الإسلام > القرآن > تفسير > زاد المسير > سورة 31 لقمان > الآيات ١-١٣
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 5 دقيقة قراءةسُورَةُ لُقْمانَ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الأكْثَرِينَ.
ورُوِيَ عَنْ عَطاءٍ أنَّهُ قالَ: هي مَكِّيَّةٌ سِوى آيَتَيْنِ مِنها نَزَلَتا بِالمَدِينَةِ، وهُما قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ ﴾ والَّتِي بَعْدَها [لُقْمانَ: ٢٧، ٢٨]؛ ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: إلّا آيَةً نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ ﴾ ، لِأنَّ الصَّلاةَ والزَّكاةَ مَدَنِيَّتانِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُدًى ورَحْمَةً ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ: " ورَحْمَةٌ " بِالرَّفْعِ.
قالَ الزَّجّاجُ: القِراءَةُ بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ؛ والمَعْنى: تِلْكَ آياتُ الكِتابِ في حال الهِدايَةِ والرَّحْمَةِ؛ ويَجُوزُ الرَّفْعُ عَلى إضْمارِ " هو هُدًى ورَحْمَةٌ " وعَلى مَعْنى: " تِلْكَ هُدًى ورَحْمَةٌ " .
وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُ مُفْتَتَحِ هَذِهِ السُّورَةِ [البَقَرَةِ: ١-٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَمِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في رَجُلٍ اشْتَرى جارِيَةً مُغَنِّيَةٍ.
وقالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في شِراءِ القِيانِ والمُغَنِّياتِ.
وقالَ ابْنُ السّائِبِ ومُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ، وذَلِكَ أنَّهُ كانَ تاجِرًا إلى فارِسَ، فَكانَ يَشْتَرِي أخْبارَ الأعاجِمِ فَيُحَدِّثُ بِها قُرَيْشًا ويَقُولُ لَهُمْ: إنَّ مُحَمَّدًا يُحَدِّثُكم بِحَدِيثِ عادٍ وثَمُودَ، وأنا أُحَدِّثُكم بِحَدِيثِ رُسْتُمَ وإسْفِنْدِيارَ وأخْبارِ الأكاسِرَةِ، فَيَسْتَمْلِحُونَ حَدِيثَهُ ويَتْرُكُونَ اسْتِماعَ القُرْآنِ، فَنَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الآيَةُ.
وَفِي المُرادِ بِلَهْوِ الحَدِيثِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: [أنَّهُ] الغِناءُ.
كانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَقُولُ: هو الغِناءُ والَّذِي لا إلَهَ إلّا هُوَ، يُرَدِّدُها ثَلاثَ مَرّاتٍ؛ وبِهَذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ.
ورَوى ابْنُ أبِي نُجَيْحٍ عَنْ مُجاهِدٍ، قالَ: اللَّهْوُ: الطَّبْلُ.
والثّانِي: أنَّهُ ما ألْهى عَنِ اللَّهِ، قالَهُ الحَسَنُ، وعَنْهُ مِثْلُ القَوْلِ الأوَّلِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ الشِّرْكُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والرّابِعُ: الباطِلُ، قالَهُ عَطاءٌ.
وَفِي مَعْنى ﴿ يَشْتَرِي ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: يَشْتَرِي بِمالِهِ؛ وحَدِيثُ النَّضْرِ يُعَضِّدُهُ.
والثّانِي: يَخْتارُ ويَسْتَحِبُّ، قالَهُ قَتادَةُ، ومَطَرٌ.
وَإنَّما قِيلَ لِهَذِهِ الأشْياءِ: لَهْوُ الحَدِيثِ، لِأنَّها تُلْهِي عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيُضِلَّ ﴾ المَعْنى: لِيَصِيرَ أمْرُهُ إلى الضَّلالِ.
وقَدْ بَيَّنّا هَذا الحَرْفَ في (الحَجِّ: ٩) .
وَقَرَأ أبُو رَزِينٍ، والحَسَنُ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، والأعْمَشُ، وأبُو جَعْفَرٍ: " لِيُضِلَّ " بِضَمِّ الياءِ، والمَعْنى: لِيُضِلَّ غَيْرَهُ، وإذا أضَلَّ غَيْرَهُ فَقَدْ ضَلَّ هو أيْضًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَتَّخِذَها ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " ويَتَّخِذُها " بِرَفْعِ الذّالِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: بِنَصْبِ الذّالِ قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن نَصَبَ عَطَفَ عَلى " لِيُضِلَّ " " ويَتَّخِذَ " ومَن رَفَعَ عَطَفَهُ عَلى " مَن يَشْتَرِي " " ويَتَّخِذُ " .
وَفِي المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَيَتَّخِذَها ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها الآياتُ، والثّانِي: السَّبِيلُ.
وَما بَعْدَ هَذا مُفَسَّرٌ في مَواضِعَ قَدْ تَقَدَّمَتْ [الإسْراءِ: ٤٦، الأنْعامِ: ٢٥، البَقَرَةِ: ٢٥، الرَّعْدِ: ٢، النَّحْلِ: ١٥، الشُّعَراءِ: ٧]، إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الحِكْمَةَ ﴾ وفِيها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: الفَهْمُ والعَقْلُ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.
والثّانِي: النُّبُوَّةُ.
وقَدِ اخْتُلِفَ في نُبُوَّتِهِ عَلى قَوْلَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ حَكِيمًا ولَمْ يَكُنْ نَبِيًّا، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ والثّانِي: أنَّهُ كانَ نَبِيًّا، قالَهُ الشَّعْبِيُّ، وعِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ.
هَكَذا حَكاهُ عَنْهُمُ الواحِدِيُّ، ولا يُعْرَفُ، إلّا أنَّ هَذا مِمّا تَفَرَّدَ بِهِ عِكْرِمَةُ؛ والقَوْلُ الأوَّلُ أصَحُّ.
وَفِي صِناعَتِهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ كانَ خَيّاطًا، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ.
والثّانِي: راعِيًا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والثّالِثُ: نَجّارًا، قالَهُ خالِدٌ الرَّبْعِيُّ.
فَأمّا صِفَتُهُ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: كانَ لُقْمانُ أسْوَدَ مَن سُودانِ مِصْرَ.
وقالَ مُجاهِدٌ: كانَ غَلِيظَ الشَّفَتَيْنِ مُشَقَّقَ القَدَمَيْنِ، وكانَ قاضِيًا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنِ اشْكُرْ لِلَّهِ ﴾ المَعْنى: وقُلْنا لَهُ: أنِ اشْكُرْ لِلَّهِ [عَلى] ما أعْطاكَ مِنَ الحِكْمَةِ ﴿ وَمَن يَشْكُرْ فَإنَّما يَشْكُرْ لِنَفْسِهِ ﴾ أيْ: إنَّما يَفْعَلُ لِنَفْسِهِ ﴿ وَمَن كَفَرَ ﴾ النِّعْمَةَ، فَإنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ عِبادَةِ خَلْقِهِ.
<div class="verse-tafsir"