريف الخبر وتوسيط الفصل وقوله "لا يشعرون".

البحث الرابع: في قوله ﴿ وإذا قيل لهم آمنوا ﴾ الآية.

هذا هو النوع الثالث من قبائح أفعال المنافقين، وذلك أن المؤمنين أتوهم في النصيحة من وجهين: أحدهما: تقبيح ما كانوا عليه مما يجرّ إلى الفساد والفتنة، والثاني: دعوتهم إلى الطريقة المثلى من اتباع ذوي الأحلام.

وبعبارة أخرى أمرهم أولاً بالتخلية عما لا ينبغي، وثانياً بالتحلية بما ينبغي لأن كمال حال الإنسان في هاتين.

وكان من جوابهم فيما بينهم أو للقائل أن سفهوهم لتمادي سفههم، وفي هذا تسلية للعالم إذا لم يعرف حقه الجاهل.

وإذا أتتك مذمتي من ناقص *** فهي الشهادة لي بأني كامل وما في "كما" يجوز أن تكون كافة تصحح دخول الجار على الفعل وتفيد تشبيه مضمون الجملة بالجملة كقولك: يكتب زيد كما يكتب عمرو، أو زيد صديقي كما عمرو أخي.

ويجوز أن تكون مصدرية مثلها في ﴿ بما رحبت  ﴾ واللام في الناس للعهد أي كما آمن الرسول  ومن معه وهم ناس معهودون أي ليكن إيمانكم ثابتاً كما أن إيمان هؤلاء ثابت، أو ليحصل إيمانكم كحصول إيمان هؤلاء، أو آمنوا كما آمن عبد الله بن سلام وأتباعه لأنهم من جلدتهم أي كما آمن أصحابكم.

ويحتمل أن تكون للجنس أي كما آمن الكاملون في الإنسانية من الإقرار اللساني الناشئ عن الاعتقاد القلبي، أو جعل المؤمنون كأنهم الناس ومن عداهم كالنسناس في عدم التمييز بين الحق والباطل.

والاستفهام في "أنؤمن" في معنى الإنكار، واللام في "السفهاء" مشار بها إلى الناس كقولك لصاحبك: إن زيداً قد سعى بك.

فتقول: أوقد فعل السفيه؟

أو للجنس وينطوي تحته الجاري ذكرهم على زعمهم لأنهم عندهم أعرق الناس في السفه وهو ضد الحلم، وأصله الخفة والحركة يقال: تسفهت الريح الشجر إذا مالت به، قال ذو الرمة: جرين كما اهتزت رماح تسفهت *** أعاليها مر الرياح النواسم وإنما سفهو المؤمنين مع رجحان عقول أهل الإيمان، لأنهم لجهلهم وإخلالهم بالنظر الصحيح اعتقدوا أن ما هم فيه هو الحق، ولأنهم كانوا في رياسة وثروة وكان أكثر المؤمنين فقراء ومنهم موالٍ كصهيب وبلال وخباب، فدعوهم سفهاء تحقيراً لشأنهم كما قال قوم نوح { ﴿ وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا  ﴾ أو أرادوا عبد الله بن سلام وأشياعه لما غاظهم من إسلامهم وفتَّ في أعضائهم.

عن أنس "أنه سمع عبد الله بن سلام بمقدم رسول الله  وهو في أرض مخترف، فاتى النبي  فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي.

فما أوّل أشراط الساعة؟

وما أول طعام أهل الجنة؟

وما ينزع الولد إلى أبيه أو إلى أمه؟

قال  :أخبرني بهن جبريل آنفاً.

أما أول أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد حوت.

وإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الوالد، وإذا سبق ماء المرأة نزعت.

قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله يا رسول الله، إن اليهود قوم بهت وإنهم إن يعلموا بإسلامي قبل أن تسألهم بهتوني.

فجاءت اليهود فقال: أي رجل عبد الله فيكم؟

قالوا: خيرنا وابن خيرنا وسيدنا وابن سيدنا.

قال: أرأيتم إن أسلم عبد الله بن سلام.

قالوا: أعاذه الله من ذلك.

فخرج عبد الله فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.

فقالوا: شرنا وابن شرنا فانتقصوه.

قال: هذا الذي كنت أخاف يا رسول الله" .

ثم إن الله  ألقى عليهم هذا اللقب مقروناً بالمؤكدات التي بيناها في قوله "ألا إنهم هم المفسدون" وذلك أن من أعرض عن الدليل ثم نسب المتمسك به إلى السفه فهو السفيه، وكذا من باع آخرته بدنياه.

قال  : "الكيِّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت" وأيضاً من السفه معاداة المحمديين ﴿ يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم  ﴾ .

كالطود يحقر نطحة الأوعال *** إنما فصلت هذه الآية "بلا يعلمون" والتي قبلها "بلا يشعرون" لأن الوقوف على أن المؤمنين على الحق وهم على الباطل أمر عقلي نظري، وأما النفاق وما يؤول إليه من الفساد في الأرض فأمر دنيوي مبني على العادات، وخصوصاً عند العرب في جاهليتهم.

وما كان قائماً بينهم من التحارب والتجاذب فهو كالمحسوس المشاهد، ولأنه قد ذكر السفه وهو جهل فكان ذكر العلم معه أحسن طباقاً له.

البحث الخامس: في قوله ﴿ وإذا لقوا الذين آمنوا ﴾ الآيات.

هذا هو النوع الرابع من قبائح أفعالهم، والفرق بين هذه الآية وبين قوله "ومن الناس من يقول آمنا" أن تلك في بيان مذهبهم والترجمة عن نفاقهم، وهذه في بيان معاملتهم مع المؤمنين من التكذيب لهم والاستهزاء بهم.

عن ابن عباس: نزلت هذه الآية في عبد الله بن أبي وأصحابه، وذلك أنهم خرجوا ذات يوم فاستقبلهم نفر من أصحاب رسول الله  فقال عبد الله بن أبي: انظروا كيف أرد هؤلاء السفهاء عنكم.

فذهب فأخذ بيد أبي بكر فقال: مرحباً بالصديق سيد بني تيم وشيخ الإسلام وثاني رسول الله  في الغار، الباذل نفسه وماله، ثم أخذ بيد عمر فقال: مرحباً بسيد بني عدي بن كعب الفاروق القوي في دين الله الباذل نفسه وماله لرسول الله، ثم أخذ بيد علي  فقال: مرحباً بابن عم رسول الله وختنه سيد بني هاشم ما خلا رسول الله.

ثم افترقوا فقال عبد الله لأصحابه: كيف رأيتموني فعلت، فإذا رأيتموهم فافعلوا كما فعلت، فأثنوا عليه خيراً.

فرجع المسلمون إلى النبي  وأخبروه بذلك فنزلت.

ويقال: لقيته ولاقيته إذا استقبلته قريباً منه.

وخلوت بفلان وإليه إذا انفردت معه، ويجوز أن يكون من خلال بمعنى مضى، وخلاك ذم أي عداك ومضى عنك، ومنه القرون الخالية، أو من خلوت به إذا سخرت منه وهو من قولك "خلا فلان بعرض فلان" عبث به، ومعناه إذا أنهوا السخرية بالمؤمنين إلى شياطينهم وحدثوهم بها كما تقول: أحمد إليك فلاناً أو أذمه إليك أي أنهي إليك حمدي لفلان أو ذمي.

وعن ابن عباس: إني أحمد إليك عسل الإحليل أي أعلمكم أنه أمر محمود.

وشياطينهم رؤساؤهم وأكابرهم الذين ماثلوا الشياطين في تمردهم.

وهم إما أكابر المنافقين فالقائلون.

إنا معكم أي مصاحبوكم وموافقوكم على أمر دينكم أصاغرهم، وإما أكابر الكافرين فالقائلون يحتمل أن يكون جميع المنافقين.

وإنما فسرنا الشياطين بالرؤساء لأنهم هم القادرون على الإفساد في الأرض، وإنما خاطبوا المؤمنين بأضعف الجملتين وهي الفعلية، وشياطينهم بأقواهما أعني الاسمية المحققة بان لأنهم في ادعاء حدوث الإيمان الناشئ عن صميم القلب منهم لا في ادعاء أنهم أوحديون في الإيمان كاملون، إما لأن أنفسهم لا تساعدهم عليه وهكذا كل قول لم يصدر عن صدق رغبة وباعث داخلي، وإما لأنه لا يروج عنهم لو قالوه على وجه التوكيد وهم بين ظهراني المهاجرين والأنصار القائلين "ربنا إننا آمنا" وإما مخاطبة إخوانهم فعن وفور نشاط ورغبة وفي حيز القبول والرواج فكان مظنة للتحقيق ومئنة للتوكيد، وإنما فقد العاطف بين قوله "إنا معكم" وبين قوله "إنما نحن مستهزءون" الأوّل معناه الثبات على الكفر، والثاني ردّ للإسلام.

لأن المستهزئ بالشيء منكر له دافع، ودفع نقيض الشيء إثبات وتأكيد للشيء.

أو لأن الثاني بدل منه لأن من حقر الإسلام فقد عظم الكفر، أو لأنه استئناف كأنه قيل: ما بالكم إن صح أنكم معنا توافقون أهل الإسلام؟

فقالوا: إنما نحن مستهزءون.

والاستهزاء السخرية والاستخفاف، وأصله الخفة من الهزء وهو القتل السريع.

ثم إن الله  أجابهم بأشياء: أحدها قول الله "يستهزئ بهم" وهو استئناف في غاية الجزالة والفخامة، كأنه سئل ما مصير أمرهم وعقبى حالهم؟

فقيل: الله يستهزئ بهم.

وفي الالتفات من الحكاية إلى المظهر، أن الله عز وجل هو الذي يستهزئ بهم الاستهزاء الأبلغ الذي استهزاؤهم بالنسبة إلى ذلك كالعدم.

وفي تخصيص الله بالذكر مع قرينة أن المؤمنين هم الذين استهزئ بهم دلالة على أن الله هو الذي يتولى الاستهزاء بهم انتقاماً للمؤمنين، ولا يحوج المؤمنين أن يعارضوهم باستهزاء مثله.

فإن قيل: الاستهزاء جهالة ﴿ قالوا أتتخذنا هزواً قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين  ﴾ فما معنى استهزاء الله بهم؟

قلنا: معناه إنزال الهوان والحقارة بهم وهو المقصد الأقصى للمستهزئ، أو سمي جزاء الاستهزاء استهزاء مثل ﴿ فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم  ﴾ أو عاملهم الله معاملة المستهزئ في الدنيا لأنه كان يطلع الرسول على أسرارهم مع كونهم مبالغين في إخفائها، وفي الآخرة على ما روي عن ابن عباس: إذا دخل المؤمنون الجنة والكافرون النار، فتح الله من الجنة باباً على الجحيم في الموضع الذي هو مسكن المنافقين، فإذا رأى المنافقون الباب مفتوحاً أخذوا يخرجون من الجحيم ويتوجهون إلى الجنة - وأهل الجنة ينظرون إليهم - فإذا وصلوا إلى باب الجنة فهناك يغلق دونهم الباب فذلك قوله  { ﴿ فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون على الأرائك ينظرون  ﴾ فهذا هو الاستهزاء، وإنما لم يقل الله مستهزئ ليكون طبقاً لقوله "إنما نحن مستهزءُون" لأن المراد تجدد الاستهزاء بهم وقتاً بعد وقت، وهكذا كانت نكايات الله فيهم ونزول الآيات في شأنهم { ﴿ أو لايرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين  ﴾ ﴿ يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزءوا إن الله مخرج ما تحذرون  ﴾ وثانيها قوله و"ويمدهم في طغيانهم" هو من مد الجيش أمده إذا زاده وألحق به ما يقوّيه، وكذلك مد الدواة والسراج زادهما ما يصلحهما.

وإنما قلنا: إنه من المدد لا من المد في العمر والإمهال لقراءة نافع في موضع آخر ﴿ وإخوانهم يمدونهم في الغي  ﴾ على أن الذي بمعنى أمهله إنما هو مد له مع اللام كأملى له قاله في الكشاف، وهو مخالف لنقل الجوهري مده في غيه أي أمهله.

والطغيان الغلو في الكفر ومجاوزة الحد في العتوّ، ومعنى مدد الله  إياهم في الطغيان يعرف من تفسير ﴿ ختم الله على قلوبهم ﴾ وقد يوجه بأنه لما منعهم ألطافه التي منحها المؤمنين بقيت قلوبهم يتزايد الرين والظلمة فيها تزايد الانشراح والنور في صدور المؤمنين، فسمي ذلك التزايد مدداً.

أو بأنه لم يقسرهم، أو بأنه أسند فعل الشيطان إلى الله  لأنه بتمكينه وإقداره، ولا يخفى ما في هذا التوجيه من التكلف، لأنه انتهاء الكل إلى مسبب الأسباب.

ومن هذا القبيل ما قيل: إن النكتة في إضافة الطغيان إليهم هي أن يعلم أن التمادي في الضلالة مما اقترفته أنفسهم، وأن الله بريء منه، فإن الانتهاء إلى الله  لما كان ضرورياً فكيف يتبرأ من ذلك؟

"ويعمهون" في موضع الحال.

والعمه كالعمى، إلا أن العمى في البصر وفي الرأي، والعمه في الرأي خاصة وهو التحير والتردد لا يدري أين يتوجه.

وثالثها: قوله ﴿ أولئك الذي اشتروا الضلالة بالهدى ﴾ أي اختاروها عليه واستبدلوها به، وهذه استعارة لأن الاشتراء فيه إعطاء بدل وأخذ آخر قال أبو النجم: أخذت بالجمـة رأســـاً أزعرا *** وبالثنايا الواضحات الدردرا وبالطويل العمر عمراً جيدراً *** كما اشترى المــلم إذ تنصرا وعن وهب قال الله  فيما يعيب به بني إسرائيل: تفقهون لغير الدين، وتعلمون لغير العمل، وتبتاعون الدنيا بعمل الآخرة.

جعلوا لتمكنهم من الهدى بحسب الفطرة الإنسانية الشخصية كأنه في أيديهم، فتركوه واستبدلوا به الضلالة وهي الجور عن القصد وفقد الاهتداء.

وفي المثل "ضل دريص نفقة" أي جحره، والدرص ولد الفأرة ونحوها، يضرب لمن يعيا بأمره.

فاستعيرت الضلالة للذهاب عن الصواب في الدين.

والربح الفضل على رأس المال، والتجارة مصدر وإنما أسند الخسران إليها وهو لصاحبها إسناداً مجازياً لملابسة التجارة بالمشترين.

وقد يقال: ربح عبدك وخسرت جاريتك مجازاً إذا دلت الحال.

ولما ذكر الله  شراء الضلالة بالهدى مجازاً أتبعه ما يشاكله ويواخيه من الربح والتجارة لتكون الاستعارة مرشحة كقوله: ولما رأيت النسر عز ابن دأية *** وعشش في وكريه جاش له صدري لما شبه الشيب بالنسر، والشعر الفاحم بالغراب، أتبعه ذكر التعشيش والوكر.

"وما كانوا مهتدين" لطرق التجارة لأن مطلوب التاجر في متصرفاته شيئان: سلامة رأس المال والربح.

وهؤلاء قد أضاعوا الطلبتين معاً، لأن رأس مالهم كان هو الهدى فلم يبق لهم مع الضلالة، والضلالة أمر عدمي فلا عوض ولا معوّض، فلا ربح ولا رأس المال.

وهكذا حال من يدعي الإرادة ولا يخرج من العادة ويريد الجمع بين مقاصد الدنيا ومصالح الدين، كالمنافق أراد الجمع بين عشرة الكفار وصحبة المسلمين، والمكاتب عبد ما بقي عليه درهم، وإذا أقبل الليل من ههنا أدبر النهار من ههنا نعوذ بالله من الغواية، ونسأله أن يعصمنا من الضلالة بعد الهداية.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

وقوله: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ .

بالمخادعة للمؤمنين، وإظهار الموافقة لهم بالقول، وإضمار الخلاف لهم بالقلب، والاستهزاء بهم عند الخلوة، والقول فيهم بما لا يليق بهم، وعبادة غير الله.

وأَيُّ فساد أَكبر من هذا؟!.

وقوله: ﴿ قَالُوۤاْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ﴾ .

بإظهار الموافقة بالقول.

وقوله: ﴿ أَلاۤ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْمُفْسِدُونَ ﴾ .

أخبر  أنهم هم المفسدون؛ لما أَضمروا من الخلاف لهم، والمخادعة، والاستهزاءِ بهم.

وقوله: ﴿ وَلَـٰكِن لاَّ يَشْعُرُونَ ﴾ .

الأول: أَي: لا يشعرون أَن حاصل ذلك لا يرجع إليهم.

والثاني: لا يشعرون أن ما كانوا يفعلون الفسادُ.

فإن كان هذا فهو ينقض قول من يقول: بأَن الحجة لا تلزم إلا بالمعرفة، وهو قول الناس؛ لأَنه عز وجل أَخبر بفساد صنيعهم، وإن لم يشعروا به.

وهو كقوله أَيضاً: ﴿ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ  ﴾ : أَخبر بحبط الأَعمال وإن كانوا لا يعلمون.

وقوله: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ كَمَآ آمَنَ ٱلنَّاسُ ﴾ .

تحتمل الآية: أَن تكون في المنافقين، وتحتمل: في أَهل الكتاب.

فإن كانت في المنافقين فكأَن قوله: آمنوا يا أَهل النفاق في السر والعلانية، كما آمن أَصحاب محمد  في السر والعلانية جميعاً، وهو كقوله: ﴿ فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَآ آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ ٱهْتَدَواْ  ﴾ .

وإن كان في أَهل الكتاب ففيه الأَمر بالإيمان الذي هو إيمان، وهو التصديق.

والإيمان عندنا هو التصديق بالقلب؛ دليله قول جميع أَهل التأْويل والأَدب أَنهم فسروا ﴿ آمَنُواْ ﴾ : صدقوا في جميع القرآن.

وقوله: ﴿ قَالُوۤاْ أَنُؤْمِنُ كَمَآ آمَنَ ٱلسُّفَهَآءُ ﴾ الآية.

السفه: هو ضد الحكمة، وهو العمل بالجهل على العلم أَنه يبطل، والجهلُ هو ضد العلم.

والسفهُ هو الشتم؛ يقول الرجل لآخر: يا سفيه.

وقوله: ﴿ أَلاۤ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلسُّفَهَآءُ ﴾ .

يقول بعض المتكلمين: إن هذا شتم من الله لهم، جواباً على المؤمنين، ويستجيزون ذلك على الجواب، وإن لم يجز على الابتداءِ، كالمكر، والكيد، والاستهزاءِ، والخداع ونحوه، فعلى ذلك هذا.

وأما عندنا فهو غير جائِز؛ لأَن من يشتم آخر يذم عليه، وهو عمل السفهاء، فأَخبر عز وجل: أَنهم هم الذين يعملون بالجهل على علمهم أَن دينهم الذي يدينون به باطل، وأَن الدين الذى يدين به المؤمنون حق.

وقوله: ﴿ وَلَـٰكِن لاَّ يَعْلَمُونَ ﴾ .

قيل فيه بوجهين: أحدهما: لا يعلمون أنهم هم السفهاء.

والثاني: لا يعلمون ما يحل بهم من العذاب لذلك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ .

يعني: أصحاب محمد  .

وقوله: ﴿ قَالُوۤا آمَنَّا ﴾ .

أظهروا لهم الموافقة في العلانية، ويضمرون لهم الخلاف في السر.

وقوله: ﴿ وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ ﴾ .

قيل فيه بأَوجه: قيل: إن شياطينهم؛ يعني الكهنة؛ سموا بذلك لبعدهم عن الحق.

يقال: شَطَن، أَي: بَعُدَ.

وقيل: إن كلَّ عاتٍ ومتمرد يسمى شيطاناً لعتوه وتمرده؛ كقوله: ﴿ شَيَٰطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ  ﴾ سموا بذلك لعتوهم وتمردهم؛ إذ من قولهم: إن الشياطين أَصْلهم من الجن.

وقيل: سموا شياطين؛ لأَنه كان مع كل كاهن شيطان يعمل بأَمره، فسموا بأَسمائِهم؛ وذلك جائِز في اللغة جارٍ، والله أَعلم.

وقوله: ﴿ قَالُوۤاْ إِنَّا مَعَكُمْ ﴾ .

قيل: فيه وجهان: الأَول: أَي: معكم في القصد والمعونة.

والثاني: إنا معكم، أي: على دينكم لا على دين أولئك، والله أَعلم.

قوله: ﴿ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ ﴾ .

بإظهار الموافقة لهم في العلانية، وإظهار الخلاف لهم في السر.

وقوله: ﴿ ٱللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ﴾ .

قيل فيه بوجوه: قيل: يجزيهم جزاء الاستهزاءِ.

وكذلك قوله: ﴿ يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ  ﴾ أَي: يجزيهم جزاء المخادعة، وكذلك قوله: ﴿ وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُ  ﴾ أي: يجزيهم جزاء المكر، يحمل على الجزاء؛ لما لا يجوز إضافة المكر والخداع والاستهزاءِ مبتدأ إلى الله؛ لأَنه مذموم من الخلق إلا على المجازاة، فكيف من الله عز وجل؟!

وقال بعضهم: يجوز إضافة الاستهزاء إلى الله، وإن كان لا يجوز من الخلق أَن يستهزئ بعضهم من بعض، كالتكبر، يجوز لله ولا يجوز للخلق؛ لأَن الخلق أَشكال بعضهم لبعض وأَمثال، والله - عز وجل - لا شكل له ولا مثل.

وكذلك الاستهزاء يجوز له، ولا يجوز لغيره؛ لأَن الاستهزاء هو الاستحفاف، فلا يجوز أَن يستخف ممن هو مثله في الخلقة، وما خلق له من الأَحداث والغِيَر، والله  يتعالى عن ذلك.

والأَول أَقرب، والله أعلم.

أَو أَضاف استهزاء المؤمنين بهم إلى نفسه كما ذكرنا في المخادعة.

ثم اختلف في كيفية الاستهزاءِ: فقال الكلبي: هو أن يُفتح لهم باب من الجنة فيدنون منه، ثم يغلق دونهم.

فإن ثبت ذا فهو كما قال.

وقيل: إنه يرفع لأَهل الجنة نور يمضون به، فيقصد أولئك المضي معهم بذلك النور، ثم يطفأ ذلك النور؛ فيتحيرون وهو قولهم: ﴿ ٱنظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ٱرْجِعُواْ وَرَآءَكُمْ فَٱلْتَمِسُواْ نُوراً  ﴾ .

وقيل: أن يعطي لهم في الدنيا ما ينتفعون به من أنواع النعم ظاهراً على ما أَظهروا لهم الموافقة في العلانية، ويحرم لهم ذلك في الآخرة بإضمارهم الخلاف لهم في السر.

قوله: ﴿ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ .

الآية في قوم علم الله أنهم لا يؤمنون؛ كقوله: ﴿ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ  ﴾ غير أن هذه في المنافقين و الأُولى في الكفرة.

وهي تنقض على المعتزلة قولهم؛ لأَنهم يقولون: إن الله لا يقدر أَن يستنقذهم في حال الاختيار، وإنما يقدر الاستنقاذ منهم في حال الاضطرار، فأَخبر عز وجل: أَنه يستنقذهم على فعل الطغيان.

وقوله: ﴿ وَيَمُدُّهُمْ ﴾ أي: يخلق فعل الطغيان فيهم.

ويحتمل: أن يخذلهم ويتركهم لما اختاروا من الطغيان إلى آخر عمرهم.

ويحتمل: أنه لم يهدهم ولم يوفقهم.

وفي هذا إضافة المد إلى الله.

وإضافة المد على الطغيان لا يضاف إليه إلا المدح، والمدح يكون بالأَوجه الثلاثة التي بينا، وفي هذا أَنه إذا كان هو الذي يُمدهم في الطغيان قدر على ضده من فعل الإيمان؛ فدل أَن الله خالق فعل العباد؛ إذ من قولهم: إن القدرة التامة هي التي إذا قدر على شيء قدر على ضده.

والعَمَهُ: الحيرة في اللغة.

قوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ ﴾ .

أى: اختاروا الضلالة على المدعو إليه - وهو الهدى - من غير أَن كان عندهم الهدى، فتركوه بالضلالة.

وهو كقوله: ﴿ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَوْلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَاتِ  ﴾ من غير أن كانوا فيه، فكذلك الأَوَل، تركوا الهدى بالضلالة ابتداء.

وقيل: الضلالة: الهلاك؛ أي: اختاروا ما به يهلكون على ما به نجاتهم، وإن كانوا لا يقصدون شراء الهلاك بما به النجاة؛ كقولهم: ﴿ فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى ٱلنَّارِ  ﴾ لا يقدر أحد أن يصبر على النار، ولكن فما أصبرهم على عمل يستوجبون به النار.

وكذلك قوله: ﴿ بِئْسَمَا ٱشْتَرَوْاْ بِهِ أَنْفُسَهُمْ  ﴾ أي: بئسما اختاروا ما به هلاك أَنفسهم على ما به نجاتهم.

وفي هذه الآية دلالة جواز البيع بغير لفظة البيع؛ لأَنهم ما كانوا يتلفظون باسم البيع، ولكن كانوا يتركون الهدى بالضلالة.

وكل من ترك الآخر شيئاً له ببذل يأخذه منه فهو بيع وإن لم يتكلموا بكلام البيع.

وكذلك قوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ...

﴾ الآية [التوبة: 111].

وهو على بذل الأَموال والأَنفس له بالموعود الذي وعد لهم، وهو الجنة.

وقوله: ﴿ فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ ﴾ .

أي: ما ربحوا في تجارتهم؛ لأَن التجارة لا تربح ولكن بالتجارة يربح، وقد يسمى الشيء باسم سببه.

وهو كقوله: ﴿ جَعَلْنَا ٱلْلَّيْلَ لِيَسْكُنُواْ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِراً  ﴾ ، والنهار لا يبصر، ولكن بالنهار يبصر.

وذلك سائغ في اللغة، جائز تسمية الشيء باسم سببه.

ثم في قوله: ﴿ فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ ﴾ نفي الربح دون نفي الأَصل في الظاهر، غير أَن النفي على وجهين: نفي شيء يوجب إثبات ضده، وهو نفي الصفة؛ كقولك: فلان عالم: نفيت الجهل عنه، وفلان جاهل: نفيت العلم عنه.

ونفي شيء لا يوجب إثبات ضده، وهو نفي الأَعراض؛ لأَنك إذا نفيت لوناً لم يوجب ضد ذلك اللون.

وقوله: ﴿ فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ ﴾ نفي الأَصل؛ كأَنه قال: بل خسرت تجارتهم، أَوجبت إثبات ضده.

دليله قوله: ﴿ بِئْسَمَا ٱشْتَرَوْاْ بِهِ أَنْفُسَهُمْ  ﴾ ، و ﴿ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وإذا التقوا المؤمنين قالوا: صدَّقنا بما تؤمنون به؛ يقولون ذلك خوفًا من المؤمنين، وإذا انصرفوا عن المؤمنين إلى رؤسائهم منفردين بهم، قالوا مؤكدين ثباتهم على متابعتهم لهم: إنا معكم على طريقتكم، ولكنا نوافق المؤمنين ظاهرًا سخرية بهم واستهزاءً.

<div class="verse-tafsir" id="91.PPm0n"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

الآيات التي تقدمت في وصف هذا الصنف من الناس الذي قلنا إنه يوجد في كل أمة وملة وفي كل عصر، كانت عامة تصور حال أفراده في كل زمان ومكان، وكان أسلوبها ظاهرًا في العموم كقوله ﴿ يُخَادِعُونَ  ﴾ إلخ وقوله: وإذا قيل لهم كذا -قالوا كيت وكيت.

وأما قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا  ﴾ الآية، فهو وصف قد يختص ببعض أفراد هذا الصنف ممن كان في عصر التنزيل، جاء بعد الأوصاف العامة وحكي بصيغة الماضي ليكون كالتصريح بتوبيخ تلك الفئة من هذا الصنف، التي بلغت من التهتك في النفاق، والفساد في الأخلاق، أن تظهر بوجهين، وتتكلم بلسانين، وما بلغ كل أفراد الصنف هذا المبلغ من الفساد والضعف.

ولهذه الخصوصية في الآية قال بعض الواهمين: إن جميع تلك الآيات في منافقي ذلك العصر.

وقد مر تفنيده فلا نعيده.

على أن هذه الفئة أيضًا توجد في كل عصر وزمان، يكون فيه لأهل الحق قوة وسلطان، والحكاية عنها بصيغة الماضي الواقع لا تنافي ذلك، لأن"إذا"تدل على المستقبل، فمعنى الفعل مستقبل، وإنما اختيرت صيغة الماضي لتوبيخ أولئك الأفراد وإيذانهم بأن بضاعة النفاق والمداجاة لا تروج في سوق المؤمنين لأنها مزجاة، وأن استهزاءهم مردود إليهم، ووباله عائد عليهم.

كان أولئك النفر يدهنون في دينهم، فإذا لقوا المؤمنين قالوا آمنا بما أنتم به مؤمنون، ﴿ وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ  ﴾ من دعاة الفتنة وعمال الفساد وأنصار الباطل، الذين يصدون عن سبيل الحق بما يقيمون أمامه من عقبات الوساوس والأوهام، وما يلقون فيه من أشواك المعايب وتضاريس المذام، وقال مفسرنا (الجلال) إنهم الرؤساء، والصواب ما قلنا، وكم من رئيس مغمول، لما في نفسه من الضعف والخمول، لا ينصر اعتقاده، وإن كان معترفًا بأن فيه رشاده، وفي عزته عزه وإسعاده.

وكم من مرؤوس شديد العزيمة، قوي الشكيمة يكون له في نصر ملته، والمدافعة عن أمته، ما يعجز عنه الرؤساء، ولا يأتي على أيدي الأمراء.

وللذبابة في الجرح الممد يد تنال ما قصرت عنه يد الأسد ﴿ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ  ﴾ أي إنا معكم على عقيدتكم وعملكم، وإنما نستهزئ بالمسلمين ودينهم، فكشف القرآن عن هذا التلون وهذه الذبابة، وقابلهم عليها بما هدم بنيانهم وفضح بهتانهم، فقال ﴿ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ  ﴾ ..

أصل الاستهزاء الاستخفاف وعدم العناية بالشيء في النفس، وإن أظهر المستخف الاستحسان والرضا تهكمًا، وهذا المعنى محال على الله تعالى، والمحال بذاته يصح إطلاق لازمه، والمستهزئ بإنسان في نحو مدح لعلمه واستحسان لعمله مع اعتقاد قبحه، غير مبالٍ به ولا معتنٍ بعلمه ولا بعمله، حيث لم يرجعه عنه ولم يكرهه عليه، ويلزمه استرسال المستهزأ به في عمله القبيح فمعنى: الله يستهزئ بهم: أنه يمهلهم فتطول عليهم نعمته، وتبطئ عنهم نقمته، ثم يسقط من أقدارهم ويستدرجهم بما كانوا يعملون ﴿ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ  ﴾ والعمه عمى القلب وظلمة البصيرة وأثره الحيرة والاضطراب وعدم الاهتداء للصواب.

﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى  ﴾ ..

المشار إليه بأولئك هم الذين بينت حالهم الآيات السابقة بأنهم يقولون آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين إلخ وهو صريح في أن طغيانهم وعمههم من كسبهم، ولم يجبروا عليه بخلق ربهم..

وقد فسروا"اشتروا"باستبدلوا وهو غير سديد لأن بين اللفظتين فصلًا في المعنى وكلنا نعتقد -والحق ما نعتقد- أن القرآن في أعلى درج البلاغة لا يختار لفظًا على لفظ من شأنه أن يقوم مقامه، ولا يرجح أسلوبًا على أسلوب يمكن تأدية المراد به، إلا لحكمة في ذلك وخصوصية لا توجد في غير ما اختاره ورجحه.

ووجه اختيار"اشتروا"على استبدلوا أن الأول أخص من وجهين..

أحدهما- أن الاستبدال لا يكون شراء إلا إذا كان فيه فائدة يقصدها المستبدل منه سواء كانت الفائدة حقيقة أو وهمية.

وثانيهما-أن الشراء يكون بين متبايعين بخلاف الاستبدال، فإذا أخذت ثوبًا من ثيابك بدل آخر يقال إنك استبدلت ثوبًا بثوب، فالمعنى الذي تؤديه الآية أن أولئك القوم اختاروا الضلالة على الهدى لفائدة لهم بإزائها يعتقدون الحصول عليها من الناس، فهو معاوضة بين طرفين يقصد بها الربح، وهذا هو معنى والاشتراء الشراء، ومثلهما البيع والابتياع، ولا يؤديه مطلق الاستبدال.

ذلك بأنه كان عندهم كتب سماوية فيها مواعظ وأحكام، وفيها بشارة بأن الله يرسل إليهم نبيًا يحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث، ويضع عنهم إصر التقاليد، وأغلال التقيد بإرادة العبيد، ويرعى جميع الأمم بقضيب من حديد، فيرجع للعقول نعمة الاستقلال، ويجعل إرادة الأفراد هي المصرفة للأعمال، فكان عندهم بذلك حظ من هداية العقل والمشاعر وهداية الدين والكتاب، ولكن نجمت فيهم الأحداث والبدع، وتحكمت فيهم العادات والتقاليد، وعلا سلطان ذلك كله على سلطان الدين، فضل الرؤساء في فهمه، بتحكيم تقاليدهم في أحكامه وعقائده، بضروب من التحريف والتأويل، وأهمل المرؤوسون العقل والنظر في الكتاب بحظر الرؤساء وأثرتهم، فكان الجميع على ضلالة في استعمال العقل وفي فهم الكتاب، بعد أن كانا هدايتين ممنوحتين لهم لإسعادهم، وكانت المعاوضة عند الفريقين في ذلك المنافع الدنيوية: للرؤساءالمال والجاه والتعظيم والتكريم باسم الدين، وللمرؤوسين الاستعانة بجاه رؤساء الدين على مصالحهم ومنافعهم، ورفع أثقال التكاليف، بفتاوى التأويل والتحريف.

هكذا استحبوا العمى على الهدى -وهو العقل والدين- رغبة في الحطام، وطمعًا في الجاه الكاذب، ﴿ فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ  ﴾ في الدنيا إذ لم تثمر لهم ثمرة حقيقية، بل خسروا وخابوا بإهمالهم النظر الصحيح الذي لا تقوم المصالح ولا تحفظ المنافع إلا به.

وإسناد الربح إلى التجارة عربي في غاية الفصاحة لأن الربح هو النماء في التجر، وهذه المعاوضة هي التي من شأنها أن تثمر الربح، فإسناده إليها نفيًا.

أو إثباتًا إسناد صحيح لا يحتاج إلى التأويل، كأنه قيل فلم يكن نماء في تجارتهم، على أن ذلك التأويل المعروف من أن إسناد الربح إلى التجارة لأنها سببه والوسيلة إليه وأن العبارة من المجاز العقلي -تأويل يتفق مع البلاغة ولا ينافيها، ولا زال المجاز العقلي من أفضل ما يزين البلغاء به كلامهم، ويبلغون به ما يشاءون من تفخيم معانيهم، ﴿ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ  ﴾ في دينهم لأنهم لم يأخذوه على وجهه، ولم يفهموه حق فهمه، أو ما كانوا مهتدين في هذه التجارة لأنهم باعوا فيها ما وهبهم الله من الهدى والنور بظلمات التقاليد وضلالات الهواء والبدع التي زجوا أنفسهم فيها -أو ما كانوا مهتدين في طور من الأطوار، ولا مسّ الرشد قلوبهم في وقت من الأوقات، لأنهم نشأوا على التقليد العمى من أول وهلة، ولم يستعملوا عقولهم قط في فهم أسراره، واقتباس أنواره.

ولا يذهبن الوهم إلى أن اشتراء الضلالة بالهدى يفيد أنهم كانوا مهتدين ثم تركوا الهدى للضلالة فيتناقض أول الآية مع آخرها،إذ ليس كل من منح الهدى يأخذ به فيكون مهتديًا، وهؤلاء حُمِّلوه فباعوه ولم يَحْمِلوه، وينظر إلى هذا الاشتراء ويشبهه الاستحباب في قوله تعالى ﴿ وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى  ﴾ .

والله أعلم.

ومن مباحث الأداة قراءة حمزة والكسائي ﴿ الْهُدى  ﴾ بالإمالة أي جعل مدها بين الألف والياء وهي لغة بني تميم، وعدم الإمالة لغة قريش وهي الفصحى، ولما كان يعسر على لسان من اعتادها تركها أذن الله تعالى بها فيما أقرأ جبريل النبي  .

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 25%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله