الآية ١٣ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ١٣ من سورة البقرة

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُوا۟ كَمَآ ءَامَنَ ٱلنَّاسُ قَالُوٓا۟ أَنُؤْمِنُ كَمَآ ءَامَنَ ٱلسُّفَهَآءُ ۗ أَلَآ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلسُّفَهَآءُ وَلَـٰكِن لَّا يَعْلَمُونَ ١٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 113 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٣ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٣ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول [ الله ] تعالى : وإذا قيل للمنافقين : ( آمنوا كما آمن الناس ) أي : كإيمان الناس بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت والجنة والنار وغير ذلك ، مما أخبر المؤمنين به وعنه ، وأطيعوا الله ورسوله في امتثال الأوامر وترك الزواجر ( قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ) يعنون - لعنهم الله - أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، رضي الله عنهم ، قاله أبو العالية والسدي في تفسيره ، بسنده عن ابن عباس وابن مسعود وغير واحد من الصحابة ، وبه يقول الربيع بن أنس ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم ، يقولون : أنصير نحن وهؤلاء بمنزلة واحدة وعلى طريقة واحدة وهم سفهاء !

!

والسفهاء : جمع سفيه ، كما أن الحكماء جمع حكيم [ والحلماء جمع حليم ] والسفيه : هو الجاهل الضعيف الرأي القليل المعرفة بمواضع المصالح والمضار ؛ ولهذا سمى الله النساء والصبيان سفهاء ، في قوله تعالى : ( ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما ) [ النساء : 5 ] قال عامة علماء السلف : هم النساء والصبيان .

وقد تولى الله ، سبحانه ، جوابهم في هذه المواطن كلها ، فقال ( ألا إنهم هم السفهاء ) فأكد وحصر السفاهة فيهم .

( ولكن لا يعلمون ) يعني : ومن تمام جهلهم أنهم لا يعلمون بحالهم في الضلالة والجهل ، وذلك أردى لهم وأبلغ في العمى ، والبعد عن الهدى .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قول الله جل ثناؤه: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قال أبو جعفر: وتأويل قوله: (وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس) يعني: وإذا قيل لهؤلاء الذين وَصَفهم الله ونعتَهم بأنهم يقولون: آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ صَدِّقوا بمحمد وبما جاء به من عند الله، كما صدق به الناس.

ويعني بـِ " الناس ": المؤمنين الذين آمنوا بمحمد ونبوته وما جاء به من عند الله.

كما-: 343- حدثنا أبو كُريب, قال: حدثنا عثمان بن سعيد, عن بشر بن عُمارة, عن أبي رَوْق, عن الضحاك، عن ابن عباس في قوله: ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ )، يقول: وإذا قيل لهم صدِّقوا كما صدَّق أصحاب محمد, قولوا: إنَّه نبيٌّ ورسول, وإنّ ما أنـزل عليه حقّ, وصدِّقوا بالآخرة, وأنَّكم مبعوثون من بعد الموت (81) .

وإنما أدخِلت الألف واللام في" الناس "، وهم بعضُ الناس لا جميعُهم، لأنهم كانوا معروفين عند الذين خُوطبوا بهذه الآية بأعيانهم، وإنما معناه: آمِنُوا كما آمَن الناس الذين تعرفونهم من أهل اليقين والتصديق بالله وبمحمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به من عند الله وباليوم الآخر.

فلذلك أدخِلت الألف واللام فيه، كما أدخِلَتا في قوله: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ [سورة آل عمران: 173]، لأنه أشِير بدخولها إلى ناس معروفين عند مَن خُوطب بذلك.

القول في تأويل قوله جل ثناؤه: قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ قال أبو جعفر: والسفهاء جمع سَفِيه, كما العلماء جمع عليم (82) ، والحكماء جمعُ حكيم.

والسفيه: الجاهل، الضعيفُ الرأي, القليلُ المعرفة بمواضع المنافع والمضارّ.

ولذلك سمى الله عز وجل النِّساء والصبيانَ سفهاء, فقال تعالى: وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا [سورة النساء: 5]، فقال عامة أهل التأويل: هم النساء والصبيان، لضعف آرائهم, وقلة معرفتهم بمواضع المصالح والمضارِّ التي تصرف إليها الأموال.

وإنما عَنَى المنافقون بقيلهم: أنؤمن كما آمَن السُّفهاء - إذْ دُعوا إلى التصديق بمحمد صلى الله عليه وسلم, وبما جاء به من عند الله, والإقرار بالبعث فقيل لهم: آمنوا كما آمن [الناس] (83) - أصحابَ محمدٍ وأتباعَه من المؤمنين المصدِّقين به، من أهل الإيمان واليقين، والتصديقِ بالله، وبما افترض عليهم على لسان رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وفي كتابه، وباليوم الآخر.

فقالوا إجابة لقائل ذلك لهم: أنؤمن كما آمَن أهل الجهل، ونصدِّق بمحمد صلى الله عليه وسلم كما صدّق به هؤلاء الذين لا عقولَ لهم ولا أفهام؟

كالذي-: 344- حدثني موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسباط، عن السُّدِّيّ في خبر ذكره، عن أبي مالك, وعن أبي صالح, عن ابن عباس - وعن مُرَّة الهَمْداني, عن ابن مسعود, وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: ( قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ )، يعنون أصحابَ النبي صلى الله عليه وسلم.

345- حدثني المثنّى بن إبراهيم, قال: حدثنا إسحاق بن الحجاج, قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر, عن أبيه، عن الربيع بن أنس: ( قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ ) يعنون أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم.

346- حدثني يونس بن عبد الأعلى, قال: أنبأنا ابن وهب, قال: حدثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: " قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء "، قال: هذا قول المنافقين, يريدون أصحابَ النبي صلى الله عليه وسلم.

347- حدثنا أبو كُريب, قال: حدثنا عثمان بن سعيد, عن بشر بن عُمارة, عن أبي رَوْق, عن الضحاك, عن ابن عباس: ( قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ ) يقولون: أنقول كما تقولُ السفهاء؟

يعنون أصحابَ محمد صلى الله عليه وسلم, لخِلافهم لدينهم (84) .

القول في تأويل قوله جل ثناؤه: أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ (13) قال أبو جعفر: وهذا خبرٌ من الله تعالى عن المنافقين الذين تقدم نعتُه لهم، ووصفُه إياهم بما وصفهم به من الشك والتكذيب - أنَّهم هُم الجُهَّال في أديانهم, &; 1-295 &; الضعفاء الآراء في اعتقاداتهم واختياراتهم التي اختاروها لأنفسهم، من الشكّ والريْب في أمر الله وأمر رسوله وأمر نبوته, وفيما جاء به من عند الله, وأمر البعث, لإساءَتهم إلى أنفسهم بما أتَوْا من ذلك وهم يحسبون أنَّهم إليها يُحْسِنون.

وذلك هو عَيْنُ السَّفه, لأن السفيه إنما يُفسد من حيث يرى أنه يُصلحُ، ويُضيع من حيث يَرى أنه يحفظ، فكذلك المنافق: يَعصي رَبَّه من حيث يرى أنه يطيعُه, ويكفرُ به من حيث يرى أنه يُؤمن به, ويسيء إلى نفسه من حيث يحسب أنه يُحسن إليها, كما وصفهم به ربنا جلّ ذكره، فقال: أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ ، وقال: (ألا إنهم هم السفهاء) - دون المؤمنين المصدّقين بالله وبكتابه، وبرسوله وثوابه وعقابه -(ولكن لا يعلمون).

وكذلك كان ابن عباس يتأول هذه الآية.

348- حدثنا أبو كُريب, قال: حدثنا عثمان بن سعيد, عن بشر بن عُمارة, عن أبي رَوْق, عن الضحاك, عن ابن عباس يقول الله جل ثناؤه: ( أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ )، يقول: الجهال,(ولكن لا يعلمون)، يقول: ولكن لا يعقلون (85) .

وأما وَجْهُ دخول الألف واللام في" السُّفهاء "، فشبيه بوجه دخولهما في النَّاسُ في قوله: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ ، وقد بيَّنا العلة في دخولهما هنالك, والعلةُ في دخولهما في" السفهاء " نظيرتها في دخولهما في النَّاسُ هنالك، سواء.

والدلالةُ التي تدل عليه هذه الآية من خطأ قول من زعم أن العقوبةَ من الله لا يستحقّها إلا المعاند ربَّه، بعد علمه بصحة ما عانده فيه - نظيرُ دلالة الآيات الأخَر التي قد تقدم ذكرنا تأويلَها في قوله وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ ، ونظائر ذلك (86) .

------------------- الهوامش : (81) الخبر 343- نقله السيوطي 1 : 30 ، والشوكاني 1 : 31 ، ويأتي تمامه في تفسير بقية الآية ، برقمي : 347 ، 348 .

(82) في المطبوعة : "كالعلماء .

.

.

" .

(83) في المطبوعة والمخطوطة : "فقال لهم آمنوا كما آمن أصحاب محمد .

.

.

" ، وهو كلام مضطرب والصواب ما أثبتناه .

وقوله : "أصحاب محمد" مفعول قوله : "وإنما عنى المنافقون بقيلهم .

.

" .

(84) الأخبار 344 - 347 : أشار إليها ابن كثير 1 : 92 والسيوطي 1 : 30 والشوكاني 1 : 31 والأخير منها من تتمة الخبر : 343 .

(85) الخبر 348- هو تتمة الخبرين : 343 ، 347 .

(86) في المطبوعة : "مع علمه بصحة ما عاند فيه" ، وفيها أيضًا : " .

.

.

ونظير ذلك" .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمونقوله تعالى : وإذا قيل لهم يعني المنافقين في قول مقاتل وغيره .

آمنوا كما آمن الناس أي صدقوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وشرعه ، كما صدق المهاجرون والمحققون من أهل يثرب .[ ص: 199 ] وألف ( آمنوا ) ألف قطع ; لأنك تقول : يؤمن ، والكاف في موضع نصب ; لأنها نعت لمصدر محذوف ، أي إيمانا كإيمان الناس .قوله تعالى : قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء يعني أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ، عن ابن عباس .

وعنه أيضا : مؤمنو أهل الكتاب .

وهذا القول من المنافقين إنما كانوا يقولونه في خفاء واستهزاء فأطلع الله نبيه والمؤمنين على ذلك ، وقرر أن السفه ورقة الحلوم وفساد البصائر إنما هي في حيزهم وصفة لهم ، وأخبر أنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون للرين الذي على قلوبهم .

وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أنها نزلت في شأن اليهود ، أي وإذا قيل لهم - يعني اليهود - آمنوا كما آمن الناس : عبد الله بن سلام وأصحابه ، قالوا : أنؤمن كما آمن السفهاء يعني الجهال والخرقاء .

وأصل السفه في كلام العرب : الخفة والرقة ، يقال : ثوب سفيه إذا كان رديء النسج خفيفه ، أو كان باليا رقيقا .

وتسفهت الريح الشجر : مالت به ، قال ذو الرمة :مشين كما اهتزت رماح تسفهت أعاليها مر الرياح النواسموتسفهت الشيء : استحقرته .

والسفه : ضد الحلم .

ويقال : إن السفه أن يكثر الرجل شرب الماء فلا يروى .

ويجوز في همزتي السفهاء أربعة أوجه ، أجودها أن تحقق الأولى وتقلب الثانية واوا خالصة ، وهي قراءة أهل المدينة والمعروف من قراءة أبي عمرو .

وإن شئت خففتهما جميعا فجعلت الأولى بين الهمزة والواو وجعلت الثانية واوا خالصة .

وإن شئت خففت الأولى وحققت الثانية .

وإن شئت حققتهما جميعا .قوله تعالى : ولكن لا يعلمون مثل ولكن لا يشعرون ، وقد تقدم .

والعلم معرفة المعلوم على ما هو به ، تقول : علمت الشيء أعلمه علما عرفته ، وعالمت الرجل فعلمته أعلمه ( بالضم في المستقبل ) .

غلبته بالعلم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: إذا قيل للمنافقين آمنوا كما آمن الناس, أي: كإيمان الصحابة رضي الله عنهم، وهو الإيمان بالقلب واللسان, قالوا بزعمهم الباطل: أنؤمن كما آمن السفهاء؟

يعنون - قبحهم الله - الصحابة رضي الله عنهم, بزعمهم أن سفههم أوجب لهم الإيمان, وترك الأوطان, ومعاداة الكفار، والعقل عندهم يقتضي ضد ذلك, فنسبوهم إلى السفه; وفي ضمنه أنهم هم العقلاء أرباب الحجى والنهى.

فرد الله ذلك عليهم, وأخبر أنهم هم السفهاء على الحقيقة, لأن حقيقة السفه جهل الإنسان بمصالح نفسه, وسعيه فيما يضرها, وهذه الصفة منطبقة عليهم وصادقة عليهم، كما أن العقل والحجا, معرفة الإنسان بمصالح نفسه, والسعي فيما ينفعه, و[في] دفع ما يضره، وهذه الصفة منطبقة على [الصحابة و]المؤمنين وصادقة عليهم، فالعبرة بالأوصاف والبرهان, لا بالدعاوى المجردة, والأقوال الفارغة.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

{وإذا قيل لهم}: أي للمنافقين، وقيل: لليهود.

{آمنوا كما آمن الناس} عبد الله بن سلام وغيره من مؤمني أهل الكتاب، وقيل: كما آمن المهاجرون والأنصار.

{قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء}: أي الجُهَّال.

فإن قيل: كيف يصح النفاق مع (المهاجرة) بقولهم (أنؤمن كما آمن السفهاء)؟

قيل: أنهم كانوا يظهرون هذا القول فيما بينهم لا عند المؤمنين، فأخبر الله نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بذلك فَرَدَّ الله عليهم فقال: {ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون}: أنهم كذلك فالسفيه خفيف العقل رقيق الحلم من قولهم: ثوب سفيه أي رقير، وقيل: السفيه الكذاب الذي يتعمد (الكذب) بخلاف ما يعلم.

قرأ أهل الكوفة والشام (السفهاء ألا) بتحقيق الهمزتين وكذلك كل همزتين وقعتا في كلمتين اتفقتا أو اختلفتا والآخرون يحققون الأولى ويلينون الثانية في المختلفتين طلباً للخفة فإن كانتا متفقتين مثل: هؤلاء، وأولياء، وأولئك، وجاء أمر ربك - قرأها أبو عمرو والبزي عن ابن كثير بهمزة واحدة وقرأ أبو جعفر وورش والقواش ويعقوب بتحقيق الأولى وتليين الثانية وقرأ قالون بتخفيف الأولى وتحقيق الثانية لأن ما يستأنف أَوْلَى بالهمزة مما يسكت عليه.

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس» أصحاب النبي «قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء» الجهال أي لا نفعل كفعلهم.

قال تعالى ردا َعليهم: «ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون» ذلك.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وإذا قيل للمنافقين: آمِنُوا -مثل إيمان الصحابة، وهو الإيمان بالقلب واللسان والجوارح-، جادَلوا وقالوا: أَنُصَدِّق مثل تصديق ضعاف العقل والرأي، فنكون نحن وهم في السَّفَهِ سواء؟

فردَّ الله عليهم بأن السَّفَهَ مقصور عليهم، وهم لا يعلمون أن ما هم فيه هو الضلال والخسران.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين القرآن أن الناصحين قد أمروهم بالمعروف بعد أن نهوهم عن المنكر فقال :( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ كَمَآ آمَنَ الناس قالوا أَنُؤْمِنُ كَمَآ آمَنَ السفهآء ألا إِنَّهُمْ هُمُ السفهآء ) .المراد من الناس : المؤمنون بالرسول صلى الله عليه وسلم الصادقون في إيمانهم .السفهاء : جمع سفيه ، وأصل السفه : الخفة والرقة والتحرك والاضطراب يقال : ثوب سفيه ، إذا كان رديء النسج خفيفه ، أو كان بالياً رقيقاً .

وتسفهت الريح الشجر .

أي : مالت به .

وزمام سفيه : كثير الاضطراب ، لمنازعة الناقة إياه ، وشاع في خفة العقل وضعف الرأي .وهو المعنى المقصود بالسفهاء في الآية .

فقد كان المنافقون يصفون المسلمين بذلك فيما بينهم .وروى أنهم كانوا يقولون : أنؤمن كما آمن سفيه بني فلان ، وسفيه بني فلان؟!

فأوحى الله للنبي صلى الله عليه وسلم بهذا الذي كانوا يقولونه .قال صاحب الكشاف : فإن قلت : لم وصفوهم بالسفه وهم العقلاء المراجيح؟

قلت لأن المنافقين لجهلهم وإخلالهم بالنظر ، اعتقدوا أن ما هم فيه هو الحق ، وأن ما عداه باطل ، ومن ركب متن الباطل كان سفيهاً ، ولأنهم كانوا في رياسة من قومهم ويسار ، وكان أكثر المؤمنين فقراء ومنهم موال كصهبب وبلال وخباب ، فدعوهم سفهاء تحقيراً لشأنهم اه ملخصاً .وقد رد الله عليهم بما يكبتهم ويفضحهم فقال :( ألا إِنَّهُمْ هُمُ السفهآء ولكن لاَّ يَعْلَمُونَ ) لأنهم أعرضوا عن النظر في الدليل وباعوا آخرتهم بدنياهم ، وهذا أقصى ما يبلغه الإِنسان من سفه العقل .وقد تضمن هذا الرد تسفيههم وتكذيبهم في دعوى سفه الصادقين في إيمانهم ، فإن قوله - تعالى - ( ألا إِنَّهُمْ هُمُ السفهآء ) يفيد أن السفه مقصور عليهم فلا يتجاوزهم إلى المؤمنين ، وقد تضمنت هذه الجملة من المؤكدات ما تضمنته الجملة السابقة في قوله تعالى - ( ألا إِنَّهُمْ هُمُ المفسدون ) .وإنما قال في الآية السابقة " ولكن لا يشعرون " وقال في هذه الآية ( ولكن لاَّ يَعْلَمُونَ ) لأن الآية السابقة وصفتهم بالإِفساد ، وهو من المحسوسات التي تدرك بأدنى نظر فيناسبه نفى الشعور الذي هو الإدراك بالمشاعر : الحواس ، أما هذه الآية فقد وصفتهم بالسفه ، وهو ضعف الرأي والجهل بالأمور ، وهذا لا يدركه الشخص في نفسه إلا يعد نظر وإمعان فكر .

فيناسبه نفي العلم .ثم بين القرآن ما هم عليه من سلوك ذميم ، وأنهم يقابلون الناس بوجوه مختلفة فقال :( وَإِذَا لَقُواْ الذين آمَنُواْ قالوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ .

.

.

)

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذا هو النوع الثالث من قبائح أفعال المنافقين، وذلك لأنه سبحانه لما نهاهم في الآية المتقدمة عن الفساد في الأرض أمرهم في هذه الآية بالإيمان، لأن كمال حال الإنسان لا يحصل إلا بمجموع الأمرين: أولهما: ترك ما لا ينبغي وهو قوله: ﴿ ءامَنُواْ ﴾ وهاهنا مسائل: المسألة الأولى: قوله: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءامِنُواْ كما آمن الناس ﴾ أي إيماناً مقروناً بالإخلاص بعيداً عن النفاق، ولقائل أن يستدل بهذه الآية على أن مجرد الإقرار إيمان، فإنه لو لم يكن إيماناً لما تحقق مسمى الإيمان إلا إذا حصل فيه الإخلاص، فكان قوله: ﴿ ءامَنُواْ ﴾ كافياً في تحصيل المطلوب، وكان ذكر قوله: ﴿ كَمَا ءامَنَ الناس ﴾ لغواً، والجواب: أن الإيمان الحقيقي عند الله هو الذي يقترن به الإخلاص، أما في الظاهر فلا سبيل إليه إلا بإقرار الظاهر فلا جرم افتقر فيه إلى تأكيده بقوله: ﴿ كَمَا ءامَنَ الناس ﴾ .

المسألة الثانية: اللام في ﴿ الناس ﴾ فيها وجهان: أحدهما: أنها للعهد أي كما آمن رسول الله ومن معه، وهم ناس معهودون، أو عبد الله بن سلام وأشياعه؛ لأنهم من أبناء جنسهم والثاني: أنها للجنس ثم هاهنا أيضاً وجهان: أحدهما: أن الأوس والخزرج أكثرهم كانوا مسلمين، وهؤلاء المنافقون كانوا، منهم وكانوا قليلين، ولفظ العموم قد يطلق على الأكثر.

والثاني: أن المؤمنين هم الناس في الحقيقة، لأنهم هم الذين أعطوا الإنسانية حقها لأن فضيلة الإنسان على سائر الحيوانات بالعقل المرشد والفكر الهادي.

المسألة الثالثة: القائل: ﴿ ءامِنُواْ كما آمن الناس ﴾ إما الرسول، أو المؤمنون، ثم كان بعضهم يقول لبعض: أنؤمن كما آمن سفيه بني فلان وسفيه بني فلان، والرسول لا يعرف ذلك فقال تعالى: ﴿ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السفهاء ﴾ .

المسألة الرابعة: السفه الخفة يقال: سفهت الريح الشيء إذا حركته، قال ذو الرمة: جرين كما اهتزت رياح تسفهت *** أعاليها مر الرياح الرواسم وقال أبو تمام الطائي: سفيه الرمح جاهله إذا ما *** بدا فضل السفيه على الحليم أراد به سريع الطعن بالرمح خفيفه، وإنما قيل لبذيء اللسان سفيه؛ لأنه خفيف لا رزانة له وقال تعالى: ﴿ وَلاَ تُؤْتُواْ السفهاء أموالكم التى جَعَلَ الله لَكُمْ قياما  ﴾ وقال عليه السلام: «شارب الخمر سفيه» لقلة عقله وإنما سمي المنافقون المسلمين بالسفهاء؛ لأن المنافقين كانوا من أهل الخطر والرياسة، وأكثر المؤمنين كانوا فقراء، وكان عند المنافقين أن دين محمد صلى الله عليه وسلم باطل، والباطل لا يقبله إلا السفيه؛ فلهذه الأسباب نسبوهم إلى السفاهة ثم إن الله تعالى قلب عليهم هذا اللقب وقوله الحق لوجوه: أحدها: أن من أعرض عن الدليل ثم نسب المتمسك به إلى السفاهة فهو السفيه.

وثانيها: أن من باع آخرته بدنياه فهو السفيه.

وثالثها: أن من عادى محمداً عليه الصلاة والسلام فقد عادى الله، وذلك هو السفيه.

المسألة الخامسة: إنما قال في آخر هذه الآية: ﴿ لاَّ يَعْلَمُونَ ﴾ وفيما قبلها: ﴿ لاَّ يَشْعُرُونَ ﴾ لوجهين: الأول: أن الوقوف على أن المؤمنين على الحق وهم على الباطل أمر عقلي نظري، وأما أن النفاق وما فيه من البغي يفضي إلى الفساد في الأرض فضروري جار مجرى المحسوس.

الثاني: أنه ذكر السفه وهو جهل، فكان ذكر العلم أحسن طباقاً له والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وإذا قيل لهم ﴾ معطوف على يكذبون.

ويجوز أن يعطف على (يقول آمنا) لأنك لو قلت: ومن الناس من إذا قيل لهم لا تفسدوا، كان صحيحاً، والأوّل أوجه.

والفساد: خروج الشيء عن حال استقامته وكونه منتفعاً به، ونقيضه؛ الصلاح، وهو الحصول على الحال المستقيمة النافعة.

والفساد في الأرض: هيج الحروب والفتن، لأن في ذلك فساد ما في الأرض وانتفاء الاستقامة عن أحوال الناس والزروع والمنافع الدينية والدنيوية.

قال الله تعالى: ﴿ وَإِذَا تولى سعى فِي الارض لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الحرث والنسل ﴾ [البقرة: 205] ﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدماء ﴾ [البقرة: 30] .

ومنه قيل لحرب كانت بين طيء: حرب الفساد.

وكان فساد المنافقين في الأرض.

أنهم كانوا يمايلون الكفار ويمالئونهم على المسلمين بإفشاء أسرارهم إليهم وإغرائهم عليهم، وذلك مما يؤدّي إلى هيج الفتن بينهم، فلما كان ذلك من صنيعهم مؤدياً إلى الفساد قيل لهم: ﴿ لا تفسدوا ﴾ ، كما تقول للرجل: لا تقتل نفسك بيدك، ولا تلق نفسك في النار، إذا أقدم على ما هذه عاقبته.

و ﴿ إِنَّمَا ﴾ لقصر الحكم على شيء، كقولك: إنما ينطق زيد، أو لقصر الشيء على حكم كقولك: إنما زيد كاتب.

ومعنى ﴿ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ﴾ أن صفة المصلحين خلصت لهم وتمحضت من غير شائبة قادح فيها من وجه من وجوه الفساد.

و ﴿ ألآ ﴾ مركبة من همزة الاستفهام وحرف النفي، لإعطاء معنى التنبيه على تحقق ما بعدها، والاستفهام إذا دخل على النفي أفاد تحقيقاً كقوله: ﴿ أَلَيْسَ ذَلِكَ بقادر ﴾ [القيامة: 40] ؟

ولكونها في هذا المنصب من التحقيق، لا تكاد تقع الجملة بعدها إلا مصدّرة بنحو ما يتلقى به القسم.

وأختها التي هي (أما) من مقدّمات اليمين وطلائعها: أَمَا والَّذِي لا يَعْلَمُ الغَيْبَ غيْرُهُ ** أَمَا والَّذِي أَبْكَى وأَضحَكَ ردّ الله ما ادعوه من الانتظام في جملة المصلحين أبلغ ردّ وأدله على سخط عظيم، والمبالغة فيه من جهة الاستئناف وما في كلتا الكلمتين ألا.

وإن من التأكيدين وتعريف الخبر وتوسيط الفصل.

وقوله: ﴿ لاَّ يَشْعُرُونَ ﴾ أتوهم في النصيحة من وجهين: أحدهما تقبيح ما كانوا عليه لبعده من الصواب وجرّه إلى الفساد والفتنة.

والثاني: تبصيرهم الطريق الأسد من أتباع ذوي الأحلام، ودخولهم في عدادهم؛ فكان من جوابهم أن سفهوهم لفرط سفههم، وجهلوهم لتمادي جهلهم.

وفي ذلك تسلية للعالم مما يلقى من الجهلة.

فإن قلت: كيف صح أن يسند (قيل) إلى ﴿ لا تفسدوا ﴾ ، ﴿ وآمنوا ﴾ وإسناد الفعل إلى الفعل مما لا يصح؟

قلت: الذي لا يصح هو إسناد الفعل إلى معنى الفعل، وهذا إسناد له إلى لفظه، كأنه قيل: وإذا قيل لهم هذا القول وهذا الكلام.

فهو نحو قولك: (ألف) ضرب من ثلاثة أحرف.

ومنه: (زعموا مطية الكذب).

و (ما) في (كما) يجوز أن تكون كافة مثلها في (ربما)، ومصدرية مثلها في ﴿ بِمَا رَحُبَتْ ﴾ [التوبة: 25] .

واللام في ﴿ الناس ﴾ للعهد، أي كما آمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه.

أو هم ناس معهودون كعبد الله بن سلام وأشياعه لأنهم من جلدتهم ومن أبناء جنسهم، أي: كما آمن أصحابكم وإخوانكم، أو للجنس أي: كما آمن الكاملون في الإنسانية.

أو جعل المؤمنون كأنهم الناس على الحقيقة، ومن عداهم كالبهائم في فقد التمييز بين الحق والباطل.

والاستفهام في ﴿ أَنُؤْمِنُ ﴾ في معنى الإنكار.

واللام في ﴿ السفهاء ﴾ مشار بها إلى الناس، كما تقول لصاحبك: إن زيداً قد سعى بك، فيقول: أو قد فعل السفيه.

ويجوز أن تكون للجنس، وينطوي تحته الجاري ذكرهم على زعمهم واعتقادهم؛ لأنهم عندهم أعرق الناس في السفه.

فإن قلت: لم سفهوهم واستركوا عقولهم، وهم العقلاء المراجيح؟

قلت: لأنهم لجهلهم وإخلالهم بالنظر وإنصاف أنفسهم، اعتقدوا أن ما هم فيه هو الحق وأن ما عداه باطل، ومن ركب متن الباطل كان سفيهاً؛ ولأنهم كانوا في رياسة وسطة في قومهم ويسار، وكان أكثر المؤمنين فقراء ومنهم موال كصهيب وبلال وخباب، فدعوهم سفهاء تحقيراً لشأنهم.

أو أرادوا عبد الله بن سلام وأشياعه ومفارقتهم دينهم وما غاظهم من إسلامهم وفت في أعضادهم.

قالوا ذلك على سبيل التجلد توقياً من الشماتة بهم مع علمهم أنهم من السفه بمعزل، والسفه سخافة العقل وخفة الحلم.

فإن قلت: فلم فصلت هذه الآية ب ﴿ لاَّ يَعْلَمُونَ ﴾ ، والتي قبلها ب ﴿ لاَّ يَشْعُرُونَ ﴾ ؟

قلت: لأن أمر الديانة والوقوف على أن المؤمنين على الحقّ وهم على الباطل، يحتاج إلى نظر واستدلال حتى يكتسب الناظر المعرفة.

وأما النفاق وما فيه من البغي المؤدّي إلى الفتنة والفساد في الأرض فأمر دينويّ مبني على العادات، معلوم عند الناس، خصوصاً عند العرب في جاهليتهم وما كان قائماً بينهم من التغاور والتناحر والتحارب والتحازب، فهو كالمحسوس المشاهد؛ ولأنه قد ذكر السفه وهو جهل فكان ذكر العلم معه أحسن طباقاً له.

مساق هذه الآية بخلاف ما سيقت له أوّل قصة المنافقين فليس بتكرير، لأن تلك في بيان مذهبهم والترجمة عن نفاقهم، وهذه في بيان ما كانوا يعملون عليه مع المؤمنين من التكذيب لهم والاستهزاء بهم ولقائهم بوجوه المصادقين وإيهامهم أنهم معهم، فإذا فارقوهم إلى شطار دينهم صدقوهم ما في قلوبهم.

وروي: أن عبد الله بن أبيّ وأصحابه خرجوا ذات يوم فاستقبلهم نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عبد الله انظروا كيف أردّ هؤلاء السفهاء عنكم، فأخذ بيد أبي بكر فقال: مرحباً بالصدّيق سيد بني تيم وشيخ الإسلام وثاني رسول الله في الغار، الباذل نفسه وماله لرسول الله.

ثم أخذ بيد عمر فقال: مرحباً بسيد بني عديّ الفاروق القويّ في دين الله، الباذل نفسه وماله لرسول الله.

ثم أخذ بيد عليّ فقال: مرحباً بابن عم رسول الله وختنه سيد بني هاشم ما خلا رسول الله.

ثم افترقوا فقال لأصحابه: كيف رأيتموني فعلت؟

فأثنوا عليه خيراً، فنزلت.

ويقال لقيته ولاقيته إذا استقبلته قريباً منه، وهو جاري ملاقيّ ومراوقي.

وقرأ أبو حنيفة: وإذا لاقوا.

وخلوت بفلان وإليه، إذا انفردت معه.

ويجوز أن يكون من (خلا) بمعنى: مضى، وخلاك ذمّ: أي عداك ومضى عنك.

ومنه: القرون الخالية، ومن (خلوت به) إذا سخرت منه.

وهو من قولك: خلا فلان بعرض فلان يعبث به.

ومعناه: وإذا أنهوا السخرية بالمؤمنين إلى شياطينهم وحدّثوهم بها.

كما تقول: أحمد إليك فلاناً، وأذمّه إليك.

وشياطينهم: الذين ماثلوا الشياطين في تمرّدهم.

وقد جعل سيبويه نون الشيطان في موضع من كتابه أصلية، وفي آخر زائدة.

والدليل على أصالتها قولهم: تشيطن، واشتقاقه من (شطن) إذا بعد؛ لبعده من الصلاح والخير.

ومن (شاط) إذا بطل إذا جعلت نونه زائدة.

ومن أسمائه الباطل.

﴿ إِنَّا مَعَكُمْ ﴾ إنا مصاحبوكم وموافقوكم على دينكم.

فإن قلت: لم كانت مخاطبتهم المؤمنين بالجملة الفعلية، وشياطينهم بالإسمية محققة بأن؟

قلت: ليس ما خاطبوا به المؤمنين جديراً بأقوى الكلامين وأوكدهما، لأنهم في ادّعاء حدوث الإيمان منهم ونشئه من قبلهم، لا في ادعاء أنهم أوحديون في الإيمان غير مشقوق فيه غبارهم، وذلك إما لأنّ أنفسهم لا تساعدهم عليه، إذ ليس لهم من عقائدهم باعث ومحرّك، وهكذا كل قول لم يصدر عن أريحية وصدق رغبة واعتقاد.

وإما لأنه لا يروج عنهم لو قالوه على لفظ التوكيد والمبالغة.

وكيف يقولونه ويطمعون في رواجه وهم بين ظهراني المهاجرين والأنصار الذين مثلهم في التوراة والإنجيل.

ألا ترى إلى حكاية الله قول المؤمنين: ﴿ رَبَّنَا إِنَّنَا ءامَنَّا ﴾ [آل عمران: 16] .

وأما مخاطبة إخوانهم، فهم فيما أخبروا به عن أنفسهم من الثبات على اليهودية والقرار على اعتقاد الكفر، والبعد من أن يزلوا عنه على صدق رغبة ووفور نشاط وارتياح للتكلم به، وما قالوه من ذلك فهو رائج عنهم متقبل منهم، فكان مظنة للتحقيق ومثنة للتوكيد.

فإن قلت: أنى تعلق قوله: ﴿ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ ﴾ بقوله: ﴿ إِنَّا مَعَكُمْ ﴾ قلت: هو توكيد له، لأن قوله: ﴿ إِنَّا مَعَكُمْ ﴾ معناه الثبات على اليهودية.

وقوله: ﴿ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ ﴾ ردّ للإسلام ودفع له منهم، لأن المستهزئ بالشيء المستخف به منكر له ودافع لكونه معتداً به، ودفع نقيض الشيء تأكيد لثباته أو بدل منه، لأن من حقر الإسلام فقد عظم الكفر.

أو استئناف، كأنهم اعترضوا عليهم حين قالوا لهم: ﴿ إِنَّا مَعَكُمْ ﴾ ، فقالوا: فما بالكم إن صح أنكم معنا توافقون أهل الإسلام فقالوا: إنما نحن مستهزئون.

والاستهزاء: السخرية والاستخفاف، وأصل الباب الخفة من الهزء وهو القتل السريع وهزأ يهزأ: مات على المكان.

عن بعض العرب: مشيت فلغبت فظننت لأهزأنّ على مكاني.

وناقته تهزأ به: أي تسرع وتخف.

فإن قلت: لا يجوز الاستهزاء على الله تعالى، لأنه متعال عن القبيح، والسخرية من باب العيب والجهل.

ألا ترى إلى قوله: ﴿ قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بالله أَنْ أَكُونَ مِنَ الجاهلين ﴾ [البقرة: 67] ، فما معنى استهزائه بهم؟

قلت: معناه إنزال الهوان والحقارة بهم، لأنّ المستهزئ غرضه الذي يرميه هو طلب الخفة والزراية ممن يهزأ به، وإدخال الهوان والحقارة عليه، والاشتقاق كما ذكرنا شاهد لذلك.

وقد كثر التهكم في كلام الله تعالى بالكفرة.

والمراد به تحقير شأنهم وازدراء أمرهم، والدلالة على أن مذاهبهم حقيقة بأن يسخر منها الساخرون ويضحك الضاحكون.

ويجوز أن يراد به ما مر في ﴿ يخادعون ﴾ من أنه يجري عليهم أحكام المسلمين في الظاهر، وهو مبطن بادخار ما يراد بهم، وقيل: سمي جزاء الاستهزاء باسمه كقوله: ﴿ وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا ﴾ [الشورى: 40] ، ﴿ فَمَنِ اعتدى عَلَيْكُمْ فاعتدوا عَلَيْهِ ﴾ [البقرة: 194] .

فإن قلت: كيف ابتدئ قوله: ﴿ الله يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ﴾ ولم يعطف على الكلام قبله.

قلت: هو استئناف في غاية الجزالة والفخامة.

وفيه أن الله عز وجل هو الذي يستهزئ بهم الاستهزاء الأبلغ، الذي ليس استهزاؤهم إليه باستهزاء ولا يؤبه له في مقابلته، لما ينزل بهم من النكال ويحل بهم من الهوان والذل.

وفيه أن الله هو الذي يتولى الاستهزاء بهم انتقاماً للمؤمنين، ولا يحوج المؤمنين أن يعارضوهم باستهزاء مثله.

فإن قلت: فهلا قيل الله مستهزئ بهم ليكون طبقاً لقوله ﴿ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ ﴾ قلت: لأن ﴿ يَسْتَهْزِئُ ﴾ يفيد حدوث الاستهزاء وتجدده وقتاً بعد وقت، وهكذا كانت نكايات الله فيهم وبلاياه النازلة بهم ﴿ أَوْ لاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ﴾ [التوبة: 126] وما كانوا يخلون في أكثر أوقاتهم من تهتك أستار وتكشف أسرار، ونزول في شأنهم واستشعار حذر من أن ينزل فيهم ﴿ يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قُلْ استهزءوا إِنَّ الله مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ ﴾ [التوبة: 64] .

﴿ وَيَمُدُّهُمْ فِي طغيانهم ﴾ من مدّ الجيش وأمده إذا زاده وألحق به ما يقويه ويكثره.

وكذلك مدّ الداوة وأمدها: زادها ما يصلحها.

ومددت السرج والأرض: إذا استصلحتهما بالزيت والسماد.

ومده الشيطان في الغي وأمده: إذا واصله بالوساوس حتى يتلاحق غيه ويزداد إنهماكاً فيه.

فإن قلت: لم زعمت أنه من المدد دون المد في العمر والإملاء والإمهال؟

قلت: كفاك دليلاً على أنه من المدد دون المد قراءة ابن كثير وابن محيصن: ﴿ ويمدّهم ﴾ ، وقراءة نافع: ﴿ وإخوانهم يَمُدُّونَهُمْ ﴾ [الأعراف: 202] على أن الذي بمعنى أمهله إنما هو مدّ له مع اللام كأملى له.

فإن قلت: فكيف جاز أن يوليهم الله مدداً في الطغيان وهو فعل الشياطين؟

ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿ وإخوانهم يَمُدُّونَهُمْ فِي الغى ﴾ [الأعراف: 202] قلت: إما أن يحمل على أنهم لما منعهم الله ألطافه التي يمنحها المؤمنين، وخذلهم بسبب كفرهم وإصرارهم عليه، بقيت قلوبهم بتزايد الرين والظلمة فيها، تزايد الإنشراح والنور في قلوب المؤمنين فسمى ذلك التزايد مدداً.

وأسند إلى الله سبحانه لأنه مسبب عن فعله بهم بسبب كفرهم.

وإما على منع القسر والإلجاء وإما على أن يسند فعل الشيطان إلى الله لأنه بتمكينه وإقداره والتخلية بينه وبين إغواء عباده.

فإن قلت: فما حملهم على تفسير المدّ في الطغيان بالإمهال وموضوع اللغة كما ذكرت لا يطاوع عليه؟

قلت: استجرّهم إلى ذلك خوف الإقدام على أن يسندوا إلى الله ما أسندوا إلى الشياطين لكن المعنى الصحيح ما طابقه اللفظ وشهد لصحته، وإلا كان منه بمنزلة الأروى من النعام.

ومن حق مفسر كتاب الله الباهر وكلامه المعجز، أن يتعاهد في مذاهبه بقاء النظم على حسنه والبلاغة على كمالها وما وقع به التحدّي سليماً من القادح، فإذا لم يتعاهد أوضاع اللغة فهو من تعاهد النظم والبلاغة على مراحل.

ويعضد ما قلناه قول الحسن في تفسيره: في ضلالتهم يتمادون، وأن هؤلاء من أهل الطبع.

والطغيان: الغلو في الكفر، ومجاوزة الحدّ في العتوّ.

وقرأ زيد بن علي رضي الله عنه: ﴿ فِي طغيانهم ﴾ بالكسر وهما لغتان، كلقيان ولقيان، وغنيان وغنيان.

فإن قلت: أي نكتة في إضافته إليهم؟

قلت: فيها أن الطغيان والتمادي في الضلالة مما اقترفته أنفسهم واجترحته أيديهم، وأن الله بريء منه ردّاً لاعتقاد الكفرة القائلين: لو شاء الله ما أشركنا، ونفياً لو هم من عسى يتوهم عند إسناد المدّ إلى ذاته لو لم يضف الطغيان إليهم ليميط الشبه ويقلعها ويدفع في صدر من يلحد في صفاته.

ومصداق ذلك أنه حين أسند المدّ إلى الشياطين، أطلق الغيّ ولم يقيده بالإضافة في قوله: ﴿ وإخوانهم يَمُدُّونَهُمْ فِي الغى ﴾ [الأعراف: 202] .

والعمه: مثل العمى، إلا أن العمى عامّ في البصر والرأي، والعمه في الرأي خاصة، وهو التحير والتردّد، لا يدري أين يتوجه.

ومنه قوله: بالجاهلين العمه، أي الذين لا رأي لهم ولا دراية بالطرق.

وسلك أرضاً عمهاء: لا منار بها.

ومعنى اشتراء الضلالة بالهدى: اختيارها عليه واستبدالها به، على سبيل الاستعارة، لأنّ الاشتراء فيه إعطاء بدل وأخذ آخر.

ومنه: أَخَذْتُ بالجُمَّةِ رَأْساً أَزْعَرَا ** وبالثَّنَايَا الْوَاضِحَاتِ الدَّرْدَرَا وبالطَّوِيلِ العُمْرِ عُمْراً حَيْدَرَا ** كما اشْتَرَى المُسْلِمُ إذ تَنَصَّرَا وعن وهب: قال الله عز وجل فيما يعيب به بني إسرائيل: «تفقهون لغير الدين، وتعلمون لغير العمل، وتبتاعون الدنيا بعمل الآخرة» .

فإن قلت: كيف اشتروا الضلالة بالهدى وما كانوا على هدى؟

قلت: جعلوا لتمكنهم منه وإعراضه لهم كأنه في أيديهم، فإذا تركوه إلى الضلالة فقد عطلوه واستبدلوها به، ولأن الدين القيم هو فطرة الله التي فطر الناس عليها، فكل من ضل فهو مستبدل خلاف الفطرة.

(والضلالة) الجور عن القصد وفقد الاهتداء.

يقال: ضلّ منزله، وضل دريص نفقه فاستعير للذهاب عن الصواب في الدين.

والربح: الفضل على رأس المال، ولذلك سمي: الشف، من قولك: أشف بعض ولده على بعض، إذا فضله.

ولهذا على هذا شف.

والتجارة: صناعة التاجر، وهو الذي يبيع ويشتري للربح.

وناقة تاجرة: كأنها من حسنها وسمنها تبيع نفسها.

وقرأ ابن أبي عبلة ﴿ تجاراتهم ﴾ .

فإن قلت: كيف أسند الخسران إلى التجارة وهو لأصحابها؟

قلت: هو من الإسناد المجازي، وهو أن يسند الفعل إلى شيء يتلبس بالذي هو في الحقيقة له، كما تلبست التجارة بالمشترين.

فإن قلت: هل يصح: ربح عبدك وخسرت جاريتك، على الإسناد المجازي؟

قلت: نعم إذا دلت الحال.

وكذلك الشرط في صحة: رأيت أسداً، وأنت تريد المقدام؛ إن لم تقم حال دالة لم يصح.

فإن قلت: هب أنّ شراء الضلالة بالهدى وقع مجازاً في معنى الاستبدال، فما معنى ذكر الربح والتجارة؟

كأن ثمّ مبايعة على الحقيقة.

قلت: هذا من الصنعة البديعة التي تبلغ بالمجاز الذروة العليا، وهو أن تساق كلمة مساق المجاز، ثم تقفى بأشكال لها وأخوات، إذا تلاحقن لم تر كلاماً أحسن منه ديباجة وأكثر ماء ورونقاً، وهو المجاز المرشح.

وذلك نحو قول العرب في البليد: كأن أذني قلبه خطلاً، وإن جعلوه كالحمار، ثم رشحوا ذلك روما لتحقيق البلادة، فادعوا لقلبه أذنين، وادعوا لهما الخطل، ليمثلوا البلادة تمثيلاً يلحقها ببلادة الحمار مشاهدة معاينة، ونحوه: ولَما رَأَيْتُ النَّسْرَ عَزَّ ابْنَ دَأَيَةٍ ** وعَشَّشَ في وَكْرَيْهِ جَاشَ لهُ صَدْرِي لما شبه الشيب بالنسر، والشعر الفاحم بالغراب، أتبعه ذكر التعشيش والوكر.

ونحوه قول بعض فتاكهم في أمّه: فما أُمُّ الرّدين وإنْ أَدَلَّتْ ** بِعالِمَةٍ بأَخْلاقِ الْكِرَامِ إذَا الشّيْطانُ قَصعَ في قَفَاها ** تَنفّقْناهُ بالحُبلِ التُّوَامِ أي إذا دخل الشيطان في قفاها استخرجناه من نافقائه بالحبل المثنى المحكم.

يريد: إذا حردت وأساءت الخلق اجتهدنا في إزالة غضبها وإماطة ما يسوء من خلقها.

استعار التقصيع أوّلاً، ثم ضم إليه التنفق، ثم الحبل التوام.

فكذلك لما ذكر سبحانه الشراء أتبعه ما يشاكله ويواخيه وما يكمل ويتم بانضمامه إليه، تمثيلاً لخسارهم وتصويراً لحقيقته.

فإن قلت: فما معنى قوله ﴿ فَمَا رَبِحَت تجارتهم وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ ﴾ .

قلت: معناه أنّ الذي يطلبه التجار في متصرفاتهم شيئان: سلامة رأس المال، والربح.

وهؤلاء قد أضاعوا الطلبتين معاً، لأن رأس مالهم كان هو الهدى، فلم يبق لهم مع الضلالة.

وحين لم يبق في أيديهم إلا الضلالة، لم يوصفوا بإصابة الربح.

وإن ظفروا بما ظفروا به من الأغراض الدنيوية؛ لأن الضال خاسر دامر، ولأنه لا يقال لمن لم يسلم له رأس ماله: قد ربح، وما كانوا مهتدين لطرق التجارة كما يكون التجار المتصرفون العالمون بما يربح فيه ويخسر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَإذا قِيلَ لَهم آمِنُوا ﴾ مِن تَمامِ النُّصْحِ والإرْشادِ فَإنَّ كَمالَ الإيمانِ بِمَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ: الإعْراضِ عَمّا لا يَنْبَغِي وهو المَقْصُودُ بِقَوْلِهِ: ﴿ لا تُفْسِدُوا ﴾ ، والإتْيانِ بِما يَنْبَغِي وهو المَطْلُوبُ بِقَوْلِهِ: ﴿ آمِنُوا ﴾ .

﴿ كَما آمَنَ النّاسُ ﴾ في حَيِّزِ النَّصْبِ عَلى المَصْدَرِ، وما مَصْدَرِيَّةٌ أوْ كافَّةٌ مِثْلُها في رُبَّما، واللّامُ في النّاسِ لِلْجِنْسِ والمُرادُ بِهِ الكامِلُونَ في الإنْسانِيَّةِ العامِلُونَ بِقَضِيَّةِ العَقْلِ، فَإنَّ اسْمَ الجِنْسِ كَما يُسْتَعْمَلُ لِمُسَمّاهُ مُطْلَقًا يُسْتَعْمَلُ لِما يَسْتَجْمِعُ المَعانِيَ المَخْصُوصَةَ بِهِ والمَقْصُودَةَ مِنهُ، ولِذَلِكَ يُسْلَبُ عَنْ غَيْرِهِ فَيُقالُ: زَيْدٌ لَيْسَ بِإنْسانٍ، ومِن هَذا البابِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ ﴾ ونَحْوُهُ وقَدْ جَمَعَهُما الشّاعِرُ في قَوْلِهِ: إذِ النّاسُ ناسٌ والزَّمانُ زَمانُ أوْ لِلْعَهْدِ، والمُرادُ بِهِ الرَّسُولُ  ومَن مَعَهُ.

أوْ مَن آمَنَ مِن أهْلِ جِلْدَتِهِمْ كابْنِ سَلامِ وأصْحابِهِ، والمَعْنى آمَنُوا إيمانًا مَقْرُونًا بِالإخْلاصِ مُتَمَحِّضًا عَنْ شَوائِبِ النِّفاقِ مُماثِلًا لِإيمانِهِمْ، واسْتَدَلَّ بِهِ عَلى قَبُولِ تَوْبَةِ الزِّنْدِيقِ وأنَّ الإقْرارَ بِاللِّسانِ إيمانٌ وإنْ لَمْ يُفِدِ التَّقْيِيدَ.

﴿ قالُوا أنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ ﴾ الهَمْزَةُ فِيهِ لِلْإنْكارِ، واللّامُ مُشارٌ بِها إلى النّاسِ، أوِ الجِنْسِ بِأسْرِهِ وهم مُنْدَرِجُونَ فِيهِ عَلى زَعْمِهِمْ، وإنَّما سَفَّهُوهم لِاعْتِقادِهِمْ فَسادَ رَأْيِهِمْ، أوْ لِتَحْقِيرِ شَأْنِهِمْ، فَإنَّ أكْثَرَ المُؤْمِنِينَ كانُوا فُقَراءَ ومِنهم مَوالِي: كَصُهَيْبٍ وبِلالٍ، أوْ لِلتَّجَلُّدِ وعَدَمِ المُبالاةِ بِمَن آمَنُ مِنهم إنْ فُسِّرَ النّاسُ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأشْياعِهِ.

والسَّفَهُ: خِفَّةٌ وسَخافَةُ رَأْيٍ يَقْتَضِيهِما نُقْصانُ العَقْلِ، والحِلْمُ يُقابِلُهُ.

﴿ ألا إنَّهم هُمُ السُّفَهاءُ ولَكِنْ لا يَعْلَمُونَ ﴾ رَدٌّ ومُبالَغَةٌ في تَجْهِيلِهِمْ، فَإنَّ الجاهِلَ بِجَهْلِهِ الجازِمِ عَلى خِلافِ ما هو الواقِعُ أعْظَمُ ضَلالَةً وأتَمُّ جَهالَةً مِنَ المُتَوَقِّفِ المُعْتَرِفِ بِجَهْلِهِ، فَإنَّهُ رُبَّما يُعْذَرُ وتَنْفَعُهُ الآياتُ والنُّذُرُ، وإنَّما فُصِّلَتِ الآيَةُ بِ ﴿ لا يَعْلَمُونَ ﴾ والَّتِي قَبْلَها بِ ﴿ لا يَشْعُرُونَ ﴾ لِأنَّهُ أكْثَرُ طِباقًا لِذِكْرِ السَّفَهِ، ولِأنَّ الوُقُوفَ عَلى أمْرِ الدِّينِ والتَّمْيِيزَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ مِمّا يَفْتَقِرُ إلى نَظَرٍ وفِكْرٍ.

وأمّا النِّفاقُ وما فِيهِ مِنَ الفِتَنِ والفَسادِ فَإنَّما يُدْرَكُ بِأدْنى تَفَطُّنٍ وتَأمُّلٍ فِيما يُشاهَدُ مِن أقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قَالُواْ أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السفهاء} نصحوهم من وجهين أحدهما تقبيح ما كانوا عليه لبعده عن الصواب وجره إلى الفساد وثانيهما تبصيرهم الطريق الأسَدَََّ من اتباع ذوي الأحلام فكان من جوابهم أن سفهوهم لتمادي جهلهم وفيه تسلية للعالم مما يلقى من الجهلة وإنما صح اسنادقيل إلى لاتفسدوا وآمنوا مع أن إسناد الفعل إلى الفعل لا يصح لأنه إسناد إلى لفظ الفعل والممتنع إسناد الفعل إلى معنى الفعل فكأنه قيل وإذا قيل لهم هذا القول ومنه زعموا مطية الكذب وما في كما كافة كما في ربما أو مصدرية كما في بِمَا رحبت واللام في الناس للعهد أي كما آمن الرسول ومن معه وهم ناس معهودون أو عبد الله بن سلام وأشياعه أي كما آمن أصحابكم وإخوانكم أو للجنس أي كما آمن الكاملون في الإنسانية أو جعل المؤمنون كأنهم الناس على الحقيقة ومن عداهم كالبهائم والكاف فى كما آمن في موضع النصب لأنه صفة مصدر محذوف أي إيماناً مثل إيمان الناس ومثله كما آمن السفهاء والاستفهام فى أنؤمن للانكار واللام فى السفهاء مشاربها إلى الناس وانما سفهوهم وهم العقلاء المراجيم لأنهم لجهلهم اعتقدوا أن ما هم فيه هو الحق وأن ما عداه باطل ومن ركب متن الباطل كان سفيهاً والسفه سخافة العقل وخفة الحلم {أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السفهاء ولكن لاَّ يَعْلَمُونَ} أنهم هم السفهاء وإنما ذكرهنا لا يعلمون وفيما تقدم لا يشعرون لأنه قد ذكر السفه وهو جهل فكان ذكر العلم معه أحسن طباقاً له ولأن الإيمان يحتاج فيه إلى نظر واستدلال حتى يكتسب الناظر المعرفة أما الفساد في الأرض فأمر مبني

على العادات فهو كالمحسوس والسفهاء خبران وهم فصل أو مبتدأ والسفهاء خبرهم والجملة خبر ان

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وإذا قِيلَ لَهم آمِنُوا كَما آمَنَ النّاسُ ﴾ إشارَةٌ إلى التَّحْلِيَةِ بِالحاءِ المُهْمَلَةِ، كَما أنْ ﴿ لا تُفْسِدُوا ﴾ إشارَةٌ إلى التَّخْلِيَةِ بِالخاءِ المُعْجَمَةِ، ولِذا قُدِّمَ، ولَيْسَ هُنا ما يَدُلُّ عَلى أنَّ الأعْمالَ داخِلَةٌ في كَمالِ الإيمانِ، أوْ في حَقِيقَتِهِ، كَما قِيلَ لِأنَّ اعْتِبارَ تَرْكِ الفَسادِ لِدَلالَتِهِ عَلى التَّكْذِيبِ المُنافِي لِلْإيمانِ، وحُذِفَ المُؤْمِنُ بِهِ لِظُهُورِهِ، أوْ أُرِيدَ: افْعَلُوا الإيمانَ، والكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، وأكْثَرُ النُّحاةِ يَجْعَلُونَها نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ إيمانًا، كَما آمَنَ النّاسُ، وسِيبَوَيْهِ لا يُجَوِّزُ حَذْفَ المَوْصُوفِ، وإقامَةَ الصِّفَةِ مَقامَهُ في هَذا المَوْضِعِ، ويَجْعَلُها مَنصُوبَةً عَلى الحالِ مِنَ المَصْدَرِ المُضْمَرِ المَفْهُومِ مِنَ الفِعْلِ، ولَمْ تُجْعَلْ مُتَعَلِّقَةً (بِآمِنُوا)، والظَّرْفُ لَغْوٌ بِناءً عَلى أنَّ الكافَ لا تَكُونُ كَذَلِكَ، (وما) إمّا مَصْدَرِيَّةٌ أوْ كافَّةٌ، ولَمْ تُجْعَلْ مَوْصُولَةً لِما فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ، والمَعْنى عَلى المَصْدَرِيَّةِ: آمِنُوا إيمانًا مُشابِهًا لِإيمانِ النّاسِ، وعَلى الكَفِّ: حَقِّقُوا إيمانَكم كَما تَحَقَّقَ إيمانُ النّاسِ، وذَلِكَ بِأنْ يَكُونَ مَقْرُونًا بِالإخْلاصِ خالِصًا عَنْ شَوائِبِ النِّفاقِ، والمُرادُ مِنَ النّاسِ الرَّسُولُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ مُطْلَقًا، كَما أخْرَجَهُابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وهم نُصْبَ عَيْنِ أُولِي الغَيْنِ، ومُلْتَفَتُ خَواطِرِهِمْ، لِتَأمُّلِهِمْ مِنهُمْ، وقَدْ مَرَّ ذِكْرُهم أيْضًا، لِدُخُولِهِمْ دُخُولًا أوَّلِيًّا في الَّذِينَ آمَنُوا، فالعَهْدُ خارِجِيٌّ، أوْ خارِجِيٌّ ذِكْرى، أوْ مَن آمَنَ مِن أبْناءِ جِنْسِهِمْ، كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، كَما قالَهُ جَماعَةٌ مِن وُجُوهِ الصَّحابَةِ، أوِ المُرادُ الكامِلُونَ في الإنْسانِيَّةِ الَّذِينَ يُعَدُّ مَن عَداهم في عِدادِ البَهائِمْ في فَقْدِ التَّمْيِيزِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، فاللّامُ إمّا لِلْجِنْسِ أوْ لِلِاسْتِغْراقِ.

واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الإقْرارَ بِاللِّسانِ إيمانٌ، وإلّا لَمْ يُفِدِ التَّقْيِيدَ، وكَوْنُهُ لِلتَّرْغِيبِ يَأْباهُ إيرادُهُمُ التَّشْبِيهَ في الجَوابِ، والجَوابِ عَنْهُ، بَعْدَ إمْكانِ مُعارَضَتِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما هم بِمُؤْمِنِينَ ﴾ أنَّهُ لا خِلافَ في جَوازِ إطْلاقِ الإيمانِ عَلى التَّصْدِيقِ اللِّسانِيِّ، لَكِنْ مِن حَيْثُ إنَّهُ تَرْجَمَةٌ عَمّا في القَلْبِ، أُقِيمَ مَقامَهُ، إنَّما النِّزاعُ في كَوْنِهِ مُسَمّى الإيمانِ في نَفْسِهِ، ووَضْعِ الشّارِعِ إيّاهُ لَهُ مَعَ النَّظَرِ عَمّا في الضَّمِيرِ عَلى ما بُيِّنَ لَكَ في مَحَلِّهِ، ولَمّا طُلِبَ مِنَ المُنافِقِ الإيمانُ دَلَّ ذَلِكَ عَلى قَبُولِ تَوْبَةِ الزِّنْدِيقِ.

فَإنْ لا يَكُنْها أوْ تَكُنْهُ فَإنَّهُ أخُوها غَذَّتْهُ أُمُّهُ بِلِبانِها نَعَمْ إنْ كانَ مَعْرُوفًا بِالزَّنْدَقَةِ داعِيًا إلَيْها، ولَمْ يَتُبْ قَبْلَ الأخْذِ قُتِلَ كالسّاحِرِ، ولَمْ تُقْبَلْ تَوْبَتُهُ كَما أفْتى بِهِ جَمْعٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ، ﴿ قالُوا أنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ ﴾ أرادُوا لا يَكُونُ ذَلِكَ أصْلًا، فالهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ الإبْطالِيِّ، وعَنَوْا بِالسُّفَهاءِ إمّا أُولَئِكَ النّاسَ المُتَقَدِّمِينَ، أوِ الجِنْسَ بِأسْرِهِ، وأُولَئِكَ الكِرامُ والعُقَلاءُ الفِخامُ داخِلُونَ فِيهِ بِزَعْمِهِمُ الفاسِدِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ اللّامَ لِلصِّفَةِ الغالِبَةِ كَما في العَيُّوقِ، لِأنَّهُ لَمْ يَغْلِبْ هَذا الوَصْفُ عَلى أُناسٍ مَخْصُوصِينَ إلّا أنْ يُدَّعى غَلَبَتُهُ فِيما بَيْنَهُمْ، قاتَلَهُمُ اللَّهُ أنّى يُؤْفَكُونَ، والسَّفَهُ الخِفَّةُ والتَّحَرُّكُ والِاضْطِرابُ، وشاعَ في نُقْصانِ العَقْلِ والرَّأْيِ، وإنَّما سَفَّهُوهم جَهْلًا مِنهم حَيْثُ اشْتَغَلُوا بِما لا يُجْدِي في زَعْمِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن بابِ التَّجَلُّدِ حَذَرًا مِنَ الشَّماتَةِ إنَّ فُسِّرَ النّاسُ بِمَن آمَنَ مِنهُمْ، واليَهُودُ قَوْمُ بُهْتٍ، وقَدِ اسْتَشْكَلَ هَذِهِ الآيَةَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ، بِأنَّهُ إذا كانَ القائِلُ المُؤْمِنِينَ كَما هو الظّاهِرُ والمُجِيبُ المُنافِقِينَ يَلْزَمُ أنْ يَكُونُوا مُظْهِرِينَ لِلْكُفْرِ، إذا لَقُوا المُؤْمِنِينَ، فَأيْنَ النِّفاقُ وهو المَفْهُومُ مِنَ السِّباقِ والسِّياقِ؟

وأُجِيبَ بِأنَّ هَذا الجَوابَ كانَ فِيما بَيْنَهُمْ، وحَكاهُ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، ورَدَّهُ عَلَيْهِمْ، ولَيْسَ الجَوابُ ما يُقالُ مُواجَهَةً فَقَطْ، فَقَدِ اسْتَفاضَ مِنَ الخَلَفِ إطْلاقُ لَفْظِ الجَوابِ عَلى رَدِّ كَلامِ السَّلَفِ مَعَ بُعْدِ العَهْدِ مِن غَيْرِ نَكِيرٍ، وقِيلَ: إذا هُنا بِمَعْنى لَوْ تَحْقِيقًا لِإبْطانِهِمُ الكُفْرَ، وأنَّهم عَلى حالٍ تَقْتَضِي أنَّهم لَوْ قِيلَ لَهم كَذا قالُوا كَذا، كَما قِيلَ مِثْلُهُ في قَوْلِهِ: وإذا ما لُمْتُهُ لُمْتُهُ وحْدِي، وقِيلَ: إنَّهُ كانَ بِحَضْرَةِ المُسْلِمِينَ لَكِنْ مُسارَرَةً بَيْنَهُمْ، وأظْهَرَهُ عالِمُ السِّرِّ والنَّجْوى، وقِيلَ: كانَ عِنْدَ مَن لَمْ يُفْشِ سِرَّهم مِنَ المُؤْمِنِينَ لِقَرابَةٍ أوْ لِمَصْلَحَةٍ ما، وذَكَرَ مَوْلانا مُفْتِي الدِّيارِ الرُّومِيَّةِ أنَّ الحَقَّ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ أنَّ قَوْلَهم هَذا وإنْ صَدَرَ بِمَحْضِرٍ مِنَ النّاصِحِينَ لا يَقْتَضِي كَوْنَهم مِنَ المُجاهِرِينَ، فَإنَّهُ ضَرْبٌ مِنَ الكُفْرِ أنِيقٌ، وفَنٌّ في النِّفاقِ عَرِيقٌ، لِأنَّهُ كَلامٌ مُحْتَمَلٌ لِلشِّرْكِ، كَما ذَكَرَهُ في تَفْسِيرِهِ، ولِلْخَيْرِ بِأنْ يُحْمَلَ عَلى ادِّعاءِ الإيمانِ كَإيمانِ النّاسِ، وإنْكارِ ما اتُّهِمُوا بِهِ مِنَ النِّفاقِ عَلى مَعْنى: أنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ والمَجانِينُ الَّذِينَ لا اعْتِدادَ بِإيمانِهِمْ، لَوْ آمَنُوا، ولا نُؤْمِنُ كَإيمانِ النّاسِ حَتّى تَأْمُرُونا بِذَلِكَ، وقَدْ خاطَبُوا بِهِ النّاصِحِينَ اسْتِهْزاءً بِهِمْ مُرائِينَ لِإرادَةِ المَعْنى الأخِيرِ، وهم مُعَوِّلُونَ عَلى الأوَّلِ، والشَّرْعُ يَنْظُرُ لِلظّاهِرِ، وعِنْدَ اللَّهِ تَعالى عِلْمُ السَّرائِرِ، ولِهَذا سَكَتَ المُؤْمِنُونَ، ورَدَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا يُسِرُّونَ، فالكَلامُ كِنايَةٌ عَنْ كَمالِ إيمانِهِمْ، ولْيَكُنْ في قَلْبِ تِلْكَ الكِنايَةِ نِكايَةٌ، فَهو عَلى مُشاكَلَةِ قَوْلِهِمْ: ﴿ واسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ ﴾ في احْتِمالِ الشَّرِّ والخَيْرِ، ولِذَلِكَ نُهِيَ عَنْهُ، وجَعَلَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى قَوْلَهُ تَعالى في الحِكايَةِ عَنْهم ﴿ إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ ﴾ مِن هَذا القَبِيلِ أيْضًا، وإلى ذَلِكَ مالَ مَوْلانا الشِّهابُ الخَفاجِيُّ وادَّعى أنَّهُ مِن بَناتِ أفْكارِهِ، وعِنْدِي أنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأنَّ: ﴿ أنُؤْمِنُ ﴾ لِإنْكارِ الفِعْلِ في الحالِ، وقَوْلَهُمْ: ﴿ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ ﴾ بِصِيغَةِ الماضِي صَرِيحٌ فِي نِسْبَتِهِمُ السَّفاهَةَ إلى المُؤْمِنِينَ لِإيمانِهِمْ، فَلا تَوْرِيَةَ، ولا نِفاقَ، ولَعَلَّهُ لَمّا رَأى صِيغَةَ الماضِي زادَ في بَيانِ المَعْنى لَوْ آمَنُوا، ولا أدْرِي مِن أيْنَ أتى بِهِ.

ولا يُصْلِحُ العَطّارُ ما أفْسَدَ الدَّهْرُ فالأهْوَنُ بَعْضُ هاتِيكَ الوُجُوهِ، وقَوْلُهُ: إنَّ إبْرازَ ما صَدَرَ عَنْ أحَدِ المُتَحاوِرَيْنِ في الخَلاءِ في مَعْرِضِ ما جَرى بَيْنَهُما في مَقامِ المُحاوَرَةِ مِمّا لا عَهْدَ بِهِ في الكَلامِ، فَضْلًا عَمّا هو في مَنصِبِ الإعْجازِ لا يَخْفى ما فِيهِ، عَلى مَنِ اطَّلَعَ عَلى مُحاوَراتِ النّاسِ قَدِيمًا وحَدِيثًا، ﴿ واللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ وهو يَهْدِي السَّبِيلَ ﴾ .

﴿ ألا إنَّهم هُمُ السُّفَهاءُ ولَكِنْ لا يَعْلَمُونَ ﴾ رَدٌّ وأشْنَعُ تَجْهِيلٍ حَسْبَما أُشِيرَ إلَيْهِ فِيما سَلَفَ، وإنَّما قالَ سُبْحانَهُ هُنا: لا يَعْلَمُونَ، وهُناكَ: لا يَشْعُرُونَ، لِأنَّ المُثْبَتَ لَهم هُناكَ هو الإفْسادُ، وهو مِمّا يُدْرَكُ بِأدْنى تَأمُّلٍ، ولا يَحْتاجُ إلى كَثِيرِ فِكْرٍ، فَنَفى عَنْهم ما يُدْرَكُ بِالمَشاعِرِ مُبالَغَةً في تَجْهِيلِهِمْ، والمُثْبَتُ هُنا السَّفَهُ، والمُصَدَّرُ بِهِ الأمْرُ بِالإيمانِ، وذَلِكَ مِمّا يَحْتاجُ إلى نَظَرٍ تامٍّ يُفْضِي إلى الإيمانِ والتَّصْدِيقِ، ولَمْ يَقَعْ مِنهُمُ المَأْمُورُ بِهِ فَناسَبَ ذَلِكَ نَفْيُ العِلْمِ عَنْهُمْ، ولِأنَّ السَّفَهَ خِفَّةُ العَقْلِ، والجَهْلُ بِالأُمُورِ عَلى ما قِيلَ، فَيُناسِبُهُ أتَمَّ مُناسَبَةٍ نَفْيُ العِلْمِ، وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى ما هو الظّاهِرُ في المَفْعُولِ، وعَلى غَيْرِ الظّاهِرِ غَيْرُ ظاهِرٍ، فَتَدَبَّرْ.

ثُمَّ اعْلَمْ أنَّهُ إذا التَقَتِ الهَمْزَتانِ والأُولى مَضْمُومَةٌ والثّانِيَةُ مَفْتُوحَةٌ مِن كَلِمَتَيْنِ نَحْوِ السُّفَهاءِ، ألا فَفي ذَلِكَ أوْجُهُ تَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ، وبِذَلِكَ قَرَأ الكُوفِيُّونَ، وابْنُ عامِرٍ، وتَحْقِيقُ الأُولى وتَخْفِيفُ الثّانِيَةِ بِإبْدالِها واوًا، وبِذَلِكَ قَرَأ الحَرَمِيّانِ وأبُو عَمْرٍو، وتَسْهِيلُ الأُولى بِجَعْلِها بَيْنَ الهَمْزَةِ والواوِ وتَحْقِيقُ الثّانِيَةِ وتَسْهِيلُ الأُولى، وإبْدالُ الثّانِيَةِ واوًا، وأجازَ قَوْمٌ جَعْلَ الهَمْزَتَيْنِ بَيْنَ بَيْنَ ومَنَعَهُ آخَرُونَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ.

قال في رواية الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس-  ما-: إن هذه الآية نزلت في شأن اليهود وَإِذا قِيلَ لَهُمْ يعني اليهود آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ يعني عبد الله بن سلام وأصحابه، قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ يعني الجهال الخرقى.

قال الله تعالى: أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ يعني الجهال الخرقى بتركهم الإيمان بمحمد  ، وَلكِنْ لاَّ يَعْلَمُونَ أنهم سفهاء.

وقال مقاتل: نزلت هذه الآية في شأن المنافقين، وهكذا قال مجاهد ومعناه: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا يعني صدِّقوا بقلوبكم، كما صدّق أصحاب محمد  ورضي عنهم قالُوا: أَنُؤْمِنُ- يعني المنافقين- أنصدِّق كما صدق الجهال.

قال الله تعالى: أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ يعني الجهّال بتركهم التصديق في السر، ولكن لا يعلمون أنهم جهال.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

و «أَلاَ» : استفتاحُ كلامٍ، و «لكن» : حرف استدراك، ويحتمل أن يراد هنا: لا يَشْعُرُونَ أنهم مفسدون، ويحتمل أن يراد: لا يشعرون أن الله يفضحهم.

وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ (١٣) وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥) أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ (١٦)

قوله تعالى: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ ...

الآية: المعنى: صدِّقوا بمحمَّد وشرعه كما صدَّقَ المهاجرون والمحقِّقون من أهل يثرب، قالوا: أنكون كالذين خَفَّت عقولهم، والسفه: الخفَّة والرقَّة الداعيةُ إِلى الخفة، يقال: ثوب سَفِيهٌ، إِذا كان رقيقًا هَلْهَلَ النَّسْجِ، وهذا القول إِنما كانوا يقولونه في خفاء، فَأَطْلَعَ اللَّه عليه نبيَّه عليه السلام، والمؤمنين، وقرر أن السفه ورقَّة الحلوم وفساد البصائرِ إِنما هو في حيِّزهم وصفةٌ لهم، وأخبر أنهم لا يعلمون أنهم السفهاء لِلرَّيْنِ الَّذي على قلوبهم.

وقوله تعالى: وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا ...

الآية: هذه كانت حالَ المنافقين: إِظهارُ الإيمان للمؤمنين، وإِظهار الكفر في خلواتهم، وكان رسولُ الله صلّى الله عليه وسلم يعرض عنهم، ويَدَعُهُمْ في غمرة الاشتباه مخافة أن يتحدَّثَ الناسُ عنه أنه يقتُلُ أصحابه حَسْبَمَا وقع في قِصَّة عبد اللَّه بن أُبَيٍّ ابْنِ سَلُول «١» ، قال مَالِكٌ: النِّفَاقُ في عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلم هو الزندقةُ اليَوْمَ، واختلف المفسِّرون في المراد بشياطينهم، فقال ابن عبَّاس رضي اللَّه عنهما: هم رؤساء الكفر «٢» ، وقيل: الكُهَّان، قال البخاريُّ: قال مجاهدٌ: إِلى شَياطِينِهِمْ، أي:

أصحابهم من المنافقين والمشركين «٣» .

قال ص «٤» : شياطينهم: جمع شيطانٍ، وهو كل متمرّد من الجنّ والإنس

والدوابِّ.

قاله ابن عبَّاس، وأنثاه شيطانة.

انتهى.

ت: ويجب على المؤمن أن يجتنب هذه الأخلاق الذميمة، وقد ثبت عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم أنه قال: «مِنْ شَرِّ النَّاسِ ذُو الوَجْهَيْنِ الَّذِي يَأْتِي هَؤُلاَءِ بِوَجْهٍ، وَهَؤُلاَءِ بِوَجْهٍ» .

رواه أبو داود «١» ، وفيه عنه صلّى الله عليه وسلم: «مَنْ كَانَ لَهُ وَجْهَانِ فِي الدُّنْيَا، كَانَ له يوم القيامة لسانان ١١ أمن نَارٍ» .

انتهى.

/ من سنن أبي داود «٢» .

اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ: اختلف المفسِّرون في هذا الاستهزاء، فقال جمهور العلماء:

هي تسمية العُقُوبة باسم الذَّنْب، والعربُ تستعمل ذلك كثيرًا، وقال قوم: إن اللَّه سبحانه يفعل بهم أفعالاً هي في تأمل البَشَر هُزْءٌ روي أنَّ النَّارَ تجمد كما تَجْمُدُ الإِهالة «٣» ، فيمشون عليها، ويظنون أنها منجاة، فتخسف بهم، وما روي أن أبواب النَّار تفتح لهم، فيذهبون إِلى الخروج، نحا هذا المنحى ابنُ عَبَّاس والحسن.

ت: وقوله تعالى: قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً [الحديد: ١٣] يقوِّي هذا المنحى، وهكذا نص عليه في اختصار الطبريِّ.

انتهى.

وقيل: استهزاؤه بهم هو استدراجهم بدرور النعم الدنيوية، ويَمُدُّهُمْ، أي:

يزيدهم في الطغيان، وقال مجاهد: معناه: يملي لهم «٤» ، والطغيان الغلوّ وتعدّي الحدّ

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا قِيلَ لَهم آمِنُوا ﴾ في المَقُولِ لَهم قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ اليَهُودُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: المُنافِقُونَ قالَهُ مُجاهِدٌ وابْنُ زَيْدٍ وفي القائِلِينَ لَهم قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهم أصْحابُ النَّبِيِّ  قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ولَمْ يُعَيِّنْ أحَدًا مِنَ الصَّحابَةِ.

والثّانِي: أنَّهم مُعَيَّنُونَ وهم سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ وأبُو لُبابَةَ وأُسَيْدُ ذَكَرَهُ مُقاتِلٌ.

وَفِي الإيمانِ الَّذِي دُعُوا إلَيْهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ التَّصْدِيقُ بِالنَّبِيِّ وهو قَوْلُ مَن قالَ: هُمُ اليَهُودُ.

والثّانِي: أنَّهُ العَمَلُ بِمُقْتَضى ما أظْهَرُوهُ وهو قَوْلُ مَن قالَ: هُمُ المُنافِقُونَ.

وَفِي المُرادِ بِالنّاسِ هاهُنا ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: جَمِيعُ الصَّحابَةِ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ، ومَن أسْلَمَ مَعَهُ مِنَ اليَهُودِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ، وسَعْدُ بْنُ مُعاذٍ، وأُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ، وجَماعَةٌ مِن وُجُوهِ الأنْصارِ، عَدَّهُمُ الكَلْبِيُّ.

وفِيمَن عَنَوْا بِالسُّفَهاءِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: جَمِيعُ الصَّحابَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: النِّساءُ والصِّبْيانُ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: ابْنُ سَلامٍ وأصْحابُهُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وفِيما عَنَوْهُ بِالغَيْبِ مِن إيمانِ الَّذِينَ زَعَمُوا أنَّهُمُ السُّفَهاءُ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهم أرادُوا دِينَ الإسْلامِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: أنَّهم أرادُوا البَعْثَ والجَزاءَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: أنَّهم عَنَوْا مُكاشَفَةَ الفَرِيقَيْنِ بِالعَداوَةِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ في عاقِبَةِ، وهَذا الوَجْهُ والَّذِي قَبْلَهُ يَخْرُجُ عَلى أنَّهُمُ المُنافِقُونَ، والأوَّلُ يَخْرُجُ عَلى أنَّهُمُ اليَهُودُ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والسُّفَهاءُ: الجَهَلَةُ، يُقالُ: سَفَّهَ فَلانٌ رَأْيَهُ إذا جَهِلَهُ، ومِنهُ قِيلَ لِلْبِذاءِ: سَفَهٌ؛ لِأنَّهُ جَهْلٌ.

قالَ الزَّجّاجُ: وأصْلُ السَّفَهِ في اللُّغَةِ: خِفَّةُ الحِلْمِ، ويُقالُ: ثَوْبٌ سَفِيهٌ: إذا كانَ رَقِيقًا بالِيًا، وتَسَفَّهَتِ الرِّيحُ الشَّجَرَ: إذا مالَتْ بِهِ قالَ الشّاعِرُ: مَشِينٌ كَما اهْتَزَّتْ رِماحٌ تَسَفَّهَتْ أعالِيها مَرُّ الرِّياحِ النَّواسِمِ *** قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ ﴾ .

قالَ مُقاتِلٌ: لا يَعْلَمُونَ أنَّهم هُمُ السُّفَهاءُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذا قِيلَ لَهم آمِنُوا كَما آمَنَ الناسُ قالُوا أنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُفَهاءُ ألا إنَّهم هُمُ السُفَهاءُ ولَكِنْ لا يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ وَإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إنّا مَعَكم إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ ﴾ المَعْنى: صَدِّقُوا بِمُحَمَّدٍ  وشَرْعِهِ، مِثْلُ ما صَدَّقَ المُهاجِرُونَ والمُحَقِّقُونَ مِن أهْلِ يَثْرِبَ، قالُوا: أنَكُونُ كالَّذِينِ خَفَّتْ عُقُولُهُمْ؟

و"السَفَهُ": الخِفَّةُ والرِقَّةُ الداعِيَةُ إلى الخِفَّةِ، يُقالُ: "ثَوْبُ سَفِيهٍ" إذا كانَ رَقِيقًا هَلْهَلَ النَسْجِ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُمَّةِ: مَشِينٌ كَما اهْتَزَّتْ رِماحٌ تَسَفَّهَتْ أعالِيها مَرُّ الرِياحِ النَواسِمِ وَهَذا القَوْلُ إنَّما كانُوا يَقُولُونَهُ في الخَفاءِ، فَأطْلَعَ اللهُ عَلَيْهِ نَبِيَّهُ والمُؤْمِنِينَ، وقَرَّرَ أنَّ السَفَهَ ورِقَّةَ الحُلُومِ وفَسادَ البَصائِرِ إنَّما هو في حَيِّزِهِمْ وصِفَةٌ لَهُمْ، وأخْبَرَ أنَّهم لا يَعْلَمُونَ أنَّهُمُ السُفَهاءُ لِلرَّيْنِ الَّذِي عَلى قُلُوبِهِمْ.

وقالَ قَوْمٌ: الآيَةُ نَزَلَتْ في مُنافِقِي اليَهُودِ، والمُرادُ بِالناسِ: عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلامٍ ومَن أسْلَمَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا تَخْصِيصٌ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ.

و"لَقُوا" أصْلُهُ لَقِيُوا اسْتُثْقِلَتِ الضَمَّةُ عَلى الياءِ فَسَكَنَتْ، فاجْتَمَعَ الساكِنانِ فَحُذِفَتِ الياءُ.

وقَرَأ ابْنُ السَمَيْفَعِ: "لاقَوُا الَّذِينَ".

وهَذِهِ كانَتْ حالُ المُنافِقِينَ: إظْهارُ الإيمانِ لِلْمُؤْمِنِينَ، وإظْهارُ الكُفْرِ في خَلَواتِهِمْ بَعْضُهم مَعَ بَعْضٍ، وكانَ المُؤْمِنُونَ يُلْبِسُونَهم عَلى ذَلِكَ لِمَوْضِعِ القَرابَةِ، فَلَمْ تَلْتَمِسْ عَلَيْهِمُ الشَهاداتُ، ولا تَقَرَّرَ تَعَيُّنُهم في النِفاقِ تَقَرُّرًا يُوجِبُ لِوُضُوحِهِ الحُكْمَ بِقَتْلِهِمْ، وكانَ ما يُظْهِرُونَهُ مِنَ الإيمانِ يَحْقِنُ دِماءَهُمْ، وكانَ رَسُولُ اللهِ  يُعْرِضُ عنهُمْ، ويَدَعُهم في غَمْرَةِ الِاشْتِباهِ، مَخافَةَ أنْ يَتَحَدَّثَ عنهُ أنَّهُ يَقْتُلُ أصْحابَهُ، فَيَنْفِرُ الناسُ، حَسَبَ ما «قالَ عَلَيْهِ السَلامُ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، حِينَ قالَ لَهُ في وقْتِ قَوْلِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولٍ: ﴿ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ  ﴾ القِصَّةُ، دَعْنِي يا رَسُولَ اللهِ أضْرِبُ عُنُقَ هَذا المُنافِقِ، فَقالَ: دَعْهُ، لا يَتَحَدَّثُ الناسُ أنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أصْحابَهُ» فَهَذِهِ طَرِيقَةُ أصْحابِ مالِكٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ في مَعْنى كَفِّ رَسُولِ اللهِ  عن قَتْلِ المُنافِقِينَ، مَعَ عِلْمِهِ بِكُفْرِهِمْ في الجُمْلَةِ، نَصَّ عَلى هَذا مُحَمَّدُ بْنُ الجَهْمِ، وإسْماعِيلُ القاضِي، والأبْهَرَيُّ، وابْنُ الماجَشُونِ، واحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والمُرْجِفُونَ في المَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إلّا قَلِيلًا  ﴾ ﴿ مَلْعُونِينَ أيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وقُتِّلُوا تَقْتِيلا  ﴾ وقالَ قَتادَةُ، مَعْناهُ: إذا هم أعْلَنُوا النِفاقَ.

قالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ: النِفاقُ في عَهْدِ رَسُولِ اللهِ  هُوَ: الزَنْدَقَةُ فِينا اليَوْمَ، فَيُقْتَلُ الزِنْدِيقُ إذا شَهِدَ عَلَيْهِ بِها دُونَ اسْتِتابَةٍ، لِأنَّهُ لا يُظْهِرُ ما يُسْتَتابُ مِنهُ، وإنَّما كَفَّ رَسُولُ اللهِ  عَنِ المُنافِقِينَ لِيَسُنَّ لِأُمَّتِهِ أنَّ الحاكِمَ لا يَحْكُمُ بِعِلْمِهِ إذْ لَمْ يَشْهَدْ عَلى المُنافِقِينَ.

قالَ القاضِي إسْماعِيلُ: لَمْ يَشْهَدْ عَلى عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ إلّا زَيْدُ بْنُ أرْقَمَ وحْدَهُ، ولا عَلى الجُلاسِ بْنِ سُوَيْدٍ إلّا عُمَيْرُ بْنُ سَعْدٍ رَبِيبِهِ وحْدَهُ، ولَوْ شَهِدَ عَلى أحَدٍ مِنهم رَجُلانِ بِكَفْرِهِ ونِفاقِهِ لَقُتِلَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: أقْوى مِنَ انْفِرادِ زَيْدٍ وغَيْرِهِ أنَّ اللَفْظَ لَيْسَ بِصَرِيحِ كُفْرٍ، وإنَّما يُفْهَمُ مِن قَوَّتِهِ الكُفْرُ.

قالَ الشافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: السُنَّةُ فِيمَن شَهِدَ عَلَيْهِ بِالزَنْدَقَةِ، فَجَحَدَ وأعْلَنَ بِالإيمانِ، وتَبَرَّأ مِن كُلِّ دِينٍ سِوى الإسْلامِ، أنَّ ذَلِكَ يَمْنَعُ مِن إراقَةِ دَمِهِ، وبِهِ قالَ أصْحابُ الرَأْيِ والطَبَرِيُّ وغَيْرُهم.

قالَ الشافِعِيُّ وأصْحابُهُ: وإنَّما مُنِعَ رَسُولُ اللهِ  مِن قَتْلِ المُنافِقِينَ، ما كانُوا يُظْهِرُونَهُ مِنَ الإسْلامِ بِألْسِنَتِهِمْ مَعَ العِلْمِ بِنِفاقِهِمْ، لِأنَّ ما يُظْهِرُونَهُ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ، فَمَن قالَ: إنَّ عُقُوبَةَ الزَنْدَقَةِ أشَدُّ مِن عُقُوبَةِ الكُفّارِ فَقَدْ خالَفَ مَعْنى الكِتابِ والسُنَّةِ، وجَعَلَ شَهادَةَ الشُهُودِ عَلى الزِنْدِيقِ فَوْقَ شَهادَةِ اللهِ عَلى المُنافِقِينَ، قالَ تَعالى: ﴿ إذا جاءَكَ المُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ واللهُ يَعْلَمُ إنَّكَ لَرَسُولُهُ واللهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ  ﴾ قالَ الشافِعِيُّ، وأبُو حَنِيفَةَ، وابْنُ حَنْبَلٍ، وأهْلُ الحَدِيثِ: فالمَعْنى المُوجِبُ لِكَفِّ رَسُولِ اللهِ  عن قَتْلِ المُنافِقِينَ مَعَ العِلْمِ بِهِمْ أنَّ اللهَ تَعالى نَهاهُ عن قَتْلِهِمْ إذا أظْهَرُوا الإيمانَ، وصَلُّوا، فَكَذَلِكَ هو الزِنْدِيقُ.

واحْتَجَّ ابْنُ حَنْبَلٍ بِحَدِيثِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَدِيٍّ بْنِ الخِيارِ عن رَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ في الَّذِي شَهِدَ عَلَيْهِ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ  بِالنِفاقِ فَقالَ: «ألَيْسَ يَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللهُ، وأنِّي رَسُولُ اللهِ؟" قالُوا: بَلى، ولا شَهادَةَ لَهُ.

قالَ: "ألَيْسَ يُصَلِّي"؟

قالُوا: بَلى ولا صَلاةَ لَهُ.

قالَ: "أُولَئِكَ الَّذِينَ نَهانِي اللهُ عنهم»، وذَكَرَ أيْضًا أهْلُ الحَدِيثِ ما رُوِيَ عن رَسُولِ اللهِ  أنَّهُ قالَ فِيهِمْ: «لَعَلَّ اللهَ سَيُخْرِجُ مِن أصْلابِهِمْ مَن يُؤْمِنُ بِاللهِ، ويُصَدِّقُ المُرْسَلِينَ، يُخْلِصُ العِباداتِ لِرَبِّ العالَمِينَ» قالَ أبُو جَعْفَرٍ الطَبَرِيُّ في كِتابِ "اللَطِيفِ" في بابِ "المُرْتَدِّ": (إنَّ اللهَ قَدْ جَعَلَ الأحْكامَ بَيْنَ عِبادِهِ عَلى الظاهِرِ، وتَوَلّى الحُكْمَ في سَرائِرِهِمْ دُونَ أحَدٍ مِن خَلْقِهِ، فَلَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَحْكُمَ بِخِلافِ ما ظَهَرَ، لِأنَّهُ حَكَمَ بِالظُنُونِ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ لِأحَدٍ كانَ أولى الناسِ بِهِ رَسُولُ اللهِ  ، وقَدْ حَكَمَ لِلْمُنافِقِينَ بِحُكْمِ المُسْلِمِينَ، بِما أظْهَرُوا، ووَكَلَ سَرائِرَهم إلى اللهِ، وقَدْ كَذَّبَ اللهُ ظاهِرَهم في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واللهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ  ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يَنْفَصِلُ المالِكِيُّونَ عَمّا أُلْزِمُوهُ مِن هَذِهِ الآيَةِ بِأنَّها لَمْ تُعَيِّنْ أشْخاصَهُمْ، وإنَّما جاءَ فِيها تَوْبِيخٌ لِكُلِّ مَغْمُوضٍ عَلَيْهِ بِالنِفاقِ، وبَقِيَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم أنْ يَقُولَ: لَمْ أُرَدْ بِها، وما أنا إلّا مُؤْمِنٌ، ولَوْ عَيِّنَ أحَدٌ لَما جَبَّ كَذِبُهُ شَيْئًا.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ ﴾ وُصِلَتْ "خَلَوْا" بِإلى وعُرْفُها أنْ تُوصَلَ بِالباءِ فَتَقُولُ: خَلَوْتُ بِفُلانٍ مِن حَيْثُ نَزَلَتْ "خَلَوْا" في هَذا المَوْضِعِ مَنزِلَةُ ذَهَبُوا وانْصَرَفُوا، إذْ هو فِعْلٌ مُعادِلٌ لِقَوْلِهِ: "لَقُوا".

وهَذا مِثْلُ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِ الفَرَزْدَقِ: قَدْ قَتَلَ اللهُ زِيادًا عَنِّي.

لَمّا أنْزَلَها مَنزِلَةَ صَرْفٍ ورَدٍّ، قالَ مَكِّيُّ: يُقالُ: خَلَوْتُ بِفُلانٍ، بِمَعْنى سَخِرْتُ بِهِ، فَجاءَتْ إلى في الآيَةِ زَوالًا عَنِ الِاشْتِراكِ في الباءِ، وقالَ قَوْمٌ: "إلى" بِمَعْنى "مَعَ" وفي هَذا ضَعْفٌ، ويَأْتِي بَيانُهُ إنْ شاءَ اللهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مَن أنْصارِي إلى اللهِ  ﴾ ، وقالَ قَوْمٌ: "إلى" بِمَعْنى "الباءِ"، إذْ حُرُوفُ المَعانِي يُبْدَلُ بَعْضُها مِن بَعْضٍ، وهَذا ضَعِيفٌ يَأْباهُ الخَلِيلُ، وسِيبَوَيْهِ، وغَيْرُهُما.

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في المُرادِ بِالشَياطِينِ.

فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هم رُؤَساءُ الكَفْرِ، وقالَ ابْنُ الكَلْبِيِّ وغَيْرُهُ: هم شَياطِينُ الجِنِّ، وهَذا في المَوْضِعِ بَعِيدٌ، وقالَ جَمْعٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: هُمُ الكُهّانُ.

ولَفْظُ "الشَيْطَنَةُ" الَّذِي مَعْناهُ: البُعْدُ عَنِ الإيمانِ والخَيْرُ، يَعُمُّ جَمِيعَ مَن ذَكَرَ والمُنافِقِينَ، حَتّى يُقَدِّرَ كُلُّ واحِدٍ شَيْطانَ غَيْرِهِ، فَمِنهُمُ الخالُونَ ومِنهُمُ الشَياطِينُ.

و"مُسْتَهْزِؤُنَ" مَعْناهُ نَتَّخِذُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ نُصانِعَهم بِإظْهارِ الإيمانِ هُزُؤًا، ونَسْتَخِفُّ بِهِمْ، ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ رَحِمَهُ اللهُ: أنْ تَكُونَ الهَمْزَةُ مَضْمُومَةً عَلى الواوِ في "مُسْتَهْزِؤُونَ"، وحَكى عنهُ أبُو عَلِيٍّ أنَّها تُخَفَّفُ بَيْنَ بَيْنَ، ومَذْهَبُ أبِي الحَسَنِ الأخْفَشِ أنْ تُقْلَبَ الهَمْزَةُ ياءً قَلْبًا صَحِيحًا، فَيُقْرَأُ "مُسْتَهْزِيُونَ".

قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: حَمَلَ الياءُ الضَمَّةَ تَذَكُّرًا لِحالِ الهَمْزَةِ المَضْمُومَةِ، والعَرَبُ تَعافُ ياءً مَضْمُومَةً قَبْلَها كَسْرَةٌ، وأكْثَرُ القُرّاءِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ سِيبَوَيْهِ، ويُقالُ: هَزِئَ واسْتَهْزَأ بِمَعْنًى، فَهو كَعَجِبَ واسْتَعْجَبَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ ومُسْتَعْجِبٌ مِمّا يَرى مِن أنّاتِنا ∗∗∗ ولَوْ زَبَنَتْهُ الحَرْبُ لَمْ يَتَرَمْرَمِ <div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُواْ كَمَآ ءَامَنَ الناس قالوا أَنُؤْمِنُ كَمَآ آمَنَ السفهآء ﴾ .

هو من تمام المقول قبله فحكمه حكمه بالعطف والقائل، ويجوز هنا أن يكون القائل أيضاً طائفة من المنافقين يشيرون عليهم بالإقلاع عن النفاق لأنهم ضجروه وسئموا كُلَفَهُ ومتَّقياته، وكَلَّت أذهانهم من ابتكار الحِيَل واختلاق الخطل.

وحذف مفعول ﴿ آمِنوا ﴾ استغناء عنه بالتشبيه في قوله: ﴿ كما آمن الناس ﴾ أو لأنه معلوم للسامعين.

وقوله: ﴿ كما آمن الناس ﴾ الكاف فيه للتشبيه أو للتعليل، واللام في (الناس) للجنس أو للاستغراق العرفي.

والمراد بالناس من عَدَا المخاطبين، كلمة تقولها العرب في الإغراء بالفعل والحث عليه لأن شأن النفوس أن تسرع إلى التقليد والاقتداء بمن يسبقها في الأمر، فلذلك يأتون بهاته الكلمة في مقام الإغراء أو التسلية أو الائتساء، قال عَمْرو ابن البَرَّاقَة النِّهْمِي: وننصُرُ مولانا ونَعَلُم أَنَّه *** كما الناسسِ مجرومٌ عليه وجَارم وقوله: ﴿ أنؤمن كما آمن السفهاء ﴾ استفهام للإنكار، قصدوا منه التبرئ من الإيمان على أبلغ وجه، وجعلوا الإيمان المتبرأ منه شبيهاً بإيمان السفهاء تشنيعاً له وتعريضاً بالمسلمين بأنهم حملهم على الإيمان سفاهة عقولهم، ودلوا على أنهم علموا مراد من يقول لهم ﴿ كما آمن الناس ﴾ أنه يعني بالناس المسلمين.

والسفهاءُ جمع سفيه وهو المتصف بالسفاهة، والسفاهة خفة العقل وقلة ضبطه للأمور قال السموأل: نَخاف أن تَسْفَهَ أحلامُنَا *** فَنَخْمل الدهرَ مع الخامل والعرب تطلق السفاهة على أفن الرأي وضعفه، وتطلقها على سوء التدبير للمال.

قال تعالى: ﴿ ولا تؤتوا السفهاء أموالكم ﴾ [النساء: 5] وقال: ﴿ فإن كان الذي عليه الحق سفيهاً أو ضعيفاً ﴾ [البقرة: 282] الآية لأن ذلك إنما يجئ من ضعف الرأي.

ووصفهم المؤمنين بالسفاهة بهتان لزعمهم أن مخالفتهم لا تكون إلا لخفة في عقولهم، وليس ذلك لتحقيرهم، كيف وفي المسلمين سادة العرب من المهاجرين والأنصار.

وهذه شنشنة أهل الفساد والسفه أن يرموا المصلحين بالمذمات يهتاناً ووقاحة ليلهوهم عن تتبع مفاسدهم ولذلك قال أبو الطيب: وإذا أتتْكَ مَذمَّتي من ناقص *** فهي الشهادةُ لي بأني كامل وليس في هاته الآية دليل على حكم الزنديق إذا ظهر عليه وعرفت زندقته إثباتاً، ولا نفياً لأن القائلين لهم ﴿ آمنوا كما آمن الناس ﴾ هم من أقاربهم أو خاصتهم من المؤمنين الذين لم يفشوا أمرهم فليس في الآية دليل على ظهور نفاقهم للرسول بوجه معتاد ولكنه شيء أطلع عليه نبيئه، وكانت المصلحة في ستره، وقد اطّلع بعض المؤمنين عليه بمخالطتهم وعلموا من النبيء صلى الله عليه وسلم الإعراض عن إذاعة ذلك فكانت الآية غير دالة على حكم شرعي يتعلق بحكم النفاق والزندقة.

﴿ ألاا إِنَّهُمْ هُمُ السفهآء ولكن لاَّ يَعْلَمُونَ ﴾ .

أتى بما يقابل جفاء طبعهم انتصاراً للمؤمنين، ولولا جفاء قولهم: ﴿ أنؤمن كما آمن السفهاء ﴾ لما تصدى القرآن لسبابهم مع أن عادته الإعراض عن الجاهلين ولكنهم كانوا مضرب المثل: «قُلتَ فأَوْجَبْتَ»، ولأنه مقام بيان الحق من الباطل فتحسن فيه الصراحة والصرامة كما تقرر في آداب الخطابة، وأعلن ذلك بكلمة ألاَ المؤذنة بالتنبيه للخبر، وجاء بصيغة القصر على نحو ما قرر في: ﴿ ألا إنهم هم المفسدون ﴾ [البقرة: 12] ليدل على أن السفاهة مقصورة عليهم دون المؤمنين فهو إضافي لا محالة.

وإذا ثبتت لهم السفاهة انتفى عنهم الحِلم لا محالة لأنهما ضدان في صفات العقول (إِنَّ) هنا لتوكيد الخبر وهو مضمون القصر وضمير الفصل لتأكيد القصر كما تقدم آنفاً.

و(أَلا) كأختها المتقدمة في: ﴿ ألا إنهم هم المفسدون ﴾ .

وقوله: ﴿ ولكن لا يعلمون ﴾ نفى عنهم العلم بكونهم سفهاء بكلمة نُبئْتُ زرعة والسفاهةُ كاسمها *** يُهدى إليّ غَرائبَ الأشعار وقال جَزْءُ بن كلاب الفَقْعَسي: تَبَغّى ابنُ كُوز والسَّفَاهَة كاسمها *** لِيَسْتَادَ مِنَّا أَنْ شَتَوْنَا لَيَالِيا فظنهم أن ما هم عليه من الكفر رُشد، وأن ما تقلده المسلمون من الإيمان سَفَه يدل على انتفاء العلم عنهم.

فموقع حرف الاستدراك لدفع تعجب من يتعجب من رضاهم بالاختصاص بوصف السفاهة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا قِيلَ لَهم آمِنُوا كَما آمَنَ النّاسُ ﴾ يَعْنِي أصْحابَ النَّبِيِّ  ﴿ قالُوا أنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهم عَنَوْا بِالسُّفَهاءِ أصْحابَ النَّبِيِّ  .

والثّانِي: أنَّهم أرادُوا مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ.

والسُّفَهاءُ جَمْعُ سَفِيهٍ، وأصْلُ السَّفَهِ الخِفَّةُ، مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: ثَوْبٌ سَفِيهٌ، إذا كانَ خَفِيفَ النَّسِيجِ، فَسُمِّيَ خِفَّةُ الحِلْمِ سَفَهًا، قالَ السَّمَوْألُ: ؎ نَخافُ أنْ تَسْفَهَ أحْلامُنا فَنَخْمُلَ الدَّهْرَ مَعَ الخامِلِ <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس ﴾ قال: صدقوا كما صدق أصحاب محمد أنه نبي ورسوله، وأن ما أنزل عليه حق ﴿ قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ﴾ يعنون أصحاب محمد ﴿ ألا إنهم هم السفهاء ﴾ يقول: الجهال ﴿ ولكن لا يعلمون ﴾ يقول: لا يعقلون.

وأخرج ابن عساكر في تاريخه بسندٍ واهٍ عن ابن عباس في قوله آمنوا كما آمن الناس قال أبو بكر وعمر وعثمان وعلي.

وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود في قوله: ﴿ كما آمن السفهاء ﴾ قال: يعنون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.

وأخرج عن الربيع وابن زيد.

مثله.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ ﴾ .

المراد بالناس في هذه الآية أصحاب محمد  والذين آمنوا به، في قول الجميع (١) و (الألف واللام) فيه للمعرفة (٢) (٣) وقوله تعالى: ﴿ أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ ﴾ .

(الألف) في أنؤمن استفهام [معناه: الجحد والإنكار (٤) (٥) (٦) (٧) قال أهل اللغة (٨) (٩) مَشَيْنَ كَمَا اهْتَزَّتْ رِمَاحٌ تَسَفَّهَتْ ...

أَعَالِيهَا (١٠) (١١) ويقال: ناقة سفيهة الزمام، إذا كانت خفيفة السير، ومنه قول ذي الرمة: ........

سفيهٍ جديلُها (١٢) ولهذا المعنى سمى الله تعالى الصبيان والنساء: السفهاء في قوله ﴿ وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ  ﴾ لجهلهم وخفة عقلهم (١٣) وعنوا بالسفهاء أصحاب محمد (١٤)  و (الألف واللام) فيها (١٥) (١٦) (١٧) ﴿ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا  ﴾ .

أو (١٨) ﴿ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ  ﴾ ، وهو خلاف الإفصاح (١٩) (١) ذكر أبو الليث من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس.

أن المراد بالآية اليهود، والناس: عبد الله بن سلام وأصحابه.

"تفسير أبي الليث" 1/ 96.

والمشهور: أن الآية خطاب للمنافقين، والمراد بالناس، أصحاب محمد كما ذكر المؤلف.

انظر: "تفسير الطبري" 1/ 127 - 128، "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 46، "تفسير ابن عطية" 1/ 168 - 169، "تفسير ابن كثير" 1/ 54.

(٢) أي العهد الخارجي العلمي، أو (الألف واللام) للجنس، والمراد الكاملون في الإنسانية، انظر "الفتوحات الإلهية" 1/ 18، 19.

(٣) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 127 - 128.

(٤) انظر: "الوسيط" للمؤلف 1/ 42، "الكشاف" 1/ 182، "تفسير البيضاوي" 1/ 9، "الدر المصون" 1/ 134.

(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ج).

(٦) في (أ)، (ج): (الححال الحهال) معناها غير واضح فلعل أحد النساخ كتب الجهال وطمسها فنقلت وما في (ب) يوافق عبارة المؤلف في "الوسيط": (السفهاء: الجهال الذين قلت عقولهم)، 1/ 42.

(٧) انظر.

"اللسان" (سفه) 4/ 2032.

(٨) ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" (سفه) 2/ 1709.

(٩) في (ب): (سفهت).

(١٠) في (ب): (من).

(١١) البيت لذي الرمة يصف نسوة، جعل النساء في اهتزازهن في المشي بمنزلة الرماح، تستخفها الرياح فتزعزعها، والنواسم: الرياح الضعيفة في أول هبوبها.

البيت في "الديوان" 2/ 754، وفيه (رويدا) بدل (مشين)، "الكتاب" 1/ 52، 65، "المقتضب" 4/ 197، "تهذيب اللغة" (سفه) 2/ 1710، "معجم مقاييس اللغة" (سفه) 3/ 79، "اللسان" (سفه) 4/ 2034، (الخصائص) لابن جني 2/ 417، "تفسير ابن عطية" 1/ 169، "تفسير القرطبي" 1/ 178.

(١٢) جزء من بيت وتمامه: وأبيض موشيَّ القميص نصبته ...

على خصر مِقْلاتِ سَفِيهٍ جَدِيلُهَا أبيض: يعني السيف، نصبته على خصر مقلات: ناقة لا يعيش لها ولد، فهو أصلب لها، والجديل: الزمام، والمراد أن الناقة نشيطة، انظر: "ديوان ذي الرمة" 2/ 922، "تهذيب اللغة" (سفه) 2/ 1710، وفيها (سفيهة) بدل (سفيه)، "معجم مقاييس اللغة" (سفه) 3/ 79، "اللسان" 4/ 2034.

وبهذا انتهى ما نقله من "تهذيب اللغة" (سفه) 2/ 1171.

(١٣) انظر: "تهذيب اللغة" (سفه) 2/ 1171.

(١٤) ذكرها ابن جرير عن ابن عباس، وابن مسعود، وعن ناس من أصحاب رسول الله  ، وعن الربيع بن أنس، وزيد بن أسلم.

انظر: "تفسير الطبري" 1/ 128، "تفسير ابن كثير" 1/ 54.

(١٥) (فيها) غير واضحة في (ب).

(١٦) يريد ما سبق في قوله: ﴿ كَمَا آمَنَ النَّاسُ ﴾ حيث قال: الألف واللام للمعرفة لأن أولئك كانوا معروفين عند المخاطبين بهذا.

(١٧) في (أ)، (ج): (المجاهدة) وما في (ب) موافق لما في "الوسيط" 1/ 43 وهو ما أثبته.

(١٨) في (ب): (وأنهم).

(١٩) انظر.

"تفسير ابن عطية" 1/ 169، و"تفسير القرطبي" 1/ 178.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ كَمَآ آمَنَ الناس ﴾ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، والكاف يحتمل أن تكون للتشبيه أو للتعليل، وما يحتمل أن تكون كافة كما هي وربما أن تكون مصدرية ﴿ أَنُؤْمِنُ ﴾ إنكار منهم وتقبيح ﴿ هُمُ السفهآء ﴾ ردّ عليهم وإناطة السفه بهم، وكذلك هم المفسدون، وجاء بالألف واللام ليفيد حصر السفه والفساد فيهم، وأكده بإن وبألا التي تقتضي الاستئناف وتنبيه المخاطب.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: و "من الناس" ممالة.

قرأ قتيبة ونصير في القرآن ما كان مكسوراً.

"من يقول" مدغمة النون والتنوين في الياء حيث وقعت: حمزة وعلي وخلف وورش من طريق النجاري.

"بمؤمنين" غير مهموز: أبو عمرو وغير شجاع ويزيد والأعشى وورش وحمزة في الوقف وكذلك ما أشبهها من الأسماء.

"وما يخادعون": أبو عمرو وابن كثير ونافع.

"فزادهم الله" وبابه مما كان ماضياً بالإمالة: حمزة ونصير وابن ذكوان من طريق مجاهد والنقاش بن الأخرم ههنا بالإمالة فقط.

"يكذبون" خفيفاً: عاصم وحمزة وعلي وخلف.

قيل ﴿ وغيض ﴾ ﴿ وجيء ﴾ بالإشمام: علي وهشام ورويس.

"السفهاء ألا" بهمزتين: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر.

"السفهاء ولا" بقلب الثانية واواً: أبو عمرو وسهل ويعقوب وابن كثير وأبو جعفر ونافع.

"السفهاء وألا" بقلب الأولى واواً.

روى الخزاعي وابن شنبوذ عن أهل مكة: وكذلك ما أشبهها مما اختلف الهمزتان فيها إلا أن تكون الأولى منهما مفتوحة مثل ﴿ شهداء إذ ﴾ ﴿ وجاء إخوة ﴾ وأشباه ذلك.

"مستهزءون" بترك الهمزة في الحالين: يزيد وافق حمزة في الوقف وكذلك ما أشبهها، وعن حمزة في الوقف وجهان: الحذف والتليين شبه الياء والواو.

"طغيانهم" حيث كان بالإمالة: قتيبة ونصير وأبو عمرو.

"بالهدى" وما أشبهها من الأسماء والأفعال من ذوات الياء بالإمالة: حمزة وعلي وخلف.

وقرأ أهل المدينة بين الفتح والكسر وإلى الفتح أقرب، وكذلك كل كلمة تجوز الإمالة فيها وذلك طبعهم وعادتهم.

الوقوف: "بمؤمنين" (م) لما مر في المقدمة الثامنة: "آمنوا" (ج) لعطف الجملتين المتفقتين مع ابتداء النفي.

"يشعرون" (ط) للآية وانقطاع النظم والمعنى، فإن تعلق الجار بما بعده.

"مرض" (لا) لأن الفاء للجزاء وكان تأكيداً لما في قلوبهم.

"مرضاً" (ج) لعطف الجملتين المختلفتين.

"يكذبون" (ه) في "الأرض" (لا) لأن "قالوا" جواب "إذا" وعامله.

"مصلحون" (ه) "لا يشعرون" (ه) "كما آمن السفهاء" (ط) للابتداء بكلمة التنبيه، ومن وصل فليعجل رد السفه عليهم "لا يعلمون" (5) "آمنا" (ج) لتبدل وجه الكلام معنى مع أن الوصل أولى لبيان حالتيهم المتناقضتين وهو المقصود "شياطينهم" (لا) لأن "قالوا" جواب "إذاً" "معكم" (لا) تحرزاً عن قول ما لا يقوله مسلم، وإن جاز الابتداء بإنما.

"مستهزءون" (ه) "يعمهون" (ه) "بالهدى" (ص) لانقطاع النفس ولا يلزم العود لأن ما بعده بدون ما قبله مفهوم "مهتدين" التفسير: وفيه مباحث: المبحث الأول: في قوله  ﴿ ومن الناس من يقول ﴾ الآية.

وفيه مسائل: الأولى: عن مجاهد قال: أربع آيات من أول هذه السورة نزلت في المؤمنين، وآيتان بعدها نزلتا في الكافرين، وثلاث عشرة بعدها نزلت في المنافقين.

فأقول: أحوال القلب أربع: الاعتقاد المطابق عن الدليل وهو العلم، والاعتقاد المطابق لا عن الدليل وهو اعتقاد المقلد المحق، والاعتقاد غير المطابق وهو الجهل، وخلو القلب عن كل ذلك.

وأحوال اللسان ثلاث: الإقرار والإنكار والسكوت.

كل منها بالاختيار أو بالاضطرار، فيحصل من التراكيب أربعة وعشرون قسماً فلنتكلم في الأحوال القلبية ونجعل البواقي تبعاً لها في الذكر.

(النوع الأول): العرفان القلبي إن انضم إليه الإقرار باللسان اختياراً فصاحبه مؤمن حقاً بالاتفاق، أو اضطراراً فهو منافق، لأنه لولا الخوف لما أقرّ، فهو بقلبه منكر مكذب وجوب الإقرار.

وإن انضم إليه الإنكار اضطراراً فهو مسلم لقوله  ﴿ إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان  ﴾ أو اختياراً فهو كافر معاند.

وإن انضم إليه السكوت اضطراراً فمسلم حقاً لأنه خاف، أو كما عرف مات فجأة فيكون معذوراً أو اختياراً فمسلم أيضاً عند الغزالي وعند كثير من الأئمة لقوله  "يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان" .

(النوع الثاني) الاعتقاد التقليدي إن وجد معه الإقرار اختياراً فهو المسألة المشهورة من أن المقلد مؤمن أم لا، والأكثرون على إيمانه.

أو اضطراراً فمنافق بالطريق الأولى كما مر في النوع الأول.

وإن وجد معه الإنكار اختياراً فلا شك في كفره، أو اضطراراً فمسلم عند من يحكم بإيمان المقلد.

وإن وجد معه السكوت اضطراراً فمسلم بناء على إسلام المقلد، أو ا اختياراً فكافر معاند.

(النوع الثالث): الإنكار القلبي مع الإقرار اللساني إن كان اضطراراً نفاق، وكذا اختياراً لأنه أظهر خلاف ما أضمر.

ومع الإنكار اللساني كفر كيف كان، وكذا مع السكوت.

(النوع الرابع): القلب الخالي عن جميع الاعتقادات مع الإقرار اللساني إن كان اختياراً، فإن كان صاحبه في مهلة النظر لم يلزمه الكفر لكنه فعل ما لا يجوز له حيث أخبر عما لا يدري أنه هل هو صادق فيه أم لا.

وإن كان لا في مهلة النظر ففيه نظر، أما إذا كان اضطرارياً فلا يكفر صاحبه لأن توقفه إذا كان في مهلة النظر وكان يخاف على نفسه من ترك الإقرار لم يكن عمله قبيحاً.

والقلب الخالي مع الإنكار اللساني كيف كان نفاق، والقلب الخالي مع اللسان الخالي إن كان في مهلة النظر فذلك هو الواجب، وإن كان خارجاً عن مهلة النظر وجب تكفيره ولا نفاق.

فظهر من التقسيم أن المنافق هو الذي لا يطابق ظاهره باطنه سواء كان في باطنه ما يضاد ظاهره أو كان باطنه خالياً عما يشعر به ظاهره، ومنه "النافقاء إحدى حجرة اليربوع يكتمها ويظهر غيرها" فإذا أتى من قبل القاصعاء ضرب النافقاء برأسه فانتفق أي خرج.

الثانية: زعم قوم أن الكفر الأصلي أقبح من النفاق، لأن الكافر جاهل بالقلب كاذب باللسان، والمنافق جاهل بالقلب صادق باللسان.

وقال الآخرون: المنافق أيضاً كاذب باللسان لأنه يخبر عن كونه على ذلك الاعتقاد مع أنه ليس عليه.

قال عز من قائل: ﴿ والله يشهد إن المنافقين لكاذبون  ﴾ وأيضاً إنه قصد التلبيس والكافر الأصلي لا يقصد ذلك.

وأيضاً الكافر الأصلي على طبع الرجال، والمنافق على طبيعة الخنائي.

وأيضاً الكافر ما رضي لنفسه بالكذب بل استنكف منه، والمنافق رضي بالكذب.

وأيضاً المنافق ضم إلى الكفر الاستهزاء والخداع دون الكافر الأصلي، ولغلظ كفر المنافقين قال الله  : ﴿ إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار  ﴾ ووصف حال الكفار في آيتين وحال المنافقين في ثلاث عشرة آية، نعى عليهم فيها خبثهم ونكرهم وفضحهم وسفههم واستجهلهم واستهزأ بهم وتهكم بفعلهم وسجل بطغيانهم وعمههم ودعاهم صماً بكماً عمياً وضرب لهم الأمثال الشنيعة.

الثالثة: قصة المنافقين عن آخرها معطوفة على قصة "الذين كفروا" كما تعطف الجملة على الجملة.

وأصل ناس أناس بدليل إنسان وإنس وأناسي.

حذفت الهمزة تخفيفاً، مع لام التعريف كاللازم.

وقوله "إن المنايا يطلعن على الإناس الآمنينا" قليل.

ونويس من المصغر الآتي على خلاف مكبره كأنيسيان.

سموا بذلك لظهورهم وأنهم يؤنسون أي يبصرون كما سمي الجن لاجتنانهم.

ووزن ناس فعال لأن الزنة على الأصول كما يقال وزن ق أفعل وهو اسم جمع كرخال للأنثى من أولاد الضأن.

وأما الذي مفرده رخل بكسر الراء فرخال بكسر الراء.

"ومن" في "من يقول" موصوفة إن جعلت اللام في الناس للجنس كقوله ﴿ من المؤمنين رجال  ﴾ ليكون معنى الكلام أن في جنس الإنس طائفة كيت وكيت، فيعود فائدة الكلام إلى الوصف.

وإن لم يكن مفيداً من حيث الحمل لأن الطائفة الموصوفة تكون لا محالة من الناس، ولا يجوز أن تكون "من" موصولة حينئذ، لأن الصلة تكون جملة معلومة الانتساب إلى الموصول فتبطل فائدة الوصف، فيبقى الكلام غير مفيد رأساً.

وإن جعلت اللام للعهد فمن تكون موصولة نحو ﴿ ومنهم الذين يؤذون النبي  ﴾ وتكون اللام إشارة إلى الذين كفروا لما ذكرهم، ولا يجوز أن تكون "من" موصوفة إذ ذاك، لأن فائدة الكلام تعود إلى الوصف أيضاً، ولكن لا يجاوبه نظم الكلام إذ يصير المعنى أن من المختوم على قلوبهم طائفة يقولون كيت وكيت وما هم بمؤمنين.

ومن البين أن مدلول قوله "وما هم بمؤمنين" معلوم من حال المطبوع على قلوبهم فيقع ذكره ضائعاً، والضمير العائد إلى "من" يكون موحداً تارة باعتبار اللفظ نحو ﴿ ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة  ﴾ ومجموعاً أخرى باعتبار المعنى مثل ﴿ ومنهم من يستمعون إليك  ﴾ وقد اجتمع الاعتباران في الآية في "يقول" و "آمنا".

وإنما اختص بالذكر الإيمان بالله والإيمان باليوم الآخر لأنهما قطرا الإيمان، ومن أحاط بهما فقد حاز الإيمان بحذافيره.

وفي تكرير الباء إيذان بأنهم ادعوا كل واحد من الإيمانين على صفة الصحة والاستحكام.

فإن قلت: إن كان هؤلاء المنافقون من المشركين فظاهر عدم إيمانهم بالله واليوم الآخر، وإن كانوا من اليهود فكيف يصح ذلك؟

قلت: إيمان اليهود بالله ليس بإيمان لقولهم "عزير ابن الله" وكذلك إيمانهم باليوم الآخر لأنهم يعتقدونه على خلاف صفته.

فقولهم هذا لو صدر عنهم لا على وجه النفاق بل على عقيدتهم فهو كفر لا إيمان.

فإذا قالوه على وجه النفاق خديعة واستهزاء وتخييلاً للمسلمين أنهم مثلهم في الإيمان الحقيقي كان خبثاً إلى خبث وكفراً إلى كفر.

والمراد باليوم الآخر إما طرف الأبد الذي لا ينقطع لأنه متأخر عن الأوقات المنقضية، أو الوقت المحدود من النشور إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، لأنه آخر الأوقات المحدودة التي لا حد للوقت بعده.

فإن قلت: كيف طابق قوله "وما هم بمؤمنين" قولهم "آمنا" والأول في ذكر شأن الفعل لا الفاعل، والثاني بالعكس؟

قلت: لما أتوا بالجملة الفعلية ليكون معناها أحدثنا الدخول في الإيمان لتروج دعواهم الكاذبة، جيء بالجملة الأسمية ليفيد نفي ما انتحلوا إثباته لأنفسهم على سبيل ألبت والقطع وأنهم ليس لهم استئهال أن يكونوا طائفة من طوائف المؤمنين، فكان هذا أوكد وأبلغ من أن يقال: إنهم لم يؤمنوا.

ونظير الآية قوله  ﴿ يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها  ﴾ .

ثم إن قوله "وما هم بمؤمنين" يحتمل أن يكون مقيداً وترك لدلالة التقييد في "آمنا".

ويحتمل الإطلاق أي أنهم ليسوا من الإيمان في شيء قط، لا من الإيمان بالله وباليوم الآخر ولا من الإيمان بغيرهما.

البحث الثاني: في قوله ﴿ يخادعون الله ﴾ إلى ﴿ يكذبون ﴾ .

أعلم أن الله ذكر من قبائح أفعال المنافقين أربعة أشياء: أحدها المخادعة وأصلها الإخفاء، ومنه سميت الخزانة المخدع.

والأخدعان عرفان في العنق خفيان.

وخدع الضب خدعاً إذا توارى في جحره فلم يظهر إلا قليلاً.

والخديعة مذمومة لأنها إظهار ما يوهم السداد والسلامة وإبطان ما يقتضي الإضرار بالغير أو التخلص منه، فهي بمنزلة النفاق في الكفر والرياء في الأفعال الحسية.

فإن قيل: مخادعة الله والمؤمنين لا تصح لأن العالم الذي لا يخفى عليه خافية لا يخدع، والحكيم الحليم الذي لا يفعل القبيح لا يخدع، والمؤمنين وإن جاز أن يخدعوا كما قال ذو الرمة: تلك الفتاة التي علقتها عرضاً *** إن الحليم ذا الإسلام يختلب لم يجز أن يخدعوا.

قلنا: كانت صورة صنعهم مع الله - حيث يتظاهرون بالإيمان وهم كافرون - صورة صنع الخادعين، وصورة صنع الله معهم - حيث أمر بإجراء أحكام المسلمين عليهم وهم عنده أهل الدرك الأسفل من النار - صورة صنع الخادع، وكذلك صورة صنع المؤمنين معهم - حيث امتثلوا أمر الله فيهم فأجروا أحكامه عليهم.

ويحتمل أن يكون ذلك ترجمة عن معتقدهم وظنهم أن الله ممن يصح خداعه، لأنه من كان ادعاؤه الإيمان بالله تعالى نفاقاً لم يكن عارفاً بالله ولا بصفاته، فلم يبعد من مثله تجويز أن يكون الله مخدوعاً ومصاباً بالمكروه من وجه خفي، أو تجويز أن يدلس على عباده ويخدعهم.

ويحتمل أن يذكر الله ويراد الرسول لأنه خليفته والناطق بأوامره ونواهيه مع عباده ﴿ إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله  ﴾ .

ويحتمل أن يكون من قولهم "أعجبني زيد وكرمه" فيكون المعنى يخادعون الذين آمنوا بالله، وفائدة هذه الطريقة قوة الاختصاص.

ولما كان المؤمنون من الله بمكان سلك بهم هذا المسلك ومثله ﴿ والله ورسوله أحق أن يرضوه  ﴾ { ﴿ إن الذين يؤذون الله ورسوله  ﴾ وقولهم "علمت زيداً فاضلاً" الغرض ذكر الإحاطة بفضل زيد، لأن زيداً كان معلوماً له قديماً كأنه قيل: علمت فضل زيد ولكن ذكره توطئة وتمهيداً.

ووجه الاختصار بخادعت على واحد أن يقال: عني به فعلت إلا أنه أخرج في زنة "فاعلت" لأن الزنة في أصلها للمغالبة والمباراة، والفعل متى غولب فيه فاعله جاء أبلغ وأحكم منه إذا زاوله وحده من غير مغالب ولا مبار لزيادة قوة الداعي إليه.

"ويخادعون" بيان ليقول، ويجوز أن يكون مستأنفاً كأن قيل: ولم يدعون الإيمان كاذبين؟

فقيل: يخادعون.

وكان غرضهم من الخداع الدفع عن أنفسهم أحكام الكفار من القتل والنهب وتعظيم المسلمين إياهم وإعطائهم الحظوظ من المغانم واطلاعهم على أسرار المسلمين لاختلاطهم بهم.

والسؤال الذي يذكر ههنا من أنه  لم أبقى المنافق على حاله من النفاق ولم يظهر أمره حتى لا يصل من أغراض الخداع إلى ما وصل؟

وأرد على استبقاء الكفار وسائر أعداء الدين، بل على استبقاء إبليس وذريته وتنحل العقدة في الجميع بما سلف لنا من الحقائق ولا سيما في تفسير قوله  ﴿ ختم الله على قلوبهم  ﴾ وقراءة من قرأ ﴿ وما يخادعون إلا أنفسهم  ﴾ أي وما يعاملون تلك المعاملة المضاهية لمعاملة المخادعين إلا أنفسهم، لأن مكرهاً يحيق بهم ودائرتها تدور عليهم لأن الله  يدفع ضرر الخداع عن المؤمنين ويصرفه إليهم كقوله ﴿ إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم  ﴾ ويحتمل أن يراد حقيقة المخادعة لأنهم يخدعون أنفسهم حيث يمنونها الأباطيل، وأنفسهم أيضاً تمنيهم وتحدثهم بالأكاذيب.

وأن يراد "وما يخدعون" فجيء به على لفظ يفاعلون للمبالغة.

والنفس ذات الشيء وحقيقته ولا يختص بالأجسام لقوله  ﴿ تعلم ما في نفسي  ﴾ والشعور علم الشيء علم حس ومشاعر الإنسان حواسه.

والمعنى أن لحوق ضرر ذلك بهم كالمحسوس، وهم لتمادي غفلتهم كالذي لا حس له.

والمرض حالة توجب وقوع الخلل في الأفعال الصادرة عن موضوعها، واستعمال المرض في القلب يجوز أن يكون حقيقة بأن يراد الألم كما تقول: في جوفه مرض.

ومجازاً بأن يستعار لبعض أعراض القلب كسوء الاعتقاد والغل والحسد والميل إلى المعاصي، فإن صدورهم كانت تغلي على الرسول  والمؤمنين غلاً وحنقاً { ﴿ وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ  ﴾ وناهيك بما كان من ابن أبي، وقول سعد بن عبادة لرسول له  اعف عنه يا رسول الله واصفح، فوالله لقد أعطاك الله الذي أعطاك، ولقد اصطلح أهل هذه البحيرة أن يعصبوه بالعصابة - وذلك شيء منظوم بالجواهر شبه التاج - أي يجعلوه ملكاً، فلما رد الله ذلك بالحق الذي أعطاكه شرق بذلك.

أو يراد ما يداخل قلوبهم من الضعف والخور لأنهم كانوا يطمعون أن ريح الإسلام تهب حيناً ثم تركد، فكانت تقوى قلوبهم بذلك الطمع.

فلما شاهدوا شوكة المسلمين وإعلاء كلمة الحق وما قذف الله في قلوبهم من الرعب ضعفت جبناً وخوراً.

ومعنى زيادة الله إياهم مرضاً أنه كلما أنزل على رسوله الوحي فكفروا به ازدادوا كفراً إلى كفرهم، فأسند الفعل إلى المسبب له كما أسند إلى السورة في قوله ﴿ فزادتهم رجساً إلى رجسهم  ﴾ وهذا كما قال الحكيم: البدن الغير النقي كلما فدوته زدته شراً.

وكلما زاد رسوله نصرة وتبسطاً ازدادوا حسداً وبغضاً.

ويحتمل أن يراد بزيادة المرض الطبع، ويحتمل أن يقال: الغل والحسد قد يفضي إلى تغير مزاج القلب ويؤدي إلى تلف صاحبه كقوله: اصبر على مضض الحسو *** د فإن صبرك قاتله النـــــــار تأكــــل نفســـــها *** إن لم تجد ما تأكلـه فإفضاء صاحبه إلى الهلاك هو المعني بالزيادة.

والأليم الوجيع.

ووصف العذاب به على طريقة قولهم "جد جده" والألم بالحقيقة للمؤلم كما أن الجد للجاد.

والمراد بكذبهم قولهم ﴿ آمنا بالله وباليوم الآخر ﴾ .

وفي ترتب الوعيد على الكذب دليل على قبح الكذب وسماجته.

وما يروى عن إبراهيم  أنه كذب ثلاث كذبات أحدها قوله ﴿ إني سقيم  ﴾ وثانيها قوله لسارة حين أراد أن يغصبها ظالم "إنها أختي" وثالثها قوله ﴿ بل فعله كبيرهم هذا  ﴾ فالمراد التعريض "إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب" ولكن لما كانت صورته صورة الكذب سمي به.

والكذب الإخبار بالشيء على خلاف ما هو به، وقد يعتبر فيه علم المخبر بكون المخبر عنه مخالفاً للخبر، والصدق نقيضه.

وقراءة من قرأ "يكذبون" بالتشديد إما من كذبه الذي هو نقيض صدقه، وإما من كذب الذي هو مبالغة في كذب كما بولغ في صدق فقيل "صدق" نحو: بان الشيء وبين الشيء ومنه قوله: قد بين الصبح لذي عينين *** أو بمعنى الكثرة نحو "موتت البهائم"، أو من قولهم "كذب الوحشي إذا جرى شوطاً ثم وقف لينظر ما وراءه" لأن المنافق متوقف متردد في أمره مذبذب بين ذلك.

وقال  : "مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين تعير إلى هذه مرة وإلى هذه مرة" وما في قوله "بما كانوا" مصدرية أي بكذبهم، وكان مقحمة لتفيد الثبوت والدوام أي بسبب أن هذا شأنهم وهجيراهم.

البحث الثالث: في قوله  ﴿ وإذا قيل لهم لا تفسدو في الأرض ﴾ إلى قوله }ولكن لا يشعرون}.

هذا هو النوع الثاني من قبائح أفعال المنافقين.

فقوله "وإذا قيل" إما معطوف على "كانوا يكذبون" أي ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون وبما كانوا إذا قيل لهم كذا قالوا كذا، وإما على "يقول" أي ومن الناس من إذا قيل له.

ويحتمل أن يقال الواو للاستئناف، وإسناد "قيل" إلى "لا تفسدوا" و "آمنوا" ليس من إسناد الفعل إلى الفعل فإنه لا يصح، ولكنه إسناد إلى لفظ الفعل.

أي وإذا قيل لهم هذا القول نحو: زعموا مطية الكذب.

والقائل لهم إما النبي  إذا بلغه عنهم النفاق ولم يقطع بذلك نصحهم فأجابوا بما يحقق إيمانهم وأنهم في الصلاح، وإما بعض من كانوا يلقون إليه الفساد كان لا يقبل منهم ويعظمهم، وإما بعض المؤمنين، ولا يجوز أن يكون القائل ممن لا يختص بالدين.

والفساد خروج الشيء عن أن يكون منتفعاً به، ونقيضه الصلاح وهو الحصول على الحالة المستقيمة النافعة.

عن ابن عباس والحسن وقتادة والسدي أن المراد بالإفساد المنهي عنه إظهار معصية الله  ، فإن الشرائع سنن موضوعة بين العباد، فإذا تمسك الخلق بها زال العدوان ولزم كل أحد شأنه، فحقنت الدماء وضبطت الأموال وحفظت الفروج وكان ذلك صلاح الأرض وأهلها.

وأما إذا أهملت الشريعة وأقدم كل واحد على ما يهواه، اشتعلت نوائر الفتن من كل جانب، وحدثت المفاسد.

وقيل: هو مداراة المنافقين الكافرين ومخالطتهم إياهم لأنهم إذا مالوا إلى الكفار مع أنهم في الظاهر مؤمنون، أوْهَمَ ذلك ضعف أمر النبي  وأصحابه فيصير سبباً لطمع الكفار في المؤمنين، فتهيج الفتن والحروب.

وقيل: كانوا يدعون في السر إلى تكذيبه ويلقون الشبه ويفشون أسرار المؤمنين، ولما نهوا عن الإفساد في الأرض كان قولهم "إنما نحن مصلحون" كالمقابل له.

فههنا احتمالات: أحدها: أنهم اعتقدوا في دينهم أنه هو الصواب وكان سعيهم لأجل تقوية ذلك الدين، فزعموا أنهم مصلحون.

وثانيها: إذا فسر الإفساد بموالاتهم الكافرين أن يكون مرادهم أن الغرض من تلك الموالاة هو الإصلاح بين المسلمين كقولهم فيما حكى الله  ﴿ إن أردنا إلا إحساناً وتوفيقاً  ﴾ وثالثها: أن يكون المراد إنكار إذاعة أسرار المسلمين ونسبة أنفسهم إلى الاستقامة والسداد، وجيء بأداة القصر دلالة على أن صفة المصلحين خلصت لهم وتمحضت، أي حالنا مقصورة على الإصلاح لا تتعداه إلى غيره.

"وألا" مركبة من همزة الاستفهام وحرف النفي، فيفيد التنبيه على تحقيق ما بعدها كقوله  ﴿ أليس ذلك بقادر  ﴾ ولإفادتها التحقيق لا تكاد تقع الجملة بعدها إلا مصدرة بنحو ما يتلقى به القسم.

وأختها التي هي "أما" من مقدمات اليمين وطلائعها.

قال: أما والذي أبكى وأضحك والذي *** أمات وأحيا والذي أمره الأمر رد الله ما ادعوه من الانضمام في زمرة المصلحين أبلغ رد من جهة الاستئناف، فإن ادعاءهم ذلك مع توغلهم في الفساد مما يشوق السامع أن يعرف ما حكمهم، فرد الله عليهم.

وكان وروده بدون الواو هو المطابق، ومن جهة ما في "ألا" وفي "أن" من التأكيد، ومن قبيل تعريف الخبر وتوسيط الفصل وقوله "لا يشعرون".

البحث الرابع: في قوله ﴿ وإذا قيل لهم آمنوا ﴾ الآية.

هذا هو النوع الثالث من قبائح أفعال المنافقين، وذلك أن المؤمنين أتوهم في النصيحة من وجهين: أحدهما: تقبيح ما كانوا عليه مما يجرّ إلى الفساد والفتنة، والثاني: دعوتهم إلى الطريقة المثلى من اتباع ذوي الأحلام.

وبعبارة أخرى أمرهم أولاً بالتخلية عما لا ينبغي، وثانياً بالتحلية بما ينبغي لأن كمال حال الإنسان في هاتين.

وكان من جوابهم فيما بينهم أو للقائل أن سفهوهم لتمادي سفههم، وفي هذا تسلية للعالم إذا لم يعرف حقه الجاهل.

وإذا أتتك مذمتي من ناقص *** فهي الشهادة لي بأني كامل وما في "كما" يجوز أن تكون كافة تصحح دخول الجار على الفعل وتفيد تشبيه مضمون الجملة بالجملة كقولك: يكتب زيد كما يكتب عمرو، أو زيد صديقي كما عمرو أخي.

ويجوز أن تكون مصدرية مثلها في ﴿ بما رحبت  ﴾ واللام في الناس للعهد أي كما آمن الرسول  ومن معه وهم ناس معهودون أي ليكن إيمانكم ثابتاً كما أن إيمان هؤلاء ثابت، أو ليحصل إيمانكم كحصول إيمان هؤلاء، أو آمنوا كما آمن عبد الله بن سلام وأتباعه لأنهم من جلدتهم أي كما آمن أصحابكم.

ويحتمل أن تكون للجنس أي كما آمن الكاملون في الإنسانية من الإقرار اللساني الناشئ عن الاعتقاد القلبي، أو جعل المؤمنون كأنهم الناس ومن عداهم كالنسناس في عدم التمييز بين الحق والباطل.

والاستفهام في "أنؤمن" في معنى الإنكار، واللام في "السفهاء" مشار بها إلى الناس كقولك لصاحبك: إن زيداً قد سعى بك.

فتقول: أوقد فعل السفيه؟

أو للجنس وينطوي تحته الجاري ذكرهم على زعمهم لأنهم عندهم أعرق الناس في السفه وهو ضد الحلم، وأصله الخفة والحركة يقال: تسفهت الريح الشجر إذا مالت به، قال ذو الرمة: جرين كما اهتزت رماح تسفهت *** أعاليها مر الرياح النواسم وإنما سفهو المؤمنين مع رجحان عقول أهل الإيمان، لأنهم لجهلهم وإخلالهم بالنظر الصحيح اعتقدوا أن ما هم فيه هو الحق، ولأنهم كانوا في رياسة وثروة وكان أكثر المؤمنين فقراء ومنهم موالٍ كصهيب وبلال وخباب، فدعوهم سفهاء تحقيراً لشأنهم كما قال قوم نوح { ﴿ وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا  ﴾ أو أرادوا عبد الله بن سلام وأشياعه لما غاظهم من إسلامهم وفتَّ في أعضائهم.

عن أنس "أنه سمع عبد الله بن سلام بمقدم رسول الله  وهو في أرض مخترف، فاتى النبي  فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي.

فما أوّل أشراط الساعة؟

وما أول طعام أهل الجنة؟

وما ينزع الولد إلى أبيه أو إلى أمه؟

قال  :أخبرني بهن جبريل آنفاً.

أما أول أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد حوت.

وإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الوالد، وإذا سبق ماء المرأة نزعت.

قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله يا رسول الله، إن اليهود قوم بهت وإنهم إن يعلموا بإسلامي قبل أن تسألهم بهتوني.

فجاءت اليهود فقال: أي رجل عبد الله فيكم؟

قالوا: خيرنا وابن خيرنا وسيدنا وابن سيدنا.

قال: أرأيتم إن أسلم عبد الله بن سلام.

قالوا: أعاذه الله من ذلك.

فخرج عبد الله فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.

فقالوا: شرنا وابن شرنا فانتقصوه.

قال: هذا الذي كنت أخاف يا رسول الله" .

ثم إن الله  ألقى عليهم هذا اللقب مقروناً بالمؤكدات التي بيناها في قوله "ألا إنهم هم المفسدون" وذلك أن من أعرض عن الدليل ثم نسب المتمسك به إلى السفه فهو السفيه، وكذا من باع آخرته بدنياه.

قال  : "الكيِّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت" وأيضاً من السفه معاداة المحمديين ﴿ يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم  ﴾ .

كالطود يحقر نطحة الأوعال *** إنما فصلت هذه الآية "بلا يعلمون" والتي قبلها "بلا يشعرون" لأن الوقوف على أن المؤمنين على الحق وهم على الباطل أمر عقلي نظري، وأما النفاق وما يؤول إليه من الفساد في الأرض فأمر دنيوي مبني على العادات، وخصوصاً عند العرب في جاهليتهم.

وما كان قائماً بينهم من التحارب والتجاذب فهو كالمحسوس المشاهد، ولأنه قد ذكر السفه وهو جهل فكان ذكر العلم معه أحسن طباقاً له.

البحث الخامس: في قوله ﴿ وإذا لقوا الذين آمنوا ﴾ الآيات.

هذا هو النوع الرابع من قبائح أفعالهم، والفرق بين هذه الآية وبين قوله "ومن الناس من يقول آمنا" أن تلك في بيان مذهبهم والترجمة عن نفاقهم، وهذه في بيان معاملتهم مع المؤمنين من التكذيب لهم والاستهزاء بهم.

عن ابن عباس: نزلت هذه الآية في عبد الله بن أبي وأصحابه، وذلك أنهم خرجوا ذات يوم فاستقبلهم نفر من أصحاب رسول الله  فقال عبد الله بن أبي: انظروا كيف أرد هؤلاء السفهاء عنكم.

فذهب فأخذ بيد أبي بكر فقال: مرحباً بالصديق سيد بني تيم وشيخ الإسلام وثاني رسول الله  في الغار، الباذل نفسه وماله، ثم أخذ بيد عمر فقال: مرحباً بسيد بني عدي بن كعب الفاروق القوي في دين الله الباذل نفسه وماله لرسول الله، ثم أخذ بيد علي  فقال: مرحباً بابن عم رسول الله وختنه سيد بني هاشم ما خلا رسول الله.

ثم افترقوا فقال عبد الله لأصحابه: كيف رأيتموني فعلت، فإذا رأيتموهم فافعلوا كما فعلت، فأثنوا عليه خيراً.

فرجع المسلمون إلى النبي  وأخبروه بذلك فنزلت.

ويقال: لقيته ولاقيته إذا استقبلته قريباً منه.

وخلوت بفلان وإليه إذا انفردت معه، ويجوز أن يكون من خلال بمعنى مضى، وخلاك ذم أي عداك ومضى عنك، ومنه القرون الخالية، أو من خلوت به إذا سخرت منه وهو من قولك "خلا فلان بعرض فلان" عبث به، ومعناه إذا أنهوا السخرية بالمؤمنين إلى شياطينهم وحدثوهم بها كما تقول: أحمد إليك فلاناً أو أذمه إليك أي أنهي إليك حمدي لفلان أو ذمي.

وعن ابن عباس: إني أحمد إليك عسل الإحليل أي أعلمكم أنه أمر محمود.

وشياطينهم رؤساؤهم وأكابرهم الذين ماثلوا الشياطين في تمردهم.

وهم إما أكابر المنافقين فالقائلون.

إنا معكم أي مصاحبوكم وموافقوكم على أمر دينكم أصاغرهم، وإما أكابر الكافرين فالقائلون يحتمل أن يكون جميع المنافقين.

وإنما فسرنا الشياطين بالرؤساء لأنهم هم القادرون على الإفساد في الأرض، وإنما خاطبوا المؤمنين بأضعف الجملتين وهي الفعلية، وشياطينهم بأقواهما أعني الاسمية المحققة بان لأنهم في ادعاء حدوث الإيمان الناشئ عن صميم القلب منهم لا في ادعاء أنهم أوحديون في الإيمان كاملون، إما لأن أنفسهم لا تساعدهم عليه وهكذا كل قول لم يصدر عن صدق رغبة وباعث داخلي، وإما لأنه لا يروج عنهم لو قالوه على وجه التوكيد وهم بين ظهراني المهاجرين والأنصار القائلين "ربنا إننا آمنا" وإما مخاطبة إخوانهم فعن وفور نشاط ورغبة وفي حيز القبول والرواج فكان مظنة للتحقيق ومئنة للتوكيد، وإنما فقد العاطف بين قوله "إنا معكم" وبين قوله "إنما نحن مستهزءون" الأوّل معناه الثبات على الكفر، والثاني ردّ للإسلام.

لأن المستهزئ بالشيء منكر له دافع، ودفع نقيض الشيء إثبات وتأكيد للشيء.

أو لأن الثاني بدل منه لأن من حقر الإسلام فقد عظم الكفر، أو لأنه استئناف كأنه قيل: ما بالكم إن صح أنكم معنا توافقون أهل الإسلام؟

فقالوا: إنما نحن مستهزءون.

والاستهزاء السخرية والاستخفاف، وأصله الخفة من الهزء وهو القتل السريع.

ثم إن الله  أجابهم بأشياء: أحدها قول الله "يستهزئ بهم" وهو استئناف في غاية الجزالة والفخامة، كأنه سئل ما مصير أمرهم وعقبى حالهم؟

فقيل: الله يستهزئ بهم.

وفي الالتفات من الحكاية إلى المظهر، أن الله عز وجل هو الذي يستهزئ بهم الاستهزاء الأبلغ الذي استهزاؤهم بالنسبة إلى ذلك كالعدم.

وفي تخصيص الله بالذكر مع قرينة أن المؤمنين هم الذين استهزئ بهم دلالة على أن الله هو الذي يتولى الاستهزاء بهم انتقاماً للمؤمنين، ولا يحوج المؤمنين أن يعارضوهم باستهزاء مثله.

فإن قيل: الاستهزاء جهالة ﴿ قالوا أتتخذنا هزواً قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين  ﴾ فما معنى استهزاء الله بهم؟

قلنا: معناه إنزال الهوان والحقارة بهم وهو المقصد الأقصى للمستهزئ، أو سمي جزاء الاستهزاء استهزاء مثل ﴿ فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم  ﴾ أو عاملهم الله معاملة المستهزئ في الدنيا لأنه كان يطلع الرسول على أسرارهم مع كونهم مبالغين في إخفائها، وفي الآخرة على ما روي عن ابن عباس: إذا دخل المؤمنون الجنة والكافرون النار، فتح الله من الجنة باباً على الجحيم في الموضع الذي هو مسكن المنافقين، فإذا رأى المنافقون الباب مفتوحاً أخذوا يخرجون من الجحيم ويتوجهون إلى الجنة - وأهل الجنة ينظرون إليهم - فإذا وصلوا إلى باب الجنة فهناك يغلق دونهم الباب فذلك قوله  { ﴿ فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون على الأرائك ينظرون  ﴾ فهذا هو الاستهزاء، وإنما لم يقل الله مستهزئ ليكون طبقاً لقوله "إنما نحن مستهزءُون" لأن المراد تجدد الاستهزاء بهم وقتاً بعد وقت، وهكذا كانت نكايات الله فيهم ونزول الآيات في شأنهم { ﴿ أو لايرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين  ﴾ ﴿ يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزءوا إن الله مخرج ما تحذرون  ﴾ وثانيها قوله و"ويمدهم في طغيانهم" هو من مد الجيش أمده إذا زاده وألحق به ما يقوّيه، وكذلك مد الدواة والسراج زادهما ما يصلحهما.

وإنما قلنا: إنه من المدد لا من المد في العمر والإمهال لقراءة نافع في موضع آخر ﴿ وإخوانهم يمدونهم في الغي  ﴾ على أن الذي بمعنى أمهله إنما هو مد له مع اللام كأملى له قاله في الكشاف، وهو مخالف لنقل الجوهري مده في غيه أي أمهله.

والطغيان الغلو في الكفر ومجاوزة الحد في العتوّ، ومعنى مدد الله  إياهم في الطغيان يعرف من تفسير ﴿ ختم الله على قلوبهم ﴾ وقد يوجه بأنه لما منعهم ألطافه التي منحها المؤمنين بقيت قلوبهم يتزايد الرين والظلمة فيها تزايد الانشراح والنور في صدور المؤمنين، فسمي ذلك التزايد مدداً.

أو بأنه لم يقسرهم، أو بأنه أسند فعل الشيطان إلى الله  لأنه بتمكينه وإقداره، ولا يخفى ما في هذا التوجيه من التكلف، لأنه انتهاء الكل إلى مسبب الأسباب.

ومن هذا القبيل ما قيل: إن النكتة في إضافة الطغيان إليهم هي أن يعلم أن التمادي في الضلالة مما اقترفته أنفسهم، وأن الله بريء منه، فإن الانتهاء إلى الله  لما كان ضرورياً فكيف يتبرأ من ذلك؟

"ويعمهون" في موضع الحال.

والعمه كالعمى، إلا أن العمى في البصر وفي الرأي، والعمه في الرأي خاصة وهو التحير والتردد لا يدري أين يتوجه.

وثالثها: قوله ﴿ أولئك الذي اشتروا الضلالة بالهدى ﴾ أي اختاروها عليه واستبدلوها به، وهذه استعارة لأن الاشتراء فيه إعطاء بدل وأخذ آخر قال أبو النجم: أخذت بالجمـة رأســـاً أزعرا *** وبالثنايا الواضحات الدردرا وبالطويل العمر عمراً جيدراً *** كما اشترى المــلم إذ تنصرا وعن وهب قال الله  فيما يعيب به بني إسرائيل: تفقهون لغير الدين، وتعلمون لغير العمل، وتبتاعون الدنيا بعمل الآخرة.

جعلوا لتمكنهم من الهدى بحسب الفطرة الإنسانية الشخصية كأنه في أيديهم، فتركوه واستبدلوا به الضلالة وهي الجور عن القصد وفقد الاهتداء.

وفي المثل "ضل دريص نفقة" أي جحره، والدرص ولد الفأرة ونحوها، يضرب لمن يعيا بأمره.

فاستعيرت الضلالة للذهاب عن الصواب في الدين.

والربح الفضل على رأس المال، والتجارة مصدر وإنما أسند الخسران إليها وهو لصاحبها إسناداً مجازياً لملابسة التجارة بالمشترين.

وقد يقال: ربح عبدك وخسرت جاريتك مجازاً إذا دلت الحال.

ولما ذكر الله  شراء الضلالة بالهدى مجازاً أتبعه ما يشاكله ويواخيه من الربح والتجارة لتكون الاستعارة مرشحة كقوله: ولما رأيت النسر عز ابن دأية *** وعشش في وكريه جاش له صدري لما شبه الشيب بالنسر، والشعر الفاحم بالغراب، أتبعه ذكر التعشيش والوكر.

"وما كانوا مهتدين" لطرق التجارة لأن مطلوب التاجر في متصرفاته شيئان: سلامة رأس المال والربح.

وهؤلاء قد أضاعوا الطلبتين معاً، لأن رأس مالهم كان هو الهدى فلم يبق لهم مع الضلالة، والضلالة أمر عدمي فلا عوض ولا معوّض، فلا ربح ولا رأس المال.

وهكذا حال من يدعي الإرادة ولا يخرج من العادة ويريد الجمع بين مقاصد الدنيا ومصالح الدين، كالمنافق أراد الجمع بين عشرة الكفار وصحبة المسلمين، والمكاتب عبد ما بقي عليه درهم، وإذا أقبل الليل من ههنا أدبر النهار من ههنا نعوذ بالله من الغواية، ونسأله أن يعصمنا من الضلالة بعد الهداية.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

وقوله: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ .

بالمخادعة للمؤمنين، وإظهار الموافقة لهم بالقول، وإضمار الخلاف لهم بالقلب، والاستهزاء بهم عند الخلوة، والقول فيهم بما لا يليق بهم، وعبادة غير الله.

وأَيُّ فساد أَكبر من هذا؟!.

وقوله: ﴿ قَالُوۤاْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ﴾ .

بإظهار الموافقة بالقول.

وقوله: ﴿ أَلاۤ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْمُفْسِدُونَ ﴾ .

أخبر  أنهم هم المفسدون؛ لما أَضمروا من الخلاف لهم، والمخادعة، والاستهزاءِ بهم.

وقوله: ﴿ وَلَـٰكِن لاَّ يَشْعُرُونَ ﴾ .

الأول: أَي: لا يشعرون أَن حاصل ذلك لا يرجع إليهم.

والثاني: لا يشعرون أن ما كانوا يفعلون الفسادُ.

فإن كان هذا فهو ينقض قول من يقول: بأَن الحجة لا تلزم إلا بالمعرفة، وهو قول الناس؛ لأَنه عز وجل أَخبر بفساد صنيعهم، وإن لم يشعروا به.

وهو كقوله أَيضاً: ﴿ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ  ﴾ : أَخبر بحبط الأَعمال وإن كانوا لا يعلمون.

وقوله: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ كَمَآ آمَنَ ٱلنَّاسُ ﴾ .

تحتمل الآية: أَن تكون في المنافقين، وتحتمل: في أَهل الكتاب.

فإن كانت في المنافقين فكأَن قوله: آمنوا يا أَهل النفاق في السر والعلانية، كما آمن أَصحاب محمد  في السر والعلانية جميعاً، وهو كقوله: ﴿ فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَآ آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ ٱهْتَدَواْ  ﴾ .

وإن كان في أَهل الكتاب ففيه الأَمر بالإيمان الذي هو إيمان، وهو التصديق.

والإيمان عندنا هو التصديق بالقلب؛ دليله قول جميع أَهل التأْويل والأَدب أَنهم فسروا ﴿ آمَنُواْ ﴾ : صدقوا في جميع القرآن.

وقوله: ﴿ قَالُوۤاْ أَنُؤْمِنُ كَمَآ آمَنَ ٱلسُّفَهَآءُ ﴾ الآية.

السفه: هو ضد الحكمة، وهو العمل بالجهل على العلم أَنه يبطل، والجهلُ هو ضد العلم.

والسفهُ هو الشتم؛ يقول الرجل لآخر: يا سفيه.

وقوله: ﴿ أَلاۤ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلسُّفَهَآءُ ﴾ .

يقول بعض المتكلمين: إن هذا شتم من الله لهم، جواباً على المؤمنين، ويستجيزون ذلك على الجواب، وإن لم يجز على الابتداءِ، كالمكر، والكيد، والاستهزاءِ، والخداع ونحوه، فعلى ذلك هذا.

وأما عندنا فهو غير جائِز؛ لأَن من يشتم آخر يذم عليه، وهو عمل السفهاء، فأَخبر عز وجل: أَنهم هم الذين يعملون بالجهل على علمهم أَن دينهم الذي يدينون به باطل، وأَن الدين الذى يدين به المؤمنون حق.

وقوله: ﴿ وَلَـٰكِن لاَّ يَعْلَمُونَ ﴾ .

قيل فيه بوجهين: أحدهما: لا يعلمون أنهم هم السفهاء.

والثاني: لا يعلمون ما يحل بهم من العذاب لذلك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ .

يعني: أصحاب محمد  .

وقوله: ﴿ قَالُوۤا آمَنَّا ﴾ .

أظهروا لهم الموافقة في العلانية، ويضمرون لهم الخلاف في السر.

وقوله: ﴿ وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ ﴾ .

قيل فيه بأَوجه: قيل: إن شياطينهم؛ يعني الكهنة؛ سموا بذلك لبعدهم عن الحق.

يقال: شَطَن، أَي: بَعُدَ.

وقيل: إن كلَّ عاتٍ ومتمرد يسمى شيطاناً لعتوه وتمرده؛ كقوله: ﴿ شَيَٰطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ  ﴾ سموا بذلك لعتوهم وتمردهم؛ إذ من قولهم: إن الشياطين أَصْلهم من الجن.

وقيل: سموا شياطين؛ لأَنه كان مع كل كاهن شيطان يعمل بأَمره، فسموا بأَسمائِهم؛ وذلك جائِز في اللغة جارٍ، والله أَعلم.

وقوله: ﴿ قَالُوۤاْ إِنَّا مَعَكُمْ ﴾ .

قيل: فيه وجهان: الأَول: أَي: معكم في القصد والمعونة.

والثاني: إنا معكم، أي: على دينكم لا على دين أولئك، والله أَعلم.

قوله: ﴿ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ ﴾ .

بإظهار الموافقة لهم في العلانية، وإظهار الخلاف لهم في السر.

وقوله: ﴿ ٱللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ﴾ .

قيل فيه بوجوه: قيل: يجزيهم جزاء الاستهزاءِ.

وكذلك قوله: ﴿ يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ  ﴾ أَي: يجزيهم جزاء المخادعة، وكذلك قوله: ﴿ وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُ  ﴾ أي: يجزيهم جزاء المكر، يحمل على الجزاء؛ لما لا يجوز إضافة المكر والخداع والاستهزاءِ مبتدأ إلى الله؛ لأَنه مذموم من الخلق إلا على المجازاة، فكيف من الله عز وجل؟!

وقال بعضهم: يجوز إضافة الاستهزاء إلى الله، وإن كان لا يجوز من الخلق أَن يستهزئ بعضهم من بعض، كالتكبر، يجوز لله ولا يجوز للخلق؛ لأَن الخلق أَشكال بعضهم لبعض وأَمثال، والله - عز وجل - لا شكل له ولا مثل.

وكذلك الاستهزاء يجوز له، ولا يجوز لغيره؛ لأَن الاستهزاء هو الاستحفاف، فلا يجوز أَن يستخف ممن هو مثله في الخلقة، وما خلق له من الأَحداث والغِيَر، والله  يتعالى عن ذلك.

والأَول أَقرب، والله أعلم.

أَو أَضاف استهزاء المؤمنين بهم إلى نفسه كما ذكرنا في المخادعة.

ثم اختلف في كيفية الاستهزاءِ: فقال الكلبي: هو أن يُفتح لهم باب من الجنة فيدنون منه، ثم يغلق دونهم.

فإن ثبت ذا فهو كما قال.

وقيل: إنه يرفع لأَهل الجنة نور يمضون به، فيقصد أولئك المضي معهم بذلك النور، ثم يطفأ ذلك النور؛ فيتحيرون وهو قولهم: ﴿ ٱنظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ٱرْجِعُواْ وَرَآءَكُمْ فَٱلْتَمِسُواْ نُوراً  ﴾ .

وقيل: أن يعطي لهم في الدنيا ما ينتفعون به من أنواع النعم ظاهراً على ما أَظهروا لهم الموافقة في العلانية، ويحرم لهم ذلك في الآخرة بإضمارهم الخلاف لهم في السر.

قوله: ﴿ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ .

الآية في قوم علم الله أنهم لا يؤمنون؛ كقوله: ﴿ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ  ﴾ غير أن هذه في المنافقين و الأُولى في الكفرة.

وهي تنقض على المعتزلة قولهم؛ لأَنهم يقولون: إن الله لا يقدر أَن يستنقذهم في حال الاختيار، وإنما يقدر الاستنقاذ منهم في حال الاضطرار، فأَخبر عز وجل: أَنه يستنقذهم على فعل الطغيان.

وقوله: ﴿ وَيَمُدُّهُمْ ﴾ أي: يخلق فعل الطغيان فيهم.

ويحتمل: أن يخذلهم ويتركهم لما اختاروا من الطغيان إلى آخر عمرهم.

ويحتمل: أنه لم يهدهم ولم يوفقهم.

وفي هذا إضافة المد إلى الله.

وإضافة المد على الطغيان لا يضاف إليه إلا المدح، والمدح يكون بالأَوجه الثلاثة التي بينا، وفي هذا أَنه إذا كان هو الذي يُمدهم في الطغيان قدر على ضده من فعل الإيمان؛ فدل أَن الله خالق فعل العباد؛ إذ من قولهم: إن القدرة التامة هي التي إذا قدر على شيء قدر على ضده.

والعَمَهُ: الحيرة في اللغة.

قوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ ﴾ .

أى: اختاروا الضلالة على المدعو إليه - وهو الهدى - من غير أَن كان عندهم الهدى، فتركوه بالضلالة.

وهو كقوله: ﴿ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَوْلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَاتِ  ﴾ من غير أن كانوا فيه، فكذلك الأَوَل، تركوا الهدى بالضلالة ابتداء.

وقيل: الضلالة: الهلاك؛ أي: اختاروا ما به يهلكون على ما به نجاتهم، وإن كانوا لا يقصدون شراء الهلاك بما به النجاة؛ كقولهم: ﴿ فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى ٱلنَّارِ  ﴾ لا يقدر أحد أن يصبر على النار، ولكن فما أصبرهم على عمل يستوجبون به النار.

وكذلك قوله: ﴿ بِئْسَمَا ٱشْتَرَوْاْ بِهِ أَنْفُسَهُمْ  ﴾ أي: بئسما اختاروا ما به هلاك أَنفسهم على ما به نجاتهم.

وفي هذه الآية دلالة جواز البيع بغير لفظة البيع؛ لأَنهم ما كانوا يتلفظون باسم البيع، ولكن كانوا يتركون الهدى بالضلالة.

وكل من ترك الآخر شيئاً له ببذل يأخذه منه فهو بيع وإن لم يتكلموا بكلام البيع.

وكذلك قوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ...

﴾ الآية [التوبة: 111].

وهو على بذل الأَموال والأَنفس له بالموعود الذي وعد لهم، وهو الجنة.

وقوله: ﴿ فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ ﴾ .

أي: ما ربحوا في تجارتهم؛ لأَن التجارة لا تربح ولكن بالتجارة يربح، وقد يسمى الشيء باسم سببه.

وهو كقوله: ﴿ جَعَلْنَا ٱلْلَّيْلَ لِيَسْكُنُواْ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِراً  ﴾ ، والنهار لا يبصر، ولكن بالنهار يبصر.

وذلك سائغ في اللغة، جائز تسمية الشيء باسم سببه.

ثم في قوله: ﴿ فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ ﴾ نفي الربح دون نفي الأَصل في الظاهر، غير أَن النفي على وجهين: نفي شيء يوجب إثبات ضده، وهو نفي الصفة؛ كقولك: فلان عالم: نفيت الجهل عنه، وفلان جاهل: نفيت العلم عنه.

ونفي شيء لا يوجب إثبات ضده، وهو نفي الأَعراض؛ لأَنك إذا نفيت لوناً لم يوجب ضد ذلك اللون.

وقوله: ﴿ فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ ﴾ نفي الأَصل؛ كأَنه قال: بل خسرت تجارتهم، أَوجبت إثبات ضده.

دليله قوله: ﴿ بِئْسَمَا ٱشْتَرَوْاْ بِهِ أَنْفُسَهُمْ  ﴾ ، و ﴿ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وإذا أمروا بالإيمان كما آمن أصحاب محمد  ؛ أجابوا على سبيل الاستنكار والاستهزاء بقولهم: أنؤمن كإيمان خِفافِ العقول؟!

والحق أنهم هم السفهاء، ولكنهم يجهلون ذلك.

<div class="verse-tafsir" id="91.g287X"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

تنطق هذه الآيات بأن ما عليه هذا الصنف من الغرور بما عنده من التقاليد قد سول له الباطل وزين له سوء عمله فرآه حسنًا، وشوه في نظره كل حق لم يأته على لسان رؤسائه ومقلَّديه بنصه التفصيلي فهو يراه قبيحًا، وقد صورت الآيات هذا الغرور بما حكته عن بعض أفراده وهو: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ  ﴾ بما تصدون عن سبيل الله من آمن وتبغونها عوجاء، وتنفرون الناس من محمد  والأخذ بما جاء به من الإصلاح، الذي يجتث أصول الفساد، ويصطلم جراثيم الأدواء، ويحيي ما أماتته البدع من إرشاد الدين، ويقيم ما قوضته التقاليد من سنن المرسلين، ﴿ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ  ﴾ بالتمسك بما استنبطه الرؤساء، وما كان عليه الأحبار والعرفاء من تعاليم الأنبياء، فإنهم أعرف بسنتهم، وأدرى بطريقتهم، فكيف ندع ما تلقيناه منهم، ونذر ما يؤثره آباؤنا وشيوخنا عنهم، ونأخذ بشيء جديد، وطارف ليس له تليد؟

هكذا شأن كل مفسد: يدعي أنه مصلح في نفس إفساده، فإن كان على بينة من إفساده عارفًا أنه مضل - وإنما يكون كذلك إذا كان إفساده لغيره لعداوة ومنه له- فإنما يدعي ذلك لتبرئة نفسه من وصمة الإفساد بالتمويه والمواربة.

وإن كان مسوقًا إلى الإفساد بسوء التقليد الأعمى الذي لا ميزان فيه لمعرفة الإصلاح من الإفساد إلا الثقة بالرؤساء المقلَّدين، فهو يدعيه عن اعتقاد ولا يريد أن يفهم غير ما تلقاه عنهم.

وإن كان أثر تقليدهم، والسير على طريقتهم، مفسدًا للأمة في الواقع ونفس الأمر، لأن الوجود والحقيقة الواقعة لا قيمة لهما ولا اعتبار في نظر المقلِّدين، بل هم لا يعرفون مناشئ الفساد ومصادر الخلل، ولا مزالق الزلل، لأنهم عطلوا نظرهم الذي يميز ذلك، وأرادوا أن يوقعوا غيرهم بهذه المهالك، بصدهم عن سبيل الإسلام، الداعي إلى الوحدة والالتئام، فكان ذلك منهم دعاء إلى الفرقة والانفصام، والثبات على عبادة الملائكة أو البشر أو الأصنام، وأي إفساد في الأرض أعظم من التنفير عن اتباع الحق، وعن الاعتصام بدين فيه سعادة الدارين، والأرض إنما تفسد وتصلح بأهلها؟

ولذلك قال تعالى ﴿ أَلا إِنَّهُمْ هُمْ الْمُفْسِدُونَ  ﴾ فابتدأ الكلام المؤكد لإثبات إفسادهم بكلمة"ألا"التي يراد بها التنبيه والإيقاظ وتوجيه النظر، وتدل على اهتمام المتكلم بما يحكيه بعدها ﴿ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ  ﴾ بأن هذا إفساد غرز في طبائعهم، بما تمكن فيها من الشبهة بتقليد رؤسائهم الذين أشربوا عظمتهم، وهذا دليل على أنهم لم يكونوا معاندين ولا مرائين، وأنهم على اعتقاد ضعيف يشهد له العمل كما تقدم في تفسير آية ﴿ يُخَادِعُونَ اللَّهَ  ﴾ .

وإذا كانت الآيات في وصف طائفة من الناس توجد في كا امة كما قدمنا فيحاسب بها نفسه كل مسلم يعتقد أن القرآن إمامه، وأن فيه هدى له، فإنها حجة على كثير ممن يدَّعون الإسلام بالقول ويعملون بخلاف ما جاء به، ويتبعون غير سبيله.

ثم صورت الآيات ذلك الجهل والغرور في الفريقين بصورة أخرى أشد تشويهًا مما قبلها، لأن تلك صورتهم في عملهم، وهذه صورتهم في جوهر إيمانهم.

وهي ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ  ﴾ الذين تعتقدون كمالهم، وترون تعظيمهم وإجلالهم، كإبراهيم وموسى وعيسى وأتباعهم، الذين كان الإيمان راسخًا في جنانهم، ومؤثرًا في وجدانهم، ومصرفًا لأبدانهم، أو كعبد الله بن سلام وأمثاله من علمائكم، ﴿ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ  ﴾ ويعنون بالسفهاء أتباع النبي  الواقفين عند ما كان عليه، المعرضين عن غير ما أنزل إليه، لما تضمنه الأمر من الشهادة لهم بأنهم في إيمانهم كأتباع أولئك الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وهم سلف اليهود الذين كان الكلام معهم، وكانوا يفتخرون بما يتناقلونه من سيرتهم.

فرد الله تعالى عليهم بقوله: ﴿ أَلا إِنَّهُمْ هُمْ السُّفَهَاءُ  ﴾ أي وحدهم دون من عَرَّضوا بهم، لأن لهم سلفًا صالحًا تركوا الاقتداء بهم، زعمًا أن المتأخر لا يمكن أن يكون على هدى المتقدم، لأنه يصعب أو يتعذر عليه اللحاق به، واحتذاء عمله، لعلوه في الدرجة، وبهده في المنزلة، وأن حظهم من سلفهم انتظار شفاعتهم، وإن لم يسيروا على سنتهم، فأي الفريقين أجدر بلقب السفيه؟

أهم أولئك اليهود الذين لهم أسوة صالحة ولكنهم لا يهتدون بها وهذه حالهم من سوء العقيدة وقبح العمل؟

أم من لا سلف له إلا عبدة الأوثان، وقلبه مع ذلك مطمئن بالإيمان، وأعماله تشهد له بالإحسان، كالصحابة الذين هداهم الله بنور الإسلام، فكانوا كأتباع أولئك الأنبياء الكرام، بل ربما سبقوهم بالفضائل، وزادوا عليهم في الفواضل؟

لا شك أن أولئك المفسدين بعد ما تقدم لهم من سلف صالح، ودين قيم، هم السفهاء، دون هؤلاء العقلاء.

﴿ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ  ﴾ أن السفه محصور فيهم، ومقصور عليهم، وإنما عندهم شعور ما بأنهم ركبوا هواهم، ولم يتبعوا هدى سلفهم ولا هداهم، ينتحلون له العلل الضعيفة، ويتمحلون له الأعذار السخيفة، فهو لم يصل إلى حد العلم الذي تتكيف به النفس.

ويكفي في إثبات سفههم، أنهم يعرفون حسن حال سلفهم، ويعترفون به ولكن لا يقتدون بهم، ولا يقتفون أثرهم وإنما يعتمدون في نجاتهم وسعادتهم على تلك الأماني والتعلات، كقولهم (لن تمسنا النار إلا أيامًا معدودات) وقولهم (نحن أبناء الله وأحباؤه) وشعبه وأصفياؤه، وإنما هو نفي العلم الكامل الذي يزيل الشبه ويذهب بالعلل، ويبعث على الاقتداء بالعمل.

وهذا أيضًا حجة على كثير من اللابسين لباس الإسلام، وهم من هذا الصنف، يعتقدون كمال سلفهم، ولا يقتدون بهم، وإنما يطمعون في سعادة الدنيا والآخرة بانتسابهم إلى أولئك السلف العظام، ولكونهم من أمة النبي  ، وهي خير الأمم، بشهادة الله في القدم، ولكنهم لا يعلمون انها فضلت سواها بكونها أمة وسطًا تقوم على جادة الاعتدال، في العقائد والأخلاق والأعمال، وتسعى في إصلاح البشر، بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

كما سيأتي في تفسير ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا  ﴾ وتفسير ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ  ﴾ وليس عند هؤلاء السفهاء شيء من هذه الصفات، إلا الأماني والتعلات.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الأحد 5 محرّم
هلال متزايد اليوم 6.2 / 29.5
الإضاءة 37%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله وبحمده